Page 1
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، مَن يهده الله فلا مضلَّ له ، ومَن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ، ومَن دعا بدعوته ، واهتدى بسنَّته ، وجاهد جهاده إلى يوم الدين .خير ما أحيِّيكم به أيها الأخوة والأبناء ، تحية الإسلام ، وتحية الإسلام السلام ، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
(وبعد)
الإسلام يُغْزَى ويُهَاجَم في عقر داره
فقد شاء الله لنا في هذا العصر أن يكون موقفنا موقف الدفاع ، فقد أصبحنا نُغْزَى ولا نَغْزُو ، ونُهَاجَم ولا نُهَاجِم ، نُهاجَم في عقر دارنا ، ونُهاجَم من قومنا ، من قوم من بني جلدتنا ، ويتكلَّمون بألسنتنا ، وأصبح علينا بين الحين والحين أن نتصدَّى لهذا الغزو والهجوم من الداخل والخارج ، ولو كان المسلمون يفقهون ما استحقَّت هذه الأمور أن ندافع عنها ، لأنها أشياء معلومة فعلاً من الدين بالضرورة ، ولكننا للأسف في عصر قد طغى فيه الجهل ، وغلب فيه الغزو الفكري ، حتى أصبح مَن ينتسبون إلى الإسلام في ديار الإسلام يجهلون أُسس الإسلام ، ويجهلون بديهيات الإسلام ، وأوليَّات الإسلام ، ولهذا كان علينا أن نقف لنوعِّي ونبصِّر ونسلِّح الجيل المسلم الجديد الملتزم بالإسلام ، كيف يردُّ على هؤلاء المتهجِّمين على الإسلام قرآنه وسنته .
Page 2
تعرض السنة للطعن والتشكيك من أعداء الإسلام
إن السنة قد تعرَّضت من قديم لحملات تشكيك وطعن من خصوم الإسلام ، والله تعالى قد حفظ القرآن ، مكتوبا بين الدفَّتين ، متلوًّا بالألسنة ، محفوظًا بالصدور ، مقروءًا بالمصاحف ، ولم يعُد هناك مَن يجرؤ على التطاول على القرآن ، ولكن دخلوا دائمًا من السنة ، واتَّخذوا منها تُكئة للتطاول على الإسلام ، إلا أن الله تعالى في كلِّ عصر قيَّض أولئك العدول من حملة العلم ، الذين قال فيهم * : =يحمل هذا العلم من كلِّ خَلَف عدوله ، ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين(2).قيل لعبد الله بن المبارك الإمام المحدِّث الثقة الفقيه المجاهد الزاهد : هذه الأحاديث الموضوعة ! قال : تعيش لها الجهابذة(3). جهابذة العلم الذين يكشفون زيفها ويفضحونها ، ويبيِّنون حقيقتها للناس ، يعيش لها الجهابذة ، وهكذا كان الجهابذة في كلِّ عصر من العلماء العدول ، الذين يحملون هذا العلم حمل الوعاة الدعاة ، وحمل الأمناء الرعاة ، لا حمل الأدعياء ولا الدجالين ، تعرَّضت السنة من قديم لحملات ، ولكن الله تعالى هيَّأ مَن يدافع عنها في كلِّ عصر ومصر .
في عصرنا وجد هؤلاء بين الحين والحين يظهر فرخ من فروخ الاستعمار الثقافي والاستشراقي والتنصيري ، يظهر بصورة أو بأخرى ، ليؤلِّف كتابًا ، أو يكتب في صحيفة يثير الغبار حول هذا المصدر العظيم السنة ، التي هي بيان للقرآن ، ولا يمكن الاستغناء بالقرآن عن السنة ، لأن السنة تحتاج إلى البيان ، كما قال الله تعالى : ) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا ) (القيامة:19)، والمبيِّن هـو النـبـي * : ( بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ( (النحل:44) ، فالسنة هي التفسير النظري والتطبيق العملي ، والبيان المفصَّل لكتاب الله تبارك وتعالى ، ولذلك قيل للتابعي الجليل مُطرِّف بن عبد الله ابن الشِّخِّير : قال له بعض الناس:حدِّثونا بالقرآن . قال : والله ما نبغي بالقرآن بديلا ، ولكنا نريد مَن هو أعلم به منا(4) . يعني رسول الله * . مَن أراد أن يعرف القرآن فليعرفه ممَّن أُنزل عليه ، ومَن هو أعرف الناس بمراد الله مـنـه ، وهـو رسول الله * .
تعرَّضت السنة لحملات كثيرة ، فهيَّأ الله مَن يدافع عن السنة ، هناك مَن ألَّف كتابًا في الهجوم على السنة ، مثل كتاب (أضواء على السنة المحمدية) وكتاب (فجر الإسلام) ، الذي نقل فيه عن المستشرقين ، وأضاف بعض ما كتبوه إلى نفسه ، وبعض ما كتبه إليهم ، وجاء ابنه اليوم ليهاجم السـنـة مـن جديد ، والولد سرُّ أبيه ، ومَن يشابه أباه فما ظلم ، ولكنه زاد على أبيه .
وجدنا هذا الذي رددنا عليه في العام الماضي حينما تكلَّم عن السنة والبدعة ، وادَّعى أن استنكار البدعة موقف جاهليٌّ ، ثم نراه أيضًا يهاجم القرآن نفسه ، كما رأيناه يهاجم الحدَّ القطعي المذكور في سـورة المائـدة وهـو قطـع يـد السـارق :( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (المائدة:38) ، مما يدلُّ على أن هؤلاء إذا سلَّمنا لهم بشيء فإنهم يقفزون على ما هو فوقه .
هم يقولون : الفقهاء ، والفقه هو اجتهاد بشر . فإذا سلَّمنا لهم بهذا ذهبوا إلى السنة ، وقالوا : خبر الآحاد . فإذا سلَّمنا لهم بمهاجمة سنن الآحاد ، لا يكتفون بذلك ، ويهاجمون السنن المتواترة ، فإذا سكتنا عن ذلك ، هاجموا القرآن نفسه ، إنهم لا يقفون عند حدٍّ . وللأسف نرى هؤلاء وقد فُتحت لهم أبواب الإعلام على مصاريعها ، يكتبون الكتب وينشرونها ، وتعطى كتبهم الجـوائـز ، ويكتـبـون فـي الصحـف السيَّارة ولا يجدون مَن يرد عليهم .
هناك جهات إسلامية : جامعات إسلامية ، مراكز إسلامية ، مجامع إسلامية من شأنها أن تردَّ على هؤلاء ، وأن تذود عن القرآن والسنة ، ولكنا للأسف لم نجد مَن يتحمَّل هذا ، ويذبُّ عن سنة النبي محمد * ! وجدنا واحدًا منهم فقط لما كتب كاتب يتَّهمهم بالرشوة أو بغير ذلك ، قام يردُّ ويدافع عمَّن معه ، ولما هُوجِم القرآن وهُوجِم الحكم الشرعي القطعي وهوجمت السنة لم نجد مَن يرد عن رسول الله * من هؤلاء!! فلا عجب أن يطمع فينا الطامعون ، ويتغلَّب علينا المتغلِّبون ، فنحن نُغْزَى في عقر دارنا .
Page 3
واجبنا نحو السنة النبوية
لذلك كان لزامًا علينا أن نكشف عوار هؤلاء المزيِّفين المضلِّلين ، الذين يتعالمون وليس لهم من العلم في شيء ، مشكلة هؤلاء أنهم مغرورون ، عندهم قشور من العلم جمعوها من هنا وهناك ، ولبَّسوا على الناس ، وموَّهوا على العامة ، موَّهوا عليهم أنهم قُرَّاء مثقَّفون مطَّلعون . وفي الحقيقة أنهم ليسوا مطَّلعين ، إنهم حاطبو ليل ، إنهم يجمعون بين الغثِّ والسمين من هنا وهناك ، يردُّون البخاري ، ويأخذون من الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني ! ما هذا العلم ؟ ما هذا العلم الذي ليس له خِطام ولا زمام ؟ إنه علم ليس له منهج ولا قاعدة ، يأخذ من المرويات ما يروق له وإن كان ضعيفًا في سنده ، ويردُّ ما لا يروق له وإن كان في أصحِّ الصحاح! كيف تحاكم هؤلاء الذين يهاجمون السنة ، ويهاجمون الأحاديث ؟والسؤال : لماذا هذا كلُّه ؟ في الحقيقة أن السنة هي الإسلام المفصَّل ، هي المنهاج التفصيلي لحياة الإنسان المسلم ، وحياة الأسرة المسلمة ، وحياة المجتمع المسلم ، القرآن تضمَّن القواعد الكلية والمبادئ العامة . ولكن الذي تضمَّن الحياة الإسلامية ، منهاج الحياة الإسلامية هي السنة ، هي التي فصَّلت لنا الأحكام الإسلامية : الأحكام الشرعية ، الأحكام الخُلُقية ، أحكام الآداب والسلوك ، آداب الأكل والشرب ، والقيام والجلوس ، والنوم واليقظة ، والسفر والحضر .
رسمت السنة منهاج الحياة الإسلامية ، وبهذا المنهج يتميَّز المسلم عن غيره ، ويتميَّز المجتمع المسلم عن غيره ، ولهذا كانت نقمة هؤلاء على السنة أكثر من غيرها ، فإذا انهدمت السنة فماذا يبقى من الإسلام؟ حتى الصلاة لا نستطيع أن نصلي ، فالقرآن لم يأتِ لنا بتفصيل الصلوات ، لم يقل لنا : إنها خمس صلوات . ولم يقل لنا : إن الصبح ركعتان ، والظهر أربع ركعات ، والعصر أربع ركعات ، والمغرب ثلاث ركعات ، والعشاء أربع ركعات . ولم يبيِّن لنا المواقيت ، ولم يبيِّن لنا ما نقول في كلِّ ركعة ، هذه الصلاة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم عرفناها من سـنـة النـبـي * ، فـقـد روى أبو نضرة قال : كنا عند عمران بن حصين n ، فكنا نتذاكر العلم . فقال رجل : لا تتحدَّثوا إلا بما في القرآن . فقال له عمران : إنك لأحمق ، أوجدتَ في القرآن صلُّوا الظهر أربع ركعات ، والعصر أربعا لا تجهر بالقراءة في شيء منها ، والمغرب ثلاثا تجهر بالقراءة فيالركعتين منها ، ولا تجهر بالقراءة في ركعة ، والعشاء أربع ركعات تجهر بالقراءة في ركعتين منها ، ولا تجهر بالقراءة في ركعتين ، والفجر ركعتين تجهر فيهما بالقراءة (5).
وكذلك الصيام ، وكذلك الزكاة ، وكذلك الحج ، وكذلك تفاصيل المعاملات ، وتفاصيل الحياة عرفنا كلَّ ذلك من السنة ، ولذلك إذا انهدمت السنة انهدم معها الإسلام ، هؤلاء أصبحوا الآن يوجِّهون حملاتهم إلى السنة يشكِّكون فـي ثبوتها ، حملات على السنة من حيث ثبوتها ، حملات على السنة من حيث حجيَّتها ، حملات على السنة من حيث دلالتها ومضمونها .
من حيث ثبوتها يشكِّكون فيها ، يقولون : اختلط فيه الصحيح بالضعيف ، والمقبول بالمردود ، والحسن بغير الحسن ، وقد وضع الوضَّاعون أحاديث ، فما عدنا نعرف هذا من ذاك . كأنهم يريدون أن يهيلوا التراب على تاريخ هـذه الأمة ، وتاريخ علمائها الذين تصدَّوْا للوضَّاعين وكشفوهم وغربلوا الأحاديث ، ووضعوا القواعد ، وأصَّلوا الأصول ، ولم يعُد هناك مجال أن يوجد حديث موضوع يدخل على علماء الأمة ، وينطوي عليهم ويقبلونه ويروونه في كتبهم على أنه من دين الله ومن شرع الله ، لم يعُد هذا ممكنًا ، علماء الأمة اشتغلوا في هذا واجتهدوا عليه . هم يقولون : إن السنة لا يوجد لها ما يدلُّ على ثبوتها .
ومن ناحية أخرى حتى لو ثبتت ليست حجَّة ؛ لأن النبي * كان بشرًا من البشر ، يقول ويفعل بطبيعته البشرية ، وبطبيعته العربية ، وبتجاربه وعاداته . وقد قال : =أنتم أعلم بأمر دنياكم(6) . وبعضهم يريد أن يهدم بهذا الحديث كلَّ ما جاء في شؤون الحياة وفي شؤون الآداب ، وفي شؤون المعاملات ، وفي شؤون الاقتصاد ؛ لأننا أعلم بشؤون دنيانا .
ويشككون في مضمون السنة في الآداب الـتـي تتضمَّنها السنة ، ما معنى أن يأتي حديث ويقول لك : كل باليمـيـن ولا تأكل بالشمال ، واشرب باليمين ولا تشرب بالشمال ، وادخل المسجد برجلك اليمنى واخرج منه برجلك اليسرى ، وإذا لبست النعل فالبس اليمنى أولا ، ما هذا الكلام؟ حتى مضمون السنة أصبحوا يشكِّكون فيه !
Page 4
أسباب الطعن والتشكيك في السنة
في الحقيقة حصرت هذه الأسباب والدوافع التي دفعتهم لهذه الحملة على السنة إلى أسباب عديدة :السبب الأول : الجهل
هؤلاء المتعالمون جهلة ، هم جهلة بالسنة ، وجهلة بالقرآن ، وجهلة بالتاريخ ، وجهلة بعلماء هذه الأمة ، هم جهلة بهذا كلِّه ، ولذلك يقولون كلامًا عجيبا . لو رجعوا إلى القرآن لعلموا أن القرآن نفسه هو الذي يدعو إلى اتباع السنة :( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ )(آل عمران:31) .ويقول : ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۖ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا )(النساء:59) .
( قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ) (النور:54).
( لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( (النور:63) .
( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَنْ تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ) (النساء:80).
(مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )(الحشر:7).
( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا( (الأحزاب:36) .
( إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (النور:51) .
( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (النساء:65) ، وآيات وآيات ، هؤلاء لو عقلوا ورجعوا إلى القرآن الكريم لوجدوا أن القرآن نفسه هو الذي يدعوهم إلى طاعة رسول الله * واتباع ما جاء به ؛ لأن النبي * هو المبيِّن عن الله مراده ، فهؤلاء جهلة بالقرآن .
وهم كذلك جهلة بتاريخ هذه الأمة ، يقول صاحب هذا الكتاب اسمه (دليل المسلم الحزين) حسين أحمد أمين : بدأ الناس يبحثون عن السنة في القرن الثاني؛ ليرفعوها إلى مصافِّ الأحكام القرآنية الإلهية . يقول هذا ، مع أن الصحابة منذ عهد النبي * كانوا يبحثون عن السنة ، كان أبو بكر n إذا لم يجد شيئًا في مسألة في كتاب الله يقول : هل منكم مَن سمع شيئًا من رسول الله؟ أو عرف أن رسول الله * قضى فيها بكذا ، فإذا كان قال له : نعم . كما في مسألة الجدَّة قضى لها بالسدس عملا بفعل رسول الله * ، جاءت إحدى الجدَّات في خلافتة n ـ بعد موت حفيدها ـ تطلبنصيبهامـنتركته ، فقال لها أبو بكر : ما أجد لك في كتاب الله شيئا ، وما علمت رسول الله * ذكر لك شيئًا . ثم سأل الناس ، فقام (المغيرة بن شعبة) فقال : سمعتُ رسول الله * يعطيها السدس . فقال هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك ، فأنفذه أبو بكر(n (7.
وكذلك كان عمر n يقول : هل منكم مَن رأى أو سمع من النبي *؟ فعن أبي سعيد الخدري ، يقول : كنت جالسا بالمديـنـة فـي مجلـس الأنصـار ، فأتانا أبـو مـوسـى فـزعـا أو مذعورا قلنا : ما شأنك؟ قال : إن عمر أرسل إليَّ أن آتيه ، فأتيت بـابـه فسلمت ثلاثـا فلـم يـرد عليَّ فرجـعـت فـقـال : ما منعك أن تأتينا ؟ فقلت : إني أتيتك ، فسلمت على بابك ثلاثا ، فلم يردوا عليَّ ، فرجعت ، وقد قال رسول الله * «إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له ، فليرجع» فقال عمر : أقم عليه البينة ، وإلا أوجعتك . فقال : أبي بن كعب : لا يقوم معه إلا أصغر القوم ، قال : أبو سعيد : قلت أنا أصغر القوم ، قال : فاذهب به (8) .
وقد كتب n إلى شريح القاضي يقول له : إذا أتاك أمر في كتاب الله فاقضِ به ، ولا يلفتنَّك الرجال عنه ، فإن لم يكن في كتاب الله عزَّ وجلَّ ، وكان في سنة رسول الله * فاقـضِ به ، فإن لم يكن فـي كتاب الله عزَّ وجلَّ ، ولا فـي سـنـة رسول الله * ، فاقضِ بما قضى به أئمة الهدى ، فإن لميكنفي كتاب الله ولا في سنة رسول الله * ولا في ما قضى به أئمة الهدي ، فأنت بالخيار إن شئتَ أن تجتهد رأيك ، وإن شئتَ أن تؤامرني ، ولا أرى مؤامرتك إياي إلا أسلم لك (9).
وكان ذلك شأن أصحاب النبي * جميعا ، إذا لم يجدوا شيئًا بيِّنًا صريحًا في القرآن يبحثون في السـنـة ، وجمعوا الناس ، وسألوا الناس ، وإذا وجدوا مَن يدلُّهم على حديث رجعوا إليه ، ولم يجادلوا في شيء من هذا .
لما جاء عبد الرحمن بن عوف وذكر لعمر أن النبي * أخذ الجزية من مجوس هجر ، وكان n متردِّدًا في أمر المجوس كيف يعاملون؟ أيعاملون معاملة الوثنيين ، أم معاملة أهل الكتاب؟ فذكر له عبد الرحمن بن عوف أن النبي * أخذ الجزية من مجوس هجر وقال : =سنُّوا بهم سنَّة أهل الكتاب(10) . وهكذا في أمور كثيرة كانوا وقَّافِين عند كتاب الله ، رجَّاعِين إلى سنة رسول الله * ، مَن يقرأ التاريخ ويرجع إليه يجده واضحًا تمام الوضوح .
Page 5
وقال صاحب هذا الكتاب أيضًا : استطاع الناس أن يُرَكِّبوا أحاديث ، العلماء ، والفقهاء يركِّبون أحاديث وينسبونـهـا للنبي * . معنى ذلك : أن السلسلة الذهبية قد ركَّبها واحد من الناس ، والسلسلة الذهبية عند الإمام البخاري والتي تعتبر أصح الأسانيد هي : مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر . فيأتي مَن يقول : أي إنسان يستطيع أن يأتي بالسلسلة الذهبية ويقول : حدثني مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله * قال كذا . . فالمسألة سهلة ، مَن يريد سلسلة ذهبية أتيتُ له بها ، كأن الأمر في غاية البساطة .
هؤلاء يجهلون تاريخ هذه الأمة ، مَن يقول هذا الكلام لم يعرف كيف كان الحديث يُرْوى ، هل هذا العلم يصدر من إنسان في عُرض الطريق؟ لا ، هذا العلم حلقات علمية ، حلقات متصلة ، يأخذ فيها بعضهم عن بعض ، لو جاء إنسان من عُرْضِ الطريق وقال : سمعتُ مالكًا ، عن نافع ، عن ابن عمر . هل يقبل منه؟! لا ، لا يُقبل منه حتى تتوافر فيه عدَّة شروط ، وهي :
فرواية المجهول لا تُقبل ، مجهول العين أو مجهول الحال ، مجهول العين هو الذي لا يعرف من هو . عندما يأتي إنسان ويقول : حدثني (عبد الله بن عبد السميع) . مَن هو عبد الله ابن عبد السميع هذا ؟ فمَن يقول هذا لا بدَّ وأن يجيب مَن هو (عبد الله بن عبد السميع) هذا ؟ لا بد أن يجيب ويقول هو الذي ولد في مكان كذا ، ونشأ في بلد كذا ، وكان من شيوخه الذين سمع منهم وأخذ عنهم فلان وفلان ، وأخذ عنه فلان وفلان من العلماء . يعدِّد شيوخه وتلاميذه ، ويذكر البلاد التي رحل إليها وطلب العلم من شيوخها ، وهذا علم يسمَّى علم الرجال . اهتمَّت به الأمة من قديم ، وفي تاريخ الرجال كلُّ واحد معروف ، ولا يكفي أن يخبر بما يفيد أنه معروف العين ، لا بدَّ أن يكون معلوم الحال أيضًا ، من ناحية سلوكه وسيرته ، فلا بدَّ أن يكون ذلك معروفًا ، فلو قال فلان : عن رجل . أو قال : عن ثقة . نقول له : لا ، لا بدَّ أن تقول : مَن هو هذا الثقة ؟ فقد يكون ثقة عنده وليس ثقة عند غيره ، حتى ولو قال ذلك أكبر الأئمة ، يقال له : لا . فقد يكون حجَّة عنده وليس حجة عند غيره . لا بدَّ أن يبيِّن مَن هو هذا الثقة؛ لأنه قد يوثِّقه بعض الناس ويجرِّحه آخرون . وهناك قاعدة تقول : الجرح يُقدَّم على التعديل ، إذا كان الجرح مُفَسرَّا . أي معروف الأسباب .
فلا بد أن يكون الشخص معروف العين ، ومعروف الحال .
2- أن يكون عدلاً :
أي متَّصفًا بالعدالة ، والعدالة هي مَلَكَة التقوى ، أن يكون الشخص مؤتمنًا على الرواية في دين الله ، لا يرتكب كبيرة ، ولا يصرُّ على صغيرة ، ولا يرتكب عملا يخلُّ بالمروءة . تصوَّروا حتى ولو كان تقيًّا ولكنه يفعـل أفعـالاً تخلُّ بالمـروءة ؛ كـأن يـبـول فـي الطريق ، أو يأكل في الطريق أو يمشـي عـاري الرأس ، فـقـد كـان عنـدهـم كشف الرأس مما يُسقط المروءة ، فكلُّ هذه الأشياء مما تُسقط المروءة عن الإنسان ، الأكل في الطريق ليس حرامًا ، ولكن لا يليق بأكابر الناس ، فمثل هذا إذا روى حديثًا لا يُؤخذ عنه .
3- أن يكون ضابطًا :
لم يكتفِ العلماء بالعدالة ، هذه الصفة الدينية الخُلُقية ، ولكنهم يقولون : لا بدَّ من الضبط . العدالة والضبط ، بل ليكون الحديث صحيحًا لا يكتفون بمجرَّد الضبط ، بل بتمام الضبط ، أي أن يكون في المرتبة العليا من الضبط ، يعني بالتعبير الجامعي لا بدَّ أن يكون ألفًا أو باء ، أي إما أن يكون ممتازًا أو جيِّد جدًّا ، هذا ليكون الحديث صحيحًا ، فإذا لم يبلغ هذا كان حديثه حسنًا ، في درجة الجيد أو المقبول ، أما أن يكون دون ذلك ، فلا . لقد وضعوا مراتب ، وقواعد للجرح والتعديل لتقويم كلِّ راوٍ ، فإذا كان هناك خلاف في تقويمه يُذكر هذا الخلاف ، فَيُعْرَفُ المتَّفق عليه من المختلَف فيه .
4- ألا يكون الحديث شاذًّا :
ثم إنهم يشترطون أمرًا آخر ، ألا يكون هذا الحديث شاذًّا ، يعني : ألا يخالف الثقة مَن هو أوثق منه . لا يخالف عدد أكبر من الرواة ، أو يخالف مَن هو أقوى منه في الأخذ عن هذا الشيخ ، أو نحو ذلك .
هؤلاء يجهلون تاريخ هذه الأمة ، مَن يقول هذا الكلام لم يعرف كيف كان الحديث يُرْوى ، هل هذا العلم يصدر من إنسان في عُرض الطريق؟ لا ، هذا العلم حلقات علمية ، حلقات متصلة ، يأخذ فيها بعضهم عن بعض ، لو جاء إنسان من عُرْضِ الطريق وقال : سمعتُ مالكًا ، عن نافع ، عن ابن عمر . هل يقبل منه؟! لا ، لا يُقبل منه حتى تتوافر فيه عدَّة شروط ، وهي :
الشروط التي تقبل بها الرواية :
1- أن يكون معروف العين والحال :فرواية المجهول لا تُقبل ، مجهول العين أو مجهول الحال ، مجهول العين هو الذي لا يعرف من هو . عندما يأتي إنسان ويقول : حدثني (عبد الله بن عبد السميع) . مَن هو عبد الله ابن عبد السميع هذا ؟ فمَن يقول هذا لا بدَّ وأن يجيب مَن هو (عبد الله بن عبد السميع) هذا ؟ لا بد أن يجيب ويقول هو الذي ولد في مكان كذا ، ونشأ في بلد كذا ، وكان من شيوخه الذين سمع منهم وأخذ عنهم فلان وفلان ، وأخذ عنه فلان وفلان من العلماء . يعدِّد شيوخه وتلاميذه ، ويذكر البلاد التي رحل إليها وطلب العلم من شيوخها ، وهذا علم يسمَّى علم الرجال . اهتمَّت به الأمة من قديم ، وفي تاريخ الرجال كلُّ واحد معروف ، ولا يكفي أن يخبر بما يفيد أنه معروف العين ، لا بدَّ أن يكون معلوم الحال أيضًا ، من ناحية سلوكه وسيرته ، فلا بدَّ أن يكون ذلك معروفًا ، فلو قال فلان : عن رجل . أو قال : عن ثقة . نقول له : لا ، لا بدَّ أن تقول : مَن هو هذا الثقة ؟ فقد يكون ثقة عنده وليس ثقة عند غيره ، حتى ولو قال ذلك أكبر الأئمة ، يقال له : لا . فقد يكون حجَّة عنده وليس حجة عند غيره . لا بدَّ أن يبيِّن مَن هو هذا الثقة؛ لأنه قد يوثِّقه بعض الناس ويجرِّحه آخرون . وهناك قاعدة تقول : الجرح يُقدَّم على التعديل ، إذا كان الجرح مُفَسرَّا . أي معروف الأسباب .
فلا بد أن يكون الشخص معروف العين ، ومعروف الحال .
2- أن يكون عدلاً :
أي متَّصفًا بالعدالة ، والعدالة هي مَلَكَة التقوى ، أن يكون الشخص مؤتمنًا على الرواية في دين الله ، لا يرتكب كبيرة ، ولا يصرُّ على صغيرة ، ولا يرتكب عملا يخلُّ بالمروءة . تصوَّروا حتى ولو كان تقيًّا ولكنه يفعـل أفعـالاً تخلُّ بالمـروءة ؛ كـأن يـبـول فـي الطريق ، أو يأكل في الطريق أو يمشـي عـاري الرأس ، فـقـد كـان عنـدهـم كشف الرأس مما يُسقط المروءة ، فكلُّ هذه الأشياء مما تُسقط المروءة عن الإنسان ، الأكل في الطريق ليس حرامًا ، ولكن لا يليق بأكابر الناس ، فمثل هذا إذا روى حديثًا لا يُؤخذ عنه .
3- أن يكون ضابطًا :
لم يكتفِ العلماء بالعدالة ، هذه الصفة الدينية الخُلُقية ، ولكنهم يقولون : لا بدَّ من الضبط . العدالة والضبط ، بل ليكون الحديث صحيحًا لا يكتفون بمجرَّد الضبط ، بل بتمام الضبط ، أي أن يكون في المرتبة العليا من الضبط ، يعني بالتعبير الجامعي لا بدَّ أن يكون ألفًا أو باء ، أي إما أن يكون ممتازًا أو جيِّد جدًّا ، هذا ليكون الحديث صحيحًا ، فإذا لم يبلغ هذا كان حديثه حسنًا ، في درجة الجيد أو المقبول ، أما أن يكون دون ذلك ، فلا . لقد وضعوا مراتب ، وقواعد للجرح والتعديل لتقويم كلِّ راوٍ ، فإذا كان هناك خلاف في تقويمه يُذكر هذا الخلاف ، فَيُعْرَفُ المتَّفق عليه من المختلَف فيه .
4- ألا يكون الحديث شاذًّا :
ثم إنهم يشترطون أمرًا آخر ، ألا يكون هذا الحديث شاذًّا ، يعني : ألا يخالف الثقة مَن هو أوثق منه . لا يخالف عدد أكبر من الرواة ، أو يخالف مَن هو أقوى منه في الأخذ عن هذا الشيخ ، أو نحو ذلك .
Page 6
5- ألا يكون معلَّلاً بعِلَّة قادحة :
كذلك اشترط العلماء لقَبول الحديث ألا يكون فيه عِلَّة قادحة في سنده أو متنه ، ولو كان سنده في ظاهر الأمر مقبولا . كلُّ هذه شروط ذكروها ، فكيف يُقال بعد ذلك : يأتـي أي إنسـان ويقـول : حدثـنـي مالك ، عن نافـع ، عن ابن عمر . دون أن نقول له مَن أنت ؟ وكيف حدَّثك مالك ؟ من أيِّ أصحابه أنت ؟ من أصحابه المدنيين ، أمن أصحابه المكيين ، أم من أصحابه المصريين ؟ وكيف حدَّثك أنت ولم يحدِّث أحدًا من أخصِّ تلاميذه ؟
حتى ولو جاء واحد وفعل ذلك ، ونظروا فيه ووجدوا أنه عدل مشهود له ، وهذا لا يحدث لأن سنَّة الله تعالى اقتضت أن يفضح الكذَّابين ، سنة من سنن الله كما قيل : غشُّ القلوب يظهر على صفحات الوجوه ، وفلتات الألسن(11). وكما قال الله تعالى : ) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ ۚ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ( (محمد:30) ، وكما قال زهير
ومهما تكن عند امرئ من خليقة
وإن خالها تخفى على الناس تُعْلم
فلو فرض أن واحدًا استطاع بكلِّ الحيل أن يخفي شخصيَّته وهو كذَّاب ولم يعرفه أحد ، لا ممن حوله ، ولا من شيوخه ، ولا من تلاميذه ، وقال : حدثني مالك . وجاء بشيء لم يعرفه أحد ، فهذا هو الحديث الشاذ؛ لأنه خالف كلَّ الرواة ، بل هو أشذ الشذوذ . والعلماء يعبِّرون عن هذا بقولهم : حديث غريب . ويقولون أيضًا : جاء بحديث لا يُتَابع عليه . أي لم يتابعه راوٍ آخر ، ولا ثقة آخر ، وإذا كثُر منه هذا وذكر أكثر من حديث قالوا : يأتي بالغرائب ، أحاديثه لا يتابع عليها .
ومن تتبَّع كتب الضعفاء مثل الكامل لابن عدي ، أو ميزان الاعتدال للذهبي ، أو غير ذلك من الكتب ، يجد هذه العبارة التي تعني أنه يأتي بالغريب من الأحاديث ، أحاديثه غريبة ، لا يُتَابع عليها ، فيرفض هذا ويُرَد ، فكيف يتصوَّر هؤلاء أن هناك مَن يُرَكِّبُ الإسناد ، ولا يكشف وضعه وكذبه .
هذا يجوز عند العامة ، وهذا كان يفعله القُصَّاص ، يذهبون إلى المساجد والعوام ، ويخترعوا من الأسانيد ما يشاءون ؛ لأن العوام يصدِّقون ما يُقال لهم . كما نرى في عصرنا هذا ، مثل وصية الشيخ أحمد حامل مفاتيح الحرم النبوي ، رأى النبي * في المنام وقال له كذا . . وعلى كل مَن قرأ هذه يكتب منه ثلاثين نسخة ويوزِّعها ، وإلا حصل له كذا . . وقد قرأها فلان ولم يوزعها فحصل له كذا(12).
وهذا كلام يصدِّقه العوام ، وأنتم تعرفون قصة الإمام أحمد ويحيى بن معين ، حينما صلَّى أحمد بـن حنـبـل ويحـيـى ابن معين في مسجد الرصافة ، فقام بين أيديهم قاصٌّ فقال : حدثني أحمد بن حنبل ويحيى بـن معـيـن قـالا : حدثـنـا عبد الرزاق ، عن قتادة ، عن أنس قال : قـال رسـول الله * قال : =مَن قال لا إله إلا الله . خلق الله من كلِّ كلمة طيرًا منقاره من ذهب وريشه من مرجان . واستمر يذكر في هذا الحديث نحوًا من عشرين ورقة ، فجعل أحمد ينظر إلى يحيى ، ويحيى ينظر إلى أحمد ، فقال : أنت حدَّثتَ بهذا ؟
فقال : والله ما سمعت بهذا إلا الساعة . فلما انتهى أشار إليه يحيى فجاء متوهِّمًا نوالاً ، فقال له يحيى : مَن حدثك بهذا ؟
قال : أحمد بن حنبل ويحيى بن معين .
فقال يحيى : أنا يحيى وهذا أحمد ، ما سمعت بهذا قط في حديث رسول الله ، فإن كان لا بدَّ فعلى غيرنا .
فقال القاصُّ : لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحـمـق ، ما تحقَّقتُه إلا الساعة .
فقال له يحيى : وكيف؟
فقال : أليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما ؟ لقد كتبتُ عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحـيـى ابن معين .
فوضع أحمد كمه على وجهه وقال : دعه يقوم . فقام كالمستهزئ بهما(13).
هذا الكلام يروج عند العامة ، ولا يروج عند العلماء ، لو ذهب إلى حلقة علم وقال فيها هذا الكلام ، مثل هذا يضرب بالنعال . العلماء لهم معاييرهم وموازينهم ، والقُصَّاص لهم طريقهم ، وقد ألَّف العلماء في هذا للتحذير منهم ، الإمام السيوطي له كتاب (تحذير الخواص من أكاذيب القصاص) حتى في الخليج عندهم تعبير يدلُّ على كذب هـؤلاء القُصَّاص : فلان قَصَّاص . يعني يكذب ، أما العلماء فلا يتصوَّر ذلك منهم .
كذلك اشترط العلماء لقَبول الحديث ألا يكون فيه عِلَّة قادحة في سنده أو متنه ، ولو كان سنده في ظاهر الأمر مقبولا . كلُّ هذه شروط ذكروها ، فكيف يُقال بعد ذلك : يأتـي أي إنسـان ويقـول : حدثـنـي مالك ، عن نافـع ، عن ابن عمر . دون أن نقول له مَن أنت ؟ وكيف حدَّثك مالك ؟ من أيِّ أصحابه أنت ؟ من أصحابه المدنيين ، أمن أصحابه المكيين ، أم من أصحابه المصريين ؟ وكيف حدَّثك أنت ولم يحدِّث أحدًا من أخصِّ تلاميذه ؟
حتى ولو جاء واحد وفعل ذلك ، ونظروا فيه ووجدوا أنه عدل مشهود له ، وهذا لا يحدث لأن سنَّة الله تعالى اقتضت أن يفضح الكذَّابين ، سنة من سنن الله كما قيل : غشُّ القلوب يظهر على صفحات الوجوه ، وفلتات الألسن(11). وكما قال الله تعالى : ) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ ۚ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ( (محمد:30) ، وكما قال زهير
ومهما تكن عند امرئ من خليقة
وإن خالها تخفى على الناس تُعْلم
فلو فرض أن واحدًا استطاع بكلِّ الحيل أن يخفي شخصيَّته وهو كذَّاب ولم يعرفه أحد ، لا ممن حوله ، ولا من شيوخه ، ولا من تلاميذه ، وقال : حدثني مالك . وجاء بشيء لم يعرفه أحد ، فهذا هو الحديث الشاذ؛ لأنه خالف كلَّ الرواة ، بل هو أشذ الشذوذ . والعلماء يعبِّرون عن هذا بقولهم : حديث غريب . ويقولون أيضًا : جاء بحديث لا يُتَابع عليه . أي لم يتابعه راوٍ آخر ، ولا ثقة آخر ، وإذا كثُر منه هذا وذكر أكثر من حديث قالوا : يأتي بالغرائب ، أحاديثه لا يتابع عليها .
ومن تتبَّع كتب الضعفاء مثل الكامل لابن عدي ، أو ميزان الاعتدال للذهبي ، أو غير ذلك من الكتب ، يجد هذه العبارة التي تعني أنه يأتي بالغريب من الأحاديث ، أحاديثه غريبة ، لا يُتَابع عليها ، فيرفض هذا ويُرَد ، فكيف يتصوَّر هؤلاء أن هناك مَن يُرَكِّبُ الإسناد ، ولا يكشف وضعه وكذبه .
هذا يجوز عند العامة ، وهذا كان يفعله القُصَّاص ، يذهبون إلى المساجد والعوام ، ويخترعوا من الأسانيد ما يشاءون ؛ لأن العوام يصدِّقون ما يُقال لهم . كما نرى في عصرنا هذا ، مثل وصية الشيخ أحمد حامل مفاتيح الحرم النبوي ، رأى النبي * في المنام وقال له كذا . . وعلى كل مَن قرأ هذه يكتب منه ثلاثين نسخة ويوزِّعها ، وإلا حصل له كذا . . وقد قرأها فلان ولم يوزعها فحصل له كذا(12).
وهذا كلام يصدِّقه العوام ، وأنتم تعرفون قصة الإمام أحمد ويحيى بن معين ، حينما صلَّى أحمد بـن حنـبـل ويحـيـى ابن معين في مسجد الرصافة ، فقام بين أيديهم قاصٌّ فقال : حدثني أحمد بن حنبل ويحيى بـن معـيـن قـالا : حدثـنـا عبد الرزاق ، عن قتادة ، عن أنس قال : قـال رسـول الله * قال : =مَن قال لا إله إلا الله . خلق الله من كلِّ كلمة طيرًا منقاره من ذهب وريشه من مرجان . واستمر يذكر في هذا الحديث نحوًا من عشرين ورقة ، فجعل أحمد ينظر إلى يحيى ، ويحيى ينظر إلى أحمد ، فقال : أنت حدَّثتَ بهذا ؟
فقال : والله ما سمعت بهذا إلا الساعة . فلما انتهى أشار إليه يحيى فجاء متوهِّمًا نوالاً ، فقال له يحيى : مَن حدثك بهذا ؟
قال : أحمد بن حنبل ويحيى بن معين .
فقال يحيى : أنا يحيى وهذا أحمد ، ما سمعت بهذا قط في حديث رسول الله ، فإن كان لا بدَّ فعلى غيرنا .
فقال القاصُّ : لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحـمـق ، ما تحقَّقتُه إلا الساعة .
فقال له يحيى : وكيف؟
فقال : أليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما ؟ لقد كتبتُ عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحـيـى ابن معين .
فوضع أحمد كمه على وجهه وقال : دعه يقوم . فقام كالمستهزئ بهما(13).
هذا الكلام يروج عند العامة ، ولا يروج عند العلماء ، لو ذهب إلى حلقة علم وقال فيها هذا الكلام ، مثل هذا يضرب بالنعال . العلماء لهم معاييرهم وموازينهم ، والقُصَّاص لهم طريقهم ، وقد ألَّف العلماء في هذا للتحذير منهم ، الإمام السيوطي له كتاب (تحذير الخواص من أكاذيب القصاص) حتى في الخليج عندهم تعبير يدلُّ على كذب هـؤلاء القُصَّاص : فلان قَصَّاص . يعني يكذب ، أما العلماء فلا يتصوَّر ذلك منهم .
Page 7
ومن العجيب أن هذا الرجل يقول : إن هذه (الفبركة) في الأحاديث تصدر من الفقهاء ! الفقهاء يكذبون ، الفقهاء يخـتـرعـون أحاديث عـن رسـول الله * ! مَن من الفقهاء ؟ أبو حنيفة ، أنتم قلتم : إن أبا حنيفة لم يثبت عنده إلا سبعة عشر حديثًا(14). في بعض المجلات عندما يريدون أن يطعنوا في السنة يقولون : إن أبا حنيفة لم يثبت عنده إلا سبعة عشر حديثًا . وهذا كذب وافتراء .
وقد ردَّ على هؤلاء ابن خلدون في مقدمته ، فقال : (وقد تقوَّل بعض المبغضين المتعسفين ، إلى أن منهم من كان قليل البضاعة في الحديث ، فلهذا قلَّت روايته! ولا سبيل إلى هذا المعتقد في كبار الأئمة ؛ لأن الشريعة إنما تُؤخذ من الكتاب والسنة . ومَن كان قليل البضاعة من الحديث ، فيتعيَّن عليه طلبه وروايته والجِد والتشمير في ذلك ، ليأخذ الدين عن أصول صحيحة ، ويتلقَّى الأحكام عن صاحبها المبلِّغ لها . وإنما قلَّل منهم مَن قلَّل الرواية ؛ لأجل المطاعن التي تعترضه فيها ، والعلل التي تعرض في طُرُقها ، سيما والجرح مقدَّم عند الأكثر ، فيؤدِّيه الاجتهاد إلى ترك الأخذ بما يعرض مثل ذلك فيه ، من الأحاديث وطرق الأسانيد . ويكثر ذلك فتقلُّ روايته لضعف في الطرق . . . والإمام أبوحنيفة إنما قلَّت روايته لما شدَّد في شروط الرواية والتحمُّل ، وضعَّف رواية الحديث اليقيني إذا عارضها الفعل النفسي . وقلَّت من أجلها روايته ، فقلَّ حديثه . لا أنه ترك رواية الحديث متعمِّدا ، فحاشاه من ذلك . ويدلُّ على أنه من كبار المجتهدين في علم الحديث : اعتماد مذهبه بينهم ، والتعويل عليه ، واعتباره ردًّا وقَبولا)(15).
فهم خطفوا الكلام وأخذوا بعضه وتركوا البعض .
مَن من الفقهاء الذي كان يركب الأسانيد ويختلق الأحاديث؟ أبو حنيفة أم مالك؟ الإمام مالك الذي كان قبل أن يحدِّث عن رسول الله * يتوضَّأ ويتطيَّب ويجلس ، وعندما يحدِّث عن رسول الله * تأخذه رعدة ، تعظيمًا لحديث رسول الله *
أم الشافعي أم أحمد بن حنبل ؟ أم الثوري والأوزاعي والليث بن سعد ؟ مَن من هؤلاء ؟ أم فقهاء الأمة فقهاء التابعين؟ سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء والحسن البصري ، مَن منهم ؟
لا يمكن أن يكذب واحد من هؤلاء ! هؤلاء هم الذين اشترطوا الأسانيد ، الإسناد مما اختصَّت به هذه الأمة ، لو ذهبنا إلى اليهود أو النصارى ما وجدنا عندهم أسانيد حتى لكتبهم الأصلية ، الـتـوراة ليس لــها سـنـد ، لـم تثبت لا بالـتـواتـر ولا بالآحاد ، ولذلك حُرِّفت وبُدِّلت ، حتى الأناجيل الأربعة الموجودة ، أين النسخة الأصلية من الإنجيل المكتوبة باللغة الأصلية عن المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام ؟ لا توجد ، لا توجد إلا الترجمات التي كُتبت بعد المسيح بعشرات السنين ، وهذا باعترافهم أنفسهم ، فالإسناد من خصائص هذه الأمة .
قال ابن سيرين كما روى الإمام مسلم في مقدِّمة صحيحه قال : الإسناد من الدين ، ولولا الإسناد لقال مَن شاء ما شاء(16). لولا الإسناد لقال مَن شاء ما شاء .
ولذلك حدَّث أبو إسحاق إبراهيم بـن عيسى الطالقانـي عبد الله بن المبارك فقال : يا أبا عبد الرحمن ، الحديث الذي جاء : =إن من البرِّ بعد البر : أن تصلِّي لأبويك مع صلاتك ، وتصوم لهما مع صومك.
قال : فقال عبد الله : يا أبا إسحاق ، عمَّن هذا ؟ قال : قلتُ له : هذا من حديث شهاب بن خِراش .
فقال : ثقة ، عمَّن؟ قال : قلتُ : عن الحجاج بن دينار .
قال : ثقة ، عمَّن ؟ قال : قلتُ : قال رسول الله * .
قال : يا أبا إسحاق ، إن بين الحـجـاج بن ديـنـار وبين النبي * مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي ، ولكن ليس في الصدقة اختلاف(17).
هناك مسافة زمنية طويلة ، أين هو وأين رسول الله *؟ ألا يستحي هؤلاء الذين يَدَّعون هذا ؟ ألا يرجعون إلى تاريخ هذه الأمة فيعرفوا ماذا صنع علماء الأمة ، منذ عهد الصحابة والتابعين ؟ كيف رحلوا في طلب الحديث ؟ لم تعرف الدنيا في تاريخ العلم أناسًا رحلوا في طلب العلم كما فعل علماء المسلمين في طلب الحديث .
وقد ردَّ على هؤلاء ابن خلدون في مقدمته ، فقال : (وقد تقوَّل بعض المبغضين المتعسفين ، إلى أن منهم من كان قليل البضاعة في الحديث ، فلهذا قلَّت روايته! ولا سبيل إلى هذا المعتقد في كبار الأئمة ؛ لأن الشريعة إنما تُؤخذ من الكتاب والسنة . ومَن كان قليل البضاعة من الحديث ، فيتعيَّن عليه طلبه وروايته والجِد والتشمير في ذلك ، ليأخذ الدين عن أصول صحيحة ، ويتلقَّى الأحكام عن صاحبها المبلِّغ لها . وإنما قلَّل منهم مَن قلَّل الرواية ؛ لأجل المطاعن التي تعترضه فيها ، والعلل التي تعرض في طُرُقها ، سيما والجرح مقدَّم عند الأكثر ، فيؤدِّيه الاجتهاد إلى ترك الأخذ بما يعرض مثل ذلك فيه ، من الأحاديث وطرق الأسانيد . ويكثر ذلك فتقلُّ روايته لضعف في الطرق . . . والإمام أبوحنيفة إنما قلَّت روايته لما شدَّد في شروط الرواية والتحمُّل ، وضعَّف رواية الحديث اليقيني إذا عارضها الفعل النفسي . وقلَّت من أجلها روايته ، فقلَّ حديثه . لا أنه ترك رواية الحديث متعمِّدا ، فحاشاه من ذلك . ويدلُّ على أنه من كبار المجتهدين في علم الحديث : اعتماد مذهبه بينهم ، والتعويل عليه ، واعتباره ردًّا وقَبولا)(15).
فهم خطفوا الكلام وأخذوا بعضه وتركوا البعض .
مَن من الفقهاء الذي كان يركب الأسانيد ويختلق الأحاديث؟ أبو حنيفة أم مالك؟ الإمام مالك الذي كان قبل أن يحدِّث عن رسول الله * يتوضَّأ ويتطيَّب ويجلس ، وعندما يحدِّث عن رسول الله * تأخذه رعدة ، تعظيمًا لحديث رسول الله *
أم الشافعي أم أحمد بن حنبل ؟ أم الثوري والأوزاعي والليث بن سعد ؟ مَن من هؤلاء ؟ أم فقهاء الأمة فقهاء التابعين؟ سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء والحسن البصري ، مَن منهم ؟
لا يمكن أن يكذب واحد من هؤلاء ! هؤلاء هم الذين اشترطوا الأسانيد ، الإسناد مما اختصَّت به هذه الأمة ، لو ذهبنا إلى اليهود أو النصارى ما وجدنا عندهم أسانيد حتى لكتبهم الأصلية ، الـتـوراة ليس لــها سـنـد ، لـم تثبت لا بالـتـواتـر ولا بالآحاد ، ولذلك حُرِّفت وبُدِّلت ، حتى الأناجيل الأربعة الموجودة ، أين النسخة الأصلية من الإنجيل المكتوبة باللغة الأصلية عن المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام ؟ لا توجد ، لا توجد إلا الترجمات التي كُتبت بعد المسيح بعشرات السنين ، وهذا باعترافهم أنفسهم ، فالإسناد من خصائص هذه الأمة .
قال ابن سيرين كما روى الإمام مسلم في مقدِّمة صحيحه قال : الإسناد من الدين ، ولولا الإسناد لقال مَن شاء ما شاء(16). لولا الإسناد لقال مَن شاء ما شاء .
ولذلك حدَّث أبو إسحاق إبراهيم بـن عيسى الطالقانـي عبد الله بن المبارك فقال : يا أبا عبد الرحمن ، الحديث الذي جاء : =إن من البرِّ بعد البر : أن تصلِّي لأبويك مع صلاتك ، وتصوم لهما مع صومك.
قال : فقال عبد الله : يا أبا إسحاق ، عمَّن هذا ؟ قال : قلتُ له : هذا من حديث شهاب بن خِراش .
فقال : ثقة ، عمَّن؟ قال : قلتُ : عن الحجاج بن دينار .
قال : ثقة ، عمَّن ؟ قال : قلتُ : قال رسول الله * .
قال : يا أبا إسحاق ، إن بين الحـجـاج بن ديـنـار وبين النبي * مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي ، ولكن ليس في الصدقة اختلاف(17).
هناك مسافة زمنية طويلة ، أين هو وأين رسول الله *؟ ألا يستحي هؤلاء الذين يَدَّعون هذا ؟ ألا يرجعون إلى تاريخ هذه الأمة فيعرفوا ماذا صنع علماء الأمة ، منذ عهد الصحابة والتابعين ؟ كيف رحلوا في طلب الحديث ؟ لم تعرف الدنيا في تاريخ العلم أناسًا رحلوا في طلب العلم كما فعل علماء المسلمين في طلب الحديث .
Page 8
جابر بن عبد الله ذهب إلى الشام شهرًا ذهابًا وشهرًا إيابًا ليسمع حديثًا من عبد الله بن أنيس ، قال جابر بن عبد الله : بلغني عن رجل من أصحاب رسول الله * حديث سمعه من رسول الله * لم أسمعه منه . قال : فابتعتُ بعيرا فشددتُ عليه رحلي ، فسرتُ إليه شهرا حتى أتيتُ الشام ، فإذا هو عبد الله ابن أنيس الأنصاري قال : فأرسلتُ إليه جابرا على الباب .
قال : فرجع إليَّ الرسولُ فقال : جابر بن عبد الله؟ فقلتُ : نعم .
قال : فرجع الرسول إليه ، فخرج إليَّ فاعتنقني واعتنقته .
قال : قلتُ : حديث بلغني أنك سمعته من رسول الله * في المظالم ، لم أسمعه ، فخشيتُ أن أموت أو تموتَ قبل أن أسمعه .
فقال : سمعتُ رسول الله * يقول : =يحشر الله العباد عراة غرلا بهما . . . الحديث(18).
ويخرج أبو أيوب إلى عقبة بن عامر وهو بمصر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله * ، فلما قدم أتى منزل مسلمة ابن مخلد الأنصاري ، وهو أمير مصر ، فأخبر به فخرج إليه فعانقه ، وقال : ما جاء بك ، يا أبا أيوب؟
قال : حديث سمعتُه من رسول الله * ، لم يبقَ أحد سمعه غيري وغير عقبة ، فابعث مَن يدلُّني على منزله . قال : فبعث معه مَن يدلُّه على منزل عقبة ، فأخبر عقبة به ، فخرج إليه فعانقه ، وقال : ما جاء بك ، يا أبا أيوب؟
فقال : حديث سمعتُه من رسول الله * ، لم يبقَ أحد سمعه غيري وغيرك في ستر المؤمن . قال : نعم ، سمعتُ رسول الله * يقول : =مَن ستر مؤمنا في الدنيا على خربه ستره الله يوم القيامة.
فقال له أبو أيوب : صدقت . ثم انصرف أبو أيوب (19).
هكذا كان الصحابة ، والتابعون كذلك ، يقول سيد التابعين سعيد بن المسيب : إن كنتُ لأسير الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد(20)!
وحدَّث عامر الشعبي بحديث : =ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين . . . ، ثم قال الشعبي : =وأعطيتُكها بغير شيء ، وقد كان الرجل يرحل في أهون منها إلى المدينة(21) يريد أن يقول له : خذها عفوًا صفوًا بدون تعب ولا مشقة (خذها مجانًا) ، أما نحن فكنا نتعب فيما هو أقل منها ، ونقطع فيما دونها المفازات .
كلُّ هذا في سبيل الله ، ومن أجل طلب العلم .
انظروا إلى رحلات علماء الحديث كيف رحلوا ؟ الإمام أحمد بن حنبل ذهب إلى اليمن ولم يكن عنده مال ليكتري راحلة يركب عليها ، فكان يكري نفسه لأصحاب القوافل حتى وصل إلى اليمن وسمع من عبد الرَّزَّاق ، ولما رجع ظهر به شحوبا بمكة ، وقد تبيَّن عليه النصب والتعب ، فقيل له : لقد شققتَ على نفسك في خروجك إلى عبد الرزاق . فقال : هين فيما استفدنا من عبد الرزاق(22).
الأمة لم تكن أمة (مغفلة) ، الصالح المغفل لا يؤخذ منه الحديث ، لأنه من أصحاب الغفلة ، ممكن أن يضحك عليه أحد من الناس؛ فـيـدسُّ لـه حـديـث وهـو لا يـدري ، فكانـوا لا يأخذون إلا عن الوعاة .
هذا هو السبب الأول الذي جعل هؤلاء يطعنون في السنة ، ويشكِّكون فيها ، وهو الجهل : الجهل بالقرآن ، الجهل بالسنة ، والجهل بعلوم الحديث ، والجهل بتاريخ الحديث ورجاله ، والجهـل بتاريخ الأمة وعلمائها ، فهذا الجهل سبب من الأسباب .
قال : فرجع إليَّ الرسولُ فقال : جابر بن عبد الله؟ فقلتُ : نعم .
قال : فرجع الرسول إليه ، فخرج إليَّ فاعتنقني واعتنقته .
قال : قلتُ : حديث بلغني أنك سمعته من رسول الله * في المظالم ، لم أسمعه ، فخشيتُ أن أموت أو تموتَ قبل أن أسمعه .
فقال : سمعتُ رسول الله * يقول : =يحشر الله العباد عراة غرلا بهما . . . الحديث(18).
ويخرج أبو أيوب إلى عقبة بن عامر وهو بمصر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله * ، فلما قدم أتى منزل مسلمة ابن مخلد الأنصاري ، وهو أمير مصر ، فأخبر به فخرج إليه فعانقه ، وقال : ما جاء بك ، يا أبا أيوب؟
قال : حديث سمعتُه من رسول الله * ، لم يبقَ أحد سمعه غيري وغير عقبة ، فابعث مَن يدلُّني على منزله . قال : فبعث معه مَن يدلُّه على منزل عقبة ، فأخبر عقبة به ، فخرج إليه فعانقه ، وقال : ما جاء بك ، يا أبا أيوب؟
فقال : حديث سمعتُه من رسول الله * ، لم يبقَ أحد سمعه غيري وغيرك في ستر المؤمن . قال : نعم ، سمعتُ رسول الله * يقول : =مَن ستر مؤمنا في الدنيا على خربه ستره الله يوم القيامة.
فقال له أبو أيوب : صدقت . ثم انصرف أبو أيوب (19).
هكذا كان الصحابة ، والتابعون كذلك ، يقول سيد التابعين سعيد بن المسيب : إن كنتُ لأسير الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد(20)!
وحدَّث عامر الشعبي بحديث : =ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين . . . ، ثم قال الشعبي : =وأعطيتُكها بغير شيء ، وقد كان الرجل يرحل في أهون منها إلى المدينة(21) يريد أن يقول له : خذها عفوًا صفوًا بدون تعب ولا مشقة (خذها مجانًا) ، أما نحن فكنا نتعب فيما هو أقل منها ، ونقطع فيما دونها المفازات .
كلُّ هذا في سبيل الله ، ومن أجل طلب العلم .
انظروا إلى رحلات علماء الحديث كيف رحلوا ؟ الإمام أحمد بن حنبل ذهب إلى اليمن ولم يكن عنده مال ليكتري راحلة يركب عليها ، فكان يكري نفسه لأصحاب القوافل حتى وصل إلى اليمن وسمع من عبد الرَّزَّاق ، ولما رجع ظهر به شحوبا بمكة ، وقد تبيَّن عليه النصب والتعب ، فقيل له : لقد شققتَ على نفسك في خروجك إلى عبد الرزاق . فقال : هين فيما استفدنا من عبد الرزاق(22).
الأمة لم تكن أمة (مغفلة) ، الصالح المغفل لا يؤخذ منه الحديث ، لأنه من أصحاب الغفلة ، ممكن أن يضحك عليه أحد من الناس؛ فـيـدسُّ لـه حـديـث وهـو لا يـدري ، فكانـوا لا يأخذون إلا عن الوعاة .
هذا هو السبب الأول الذي جعل هؤلاء يطعنون في السنة ، ويشكِّكون فيها ، وهو الجهل : الجهل بالقرآن ، الجهل بالسنة ، والجهل بعلوم الحديث ، والجهل بتاريخ الحديث ورجاله ، والجهـل بتاريخ الأمة وعلمائها ، فهذا الجهل سبب من الأسباب .
Page 9
السبب الثاني : التحامل والحقد على الإسلام
كذلك من الأسباب التي دفعتهم للطعن في السنة والتشكيك فيها : التحامل والحقد على الإسلام ، وهذا نجده من المستشرقين والمبشِّرين ، وغير هؤلاء من تلاميذهم وفروخهم ، الذين يدَّعون العلمية والموضوعية والحياد ، ولكنهم للأسف متحاملون أشد التحامل ، لأن الأصل أن يبحث الإنسان وهو خالي الذهن ، يستدلُّ ثم يعتقد . ولكن هؤلاء يعتقدون ثم يستدلُّون ، كوَّن قبل أن يبحث ، عنده فكرة مسبقة عن الإسلام ، وعن القرآن والسنة ، ثم يبحث في الكتب ليتصيَّد أيَّ شيء يخدم فكرته ، فهو لا يبحث بحثًا موضوعيًّا ، ولا يقف من الحقيقة العلمية موقف الحياد والنزاهة ، لا ، بل هو يريد أن يستخدم كلَّ شيء ، ولذلك يأخذ الروايات الضعيفة ويترك الروايات الصحيحة ، يأخذ ببعض الكلمات ويترك باقيها ، يفسِّر العبارات والكلمات تفسيرًا على غير حقيقتها .أضرب لكم مثلاً على ذلك ، ابن سيرين يقول : لم يكونوا يسألون عن الإسناد ، ابن سيرين هذا من التابعين ، من فقهاء التابعين ومحدِّثيهم ، (ت110هـ) ، يقول : لم يكونوا ـ أي الجيل الذي قبله ، يعني جيل أصحاب رسول الله * ـ يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة قالوا : سمُّو لنا رجالكم، فننظر إلى أهل السنة فنأخذ حديثهم ، وإلى أهل البدعة فلا نأخذ حديثهم (23). فكانوا بعد ذلك لا يؤخذون الحديث إلا ممَّن يعرفوه .
ماذا يُفهم من كلمة : سمُّوا لنا رجالكم ؟ ماذا يفهم أيُّ إنسان يعرف التاريخ الإسلامي من كلمة : فلما وقعت الفتنة ؟ إنها الفتنة في زمن عثمان ، الفتنة التي سمَّاها الدكتور طه حسين (الفتنة الكبرى) ، يأتي أحد عتاتهم ويقول : الفتنة هنا فتنة وقعت سنة (130هـ) أيام الوليد بن عبد الملك ، وقد أخذ هذا من تاريخ الطبري من قوله : فلما هاجت الفتنة حصل كذا وكذا ، قرأ في تاريخ الطبري كلمة الفتنة فحملها على الفتنة الكبرى ، فلما بحث وجد أن الفتنة وقعت سنة (130هـ) ، وابن سيرين قائل هذا الكلام توفي سنة (110هـ) ، فكيف يقول عن فتنة وقعت بعده؟! فقال : لا بد أن هذا الكلام موضوع على ابن سيرين .
انظروا : أهذه عقلية علمية ؟ المفهوم حقًّا أنه لما وقعت فتنة عثمان ، وأصبح هناك أهواء وشِيَع وأحزاب ، ودخل الداخلون في الإسلام ممَّن ليسوا بمخلصي النية في الإسلام ، أصبحوا يتحرَّون ، هذا هو المفهوم ، وهذا الذي تدلُّ عليه العبارة . رجل يخرج بالعبارة عن أصلها ، ثم يجد أن هذا ليس صحيحًا ، ويرى أنها ليست الفتنة ، فيأتي ويقول : إنها موضوعة ومكذوبة .
لماذا يفعل ويقول هذا ؟ لأن هذه الكلمة لو ثبتت لدلَّت على أن المسلمين بدءوا يتحرَّون عن الأسانيد من عهد مبكِّر ، منذ عهد عثمان ، هؤلاء لا يريدون أن يقولوا هذا ، هذه كلمة تهدم عليهم كلَّ ما يريدونه ، يريدون أن يقولوا إن البحث عن الإسناد جاء في عصر متأخِّر ، فهل هذا علم؟ هذا علم موظَّف لخدمة أهداف معيَّنة ، وهذا ليس من العلم في شيء ، فهناك تحامل منهم على سنة رسول الله * .