eKtab
EN ع
الصندوق الأسود
Read free sample

الصندوق الأسود

by كليزار أنور

Page 1
(1)
 
ست عشرة امرأة متفاوتات الأعمار·· سوريات وعراقيات·· مخطوفات النظرة، والخوف من أن تفشل العملية·· جاءوا بقلوب ملؤها الرجاء في أن تتكور بطونهن حالمات بشيء يَكبر بين أحشائهن· ويبقى الأمل·· قارة نتمنى أن تطأها أقدامنا·
 
ست عشرة امرأة توزعن بين غرف المشفى الأنيق·· في صالتنا ثمانية أَسرّة، على كل سرير تقطن حكاية امرأة كل حلمها أن تكونَ أُماً ذات يوم، فيهنَّ مَن تزوَّجن قبل خمسة عشر عاماً أو أكثر أو أقل، وما لجأن لآخر مرحلة إلاّ بعد أن نفدت كل سبل العلاج الطبيعي·
 
صباحاً أمطرت·· بدأ رذاذاً متقطعاً، ثم انهمر وابلاً وبوشوشة ملأت زوايا المكان والقلوب· استبشرنَ خيراً، فالمطر خير·· نقر قطرات المطر وقّع نغماً جميلاً على زجاج النوافذ·· بينَ برهة وأخرى تفتح إحداهن الحاجز الزجاجي وتتنفس بعمق ملءَ نفسها الهواء العذب وكأنهنّ يملأن صدرهن به، فللأرض عطر خاص ينبثق لحظة استحمامها بالمطر·
 
الانتظار ممل قضينا عليه بالأحاديث الجانبية، وربما التافهة·· وبعضهن سردن حكاياتهن منذ ليلة زفافهن إلى ما وصلت إليه اليوم في هذه الصالة: (إسراء) امرأة متزوجة منذ تسع سنين ترتدي العباءة المحلية، ولم تخلعها رغم أننا كلنا نساء من حولها·· جاءت من مدينة (الكوت) وسط العراق بصحبة زوجها الذي هددها إن لم تحمل بعد هذه العملية، فسيتزوج عليها بامرأة أخرى· تعيش مع أهل زوجها· تسع سنوات من القهر والذل والمهانة·· قالت لنا: كل يوم يذكروني بجدبي، وكأنه فيتامين أتناوله مع طعام الفطور والغداء والعشاء· لا أعرف كيف يفكر الناس، فالعقم قدرٌ من الله لم يستثنِ حتى الأنبياء منه· يهب لمن يشاء ذكوراً، ويهب لمن يشاء إناثاً، ويجعل من يشاء عقيماً المهم أن إسراء استدانت ثمن الرحلة من أهلها وصديقاتها القريبات، لأن زوجها رفض أن يشاركها ولو بجزء قليل من التكلفة· حزنت من كل قلبي على مأساتها ودعوت ربي أن يعطيها ما جاءت من أجله لتستمر -على الأقل- حياتها الزوجية· أما (سوسن) جاءت من مدينة (الأنبار)·· تزوجت مرة ورُزقت بطفلة وطُلِقت وتزوجت للمرة الثانية، لكنها لم تُنجب منه، رغم زواجها قبل سبع سنوات· زوجها يريد طفلاً، وشرطه أن يكون ولداً وليس بنتاً! و(ماري) امرأة سورية من دمشق بيضاء البشرة في الثلاثين من عمرها· 
Page 2
يسترسل شعرها الأسود الصقيل، الناعم على كتفيها· أنيقة جداً ومرحة وطيبة القلب وحادة المزاج، وجهها كتشرين يتغير في ثوانٍ· تزوجت قبل ثمانِ سنوات·· حملت سبع مرات، وكل مرة يسقط جنينها في الشهر الثاني من الحمل·· عمليات الإجهاض المتكررة أثرت على نفسيتها، فلجأت لهذا المشفى وتبين أن هناك صبغة في البويضة تقتل الجنين، ومهمة الطبيب هنا سحب البويضات ونزع هذه الصبغة قبل تلقيحها·· إنها تريد ثلاث توائم· مازحتها: - كيفَ ستربينهم لوحدكِ؟ فأجابت: - بالببرونات أي قناني الحليب· و(عالية) من حوران·· هذه هي العملية الثامنة لها·· سبع مرات فشلت وما زالت متعلقة بالأمل· و(سيماء) من مدينة بعقوبة لديها ابنة واحدة في العاشرة من عمرها، لكنها تريد طفلاً ذكراً ليرث أملاك جده· منطقٌ غريب أم هي سوء عدالة في الميراث، فالبنت ترث الثلث بينما الولد يرث الكل!! و(غادة) الزوجة الثانية، فالأولى أنجبت درزينة من الأطفال، بينما بقيت هي تراقبهم بحسرة، رغم حب زوجها لها، تشعر بأنهُ منهم ويشكلون حلقة منسجمة الدوران، تنظر بعين الأسى إلى أولاد الأولى متمنية أن يرزقها الله بيوسف! و(لميس) متزوجة منذ ثمانية عشر عاماً·· تزوجت في الثالثة عشرة من عمرها·· سنة تلتها أخرى·· تلٌ يكبر·· يصبح جبلاً تسحبهُ السنون· بينها وبين زوجها حبٌ جارف لم يُنقصه الجدب يوماً· لديهما بيتٌ جميل وسيارة حديثة، وكل ما تحلم به أن يرزقهما الله بطفل أو طفلة يبدد وحشة بيتهم الدافئ· بعد الثانية عشرة ظهراً أخطرونا بالاستعداد وتهيئة أنفسنا·· وزعوا علينا حقائب زرقاء اللون عليها شعار المشفى·· تحوي بداخلها على مناديل ورقية وصوابين ومعقمات جيلية، ووزعوا علينا أثواباً وردية، على كل واحدة أن تبدل ملابسها بهذا الثوب·· قبل أن أرتدي ثوبي الوردي توضأت وصليت -في الشرفة- صلاة الظهر وركعتين نافلة لله داعية منه أن يكون معي ومع أية امرأة حرمها من نعمة الأمومة· وبالتسلسل ركبنا كراسي متحركة مغطين أكتافنا بشراشف صفر·· كنتُ السابعة من بينهن· جاءت الممرضة وساعدتني في الجلوس على العربة، عندما دفعتني للخروج من باب الصالة بحثت عيناي عن زوجي، رأيته واقفاً أمام كاونتر الاستعلامات الداخلية·· لوحتُ له بيدي مودعة، فقد لا أعود!
 
أنزلتني بالمصعد إلى الطابق الأرضي·· تحت المشفى عالمٌ آخر·· عالمٌ يتقرر المصير فيه، هنا تُسحب البويضات وتُخصَّب·· تحيا ويحيا معها الأمل وتخضرّ البطون بعد جدبها، أو ربما تموت لتتحول النفس إلى صحراء!
Page 3
أخرجوا التي قبلي من غرفة العمليات كانت فاقدة الوعي ممددة على سدية تجرها إحدى المعينات·· أدخلتها المصعد لتأخذها إلى فوق· سألتني الطبيبة التي يسترسل شعرها الذهبي كحقل سنابل على أكتافها:
 
- بماذا تشعرين؟
 
أجبتها بخوفٍ حقيقي:
 
- قلبي يدق بقوة·
 
فردت بابتسامة لطيفة:
 
- وهو المطلوب·· وهل تريدينه أن يتوقف·
 
هي لا تعرف كم هذه النقطة فاصلة في حياتي· كنتُ أرتجف من البرد· هل هو القلق؟ لا أدري! قرأتُ -في سري- كل ما أحفظه من آيات قرآنية وأدعية·
 
جاءت الممرضة ووضعت (كانولة) في يدي اليسرى مع دعاء تسمعهُ من كل مَن يقابلك في هذا المشفى: الله يجبر بخاطرك دعاء جميل، فعلاً الله يُجبر بخاطرنا· وسحبت العربة أمام الغرفة رقم (1)· خرج الدكتور الذي يعالجني· سلمَ عليّ بلطفٍ شديد -وهو يفعلها مع الكل- وقال: الله يطعميكي صبي فرددت: إن شاء الله·
 
اليوم يوم السحب· سحبوا قبل قليل الحيامن من زوجي·· والآن سيسحبون البويضات الناضجة مني· أدخلتني المعينة غرفة العمليات وساعدتني بالاستلقاء على طاولة العمليات·· وضعت ذراعيّ على ذراعي السرير وساقيَّ على سواعد مرفوعة·· ووضعت ماسكة في سبابتي اليسرى، هذه الماسكة متصلة عبر سلك كهربائي بجهاز أسود له شاشة مستطيلة تمر عليها إشارات· نظرتُ إلى الساعة - المعلقة على الجدار مرسوم عليها شعار المشفى -أُمٌ تحتضن طفلها، جسدان لنصفين علويين يشكلان كرة متصلة من الأسفل· معنى مجازي رائع·· إنهُ الفن!- عقرباها يشيران إلى الثانية ظهراً· وتركتني وحدي·· تأملتُ ما حولي بشيءٍ من الخوف، أو ربما الذعر، فهذه المرة الأولى في حياتي التي أُمدد على طاولة العمليات· غرفة جدرانها مطلية بالبياض، كل ما فيها أجهزة طبية ودوارق مليئة بالمعقمات، غرفة مكيفة، هواؤها منعش بمعطرات طبية لها رائحة الليمون· على الجدار الذي على يميني نافذة صغيرة مربعة الشكل مغلقة ببابٍ من الألمنيوم· لم يدق قلبي مثلما يدق اليوم، ما باله يسرع بالدقات!
Page 4
في الحلم·· في الواقع، وجدتني أُماً·· طفلٌ جميل يحبو نحوي لأكون ملاذه· اخترت -ومنذ زمنٍ بعيد، حتى قبل أن أتزوج- لابني اسماً سرياً سيكون تاريخي الذي سأبني عليه ميلادي الجديد· اخترت اسم (مروان) دون الأسماء كلها· لماذا؟ لا أدري! وبدأت أسترسل في التفكير·· كيفَ سأكون أُماً! أحشاء تمتلئ أولاً بالنبض والحيوية·· أحشاء تجول بها روحٌ صغيرة، وستكبر إلى أن تتحول جسداً ينبلج عنه الضوء إلى الوجود· أظن سيكون له إرث جديداً في حياة مليئة بالوعد·
 
هل حقاً سأكون أُماً؟ بدأتُ أُفكر في كيفية انفراجها عن مكنوناتي لأكون أُماً بين الأمهات· هل يحق لي ذلك الحلم الطبيعي جداً· قررت لحظتها أن أكتب عن معاناتي هذه حالما أعود لبيتي، أُسردها كما هي لتُدوّن بداية الكتابة عن حلم سينبض -ربما- بالوجود·
 
الكتابة والحلم·· مرادفان متداخلان من معنى واحد عندي يمنحاني افتراضاً بأن الكتابة حياة! أكتب حلمي الذي حرمت منه، وأن أعيشه افتراضاً· كتابة الحلم تعني الكثير·· تعني سبيلاً لتثبيته في الوجود الحقيقي· كيف تسير تلك الكلمات وتتحد في المعنى هذا لتمتلئ به أحشائي·· تمتلئ الأخاديد العميقة التي بصدري حليباً أسقي بها طفلاً يعطيني إحساساً بأنه يكبر من خلاياي· طفلاً يحمل مني جزءاً يزيدني بها حياةً تعويضاً عن حرمانٍ وحسرةٍ شاءها القدر عليّ· حلمي أن تكون لي كينونة أرعاها وأحرص عليها، أنشغل بها· فلسفة غيبية، أن لا يفكر المرء منا بفقدانها·· وأنا قد أمسكت الكلمة والحلم!
 
المفردة أُفككها·· ألتهمها·· هل يحق لي أن أكون أُماً؟ هل يجوز أن تنقلب كل تلك المعادلات القَدرية إلى معادلات لها واقع حي على أرض الوجود؟ سئمتُ الكتابة التي لم تحقق الحلم، فعليّ أن أُحققها بالفعل لتُفرض على الواقع·
 
سيكون لي ابنٌ·· تكورات لذيذة في الجسد، في امتداد الرحم، وأنا أحضنهُ، ستكون تكورات لها نبض· هل سأحمل قلباً صغيراً ينبض بداخلي تسعة أشهر؟ ما تراه ذلك الشيء؟ هل هو شعور لا يحقُ لي أن أحلم به!
 
سأكتبهُ أولاً·· سأُحققه بكتابتي، لأني ما عهدتُ سوى الكتابة سبيلاً لتحقيق أحلامي· أحتاج إلى تأكيد ذاتي بكل حرف سيتشكل بداخلي مثلما الجنين يتكور لأحتوي على معناه!
 
هل هو سرّ؟ إن كان كذلك، فعليّ تفكيكه!
 
وجاء الكادر الطبي -قاطعاً استرسالي- المكون من طبيب وطبيبة وبعض الممرضات والمعينات· سألتني إحدى الواقفات:
 
- شو اسمك؟
 
فأجبتها:
 
- وشو اسم جوزك؟
 
أجبتها وقلت يا الله بكل رجاء·· وغبتُ عن الوعي·
Page 5
(2)
 
لم أتزوج كما يتزوج أغلب الناس عن طريق (الخاطبة) أو عن طريق قصة حب! تزوجت بشكل عقلاني جداً وبطريقة راقية ومتطورة، بآخر ما توصل إليه العلم·· ليسَ غريباً في زماننا هذا ولستُ الوحيدة التي تزوجت بهذه الطريقة· مسألتنا عادية، فنحن في زمن العولمة·· والعالم تحول إلى قرية صغيرة كما يقولون· كان ارتباطي عن طريق الانترنيت رغم عدم إيماني به كقاعدة تؤسس منها أُسرة ناجحة، رافعةً شعار (الانترنيت لا ينجب أطفالاً)· لكن من مفارقات الحياة أن القدر يتحدانا دائماً ليكسر قناعاتنا ونجد أنفسنا نمضي في طرق كنا بعيدين عنها ونتصورها المستحيل·
 
كنتُ أعرفهُ ويعرفني، لكننا لم نلتقِ سوى على صفحات الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية، قصتي تجاور قصته أو مقالي بجانب مقاله، معرفتي به لا تتعدى حدود اسمه ككاتب· تفاجأتُ ذات يوم برسالة وصلت لإيميلي عنوانها (زواج) وبين أسطرها رغبته في أن يفتح بي بيتاً· حتماً فتحتُ فمي مندهشة وأنا أقرأها وأُعيد قراءتها·· لا أدري، شعرتُ لحظتها بصدق نيته·· إنهُ الإحساس، تلمستُ جدية أسطره العشرة المذيلة برقم هاتف·· والغريب أنهُ يريد رداً سريعاً وبنعم أو·· لا!
 
أيعقل! وهل يحسم مصيري بهذه البساطة؟ انتظرتُ عمراً كي أختار الشخص المناسب·· وعليّ أن أجيبهُ بلحظة·· نعم أو لا· لم أستطع أن أُكمل·· أغلقتُ الحاسوب وخرجتُ من غرفتي· كذبٌ لو قلت بأن الأمر لم يشغلني، بل سيطر على كل أفكاري·· أخذتني الخواطر بعيداً وكلما عدتُ لنفسي شعرتُ بالأمان·· وكأن يداً تربت على كتفي تهديني بالمضي في طريق القدر والنصيب·
 
لم أفتح الحاسوب يومها وتركتُ الأمر لصباح اليوم التالي·· لم أفتح رسالته مباشرةً، بل فتحتُ موقعه الشخصي·· اطلعتُ على سيرته الذاتية وقصصه ورواياته وكتاباته الأخرى·· وكشكلٍ عام وجدتهُ مناسباً· شابُ يكبرني بأربع سنوات، مؤهلاته الدراسية جيدة، بل ممتازة· ركزت على صورته الشخصية·· دققتُ في ملامحه·· وجدتها تعكس طيبة· بعدها فتحتُ الرسالة قرأتها مراتٍ عدة·· نقلتُ رقم هاتفه لموبايلي·· وتراهنتُ مع نفسي·· إن اتصلت وصادف أن كانت الشبكة مشغولة -وهي مشغولة على الدوام- أو تأخر في الرد، فسألغي الأمر نهائياً· واتصلت·· وكأن الهاتف في يده ينتظر اتصالي، من أول رنة جاءني صوته مفعماً بالرجاء:
 
- ألو·
 
- ألو·· الأستاذ·
 
- نعم·
Page 6
- أنا··
 
- آآآآ·· أهلاً وسهلاً·
 
- كيف حالك؟
 
- رجاءً لا تلعبي بعواطفي·· أرجو الرد مباشرةً·
 
- عذراً أحتاج بعض الإيضاحات الشخصية·· أعطني الفرصة كي أرد بنعم وبثقة·
 
وكأنهُ ابتسم، وطلبَ مني أن أُغلق الخط ليتصل بي هو· وحين أغلقتُ الخط·· تأكدتُ حينها بأنهُ سيشكل لحياتي معنىً حقيقياً· بثوانٍ ملأ كل جوارحي وشعرتُ بأنهُ الإنسان المناسب والنصف الذي انتظرتهُ ليُكملني· وفعلاً اتصل بي مباشرةً وتكلمنا إلى أن انتهى رصيده· تكررت اتصالاته مرات عدة في اليوم الواحد·· تكلم لي عن حياته كلها منذ أن وعى الحياة إلى آخر لحظة فاتحني فيها بالارتباط·· حكى عن سلبياته قبل إيجابياته، وظروفه المعاشية والإنسانية، لم يكذب قط معي، ولم يراوغ، ولم يعدني ببحرٍ من السعادة والرخاء -كما يفعل معظم الرجال أمام النساء- لذا أعجبني ووجدتهُ خير إنسان أُكمل معه حياتي، فأجمل ما في المرء صدقه·· والصدق يبدأ من أعماق النفس، وإن وصلت لهذه الأعماق، فقد وصلت لكل شيء·
 
استطاع أن يقنعني، لكن بقيت هناك مسألة مهمة جداً·· أن يراني وأراه· وبعد أيام وجدتهُ أمامي·· عَبَر ثلاث محافظات ليلتقي بي عشر دقائق لا أكثر وفي محل عملي·· اقتنعنا ببعضينا وتركنا المسائل الأخرى ليتولاها أهلينا· تقدم لخطبتي رسمياً·· وبعد شهر كنتُ زوجته وملكةً في بيته·
 
حياتي الجديدة أخذت تخط مساراتها كما أردت وحلمتُ به، ووجدتهُ أفضل مما تمنيت· إنسانٌ راقٍ، وواعٍ·· مثقف ومحب وطيب وحنون·· وضعني في قلبه وبين عينيه·· احتواني بكل ما يملك من عواطف وأحاسيس صادقة ونبيلة· فتح بي بيتاً مثلما أراد·· وبقدر ما أعطاني أعطيتهُ الحب والإخلاص والوفاء وحُسن العِشرة، فقد نذرتُ العمر له وحده· ومضت أربع سنوات سعيدة أشبه بالأحلام لا ينقصها سوى ضحكة طفل تملأ بيتنا الدافىء بالحركة والحيوية، فالأطفال فاكهة البيوت، والمرأة لا تكتمل سعادتها الحقيقية إلاّ وفي حضنها طفل·
 
بقي حلم الأمومة يراودني ويعاود ذهني باستمرار· عرضنا أنفسنا على الأطباء، ولم يكن هناك عارض سوى·· أنهُ أمر الله! فالأطفال نصيب مثلما الزواج والرزق· وقررنا أن نلجأ لطريقة متطورة وصل إليها العلم لمثل حالتنا·· أن ننجب عن طريق الإخصاب خارج الجسم أو كما يسمى (أطفال الأنابيب)(1)·
 
العملية مُكلفة ولابد أن تُجرى خارج العراق· واخترنا من المشافي أفضلها وأضمنها نجاحاً، مشفى متخصص في دمشق· طلبتُ من زوجي أن نتناصف التكاليف كما فعلنا حينما اشترينا البيت والسيارة، فمنذ أن انفصلنا عن أهله وضعتُ صندوقاً لدخلنا نسحب منه مصاريف بيتنا·· لكنه رفض وبشدة قائلاً:
 
- المشروع مشروعك؟
Page 7
كانت مساومة قاسية لا بد أن أرضخ لها في سبيل هدف مشروع لأي امرأة تحلم أن تكون أُماً· وسحبتُ كل ما أدخره من المصرف الذي فيه حسابي الشخصي، وحولته إلى (5000) خمسة آلاف دولار· وبدأنا بإجراءات السفر· غادرنا بيتنا في فجر يوم الاثنين وبعد عيد الفطر مباشرةً·
 
طوال الطريق يراودني هاجس غريب·· لقد تزوجت بطريقة متطورة·· آخر ما توصل إليه العلم·· وأُريد أن أنجب بطريقة متطورة أيضاً، وبآخر ما توصل إليه العلم· سألتُ نفسي مبتسمة: هل يا ترى كيف سأموت؟ أكيد في مركبة فضائية أو على سطح كوكبٍ لم يصل إليه البشر!
 
تأخرنا في الحدود العراقية، فنظام الجوازات تعطل فجأةً·· بقينا أكثر من خمس ساعات، ولم يختموا جوازاتنا إلاّ بعد وضع (10000) عشرة آلاف دينار عراقي في كل جواز·· وفي الحدود السورية الفساد الإداري نفسه، فقد وضعنا (100) مئة ليرة سورية داخل كل جواز·
 
وصلنا دمشق بعد الواحدة من منتصف الليل· مكتب السيارات كان في (السيدة زينب) فاضطررنا أن نمضي ليلتنا في أحد فنادقها· وصباحاً ذهبنا إلى عيادة الدكتور لنحجز لنا موعداً· ومن أحد المصارف القريبة - وما أكثرها- حولنا الدولارات إلى ليرات سورية· واستأجرنا شقة أرضية مفروشة مناسبة -والجميل لم يسكنها أحد قبلنا- في (مخيم اليرموك) وهي منطقة لا بأس بها -تشبه الكرادة في بغداد- يتوسطها سوق كبير (سوق لوبية) فيه كل شيء من الخبز إلى الذهب!
 
كنا قد دخلنا إلى صالة مستديرة، التفت الوجوه مُحدقة بالداخلين، رجالاً ونساءً·· وجوهٌ جافة، جدبة، لم تطأها النظارة من شدة اليأس·· وجوه كابية، بائسة، جاءت من أجل أمل كان خبيئاً من زمان· الرجال تحدق في الرجال، وتنكس نظراتها إلى الأرض·· كأنها تخشى الاتهام بالانكسار واليباس· الوجوه من حولنا كانت تحاذر من أن تلتقي ببعضها، لأنها تعرف، بل تُيقْن السبب الوحيد الذي جاءت من أجله· أُناس قطعت المسافات تاركة بيوتها من أجل أن يتبدل الجفاف بالاخضرار·
 
زوجي كرجل يعرف ما الذي يخشاه الرجال·· الاتهام بالعقم! وهذا الاتهام كأنه يقتلع الرجولة فيهم ليحولهم إلى -مجرد- هشاشة· كان يعرف ما الذي يجول في خاطرهم، وهو يدرك جيداً معنى الأمر، لأنهُ يتفهمهُ ولا يعيرهُ أهمية ويدركهُ، ولولا إصراري لَما حضر معي نهائياً· وجدتهُ يُحدق في الرجال واحداً واحداً، يدقق في ملامحهم، بل يكاد يحفظها، لأنهُ يستدرج الوجوه -بخبرة أديب- إلى مخيلته، فهو يعلم معاناة رجل تزوج، وعرف بأنه فاقد للرجولة ولو اجتماعياً فقط! يبدو بعيداً كل البعد عن التفكير بذاته، لكنهُ يفكر بكيفية تفكير هذه الرجالات التي جاءت من العراق إلى هذه العيادة·
 
كاميرات في الزوايا تنقل الصور إلى غرفة الطبيب، يراقب بها عماله وزبائنه·· ولم يفكر بأحد كيفَ يتعبه الوقوف الطويل بالانتظار·· وكيفَ تمتلئ المثانات·· وأينَ تُفرغ؟ فلا وجود لدورة مياه في العيادة كلها، سوى حمام على آخر طراز في غرفة الطبيب! منذ أول وهلة وأنت تدخل العيادة تعرف بأن المسألة تجارية أكثر مما هي طبية أو إنسانية· والطبيب لا يهمه إلاّ الربح السريع·· وخصوصاً، فالعلم يتقدم·· وبلا شك هو يريد مزيداً من الزبائن ليقبض منهم (المصاري) بلغة السوريين·· المصاري ولا شيء غير المصاري·