Page 1
بعض من تُنْسَب إليهم أخبارُ هذه الرواية
* تُوران موسى شَيْر: مُعْتَمَدُ عُشاريَّةٍ في سَريَّة طُغرل·
* طُغرُل داوود مراد: آمر المعسكر شرق بحيرة طبرية·
* زُهْراب، لُوتْفا، فَهْرُو: أولاد توران·
* كرياكوس متَّى: تاجرٌ جوَّالة·
* سَاحاك بن عامِيْت: شريك كرياكوس·
* مدحت سَرْبَك شريف· عادل زِيْبَك أوْرْتَا· محمود خان زَرَزُوْك· جميل رجب الله· أسْمَقان أرْكُوز علي· عزيز حاجي عبد الكريم· أمين كارو مسعود· جلال مِيْدو كَمِيْلا· عثمان بازْرَاني· عبد الجليل نَجداني· عمروس شاهدون خِسرو: رجالُ عُشارية توران·
* سُوْر مِيزون: أمين خزْنة السلاح، والمؤن، في قلعة عجلون·
* عز الدين عثمان: أمير عجلون·
* أدهم سَيِّد أسَاويق، أبو الرَّوشن: تحرِّيان يتقصَّى بهما أميرُ عجلون شؤون المؤن·
* نديم بُراق: قائد كوكبة من سبعين فارساً·
* عُقاب حميد الدين الخانجي: رَجُل المطرقة·
* حوَّاس عبد الرحيم: دفتردار معسكر طغرل؛ أمين المؤن ومخصَّصات الجُند·
* ماسِيْني بَهْزاد: فتاة صغيرة من جَعْبَر ـ ضيعة توران·
* بهزاد عبَّاس: أبو الفتاة ماسيني·
* مِيْلينا: إمرأة من الفرنجة جاء بها توران إلى معسكر طغرل·
* مراد سالم باديدي: صديق توران، وربيبُ ضيعته جَعبر·
* كُوْتين كُوْرْ جهاد: وكيل البريد بين طبرية، وأطراف صحراء التيه، وبحر قُلْزم·
* نور صالح نور: آمر حاميةٍ صغيرةٍ من الجُند·
Page 2
* تُوْهيْن· هِيْنْدَرْ: أخت توران، وزوجها·
* التاجر الوسيط، الملثم· صاحب إيزابيلا·
* قاسم محسوب· فيصل خميس أبو دحروج· عزمي شيخ بِيْرال· دِلْدَار نظام الباياني· شهيد عمر غانم· نعيم فخري داوودي· عبد الجبار سَرْكُوْسِي: خَفَرُ مؤنِ الليل السِّرِّيَّة·
* إسمعيل إِرْبيلي: كبير الطهاة في معسكر طغرل، ومؤذن الجُند·
* رضا بحر المرجان: وكيل الدواب في معسكر طغرل·
* زاهر أبو عبيد المراكشي: أمين مستودعات مؤن الجيش في قصبة اليرموك·
* سلمان كامل الرَّاحوني: آمر سَرِيَّة قرب بحر لوط·
* الناصر صلاح الدين·
* الملك العادل أحمد بن أيوب، أخو صلاح الدين·
* رَحَبون إِيليَّا: طبيب الأمير عز الدين عثمان·
* رينالد دي شاتيون: أمير كرك·
* ريموند الثالث: كونت طرابلس، وحاكم طبرية·
* جيرار دي ريدفورت: مقدَّم فرسان الهيكل·
* غي دي لوسينيان: ملك بيت المَقْدس·
* الحاج نون: مستنطق سجن قلعة عجلون·
* كامل مَيْمون: الدفتردار الجديد·
* صوفيا: زوجة كرياكوس·
* جِيرمِيا· لوقا· سَمعان: تجار من أصدقاء كرياكوس·
* جِرجس دميانوس: صانع ساعات رملية·
* ميمو، ماريو، تاجران يستوردان فِلز النحاس من جزيرة كِيبرُس·
Page 3
الرُّسُل الجراد
نشر الجرادُ أجنحةً شفيفةً، مائيةَ اللون، من تحت الأجنحة العليا الغِمدية القاسية· نشر أجنحةً مراتب لا تُحصى في مراقي ألوانها، طائراً طيرانَه الثقيلَ، القويَّ، مرتطماً بكل شيء· لقد أكمل مسيرتَه الطويلة، في الأرجح، مُذْ صار على منخفَض من الأرض، منقسِمَ السِّرب، يحطُّ بعضُه فوق بعض، ويتناثر بعضُه من حول بعض بقفزاتٍ قصيرة تنتهي بالكثير منه متدحرجاً، قبل ثباته مستقرَّاً على سيقانه المنشارية·
إنهم رُسل أهل الصليب، الفرنجة، من بحر عكا، قال عبد الجليل نَجْدَاني· جاءوا بالجراد في السفن تلثَّم بطرف عمامته البيضاء، المغبرَّة فلا يُعرَف أصلُ لونها·
الأفريقان يبيعون الجراد للنصرانيين· هذا جراد أفريقاني، قال أسْمَقان أَرْكُوْز علي، بلهجته المتساهلة في قضم الحروف العربية، في أواخر الكلمات·
هوى السيف على عنق الرجل البدين، المرتعش في ركوعه، بعدما وَجَأَه رجلٌ إلى جوار السيَّاف بنصل خنجره في قَذَاله، فانمطَّ العنقُ ممكِّناً الضربةَ من سَدَادها· تدحرج الرأسُ على الأعشاب اليابسة، المتقصِّفة من وطءِ الأقدام، بين الجراد·
أربعةٌ آخرون انخذلت ركابُهم هلعاً، وهم بأيدٍ في الوُثُق خلف ظهورهم، حليقو رؤوس تحت شمس الصيف، متراجعو الأعين إلى محاجرها من توسُّلٍ استنفدَ فيها الصِّورَ· عيونٌ خلاءٌ· وجوهٌ مسلوخة اللون بشفرة الرجاءِ المسلوخ· انهار أحدهم جاثياً· تقدَّم حامل الخنجر منه فوجَأَه به في قذاله· ضربه السيَّافُ بشهيقٍ حجريٍّ من حنجرته، كأنما يذبحه بالصوت قبل الشفرةِ الحديد· تدحرج رأسٌ ثانٍ مستقراً على العشب الجافِّ، بين الجراد·
من أين اسمُك الغريبُ هذا، ياأسْمَقَان؟، سأله عَمْرُوْس شَاهُدُون خِسْرو، صاحبُه الواقف إلى جواره، بكلمات رقيقة النطق لفظاً بعربيَّةٍ وافدةٍ من فارس·
همهم أسمقان المستدير الوجه، ذو الأنف الكبير:
ـ لو نظرتَ وراءك، أبعدَ من البعيد، الذي يلي أرضَ كسرى، متسلِّقاً ببصرك سفوح نهايات الجبال غربَ نهر جيحون··
قاطعه جَلاَل مِيْدُو كَمِيْلا، الشركسي الأصل: إسمك لايشبه شيئاً غير هذا الرأس أشار ببصره إلى الرأس المطروح مفتوحَ الفم والأجفان· نفض عن صدر قميصه جرادةً صفراء الظهر·
تنفَّس الرجل الثالث، المقيَّد اليدين، بصوت متراجع إلى أحشائه حين دفعه حاملُ الخنجر صوب السياف، ذي العين اليمنى نصف المغمضة تحت الخمار الأسود· ركلَه على باطن ركبته اليمنى فاختل توازن الرجل المقيد، فجثا· تدحرج رأسُه، أيضاً، فتطايرت حفنتان من الجراد متفاديتين نزاعاً على تقدير الموت·
يطير الجرادُ أحدَ عشر يوماً، متَّصل النهار بالليل، حين يهاجر· هذا هو يومه الحادي عشر· يكون جائعاً، نهماً، حين يحطُّ· سيأكلُ هذه الرؤوس، قال عزيز حاجي عبد الكريم، الكردي الملتحق بالحملة الثالثة من مجنَّدِيْ أهل واسطَ إلى حصار كَرَك·
إلى أين تبلغ معرفتُك بالجراد، ياعزيز؟ هل تذوَّقته مقليًّا؟، ساءله تُوْرَان موسى شَيْرْ، المتَّخذ عمامتَه خماراً في ظهيرة فظَّة على بُعْدٍ غير كبير من الضفةِ الشرقِ من بحيرة طبرية· تهاوى رأس الرجل الرابع، المقيَّد، على العشب الجافِّ، فتفاداه الجرادُ قافزاً·
Page 4
لمس عزيز مقبض خنجرهِ القوقازي، الكِنْدجَل، المستقيم، المشفوع الغمد بالخمس الآليات الأخيرة من سورة هود:
ـ أكلتُ جراداً مشوياً، من قبل، وسآكله اليوم أيضاً، يا توران· هل خذلتُك؟·
هزَّ توران رأسه نفياً· حلَّ عادل زِيْبَك أُوْرْتَا عمامتَه الزرقاء عن رأسه· نفض بها عن حواشي قميصه الأزرق، الطويل حتى ركبتي بنطاله الواسع الأسود، الضيق عند كاحليه، جراداً كبيراً ملتصقاً بها لايتحرك· شهق ممتعضاً من ضربة السياف على عنق آخر المقيَّدين· لم تقطع الضربةُ عنقَ الرجل الغارق في قفطان أسود، طويل، حتى عقبي قدميه الحافيتين· ظلَّ الرأس معلَّقاً بالجسد المتخبط كأنما يحاول، بمديحٍ من الدم، إعادةَ العنق إلى لُحْمته· زفر السيافُ، ذو الأنف الأفطس في وجهه الرماديِّ الشاحب، فأومأ طُغرُل داوود مراد برأسه مستوقفاً: هذا قَدَرُهُ· يكفي
هز السياف رأسه لأمير سرية الجند مؤتمراً· جرُّوهم إلى الصَّدْع، هناك، قال، مشيراً بيدهِ إلى صَدْع خطَّه الجفافُ واسعاً في الأرض، وعمَّقته المعاول مراقدَ تكفي أجساد المقتولين مطوَّيةً، فانبرى سته عن الموكلين بأعلاف الجياد إلى جرِّها إلى مثواها·
خفض طغرل، أمير سريَّة الجند على الضفة الشرق من بحيرية طبرية، رأسَه رضىً· رفع يديه يقرأ الفاتحةَ: لم أغفر لهم· قد يغفر لهم الله
تفرَّق جَمْعُ الجند، الذي ملأ عراءَ العشب اليابس يشهد إعدام الرجال الخمسة، في تلك الظهيرة المُنتحِبة رطوبةً خاملةً أسقطتها البحيرة على الأجساد عَرَقاً من جسد مائها· توجَّه كل رهطٍ إلى خيمته، طلباً للظُّلَّة· خلع تُوْرَان موسى شيْر نعليه المفتوحتين من أمام عن أصابع قدميه، ومن خلف عن عقبيهما· كنَّس بعمامته حفنهً من الجراد حيث استلقى على الحصير، المغطى بلبْدٍ خشن، بُنِّي· مسح وجهه بالعمامة· لم أفهم، قال· التفت بعينيه إلى عثمان بازْرَاني: من أعطى هؤلاء التجار مؤنَ الجيش ليبيعوها للفرنجةِ ـ أهل ِ الصليب؟
تعني: مَنْ سَرقها من مؤن جيشنا؟، ردَّ عثمان، ذو الأربعين عاماً، الأكبر سنًّا في رهط الخيمة الأحدَ عشر·
أعني لو أنَّ رؤوساً أخرى اجتمع عليها الجراد، عدا رؤوس التجار هؤلاء، قال توران، ذو الوجه المستطيل، واللحيَّة البُنيَّة الفاتحة، ابن الأربعة والثلاثين عاماً·
لماذا تبدو غاضباً، يا توران؟، ساءله جَلال مِيْدو كَمِيلا، ذو العينين الشهلاوين، الشركسي الأصل من شمال السَّلْط·
ماذا أوحى لك أنني غاضب، ياجلال؟ سؤالٌ من لساني لم تُخْفه شفتاي· لا غضب في ذلك، ردَّ توران، ذو العينين الصغيرتين، المائلتين إلى صُفرةٍ في عسلِ حدقتيهما، بعربية متكسرة· أدار وجهه صوب عزيز، الكبير الفم: الجراد مشوياً، بلا ملح، يثير الشهوة· اجمَعْ لنا جراداً كبيراً، ياعزيز، قال· استوى قاعداً·
أنت غاضب تمتم جلال·
مابك؟ لستُ غاضباً· انظرْ إلى عينيَّ، قال توران·
سمعتُ أن هؤلاء التجار، الذين أُعدِموا، اشتروا مؤناً مسروقة من حاميتين في نواحي اليرموك· أُعدم مُعْتمدا الحاميتين· أعدمهما جنابُ أمير معسكرات عجلون وثكنتها الكبيرة عز الدين عثمان، قال جلال· نقل بَصره بين وجوه الآخرين في الخيمة الواسعة· ألم يسمع غيري بهذا؟
بل سمعتُ، أنا أيضاً، قال عادل زِيْبَك أوْرتا، العجولُ اللسان· استرسل: جنابُ عز الدين أرسل إلى جناب طغرل داوود أن يلحق بالتجار قبل عبورهم إلى منابع اليرموك، في حوران، فأوقع بهم
أنا لم أسمع بذلك، قال توران·
أنت غاضب، تمتم جلال·
Page 5
لم يلتفت توران إليه· نظر إلى باب الخيمة الواسعة، المستطيلة، التي حَوَت أحد عشر لُبُوداً، خمسة منها توازي خمسة من الجهتين المستطيلتين، ولبود واحد عَرْضاً، في نهايتها ذات الشق الواسع لمرور الهواء· سأشعل ناراً بحث بين حوائجه المركومة في صرة كبيرة، على حافة الحصير أثقلها بسيفه وخنجره، عن الحجر القدَّاح والفتيل· فلنأكل جراداً قبل أن يصلنا الغداء العدس توقف عن بحثه بين الحوائج عن بُغيته الحجرِ القدَّاح والفتيل· العدس يصيب العروق بالصدَّاع في الصيف· أما من لبن يُنعش، أو جبنة وعنب؟· أصابعي يابسة، قال· مسح بعمامته عَرَقاً تحت إبطيه، من الشق الصغير في صدر قميصه· نهض· سُمع نقرٌ على صفيحٍ: النعمة· النعمة كلمتان علا بهما صوتٌ خارج الخيمة، فأدرك الرهط الإثنا عشر وصول بريد الطعام في السطل المعدن، محمولاً مدلَّى من قضيب خشبٍ سميك يخترق حلقتيه، على كتفَيْ ساعيين بوجبة الظهيرة بعد صباح بلا إفطار، معهما ثالث بمغرفة يسكب في طاسات الجند من السطل، ويحمل على منكبيه كيساً من خبز القمح خولِطَ طحينُه بطحين الشعير والنخالة، جافاً من إنضاجه طويلاً في التنانير، حجريًّا·
حمل الإثنا عشر رهطاً طاساتهم العميقة، الواسعة خارجين من ظُلَّة الخيمة الوبر، المختنقة برطوبة البحيرة· ضيَّقوا مابين أجفانهم من وهج الشمس، واحداً، واحداً· ابتسم بعضُهم لبعض· إنها النعمة، حقًّا يا توران· لقد خذلك الطهاةُ اليوم، قال أمين كارو مسعود، الطويل، الكبير الأسنان: حساءُ سمكٍ ويقطين يابس
القى توران عمامته المحلولة على كتفه، وهو يمدُّ طاسته صوب حامل المغرفة والخبز: مازلت أفضِّل جراداً مشويًّا، يا أمين· سأضع في حسائي جراداً مشويًّا عاد بطاسته النحاس، العميقة، وقطعتيِّ الخبز اليابستين، السمراوين، إلى داخل الخيمة، بلا تنفيذ لخطَّته بشيِّ الجراد·
عاد الرهط الأثنى عشر، أجمعون، بطاساتهم إلى أعماق الخيمة· جلس كلٌّ على لِبْدِهِ وحصيره· تبادلوا تحذيراتٍ وهم يردُّون الجراد عن تسلُّق أقدامهم إلى الطاسات· غمغم عبد الجليل نجداني، ذو العمامة البيضاء المغبرَّة متأفِّفاً: أيُّ سَمَكٍ هذا؟ أتصيَّدوه من الرمل في بصرى الشام؟ ساءل نفسَه· أخرج حَسَكاً كبيراً من فمه، في لقمته الأولى·
احتفظْ بالحَسَك، قال مدحت سَرْبَك شَرَف، الأفغاني الأصل، بعربية متمدِّدة الحروف، رخيمةٍ، هادئة· سنتَّخذ الحَسَك أسياخاً لشيِّ الجراد ضحك، فلم يُجاره عبد الجليل ضحكه، بل ساءله:
ـ لم يصل أجدادي أبعدَ من برِّ الشام، فكيف وصل آباؤك إلى ضفة اليرموك، يامدحت؟·
أجدادي امتلكوا أخفافاً بأجنحة، ردَّ مدحت، ابن الثامنة والعشرين، الأصغر بين الرهط الاثني عشر· سلَّ خنجره من الغمد· حزَّ رأسَ جرادة كبيرة ضغطاً على عنقها بنصله: لاتخشوا جوعاً· لدينا مؤنة من الجراد تكفي جيوش النبي سليمان أعاد الخنجر إلى الغمد، في الحزام المحلول، الموضوع فوق حوائجه·
لماذا تحمل خنجرين في حزامك، يامدحت؟، ساءله عبد الجليل نَجداني· وضع طاسة غدائه أرضاً ونهض· أدَّى أربع ركعاتٍ صلاةً كأسرع ما يؤدي مسلمٌ صلاتَه· نظر، بعد التسليم، إلى مدحت:
ـ لماذا تحمل خنجرين؟·
أشار مدحت بإصبعه إلى حيث جلس عبد الجليل:
ـ ألم تحسَّ رَكْلاً تحت كَفلك؟ جلستَ على جرادتين·
رشف جلال ميدو، ابن السادسة والثلاثين، مرقاً حساءً من طاسته بصوت مديدِ الارتشاف· تجشَّأَ· ماالآية القصيرة، التي تقرأُها في صلاتك ياعبد الجليل؟
لاأقرأ آياتٍ في صلاتي· أسمعُها، ردَّ عبد الجليل· أسمع صوتَ الله، قال·
نظر بعضهم إلى بعض مبتسمين، وهم يمضغون خبزَهم البليل من مَرَق الحساء· تنحنح عمروس شاهدون، ابن التاسعة والثلاثين، الضيق العينين:
ـ أصوتُ الله مُختَصَرٌ إلى هذا الحدِّ؟؟ صلاةٌ في بضعِ ثوانٍ ليستْ صوتَ الله، يا عبد الجليل·
مابك، ياعمروس؟· ربك قادر أن يختصر القرآن، كلَّه، بهمسةٍ في أذني، قال عبد الجليل، الضيق العينين، الضخم الجسم، ابن الثالثة والثلاثين· أفرغ بقية الحساء في جوفه· تجشَّأ:
ـ ألسنا نصلي لله؟ هل سألتَه، ياعمروس، إن كانت تكفيه صلاةٌ بأربعة أشبار من الوقت، أم صلاة بأربعة فراسخ طولاً؟·
لم أعرفك فقيهاً، قال عمروس، بنبرة من لسانه الفارسيِّ نطقاً بالعربية·
Page 6
لايحوج العربيَّ كثيرٌ كي يكون فقيهاً· قلبُك أعجمي، ياعمروس· يلزم الله أن يردِّد على قلبك آيتَه الواحدةَ مراراً· لذا تطيلُ الصلاةَ، قال عبد الجليل· وضع طاسته جانباً· تمدَّد على لِبْدِه الخشن المستطيل وهو يغطي وجهه بعمامته المحلولة تهيُّوءاً للقيلولة· غمغم من تحت قماشها الأبيض، فتماوج القماشُ من أنفاسه، وحركة شفتيه:
ـ وضوؤك أسرع من صلاتي· لا تغسل إلاَّ يديك ووجهك· إبريقك فارغٌ، أبداً، إلاَّ من حفنة ماءٍ·
سألْتني، ياعبد الجليل، لماذا أحمل خنجرين، تكلَّم مدحت، مجيباً ـ بعد تأخُّرٍ ـ عن تساؤل الرجل المتقنِّع بعمامته·
بقي عبد الجليل صامتاً· انحدرَ، على سُلَّم رطب، إلى حديقة قيلولته السفلية·
أدَّى الآخرون، بجمعهم، صلاةَ الظهر، كلٌّ فوق لبوده· لكنهم تبلبلوا قبل أن ينهوها· دخل طغرل، أمير السرية، إلى خيمتهم بغتةً· همهم معتذراً عن مقاطعتهم في نجوى قلوبهم، تلك، مرفوعةً من قيظ الظهيرة الأرضية إلى مساكب أنهار الفردوس، ذوات الشلالات الزمرد، والأسماك المسْك· أنهى الجمعُ صلاته بخواتيم فوضى في الركعات، وفوضى في إنجاز التسليم على خلائق اليمين الخفيَّة، وخلائق اليسار الخفية· نهضوا: تفضَّلْ، يا جناب الأمير، ردَّدوا الكلمات، كلٌّ بدوره، يستضيف أمير السَّرية ورفيقه ليجلس على لِبْده·
حسر طغرل، ابن السادسة والخمسين، المتوسط القامة، بين أجفانه باضطرارٍ من بصره الكليل، الذي تشتت قليلاً من ظُلَّة الخيمة: تخيَّرتُكم سنداً لجيش الملك الناصر استدار إلى شخص قصير، ممتلئ، ذي عمامة خضراء كبيرة: وصَلَنا جنابُ آمر البريد بنفْسِه لا سُعاتُه، أخوكم كُوْتِيْن، قال، فتقلقلت أبصارُ الرهط الاثني عشر، بعد نهوض عبد الجليل من خندق قيلولته، بآمر البريد الذائع الصِّيت في المعاقل، بين حمص وصحراء مصر، بسُعاته يطوون الأرضَ لفائفَ تحت آباطهم كطيِّها في خيال حمام الزاجل· تكلَّم كوتين كُوْرْ جِهاد، سليلُ آباء من طشقند: ستكونون الظهيرةَ العونَ للملك الناصر في قلعة فوله· خصَّكم جنابُ صديقي طغرل بالحظوة نظر إلى طغرل جانبيًّا: أنتم لا تَخْذلون ـ قال لي
تسع سرايا توزَّعتِ الأصقاعَ، من نواحي دمشق شمالاً حتى مشارف الرمال جنوباً، إلى الشرق من صحراء التيه· لم تكن سرايا جيش عادية، هذه التي وطَّد لجمعها الملكُ العادل أحمد، أخو صلاح الدين، متفاوتة العدد من خمسمائة وخمسين راجلاً وفارساً إلى ألف ومائة: خليطٌ من مقاتِلة محترفين، ونصفِ أغرارٍ، جمعتهم، كلهم، الثقةُ توصيةً من قادة الثكنات، والمعسكرات، والحاميات، مشفوعةً بالتقدير للجسارةِ فيهم صفةً، لا غيرها· كان المُنتدبون من الملك العادل، يجوبون أنحاء الأقاليم فيعودون بهؤلاء فرادى، أو مجموعات صغيرة، إلى أمراء جيشه، في حلب، أو في مصر، فينتخبونهم للسرايا الاحتياط المتنقلة، التي أوجبها الملك العادل نظاماً خارج تصنيف السرايا، بمهماتٍ وفق الضرورة دعماً للفِرَق والفيالق، فتُستدعى بتمام مجموعها التحاقاً بجبهة هنا، أو هناك، أو ببعض أرْهَاطها مذ قُسِّمَت كلُّ سرية عُشاريَّاتٍ وحدةً، بِمُعْتَمَدٍ محنَّك في المقاتِلةِ هو الحادي صَرْفاً في الأرقام بعد العشرة، يُدعى بتحبُّبٍ، أحياناً، جنابَ الزيادة وقد رسا اللقب، في إحدى عُشاريات سَرية طغرل داوود مراد، البالغة خمسمائة وخمسين نفراً، على توران موسى شير·
إحدى وعشرون عُشارية ستلتحق بجند الملك الناصر صلاح، من سريَّتنا· أنتم منهم، قال طغرل، سليلُ الجدود من سنجار، وهو يدفع الهواء بأصابعه العشر مرتين، أمام صدره، ثم يُبقي إصبعاً واحدة مرفوعة، ويطبق الأخرى: إحدى وعشرون لقد أكمل لهم العدَّ غيرَ ناقصٍ، تاركاً أثراً من راحَتَيْ يديه على الطين الرطب في اللامرئي· خيال الملك العادل، أحمد بن أيوب، كان مرفَّهاً، بتقدير العلماء الخمسة، الذين يصحبونه بعلومٍ من مشاغل الفَلَك، والطبِّ، والفِراسة، والتفسير، وتقدير طبائع الأرض تراباً، وحجراً، بما يوافقها من طبائع الجند الرَّجَّالة والخيَّالة، ـ بإشراق الأرقام يسير بها من خواصِّ المُعْضِل في عشورها، وكسورها، إلى خواصِّ المُتَّضح بحساب الجموع الصغيرة ضرْباً، وقَسْمةً، وطرْحاً، وجمعاً· مفرد الرقم هو المُرفَّه، في خيال الملك العادل· المفرد الوازن· حظيرة المزدوج الصحيح وبابُها· الله الأول المفرد· آدم الأول المفرد· الشيطان الأول المفرد· الحياةُ مفردةً، والموت مُفرداً، والسماء مفردةً، وكذا الأرض· المفرد رهانُ الرقم الصحيح على حريته؛ الرقم الجامع؛ تاريخ الأزل مختَصَراً، بزلَّةٍ من لسان الوقت، في فم الإنسان· سأقسِّم السرايا عُشاريَّاتٍ لا حفظ لها إلاَّ في خزْنة الواحد ـ الأحد عشر· المفردُ شكلُ كل ِّ شيء، قال الملك العادل·
خرج طغرل، ووكيل البريد، من خيمة الرهط الاثني عشر، فلحق به تُوران، معتمدُ العُشارية: يا جناب طغرل· متى موعدنا للرحيل؟
سننتظر قليلاً· سننتظر أن يبدأ الجراد هجرةَ العودة، ردَّ الرجل، الذي به عَرَجٌ خفيف من ضربة سيف على رَضفة ساقه اليسرى· ينحسر الجراد فينحسر القيظ، أضاف بصوته الهامس، مضيِّقاً بين أجفانه في استعراض العراء الواسع مزدحماً بالخيام المستطيلة من شعر الماعز نَسْجاً أسود، وأبيض رماديًّا، وبُنِّيًّا· توجه صوب السُّرادق الكبير، وسط حلقات الخيام، المُتَّخذ إسطبلاً واسعاً، مليئاً بعوارضَ جذوعٍ لربط الجياد، ومذاود علف، وأحواض للسَّقي حُفرت، طولاً، في الأرض، وبُطِّنت بالجلود فلا يرشح منها الماءُ· انضمَّ إليهما من الحلقات الدئرية للخيام أنفارٌ بأسقية يحملونها، وبأباريق غسلا من بُلْبلَيْ اثنين منهما، أيديهما، وبلَّلا وجهيهما، والرقبتين يبتردانِ·
Page 7
انتظرتُ هذا طويلاً، قال جميل رجب الله، ابن السادسة والثلاثين بلكْنة مِلَّته من قاطني سيناء، تمدَّد على لِبْده، بعدما أزاح جراداً· صفَّر بفمه توقيعاً خاملاً، خفيضاً، من غناءٍ حنينٍ، فوبَّخه عبد الجليل، ذو الأنف المستقيم:
ـ أنت تعَضُّ قيلولتي ياجميل·
أوقف جميل صفيرَه الخافت· ابتسم عن أسنانه المصفرَّة بين شفتيه السمراوين، الداكنتين، في وجهه الداكنِ السُّمرة:
ـ أقيلولتك قاسية كخبزنا؟· ستؤلم أسناني إنْ عضَضْتُها·
قيلولتي رَخْصة، طرية، كبطن الجرادة، ردَّ عبد الجليل·
عَلَت غمغماتُ توبيخ لهما، واستياءٍ ، من أفواه الآخرين، متمدِّدين على لُبُودهم، يستجدون، بطاسات أجسادهم، دراهمَ القيلولة الرطبةَ· غطوا وجوههم بعماماتهم· توسَّلوا الظلامَ عَوْناً للنزوح، سريعاً، إلى حدائقه·
خمدَ المعسكرُ الدائريُّ، كالجراد ذاته لايتحرك في الظهيرة· حياةٌ قليلةٌ كانت تعلن عن نفْسها، على التخوم، من جنودٍ مثنى مثنى، متباعدين، يستطلعون الآفاقَ متماوجةً في وهج القيظ، تحت ظُلَل من سقوفٍ قصبٍ، وحزمٍ قشٍّ رفعوها على أعمدة غير عالية· الجيادُ، نفْسُها، لم تُعِرِ الذبابَ اللحوح ما تعيره، عادةً، من جدالٍ بأذنابها· تراجعت الحياة مع الظل المتراجع·
عصراً تنفَّست الظلال قليلاً فانبسطتْ حذرةً، ثم استطالت زحفاً صوبَ الشرق، لكنْ لم تتنفَّس الخيام· بات الهواء الراكد، في أعماقها، أكثر ثقلاً، فأفاق النائمون من قيلولتهم بأفواهٍ مرتخية سالَ اللعابُ من زواياها على اللِّحى· أفرغَ كلٌّ نصفَ إبريقه ماءً في جوفه المتماوج من نفخ الملح· خرجوا من الخيمة، كالجنود الآخرين جميعاً، بهيئات نسختْها الظهيرة واحداً عن آخر، إلى النسائم الساخنة، لكنها نسائمُ تنتعش بها جلودهم المتعرِّقةُ من نومٍ مختنق· لجأوا، كلجوء كل عُشارية من الجند، إلى جدار الخيمة الشرقي، الناشر ظلاً قصيراً بَعْدُ، فجلسوا صفًّا على العشب البري، اليابس المتقصِّف من سلوك الأقدام عليه· أفسح الجراد لهم، متأفِّفاً، بقفزٍ قصيرٍ، متلاحق، مواضعَ جلوسهم·
أمسك محمود خان زَرَزْوُك بجرادة من وسطها، متلافياً رَكْلَ ساقيها الخلفيتين المنشاريتين· بسط جناحيها، على جهتي جسمها، بين سبَّابتي يديه وإبهاميهما: ألا تشبه صليباً؟، قال بعربيَّة من لكْنة أكراد حلب·
أفْلت الفرنجةُ النصارى علينا صُلباناً حيَّة، قال جميل رجب الله، النحيل الوجه في لحية سوداء جعْدةٍ· وضع قدميه في الخُفَّين، اللتين حملهما من الخيمة: نسمِّي الجراد بأسماء الجنِّ في سيناء
أتقسِّمون الجرادَ فصائلَ، لكلِّ فصيل اسم جانٍّ، أمْ تسَمُّون كلَّ جرادة باسم جنيِّ؟، ساءله عمروس، ذو الشعر الأسود، المتماوج، الطويل·
ماأسماء الجنِّ، التي بلا حَصْر في علوم ملَّتك، ياجميل؟· أعندكم خزائن الله؟، تساءل عثمان، ذو الفم، الذي تتدلَّى شفته العليا على السفلى حتى تكاد تغطيها·
أنا سألت جميل رجب الله أولاً، ياعثمان، قال عمروس، ذو القميص الأسود، الطويل، الحافي القدمين· أردفَ: أجبْني أولاً، ياجميل، ثم أجِبْهُ
نسمِّي كلَّ جرادة باسم، ياعمروس· أسماؤها هي كأسمائنا، ياعثمان· لم يكن للجنِّ أسماء قبل وجود آدم· حين رُزق آدم وحواء بأولادٍ فسمَّوهم، اقتدى بهما الجنُّ فتسمَّوا بأسماء أولادهما· للجنِّ أسماؤنا، ردَّ جميل، المعتدل القامة·
مااسم هذه، مثلاً؟، ساءله جلال، الأبيض البشرة، وهو يرفع جرادة بين أصابعه أمام عَينَيْ جميل، فردَّ الدَّاكنُ السُّمرة:
ـ هي أنثى· اسمها نَيْنورة·
كيف عرفت أنها أنثى؟، ساءله أسمقان، ذو الشعر الأسود القصير·
Page 8
انظرْ إلى عينيها، ردَّ جميل·
همهم أسمقان:
ـ عينا كل جرادةٍ عينا جرادة أخرى· الشيطان، نفسُه، لن يجد فارقاً·
انظرْ إليهما بعينَيْ جرادة، ياأسمقان، ردَّ جميل·
حيَّرتنَنا، ياجميل، قال جلال ميدو باستسلام تحوَّل لامبالاةً، وهو يحلُّ رِباطاً عن صُرَّة صغيرة، في حِجْره· رفع منها قضيباً قصيراً، ثخيناً، من الخشب، وسكيناً بنصلٍ لايُجاوز أَنملتين طولاً· أَجْرى النصلَ في القضيب الخشب نَجْراً·
ماالذي تنحتُه، ياجلال؟، ساءله توران، فردَّ الشركسي الأصل:
ـ أصنع صليباً يحاصره الهلال·
ضرب عزيز حاجي عبد الكريم بخُفٍّ في يده على بضع جرادات فسحقهنَّ· مدَّ عنقَه في اتجاه جميل:
ـ أيتوالد الجرادُ كالجنِّ، أم تتوالد الجنُّ كالجراد؟·
الجراد يبيض، ردَّ جميلاً متمهِّلاً في عرض علومه· أما الجنُّ فيُفْرغُ الذَّكرُ في الأنثى هواءً من إحليله، كما نُفرغ نحن المنيَّ؟ تنحنحَ: للجنِّ خواصُّ الهواء، أضاف·
مرَّ جنود قرب الرهط الاثني عشر، متَّجهين صوب السُّرادق الكبير، وسط حلقة الخيام الكبيرة· توقَّف أحدهم يرتدي قميصاً حتى رِبْلتَيْ ساقيه، بلا بنطال: عندي زبيب· أيودُّ أحدكم شراء زبيب؟، ساءلهم، فهزوا رؤوسهم نفياً·
وَصَلَنا زحفُ الجرادُ الأشدُّ، اليوم، قال توران رافعاً يده يتقرَّى بها السطورَ العادلةَ للمعاني· وَصَلنا، اليوم، الخبرُ من جناب طغرل عن قُرْب التحاقنا بجيش الملك الناصر، مال بجذعه، من مجلسه في الصفِّ الملتحم بالظلِّ شرق الخيمة· تطلَّع إلى صِحابه شمالاً ويميناً بعينيه الصغيرتين، البنيِّتين تُخالطُ عسلَهما صفرةٌ: ماالتأويلُ الجامع بين الجراد والخبر؟
سنلتهم صلبانَ النصارى الفرنجة، قال عمروس شاهدون خِسرو·
ابتسم توران، مُعْتَمَدُ العُشارية:
ـ أوْ سيلتهمنا الفرنجةُ·
أعطني إبريقك، يا توران، قال عثمان· نفدَ مائي
مدَّ توران يَده بإبريقه النحاس، الصغير، إلى عثمان الممتلئ، الفاتح السُّمرة· تناول عثمان الأبريقَ مائلاً بجذعه جانبياً· تفرَّس في وجه توران:
ـ مابك تتأوَّل الأمر على ريبةٍ من القَدَر، يا توران؟· لم نغادر المعسكرَ، بعد، فيلتهمنا الفرنجةُ·
مسح توران عرقاً تحت إبطيه بعمامته· ابتسم:
ـ خُذْ كلماتي على محملٍ آخر، ياعثمان· مَنْ يأكلْنا يمُت مسموماً· سنلتهمهم حتى لو التهمونا·
اللهِ قولٌ مَّا في الجراد؟، تساءل أمين كارو، ذو الفم الواسع، والأسنان الكبيرة· أردفَ: أقلقتَني، منذ العصر هذا، يا توران· إنِ التهمونا سيكونون قد التهمونا
تبادل الاثنا عشر رهطاً نظراتِ المساءلة في قولٍ مَّا للهِ ادَّخرتْه ذاكرةٌ من ذاكرات قلوبهم· تمتم جميل:
Page 9
ـ لا أظنُّ·
لاتظنُّ، أمْ تعرف؟، ساءله أسمقان، ذو اللحية الشعثاء غير الكثيفة·
سيهمس الله في آذاننا تأويلَ الجراد حين نخوض معركةً، ياسادة الجراد، قال عبد الجليل· ألنا أملٌ في لحمٍ؟، أضاف منتقلاً بخيال الرهط من تأويل الجراد إلى مباهج الطعوم الضائعة· منذ سبعة وعشرينَ يوماً لم نذُقْ لحماً نهض متذمِّراً: ما هذه المواعيد البلهاء لإطْعامِنا؟· لاشيء للإفطار إلاَّ ماعندنا، نحن، من زبيب، أو مشمش مجفَّف· غداء حبوبٌ، فعشاء مُرْتجلٌ من أي شيء· أريد عودةَ قدور اللحم إلى المواقد في السُّرادقِ· أريد شواءً في العشايا يجعل لأحلامي مذاقَ الشحم على اللسان تنفَّس اشتهاءً· خَطا مبتعداً عنهم:
ـ فلْنملآْ أباريقنا الفارغةَ ماءً·
نهض الاثنا عشر رهطاً بتمامهم· حملوا أباريقهم إلى أحواض الماء تحت السرادق يأتي به السُّعاةُ قي قُلل كبيرة، مِن آبار كُوْرْليْنو، التي جَلَت عنها الحاميةُ الأخيرة من جيش رينالد دي شاتيون، أمير الكرك، بلا طَمْرٍ، أو تسميم·
لم يكن المغيب، الذي حمل فيه سُعاةُ الطعام خبزاً وعنباً إلى الاثني عشر ِرهطاً، كمغيب الكثير من أيامٍ خَلَتْ· صراخٌ، وصفيرٌ، ومرحٌ خبْطاً بالأقدام على الأرض، زاحم دخانَ المشاعل المضاءة بين فسحات في سطور الخيام، بدخول سربٍ من المَعْزِ إلى المعسكر يهشُّ عليه راعيان من بدو جبال عجلون· تسلَّم الطهاةُ السربَ فاقتادوه إلى السرادق، ضيوفاً على مذاود الجياد، ريثما يتدبرون له حظيرةً على عَجَلٍ، في الغد، ستعود شاغرة بعد أسابيع قليلة، حين يُستنفدُ اللحمُ، والشحم، والغضاريفُ، وبعض العظام أيضاً· قبض الراعيان من خزْنة مال الجند واحداً وثلاثين ديناراً بويهيًّا، صُكَّت بختم المَلِك العالِم من وجهٍ، وتأييدِ العزَّةِ الجلالِ المُلْكُ لله من وجه ـ تأييدٍ يُحيل المعدن الصامت ناطقاً بسِيَرِ القاهريْنَ·
لِمَ لم تذكر اللحمَ، قبلاً، ياعبد الجليل؟· تتبادلانِ، أنت والله، همساً بهمسٍ· أفي أسلافك أهلُ رؤيا؟، ساءله عثمان، تلك الليلة، بعدما تمدَّدوا على حُصُرهم، في العراء، كالجند كلهم، في العراء، حيث استطاعوا مدَّ حُصُرِهم، أَو لُبودهم، تحت عرائش النجوم مشرفةً عليهم من سهول السماء، ونجودها القمرية·
احتفِظوا ببعض عنبكم لإفطار الصباح· لن تخدعوا الجوعَ إذا سمعتم ثغاء المَعْز· لن تذقوا لحماً قبل عصر الغد، أو مغيبه، قال توران، متوسِّداً كيسَ حوائجه·
اقتراحك متأخر، يا جنابَ توران، ردَّ مدحت الهادئ· أكلت عنبي كلَّه وأنا أتوهَّم أنني أقضم كبد ماعزة
التمعت عيون بعضهم في انعكاس لهب المشعل عليها، من علياء العمود المعدن ـ السيخ منتهياً بتاجٍ من قضبان رقيقة، مقوَّسة تحضن اللهبَ الخافتَ ضِراماً في الحطبِ المُدَّهن بالنفط·
لماذا لايقسِّمون وجبات الطعام، في هذا المعسكر، على إفطارٍ دسمٍ، وعشاءٍ دسمٍ؟· ذلك أفضل من غداء يُبَلِّد، وعشاء لايُنيم· الدَّسمُ الشحمُ طعاماً يُنيم· طعامٌ دسمٌ يُحْضر أهلي إلى منامي وهم يقودون أسرى من الفرنجة النصارى، قال أمين كارو مسعود· عادل يوافقني، أبداً، على مُقترَحي في تقسيم الطعام وجبتين دسمتين استدركَ: عادل، ومحمود، عاسَّان من العَسَس الليلة· ربما هما يستحضران، مثلي، حلمَ يقظة من سمن يحفظهما مستيقظيْنِ في نوبة حراستهما، على التخوم غمغم متذوِّقاً، بلسان خياله، قطراتٍ من شحم أسود ذائباً من وهج الليل المُنعش: من منكم خاض معركة؟
تلاشت أصواتُ سمر الجنود الآخرين، قادمةً من نواحي الخيام كلِّها، بغتةً، في أسماع الرَّهط، أو انحسرت، مُذْ تمدَّد سؤالُ أمينٍ المنتفِخُ على سرير الأصوات· أتَّكأوا بمرافقهم على أكياس حوائجهم، التي اتخذوها وسائد، مترقبيْنَ من سيتكلم أولاً·
لن أدَّعي أنها كانت معركة، تلك التي استعدنا فيها من اللصوص السلاجق خمسين جَمَلاً، بنواحي الجزيرة· قتلنا أربعة، قال أسمقان بلسان يقضم أواخر الحروف العربية·
قتلتَ مسلمين؟!، ساءله عزيز بلومٍ خفيفٍ·
اللصوص لصوص، ردَّ أسمقان· استوى جالساً:
ـ أتحبُّ السلاجقة، ياعزيز؟·
أحب زوجتي، وأولادي الأربعة، ردَّ عزيز، مجنَّدُ الحملة الثالثة لحصار الكَرك، قبل التحاقه بسَرية طغرل· أضاف:
ـ كنتُ، مرتين، على بُعْدِ شبرٍ من خوض معركة مع كتائب من فرنجة الكرك، لكنهم كانوا مخادعيْنَ، يعودون أدراجهم فجاءة· لقد استنزفوا عزائمنا، وأعصابنا·
لم تخُض معركةً، إذاً، قال أسمقان·
Page 10
كنتُ على بُعد شبر من معركة، ردَّ عزيز محتدماً· تلمَّس لحيته القصيرة ممحوَّةً بسوادها في الظلام الشاحب· مرَّر عليها شفرةَ خنجره الكِنْدجلِ، كعادته كل بضع ساعات، حتى يكاد يسوِّي شعرَها بجلد وجهه جزًّا· لم أطارد لصوصاً، بل كنتُ على بُعد شبر من امتحان قلبي، ومفاصل عظامي، يا أسمقان· المعركة معركة، أخضتَها أم كنت على بُعد شبر من خوضها· يجفُّ اللسان· يهبُّ رملٌ من قلبك إلى فمك· أجفَّ لسانُك في مطاردة لصوصٍ؟
لن تخوض معركة ضد السلاجقة، بل الفرنجة النصارى، قال عزيز·
سأرى في وجه كلِّ فِرنجي وجهَ سلجوقيٍّ، ردَّ أسمقان·
ما خلطُك هذا بين السلاجقة والفرنجة، يا أسمقان؟، ساءله جلال، فردَّ أسمقان بصوتٍ صريرٍ:
ـ أحرق سلاجقة الروم، في غارة لا شأن لله بها، أولادي الثلاثة، وزوجتي، وهم نيام في كوخهم·
غمغمت الأصواتُ من حوله بمؤاساة متأخرة، وبالكثير من استفظاعٍ مشوبٍ بفضول·
أَفَعل السلاجقُ ذلك؟، ساءله توران، فردَّ أسمقان:
ـ لو ظلَّ آبائي أوفياء لأوثان الأرض العالية قرب نهر جيحون، ولم ينزحوا إلى نواحي الفرات أوفياء لإله السلاجق، لَمَا حرقَ السلاجقُ قلبي·
وضع جلال يده على حصيرة أسمقان، باحثاً عن يده، ربَّما، لينبِّهه إلى تجاسُرٍ من اللسان في ما لا ينبغي التجاسرُ فيه:
ـ للهِ في أقداره أحكامٌ، يا أسمقان· لا تظلم قلبَك بما يثقل عليه من لومِكَ اللهَ على أقداره·
كيف حصل ذلك، يا أسمقان؟، سارع عبد الجليل إلى سؤاله، فردَّ أسمقان بسؤالٍ مثله:
ـ حصل ماذا؟·
أهلك· أعني محنة الحريق هذه، قال عبد الجليل·
كنتُ في حاميةٍ بنواحي سنجار· حصل الأمر ليلاً، كما روى بعض الناجيْنَ· أغار سلاجقة الروم عليهم، والناس نيام· كانوا قادرين على نَهْبٍ بلا إضرام حرائق· لِمَ الحرائق؟، تساءل أسمقان بمرارة·
سامحهم اللهُ، قال توران مواسياً، ففاضت بأسمقان مرارتُه:
ـ سامحَ مَنْ؟· لن أسامح الله إنْ سامحهم اللهُ·
أنت تسيء إلى أهلك في قبورهم، يا أسمقان· كُنْ كريماً في غفرانك يكُنِ اللهُ كريماً، قال عثمان· سارع إلى تبديد شيء مَّا من ثقل المحنة مستعادةً من قلب أسمقان، سليل الأرض العالية قرب نهر جيحون، على قلب أسمقان:
ـ أنا خضت معركة·
أصغى الآخرون، المتمددون على لُبودهم الخشنة الأصواف، المستطيلة بطول قاماتهم، الضيقةِ عَرْضاً· استجمعوا فضولَ أعينهم أولَ الليل الشاحبِ لم يختمر ظلامُه بعدُ· سكبوه من الحدقات على عثمان، الذي تأنَّى في استدراج خياله إلى فخِّ السرد· مسح بيده على لحيته القصيرة، الحليقة الشاربين:
ـ قطعنا الطريق على سرية كونْت إمارة طرابلس· كنتُ في فرقة أُفْردتْ من جيش مظفَّر الدين كوكبري لقطع الطريق· عدتُ من المعركة بأسيرٍ·
أقاتلتَ النصارى الفرنجة؟، ساءله عزيز العجول الحركة، فأبدى عثمان استغراباً:
ـ أسَلَّمني الأسيرُ نفْسَه إعجاباً بصلعي؟·
تنحنح عزيز، القويُّ ضرباً بذراعه اليسرى، كأنما استدرك تطاولاً منه على عثمان:
ـ كان قصدي أن أستوضحك شدَّة الفرنجة النصارى في الحرب·
أقتلتَ أحداً، ياعزيز؟، ساءله عثمان، فردَّ الكردي، المُنتدب للحملة الثالثة إلى حصار الكرك، بإشادة في جسارته من حاميات واسِطََ العراق:
ـ أتظنني هنا لأنني أحسنُ ذبح المَعْز؟· كنتُ على بُعد شبر من معركة·
كنت على بعد شبرين من معركة لم تقتل فيها أحداً· أقتلتَ أحداً، ياعزيز؟، ساءله عثمان، ثانيةً، بصوتٍ مُستنطقٍ، غير مستفزٍّ·
قتلتُ هاربيْنَ من دعوة الملك الناصر صلاح إلى اللحاق بعسكر قُوَّاده· قتلتُ تسعة بنفسي في أهوار الفرات، وأعدْنا ستة وثلاثين إلى الخدمة، أنا والفصيل المكلَّف باقتفائهم· هم في جيش عجلون، الآن، قال عزيز·