eKtab
EN ع
الصـومال ومشكلات الوحدة الوطنية من الممالك القبلية الى المحاكم الاسلامية
Read free sample

الصـومال ومشكلات الوحدة الوطنية من الممالك القبلية الى المحاكم الاسلامية

by د. خميس حميد دهام

Page 1

المقدمة

تعرض الصومال لأطماع استعمارية من قبل الدول الأوروبية الغربية لما يمتلكه من موقع استراتيجي في منطقة القرن الإفريقي، وإشرافه على طرق الملاحة الدولية. هذه الأهمية الجيوليتيكية جعلت الدول الأوروبية تتنافس فيما بينها للسيطرة على إقليم معين من الأقاليم الصومالية، وقد أدت هذه المنافسة بين الدول الاستعمارية إلى نشوب صراع فيما بينهما، أسفر عن تقسيم إقليم الصومال الكبير بين ثلاث دول هي بريطانيا وفرنسا وايطاليا. مع دخول دولة افريقية في هذا المخطط التفتيتي للمجتمع الصومالي، وهي دولة إثيوبيا، لما تملكه من دعم غربي مسيحي، جعلها في نهاية المطاف تضفر بنصيب كبير من الأراضي الصومالية، هذه الأطماع الاستعمارية أدت بالدولة الصومالية الفتية، بعد الاستقلال إلى حدوث مشكلات على صعيد الوحدة الوطنية الكبرى، ذلك لأن هذه الدولة لنم تستطع توحيد سوى إقليمين فقط من أقاليم الصومال الخمسة، وهي الإقليم الشمالي (البريطاني) والإقليم الجنوبي(الايطالي)، ولكن بقيت ثلاثة إقليم ترزخ تحت الاحتلال الأجنبي، هذه المشكلة أدخلت الدولة الصومالية بعدد من الحروب والاشتباكات المسلحة مع دول الجوار الجغرافي استمرت إلى عقد الثمانينيات من هذا القرن الماضي، لكنها دون ان تحقيق الهدف الصومالي في استعادة أراضيه المغتصبة.
وفي ظل ما يسمى بالنظام الدولي الجديد، وانفراد الولايات المتحدة في ترتيب أوضاع العالم وفق تصوراتها الخاصة لهذا النظام، بعد غياب المنافس التقليدي (الاتحاد السوفيتي) أخذت الولايات المتحدة تؤدي دوراً رئيساً في تسيير الأحداث داخل دول العالم الثالث، وبدأت تأخذ دور اللاعبين الصغار في اللعبة السياسية، بعد ما كانت تعتمد على الدول الحليفة لها، عن طريق زجها في حروب خارجية مع غيرها من الدول نيابة عنها، والتي سميت في حينها (الحروب بالنيابة)، التي حدث منها الكثير في العقود الماضية، لكي تحقق أمريكا من هذه الحروب أهدافها التوسعية في بقاع العالم. هذه العوامل مجتمعة جعلت الولايات المتحدة تتجه صوب الدولة الصومالية، لتفكك أوصال الشعب الصومالي عن طريق القبلية والإقليمية، ومن ثم التدخل في شؤونه الداخلية الذي بدا جلياً منذ أواخر الثمانينات، وما زال مستمراً حتى وقتنا الراهن أدى هذا التدخل في محصلته النهائية إلى سقوط نظام سياد برى ومن ثم تفكك الوحدة الوطنية الصومالية.
ويعود اختيار هذا الموضوع هو لما لمسناه من معاناة واضحة للشعب الصومالي على طريق تحقيق وحدته الوطنية على الصعيد المحلي (ضمن نطاق الدولة الصومالية)، ووحدته الاقليمية على طريق تحقيق دولة الصومال الكبير، الذي يجمع كل أبناء الصومال في وحدة كيانية واحدة، فضلاً عن إدراكنا إلى أهمية دراسة الموضوع الصومالي، وخاصة وأن هذا الموضوع لم يحظ بالاهتمام الكافي من قبل الباحثين في قطرنا العزيز. باستثناء قلة من الدراسات.
لقد واجه الباحث في هذه الدراسة، صعوبات كثيرة من حيث قلة المصادر وقلة الكتابات عن هذا الموضوع، فضلاً عن غياب الدراسة الميدانية، بسبب الظروف الصعبة التي يمر بها قطرنا العزيز، ولذا فقد واجه الباحث معضلة كبير في الحصول على الوثائق المهمة والمتعلقة بصلب الموضوع، وذلك لغياب كيان الدولة الصومالية، مما تعذر على السفارة الصومالية في بغداد. تزويد الباحث بالوثائق والمعلومات المهمة، ولذا استعاض الباحث عن هذه الوثائق بالخرائط التوضيحية، التي لم يضعها الصوماليون، وإنما وضعها المستعمرون الغربيون، أبان احتلالهم لمنطقة القرن الإفريقي.
على ضوء ما تقدم فقد صاغ الباحث فرضية البحث التي تقوم على أن الجماعة الصومالية عانت ولم تزل من مشكلات كثيرة، على صعيد وحدتها الوطنية على الرغم من توفر معظم عناصر الوحدة، وهنا تكمن المشكلة التي تثير بعض التساؤلات حول مسؤولية تفتيت الوحدة الإقليمية للصومال الكبير، وما هي الوسائل أو الأساليب التي عمل بها النظام الوطني الصومالي بعد الاستقلال، لاستعادة وحدته الإقليمية؟ وما المتغيرات الداخلية والخارجية التي عملت على تفتيت الوحدة الوطنية على الصعيد المحلي للدولة الصومالية، وبالتالي مهدت إلى انهيار كيان الدولة، ومن ثم التدخل الدولي في شؤونها الداخلية؟ وعلى ضوء ذلك قسم الباحث موضوع الدراسة على ثلاثة فصول يحاول كل فصل أن يعطي إجابة محددة لسؤال من هذه الأسئلة على التوالي، فالسؤال الأول يجيب عليه الفصل الأول الذي تناولنا فيه مشكلات الوحدة الوطنية الاقليمية الصومالية، حيث تطرقنا في المبحث الأول إلى الجذور التاريخية لمشكلة الوحدة الوطنية، وضمناه نقطتين أساسيتين هما توحيد الصومال التاريخي، والوحدة الوطنية في الصومال الدولة، وجعلناهما بداية دخلونا إلى المطلبين الأول والثاني واللذين تضمنا التعرف على الصومال قبيل الوجود الأوروبي في المنطقة، وعلى بداية النفوذ الأجنبي في الصومال.
وفي المبحث الثاني تناولنا دور الدول الأوروبية في إيجاد المشكلة حيث تم عرض وتوضيح دور كل من بريطانيا في المطلب الأول، ودور فرنسا في المطلب الثاني، ودور ايطاليا في المطلب الثالث، أما المبحث الثالث فقد تناولنا فيه دور الاحتلال الإثيوبي في إيجاد مشكلة الوحدة الوطنية الاقليمية، حيث تم التعرض في المطلب الأول الى موجز عن تاريخ الحبشة السياسي، وذلك لغرض التحقق من صحة الادعاءات الإثيوبية ومطالبها الإقليمية بالأراضي الصومالية.أما في المطلب الثاني فتم التعرف على بداية ظهور دولة إثيوبيا المعاصرة عبر سياستها التوسعية، وفي المطلب الثالث، تم التركيز على دور منليك في التوسع داخل الأراضي الصومالية.
أما الفصل الثاني، فقد تطرقنا فيه إلى آلية نظام الحكم الوطني وموقفه من الإرث الاستعماري. وهنا كان لزاما علينا التعرف على محاولة استرجاع إقليم الصومال الغربي (أوغادين) فتناولنا في المطلب الأول التعريف بإقليم الصومال الغربي، ومن ثم تناولنا أثر المتغيرات السياسية على مطالب الصومال الإقليمية أما المطلب الثاني فتناولنا نقطتين أساسيتين هما، التغيرات السياسية في الصومال عام 1967، والانقلاب العسكري عام 1969، وموقفه من الوحدة الصومالية الاقليمية. أما المطلب الثالث فتناولنا فيه الموقف الإثيوبي من المطالب الصومالية في ثلاث نقاط رئيسة هي أولاً موقف حكومة الإمبراطور هيلاسيلاسي، وثانياً مجيء حكومة منغستو الاشتراكية وموقفها من المطالب الصومالية، وثالثاً موقف حكومة ميلس زيناوى من الصومال الغربي. وفي المبحث الثاني تطرقنا إلى خطط استعادة إقليم انفدى (الصومال الكيني)، حيث تم التعرف على المنطقة التي تحت الإدارة الكينية في المطلب الأول، والتعرض للمطالب الصومالية في الإقليم المذكور. كما تطرقنا إلى الموقف الكيني من المطالب الصومالية في المطلب الثالث.
أما في المبحث الثالث، فقد تطرقنا الى محاولة استرجاع إقليم الصومال الفرنسي (جيبوتي)، حيث تم التعرف على إقليم الصومال الفرنسي في المطلب الأول، وكذلك التعرف على المطالب الصومالية بالإقليم في المطلب الثاني، أما المطلب الثالث فتم فيه تناول الموقف الإثيوبي والفرنسي من المطالبة الصومالية.
وقد عالجنا في الفصل الثالث (الأخير ) ابرز مشكلات الوحدة الوطنية في الصومال (الدولة) وعوامل انهيارها، وأوضحنا في المبحث الأول، المتغيرات الداخلية المعرقلة لبناء الوحدة الوطنية، فتم تناول التركيبة الاجتماعية في المطلب الأول، والقبلية في المطلب الثاني، والإقليمية في المطلب الثالث.
أما المبحث الثاني، فقد ركزنا فيه على المتغيرات الإقليمية التي ساهمت في تفتيت الوحدة الوطنية، وهنا تطرقنا إلى دور إثيوبيا في المطلب الأول، ودور كينا في المطلب الثاني، والدور الإسرائيلي في المطلب الثالث، وقد عالج المبحث الثالث المتغيرات الدولية في مطلبين أساسين، المطلب الأول تناول دور بعض الدول الاستعمارية السابقة في الصومال. والمطلب الثاني تناول الدور الأمريكي.
وفي المبحث الرابع تطرقنا إلى عوامل انهيار كيان الدولة الصومالية، وقد ضمناه العوامل الداخلية التي تتمثل في العامل السياسي، والاقتصادي وقيام حركات المعارضة المسلحة في المطلب الأول، أما المطلب الثاني الذي تضمن التغيرات في الوضع الدولي والهيمنة الأمريكية، ودور الأمم المتحدة الجديد كإحدى أدوات السياسة الأمريكية، وكذلك تم التطرق إلى التدخل الدولي وحالة تقويمية لمهمة التدخل.
أما المبحث الخامس فنتناول مؤتمرات المصالحة الصومالية وعوامل ظهور المحاكم الاسلامية ودورها في استقرار الاوضاع الصومالية وتضمن خمسة مطالب الاول عالج موضوع مؤتمر عرته ومحاولات اعادت كيان الدولة اما المطلب الثاني فتناول المحاكم الاسلامية ودورها في استقرار الاوضاع الصومالية وتناول المطلب الثالث المحاكم الاسلامية ومواقف الدول الاقليمية والمطلب الرابع تناول دور المنظمات الاقليمية من المصالحة الصومالية اما المطلب الخامس فتناول الموقف الدولي من المحاكم الاسلامية والمصالحة الصومالية، ومن ثم الخاتمة التي تضمنت بعض الاستنتاجات التي توصل إليها الباحث في هذا المضمار.
وأخيراً أرجو أن أكون قد وفقت في كتابة هذا الموضوع، وتحقيق الهدف الذي كنت أنشده، وهو التعرف على حقيقة مشكلات الوحدة الوطنية للجماعة الصومالية، ومسؤولية تفتيت هذه الوحدة في ظل الوضع الدولي السابق والراهن، ولا يدعي الباحث انه ألم بكل جوانب الموضوع وإنما لكل عمل هفوة، والكمال لله وحده... والله ولي التوفيق.
المؤلف..
Page 2

تمهيـد

الصومال عرفها المصريون القدماء وأعجبوا بها، وسموها ببلاد (البنت) فأوفدوا لها البعثات للتقصي عن أحوالها وخيراتها، كما سميت أرض البخور والعطور، وبلاد العاج والجلود، فكانت مطمعاً قصده الكثيرون للحصول على هذه الثروات، ومن ثم مطمعاً تهافتت عليه الدول الاستعمارية في التاريخ الحديث، وفي مدة المد الاستعماري، للسيطرة عليه واستغلال خيراته وموارده.
واختلف الباحثون في تسمية الصومال، ففريق ذهب إلى أن الصومال اسم مشتق من سكان البلاد الأصليين، وقد اشتهر حسبما يذكره هؤلاء الكتاب والمؤرخين قديماً، ولكنه انتشر بعد انتشار الإسلام في المنطقة، وقد ذكر أحد المؤرخين أن هذا الاسم كان لرجل عاش في المنطقة منذ زمن قديم، في حين يرى آخرون، أن الاسم تحول من كلمة (ذومال)، حيث كان لرجل هاجر من جنوب الجزيرة العربية ثروة كبيرة، وكان يقال له (ذومان) لثروته. فقلبت الذال إلى صاد فسميت (صومال).
وهناك مجموعة أخرى من المؤرخين والكتاب تذكر أن كلمة (صومال) معناها باللغة الصومالية المحلية (بلاد الحليب) والصوماليون معروفون بإكرام الضيف، حتى أن اللبن طعامهم المفضل، وذلك لطبيعتهم الرعوية وتربيتهم للحيوانات.
وأخيراً لا بدمن الإشارة إلى رأي الرحالة برتون (Burton) الذي يؤكد أن كلمة صومال ترجع إلى اسم رئيس قبيلة عربية، هاجرت من شبه جزيرة العرب واستقرت في هذه البلاد، واندمجت مع السكان الأصليين، وأصبح لها شأن كبير فأعطت هذه البلاد أسمها.
وأرض الصومال ذات موقع فريد، اهتم به العالم قديماً وحديثاً فموقعها في شرق أفريقيا والقرن الإفريقي The horn of Africa ، أعطاها خصوصية متميزة، فهي ملتقى البحار والمحيطات، حيث البحر العربي يندمج بالمحيط الهندي في رأس (غرد فوى)، وحيث خليج عدنيتداخل مع البحر الأحمر، ومما زاد موقع الصومال أهمية، أنه امتلك أطول ساحل في أفريقيا، بعد دولة جنوب إفريقيا، حيث بلغ طول ساحله ما يقارب من 3335 كيلو متر. وبلغت مساحة أرض الصومال الكبير ما يقارب 1.22.000 كيلو متر مربع، وتمتد الصومال بين خطعرض (2ْ) جنوباً و(13 ْ) شمالاً، وبين خطي طول (40 ْ) غرباً إلى (51 ْ) شرقاً. كما أن الشعب الصومالي، يعد من أكثر الشعوب الإفريقية تمسكاً من الناحية الأثينية، فهو شعب مسلم، ويتمسك بثقافته العربية الإسلامية ويتحدث لغة واحد و هي الصومالية، وهذا ما أشار إليه المؤرخون منذ مدة طويلة ومنهم الرحالة العربي أبن بطوطة، عندما زار الصومال أثناء إحدى رحلاته إلى أفريقيا، في القرن الثاني عشر، فلا عجب بعد كل هذا، ان نقول أن أهمية الصومال من حيث الموقع والثروات، قد شكلت حافزاً أساسياً للدول الاستعمارية الأوروبية للتهافت على احتلال أرضه، ومن ثم السيطرة عليه، وتقسيمه إلى خمسة أجزاء وهي (الصومال البريطاني والصومال الايطالي) اللذان اندمجا مع بعضهما وكونا الدولة الصومالية التي استقلت عام 1960، والصومال الغربي الذي تحتله إثيوبيا حالياً، والصومال الفرنسي (جيبوتي) الذي استقل عام 1977، والجزء الخامس
هو (الصومال الكيني انفدي) إقليم الحدود الشمالية والذي لا زال تحت الاحتلال الكيني.
Page 3

الفصل الأول

مشكلات الوَحدة الوَطنية الاقليمية في الصومال" التاريخي "

إن تعزيز الوحدة الوطنية يعد من العناصر المهمة في الحفاظ على أمن واستقرار الشعوب والبلدان، وقد عانت دول العالم الثالث وفور حصولها على الاستقلال من مشاكل جمة كان أبرزها الافتقاد إلى القيم الوطنية المشتركة التي تعزز التلاحم والاندماج بين أبناء الوطن الواحد، فمعظم دول العالم الثالث، قد أصبحت عبارة عن فسيفساء تضم مزيجاً من الأقوام والجماعات المختلفة التي لا يربطها ببعضها البعض إلا رابطة الانتماء للوطن الجديد التي انضمت إليه عنوة بسبب عوامل كثيرة منها : الرغبات السياسية للدول الاستعمارية والتي عمدت إلى تقسيم الحدود وفقاً لمصالحها الاستراتيجية، فكان من نتائج ذلك أن أصبحت مشكلات الوحدة الوطنية ببعديها السوسيولوجي والإقليمي من أعقد المشكلات التي واجهت النظم السياسية لدول العالم الثالث، ومما زاد من حدة هذه المشكلات ركون النظم السياسية إلى اتباع ممارسات تفاضلية على صعيد المجتمع الوطني حيث انعدام المساواة بين أبناء الوطن الواحد، وتقريب جماعات على حساب أخرى وخصها بغالبية الامتيازات وتغييب الديمقراطية وتضييق فرص المشاركة السياسية مما ساهم إلى حد بعيد في تكريس هذه الظاهرة. من جانب آخر فإن التخطيط الاستعماري المصطنع للحدود السياسية ومطالبة الكثير من النظم السياسية لدول العالم الثالث الرجوع إلى حدودها التاريخية، التي سبقت السيطرة الاستعمارية، قد ساهم في إبراز مشكلات الوحدة الوطنية ، فغالباً ما تنتج عن تلك المطالب الحدودية مشكلات سياسية مع الدول المجاورة تفضي إلى تدخلات متبادلة في الشؤون الداخلية ودعم للحركات الانفصالية والعناصر المعارضة للنظام، وقد دفعت تلك المطالب الحدودية الكثير من دول العالم الثالث للدخول في حروب ومنازعات لتحقيق أهدافها في توحيد أقاليمها المتقطعة، ويبرز في هذا المجال ما حدث في إفريقيا، حيث المنازعات الحدودية التي حصلت بين مختلف دول القارة، ولا شك أن أكثر تلك المنازعات قوة وعنفاً تلك التي وقعت بين الصومال (موضوع البحث) وكل من أثيوبيا وكينيا.
لذا فإننا في هذا الفصل سنحاول أن نبين الجذور التاريخية لمشكلات الوحدة الوطنية الصومالية، ودور القوى الاستعمارية في إيجاد هذه المشكلات، إضافة إلى تسليط الضوء على الدور الذي قامت به هذه الدول، في تفتيت الوحدة الوطنية الصومالية.

المبحث الأول : الجذور التاريخية لمشكلة الوحدة الوطنية الكبرى

يمكن إرجاع جذور المشكلة الصومالية، في القرن الإفريقي، بكل بساطة إلى الظاهرة الاستعمارية في إفريقيا، بشقيها الأوروبي فضلاً عن الدور الأثيوبي والتي تعود في بدايتها، إلى القرن التاسع عشر، وذلك عندما، عملت القوى الاستعمارية على احتلاله وتجزئة الإقليم الصومالي، بحدوده الطبيعية في القرن الإفريقي، إلى أقسام عدة، منفصلة بعضها عن بعض، بحدود استعمارية مصطنعة، تحقيقاً لمصالح تلك القوى التي سعت إلى هذا الاحتلال والتقسيم في آن واحد.
إن بروز هذه المشكلة واستمرارها حتى الوقت الراهن، لم يكن في الواقع إلا نتيجة للسيطرة الاستعمارية الطويلة، والتي أدت إلى غرس مرتكزات بعيدة عن الواقع الحقيقي.....للمجتمع الصومالي. بيد أن من المعروف عن بدايات السيطرة الاستعمارية الأوروبية، على الأقاليم الصومالية، كانت قد ارتبطت بشكل مباشر، بمؤتمر برلين، الذي انعقد في المدة، ما بين 1884-1885، والذي عد بداية عصر استعمار إفريقيا. وقد حضرت هذا المؤتمر جميع الدول الأوروبية الغربية، بالإضافة إلى روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، وقد تم تقاسم النفوذ في مناطق العالم، حيث تم تخطيط الحدود وفق التقسيم الاستعماري، لهذا المؤتمر الذي جرى في كثير من الحالات، بطريقة عشوائية، دون الأخذ بعين الاعتبار ليس فقط المستلزمات الاستراتيجية، وإنما دون أي اعتبار للمستلزمات البشرية والسكانية، ففي حالات كثيرة خططت الحدود، لتقسم شعبها واحداً إلى قسمين أو أكثر، وهذا ما حصل فعلاً، بالنسبة للشعب الصومالي وللشعب العربي، في شمال إفريقيا، كما أن التقسيم، قد جرى بطريقة أدت إلى تقسيم قبيلة واحدة كبيرة بين إقليمين أو أكثر، كما حصل بالنسبة لقبائل الايبو في نايجيريا والكاميرون، وقبائل الباكونجي في زائير وأنغولا، وقبائل الهوتو والتوتسي في راونده وبورندى.
لقد عمدت الدول الاستعمارية، في هذه الأقاليم المتقطعة، على تشجيع الظاهرة الانفصالية، لتكرس بذلك انفصال هذه الأقاليم، عن الوطن الأم، والتي كانت قبيل دخول الاستعمار، في إطار كيان واحد، أو كيانات قبلية متقاربة.
إن الاعتبار الذي اتخذته الدول الاستعمارية الأوروبية في تقسيم إفريقيا، هو مصالحها الذاتية، وهكذا نجد أن حدود قسم كبير من الدول الإفريقية، لا تمثل سوى خطوط جغرافية وهمية، يمليها العبث المطلق أحياناً، وأحياناً أخرى معتمدة فيها على خطوط الطول والعرض، حيث جعلت منها حدوداً، تفصل بين مستعمراتها، دون أي اعتبار للفوارق العرقية أو الفوارق الطبيعية مما أدى، إلى تمزيق الشعب الواحد، أو تجميع شعوب مختلفة عرقياً، دون أي مسوغ أو منطق.
وقد أدت السياسة الاستعمارية القائمــة على المبدأ المعروف (فرق تسد Divid and Ruie)، إلى اقتطاع أجزاء من دولة، ودمجها عنوة في حدود دولة أخرى. وفق التخطيط اللامنطقي للحدود، الذي يعد أحد عناصر الإرث الاستعماري، الذي ورثته دول العالم الثالث، وهي تعكسفي جوهرها وأهدافها، سياسة ترمي إلى خلق جو من التوتر والتمزق في هذه الدول، وزجها في صراعات مع بعضها، أو في صراعات داخلية، فيما بعد حصولها على الاستقلال، والذي يعمل دون شك، على عرقلة الوحدة الوطنية، في هذه الدولة أو تلك، من خلال إثارة السلبية، على شعور الولاء والانتماء للدولة الجديدة. على ضوء هذه السياسة، تقاسمت الدول الاستعمارية الأقاليم، وأخذت كل واحدة من هذه الدول، تطلق اسمها على الجزء الذي تحتله، كالصومال البريطاني، والصومال الفرنسي، والصومال الإيطالي، على الرغم من أن هذا البلد جغرافياً بلد واحد، ويعيش على أرضه شعب واحد ومن أصل واحد، وثقافة وديانة واحدة هي الإسلام.
ومن خلال الرجوع قليلاً إلى تاريخ الصومال، تتوضح لنا بعض الحقائق التي تبين جذور مشكلة الوحدة الوطنية في هذا البلد.
Page 4
1- توحيد الصومال التاريخي:
لقد كان لاستقرار العرب المسلمين في منطقة القرن الإفريقي، أثر كبير في قيام تكتلات إسلامية في أماكن متفرقة، أخذت تنمو مستقلة الواحدة عن الأخرى، وبعد عدة قرون تحولت هذه التكتلات إلى كيانات سياسية، يتاخم بعضها البعض، من دون اتحاد يجمعها، ومن بين هذه الكيانات السياسية نذكر (مملكة هدية مملكة ايفات، مملكة بالي) وغيرها من الممالك الأخرى، إن هذه الممالك قامت في نهاية القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي بزعامة أسرة عربية تنتسب إلى قبيلة مخزوم القرشية، التي ينتمي إليها القائد العربي خالد بن الوليد، دام حكم هذه الممالك العربية أربعة قرون، في شبه عزلة عن العالم الخارجي، وربما يعزى السبب في ذلك إلى أن تلك الممالك الصغيرة نشأت في منطقة خصبة معتدلة المناخ، هيأت لها كل متطلبات الحياة في ذلك العصر، بالإضافة إلى أن هذه الممالك قد تكونت في الأجزاء الداخلية من الصومال.
ومن الجدير بالذكر أن الشعب الصومالي، كان يعيش في كيانات سياسية، مستقلة الواحدة عن الأخرى، وهي تشبه في تكوينها ما كان يسمى بدول المدينة اليونانية Citystates، أو عبارة عن سبع محافظات يتولى شؤون كل منها حاكم صومالي، ولم يكن في وسعها العيش ضمن كيان سياسي واحد، بسبب الحروب وقيام المنازعات الداخلية والخارجية، وقد استمرت هذه الحروب والمنازعات حتى النصف الثاني من القرن الخامس عشر، حيث أخذت تتحول إلى صراعات عالمية بدخول أطراف جديدة فيها، كالمماليك والبرتغاليين والعثمانيين.
وفي السنوات الأخيرة من حكم مملكة شوا، بدأت عوامل الضعف والانحلال تظهر فيها، بسبب العوامل الداخلية التي فرقت زعائمها، ومما زاد الوضع سوءاً نشوء مملكة إسلامية فتية، تلك هي (مملكة ايغات استطاعت إسقاط مملكة شوا عام 1289م ومدت سلطاتها من السهول إلى الهضبة، وورثت مركز الزعامة بين الممالك الإسلامية السبع، وعلى الرغم من أن ملوك الحبشة، كانوا ينظرون إلى الدويلات الإسلامية، في بلادهم بعين الحسد، لارتقائها اقتصادياً وحضارياً، إلا أن هذه الممالك كانت تعاني من الضعف والتفكك، بسبب المنازعات التيس كانت كثيراً ما تقع بينهما، مما ساعد القوى الأجنبية، في التسليط عليها، وتفريق بعضها عن بعض، حتى لا تجتمع كلمتها على القيام في وجههم، وقد استطاعت الحبشة من إنهاء هذه الممالك في القرن الخامس عشر، بمساعدة المستعمرين البرتغاليين.
وبعد انتهاء هذه الممالك، حلت محلها دويلات صغيرة في الساحل والداخل، مثل هرر وزيلع..... وغيرها من المدن الأخرى، ولقد استطاع العرب في بداية القرن التاسع عشر، وبعد طرد البرتغاليين من شرق إفريقيا والخليج العربي، أن يقيموا دولة واحدة ذات قوة ونفوذ بزعامة سلطان عمان، وتشمل هذه الدولة جنوب الجزيرة العربية وشرق إفريقيا، والذي كان مركز سلطته زنجبار شكلياً، حتى جاء الاستعمار واقتسم هذه الاسلاب.
يتضح من هذه الحقائق، أن الصومال، بحدوده الجغرافية الطبيعية، والتاريخية، لم يكن إلا عبارة عن ممالك أو دويلات صغيرة منعزلة، ولم يجر توحيدها تاريخياً.
2- الوحدة الوطنية في (الصومال الدولة):
في المدة ما بين الحربين العالميتين، اتسمت منطقة القرن الإفريقي بصراع استعماري عنيف، أطرافه إيطاليا وبريطانيا وفرنسا، حيث قامت القوات الإيطالية في عام 1934، بغزو منطقة الصومال الغربي (أوغادين) واصطدمت القوات الإيطالية والأثيوبية في معركة (وال وال)، التي حققت فيها إيطاليا النصر، وبذلك نقضت إيطاليا اتفاقية عام 1908، التي عقدتها مع أثيوبيا، والتي سوف نتحدث عنها في مواضيع لاحقة.
بعد هذه المعركة، بدأت القوات الإيطالية غزوها لأثيوبيا، وتم احتلالها في عام 1937، وإعلان ضمها إلى (الإمبراطورية الإيطالية)، مع دمج منطقة الصومال الغربي (الأوغادين) إلى الصومال الإيطالي، لكن هذا الانتصار لم يدم طويلاً، عندما تحركت القوات البريطانية، وتمكنت من دحر القوات الإيطالية، وهزيمتها نهائياً، حيث دخلت بريطانيا أديس أبابا، في (5) آيار 1941، وبصحبتها الإمبراطور هيلاسي لاسي، الذي لجأ إليها أثناء الاحتلال الإيطالي لأثيوبيا. وأعادت بريطانيا الإمبراطور هيلاسي لاسي إلى عرش أثيوبيا، وعلى أثر ذلك أبرمت معه اتفاقية، تم بموجبها وضع منطقة الصومال الغربي، تحت الإدارة العسكرية البريطانية.
وفي أواخر عام 1944، جددت الاتفاقية المذكورة، ونصت على أن يستمر الاحتلال العسكري البريطاني ، لمنطقة الصومال الغربي، لمدة عشر سنوات، ثم تتخلى بريطانيا عنها نهائياً لأثيوبيا. وقبيل انتهاء مدة العشر سنوات هذه، في (أيلول 1948)، تنازلت بريطانيا، عنمسؤولية الإشراف الإداري عن منطقة الصومال الغربي، وعن أجزاء أخرى من الأراضي الصومالية لصالح أثيوبيا.
وفي أثناء الحرب العالمية الثانية، أصبح 90% من الأراضي الصومالية خاضعة للسيطرة البريطانية، باستثناء الصومال الفرنسي (جيبوتي)، وبعد انتهاء تلك الحرب، أصبح التصرف بالمستعمرات الإيطالية، من المشاكل المعقدة، لذا حاولت بريطانيا، أن تستغل فكرة الصومال الكبير، لكي تبسط نفوذها عليه، ومن هذا المنطلق جاء اقتراح (آرنست بيغن) وزير خارجية بريطانيا في مجلس العموم، حيث اقترح توحيد الأراضي الصومالية ، التي أشرفت عليها بريطانيا، بعد الحرب العالمية الثانية وفرض الوصاية البريطانية عليها، ثم وضعها تحت وصاية الأمم المتحدة، مع إشراف بريطانيا على الأقاليم المشمولة بالوصاية وجاء في هذا الاقتراح ما يلي: (كانت منطقة القرن الإفريقي تقتسمها ثلاث دول هي بريطانيا العظمى وفرنسا وإيطاليا.
وكنا في ذلك الوقت نختص بقطعة منها، أما الأثيوبيين، فقد كانوا يحتلون المنطقة الداخلية، حيث المراعي التي يؤمها ما يقرب من نصف السكان الرحل الذين يعيشون داخل أرض الصومال البريطانية، مدة ستة أشهر بأكملها من كل عام، وكان أيضاً على السكان الرحل الذين يعيشون داخل أرض الصومال الإيطالية أن يعبروا الحدود بحثاً عن المراعي. في ذلك الوقت اقترحنا بنية صافية توحيد أراضي الصومال البريطاني والصومال الإيطالي، وكذلك المنطقة المتاخمة التابعة لأثيوبيا- إذا وافقت الأخيرة على ذلك، في شكل مقاطعة واحدة خاضعة لنظام الوصاية، وذلك ليتسنى للسكان الرحل أن يحيوا حياتهم البسيطة في أمان ودون أن يعترضهم أي عائق..... على أن تتولى بريطانيا العظمى السلطة الإدارية في المنطقة). ومن الواضح أن بريطانيا أرادت بهذا الإجراء ، أن تجعل الأقاليم الصومالية الخمسة تحت هيمنتها ، على أن تربطها بالكومنولث البريطاني، حتى أنها طلبت من فرنسا، التنازل عن الصومال الفرنسي، ومنحه الاستقلال مقابل تعويض، فتقدم لها بريطانيا منطقة (غامبيا)، ولكن الموضوع أصبح غير ذي جدوى، بعد أن أعلنت مستعمرات فرنسا السابقة في إفريقيا الغربية والاستوائية استقلالها، وبعد أن تحررت أو أوشكت على التحرر ممتلكات بريطانيا في غرب القارة، ولا تسمح نيجيريا أو غيرها، بأن تحل فرنسا محل بريطانيا في غامبيا التي مصيرها الاستقلال أيضاً. وقد آثار الاقتراح البريطاني ، بتوحيد الأراضي الصومالية، معارضة شديدة، من قبل كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي وأثيوبيا، التي كانت تخشى من فقدانها منطقة الصومال الغربي-، وكذلك معارضة الصوماليين أنفسهم، لأنه يقيدهم. بقيود استعمارية جديدة، حيث أكدوا أنهم لا يرغبون في أن يبدلوا الاحتلال ، باحتلال آخر، كذلك خشيتهم من النوايا البريطانية في هذا المقترح. الأمر الذي آثار الحكومة الإنكليزية، فقررت الانتقام من الشعب الصومالي في صورة أو بأخرى، فكان تأييدها لمشروع (سفورزا) الإيطالي، والذي عرف في مجال السياسة-باسم مشروع (بيغن-سفورزا) الذي يقضي برجوع إيطاليا إلى الصومال دون قيد أو شرط.
وقد تراوحت المعارضة بين اقتراح فرنسا، بعودة الحكم الإيطالي إلى الإقليم الجنوبي وبين اقتراح الولايات المتحدة، بوضع الصومال تحت الوصاية الدولية.
Page 5
وفي عام 1947 أبرمت معاهدة الصلح بين إيطاليا، وكل من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، ونصت على أن تتولى حكومات هذه الدول الأربعة، التصرف النهائي بالمستعمرات الإيطالية في (ليبيا، وأرتريا، والصومال)، إلا أن الدول الغربية رأت أن تكافئ إيطاليا، لما أظهرته من ولاء لها بعد الحرب، فسعت إلى تمكينها من تولي إدارة الصومال باسم الأمم المتحدة. وبعد عرض القضية على الأمم المتحدة، أصدرت الجمعية العامة قراراً بتاريخ 21 تشرين الثاني1949، يقضي بأن تنال الصومال استقلالها ، بعد مدة عشر سنوات،توضع خلالها تحت الوصاية الدولية، وتتولى إيطاليا إدارتها أثناء هذه المدة. وقد احتسبت مدة العشر سنوات، من تاريخ الموافقة على اتفاقية الوصاية، وهو2 كانون أول 1950، أي أن التاريخ المحدد لاستقلال الصومال كان 2 كانون أول 1960. وشهدت هذه الحقبة (مدة الوصاية) أكبر صراع، بين قوى التحرر الوطني، وبين المطامع الاستعمارية التي تتحكم في هذا الوطن، وخلال مدة الوصاية شكلت الأمم المتحدة مجلساً استشارياً في مقاديشو- التي كانت ضمن الصومال الإيطالي-عهد إلى هذا المجلس، بمراقبة الإدارة الإيطالية ومساعدتها، في تهيئة الظروف من أجل استقلال الصومال، وكان هذا المجلس يضم مندوبين من كل من مصر وكولمبيا والفلبين، وقد لقي ممثل مصر (كمال الدين صلاح) في المجلس الاستشاري حتفه على أيدي عملاء الإنكليز في الصومال، لرفضه تجديد مدة الوصاية إلى عشر سنوات أخرى، وإصراره على ضرورة منح الاستقلال للشعب الصومالي في الموعد المحدد.
وأقامت الحكومة الإيطالية في كانون الثاني 1956، مجلساً تشريعياً منتخباً، وشكلت في 7 أيار من العام نفسه، حكومة صومالية، عهدت إليها مهمة تهيئة البلاد للاستقلال.
أما فيما يتعلق بالصومال البريطاني، ففي إبان الوصاية، شكل البريطانيون جبهة، سموها (الجبهة الوطنية المتحدة) ضموا إليها سلاطين وزعماء موالين لهم، وتبنوا شعار (كومنولث صومالي)، يهدف إلى إدخال الصومال ضمن مجموعة الكومنولث المرتبطة ببريطانيا، من أجل إبقاء الصومال كقاعدة استراتيجية، ومركزاً تموينياً عسكرياً كما وجعله حلقة وصل تؤمن الاتصال لها بمستعمرة كينيا، التي كانت خاضعة آنذاك للحكم البريطاني.
وأسفرت الانتخابات التي أجريت في شباط 1960- لتشكيل مجلس تشريعي جديد-عن فوز (عصبة الصومال الوطنية) بعشرين مقعداً من مجموع المقاعد المنتخبة والبالغ عددها (33) مقعداً، وفاز (الحزب الصومالي المتحد) بـ(12) مقعداً، أما (الجبهة الوطنية المتحدة) فقد فازتبمقعد واحد، وقد طالب الحزبان اللذان فازا بأغلبية المقاعد-في بيان مشترك، بتحقيق الاستقلال العاجل، وإلى اتحاد جميع الأقاليم الصومالية.
وفي يوم 26 حزيران عام 1960، انتهى الحكم البريطاني ، حينما تم التوقيع على الوثائق التي تمنح الصومال البريطاني الاستقلال التام، وقد وقع الوثائق (محمد إبراهيم عجال) و (توماس بروملي) المستشار العام للحكومة البريطانية في مقاديشو، وسلم السلطة بصورة رسمية إلى عجال، وفي اليوم التالي ، صادقت الجمعية التشريعية الصومالية بالإجماع على اللائحة التي ترمي إلى توحيد الصومال الإيطالي والبريطاني، وقد تم انتخاب (أدن عبد الله) رئيس الجمعية التشريعية الصومالية، كأول رئيس لجمهورية الصومال، بعد أن حصل على (107)صوت من مجموع (114) صوت ، فكان هو أول رئيس إفريقي يأتي بطريقة الانتخاب ويخرج من الحكم بطريقة الانتخاب.
وبهذا الشكل ظهرت إلى حيز الوجود، جمهورية الصومال، كدولة إفريقية فتية، مستقلة من خلال اندماج الجزئين الشمالي (الصومال البريطاني) والجنوبي (الصومال الإيطالي)، مع طموح الصوماليين، نخبة وجماهير على أن يلي ذلك استقلال الأجزاء المتبقية التي لا يزال قسم منها يخضع لاحتلال مباشر- من قبل كل من أثيوبيا وكينيا (الصومال الغربي، وإقليم انفدى)- والقسم الآخر (جيبوتي)، التي استقلت عام 1977 مع ضمان تواجد عسكري فرنسي فيها.

المطلب الأول:الصومال قبيل الوجود الأوروبي في المنطقة

لم يخضع الصومال في تاريخه الحديث إلى حكم مركزي، كما مر بنا في موضوع (نوحيد الصومال التاريخي)، بل كان لكل منطقة حاكمها الخاص، يتولى إدارة شؤونها. وقبيل الغزو الأوروبي كانت الصومال منقسمة إلى ثلاثة أقسام قسمان منها يخضعان لنفوذين سياسيين عربيين، هما زنجبار في الجنوب ومصر في الشمال.
أما القسم الثالث، فهو المنطقة الوسطى التي كانت تخضع لسلاطين وحكام محليين، وهو ما عرف بالسلطنات القبلية، وهي مشابهة لسلطات وإمارات الخليج العربي، قبل أن تصبح دولاً بالمفهوم السياسي، حيث تحكم هذه الإمارات، من قبل شيوخ القبائل، وكل زعيم قبيلة كبيرة يسيطر على مساحة معينة من الأراضي الصومالية، ويقوم بإدارة أمورها. وهذه السلطنات القبلية كانت منتشرة في البلاد، حيث وجدت في كل منطقة تقطنها مجموعة من السكان، تربط بين أفرادها، سلسلة من أنساب، تنتهي إلى جد مشترك، أو تربطهم مصلحة مشتركة أخرى مثل الحرفة أو غيرها.
وعادة فإن لهذه السلطات أرض معروفة بها حقوق ملكيتها، قاصرة على أفراد السلطة، تحدد بعلامات في المناطق التي تسود فيها الحياة الرعوية، كما أن هناك من يقوم بالدفاع عن السلطنة القبلية، في حالة تعرضها إلى غزو خارجي، أو داخلي من قبل سلطنة أخرى. ومن هنا تصبح القبيلة وحدة إقليمية قائمة بذاتها، تشغل مساحة معينة من الأرض، وهذا النظام الذي كان يسود بلاد الصومال، كان مصدر شقاق دائم بين السكان، مما أدى إلى حالة من التفكك والفوضى والتشاحن بين القبائل الصومالية، بل وحتى داخل القبيلة الواحدة، فضلاً عن شعور كل قبيلة، بأنها لا تملك سوى الأراضي التي في حوزتها فقط، الأمر الذي أدى إلى تنازع القبائل فيما بينها، كل واحدة تريد الحصول على مساحة أرض، أوسع من غيرها. مما عد من العوامل التي ساعدت على التغلغل الاستعماري في المنطقة فيما بعد، وذلك بسبب ما عانته هذه الممالك من الضعف والتفكك، حتى انهارت وتمزقت، وقد حلت محلها دويلات صغيرة، في الساحل وفي الداخل، وكانت بعض تلك الدويلات تدين بالولاء للدولة العثمانية، التي وصل نفوذها إلى السواحل الغربية للبحر الأحمر، وسيطرة على كثير من موانئه، وكانت التجارة مصدر قوة هذه الإمارات بالمقام الأول، حتى أن كثيراً من سكان المدن الساحلية، قد هاجر نحو الداخل ابتعاداً عن أذى الغزاة المستعمرين، مما أدى إلى عزل تلك الإمارات عن الاتصال بالدول البحرية، وإن لم تتأثر مباشرة بالصراع الخطير، الذي نشب بين الإنكليز والفرنسيين والهولنديين، خلال القرن التاسع عشر. وقد سمي هذا القرن (التاسع عشر) بالنسبة للصومال بـ(عصر السلطنات والدويلات القبلية).
وإذا كان هذا هو حال السلطنات القبلية بشكل عام، فمن الضروري الحديث باختصار عن تلك السلطنات، التي كانت قائمة قبل دخول الاستعمار الأوروبي إلى الأراضي الصومالية، وهي :
1. سلطنة ايغات أو وفات، وهي تمتد من شرق شوا، إلى شمال أديس أبابا إلى وادي هواش، إلى خليج عدن.
2. سلطنة داوارو: وتقع إلى الجنوب من سلطنة ايغات، فيما بين نهر هواش وأعالي نهر وبي شبيلي، وهي المنطقة التي تعرف اليوم باسم ابو.
3. ارابيني: وتقع شرق بحيرة تانا.
4. هديه: وتقع جنوب ايفات، ورغم أنها أصغر من سلطنة ايفات مساحة، إلا أنها أقوى السلطنات السبع، وهي تقع في أعالي نهر أدمو، الذي يصب في بحيرة رودلف، وهي المنطقة التي تعرف في الوقت الحاضر باسم بوران.
5. شرها: وتقع غرب ايفات وبين هدية ودوارو.
6. بالي: ويحدها شمالاً نهر وبي شبيلي ومن الجنوب نهر جرانا.
7. دارة : وهي تلي إمارة بالي ، وأضعف الإمارات السبع.
وقد كانت هذه الإمارات ، تقيم علاقات جيدة، وصلات مستمرة مع قبائل الجزيرة العربية، طوال عدة قرون حتى جاء التكالب الاستعماري الغربي، على غزو القارة الإفريقية...... فأقام من سيطرته حواجز مادية بالحدود السياسية المقفلة وكأنها ستار حديدي سميك، وحواجز معنوية بالتأثير اللغوي والسيطرة الثقافية ، واستطاع بكثرة إرسالياته التبشيرية، ومكر قساوسته، وبضخامة عدته وحنكته السياسية، وبالتالي كرهه للدين الإسلامي، أن يفصل أبناء الأمة العربية الإسلامية، عن شعوب هذه القارة في جناحها الشرقي والأوسط.
نخلص من هذا العرض إلى القول، أن معظم أراضي هذه الإمارات ، تقع في إقليم الصومال الكبير، وأنها تشمل أراضي من جنوب الحبشة بحدودها الحالية، على عكس الادعاءات الأوروبية والحبشية، التي تدعي بأن (بلاد الصومال هي أرض بلا صاحب).
Page 6

المطلب الثاني : بداية النفوذ الأجنبي في الصومال

من المعروف، أن لعرب شبه الجزيرة العربية، وبالذات العمانيين والحضارمة علاقات تجارية قديمة مع الصوماليين، وأن هذه العلاقات، أخذت بعداً جديداً، بعد ظهور الإسلام وانتشاره في إفريقيا، حيث يعد من عوامل الجذب في هذه المنطقة. وباتساع الفتوحات الإسلامية، وقيام دولة إسلامية كبرى مترامية الأطراف، وفدت إلى الساحل الشرقي لإفريقيا، وبلاد الصومال، مجموعات من دعاة الإسلام، أو من قدموا لأسباب اقتصادية أو سياسية، وبالذات في عهد عبد الملك بن مروان (695-714م)، الذي شهد عهده اضطرابات سياسية واسعة النطاق، مما أدى إلى تركز مجموعات من معارضيه، على امتداد المدن والمراكز الساحلية في الصومال، والجزر المحيطة به، مثل زنجبار، وممباسه، ومقاديشو.... وغيرها، لاعتبارات مناخية وأمنية، وبالتالي اتخذوها قواعد لأنشطتهم المختلفة.
ومن جانب آخر، ازدادت الروابط، بين النازحين الجدد، وبين السكان المحليين مما أدى في نهاية المطاف، إلى اختلاط الفريقين، وظهور كيانات إسلامية على طول سواحل إفريقيا الشرقية.
وبظهور هذه الكيانات، تعززت العلاقات بين منطقتي الخليج العربي وشرق إفريقيا، وتعددت في بعض الأحيان العلاقات التجارية التقليدية إلى درجة التعاون أمام التدخلات الخارجية، وفي النصف الثاني من القرن الخامس عشر، وصل البرتغاليون إلى شرق إفريقيا، ثم أخذوا يرسلون الحملات إلى المدن الساحلية، بغية الاستيلاء عليها، وأوفدوا لهذا الغرض بعض قوادهم العسكريين إلى المنطقة والذين استطاعوا إخضاع أغلب سواحل إفريقيا والخليج العربي لنفوذهم.
وما كاد القرن السادس عشر ينتهي حتى أخذ الضعف والانهيار يدب في جسم الإمبراطورية البرتغالية، وذلك جراء عوامل عدة من أهمها : دخول البرتغاليين تحت الحكم الإسباني، في عام 1580-1640، والمنافسة الدولية التي تعرضت لها البرتغال في بحار الشرق، مما شجعالقوى المحلية في المنطقة على طرد البرتغاليين، بمساعدة الإنكليز من (هرمز) التي كانت أقوى معاقلهم في الخليج العربي، ونتج عن تلاشي هذه السيطرة على الخليج سيطرة أئمة عمان، على المعاقل البرتغالية، وتقوية أركان دولتهم الناشئة.
وصادف في ذلك الوقت، أن اتجهت ممباسة (في كينيا حالياً)- التي كانت تعاني من ضغط برتغالي–إلى طلب العون من (عمان)، ومن هنا تشجع العمانيون على مواصلة حربهم ضد البرتغاليين، وأرسل الإمام سيف بن سلطان حملة بحرية إلى شرق إفريقيا، والتي استطاعت بمساعدة السكان من طرد البرتغاليين من هذه المناطق، وخاصة ممباسة. إلا أن العمانيين لم يتمكنوا من تأسيس سلطنة على أنقاض الإمبراطورية البرتغالية، وذلك لأسباب من بينها، ضعف مركز سيف بن سلطان في عمان نفسها، واستنفاد جهودهم في صراعهم ضد البرتغاليين، بالإضافة إلى عدم نظرة سكان شرق إفريقيا إلى العمانيين، إلا كمنقذين من قسوة البرتغاليين، لا كأسياد جدد يفرضون سيطرتهم عليهم، ومع هذا احتفظ العمانيون بولاء أهالي جزيرتي (زنجبار وبمبا). ويعد هذا الولاء الأساس لأصل السيادة العمانية على زنجبار، وإن تأخرت تأسيس سلطنتها في زنجبار إلى بداية القرن التاسع عشر ، ويعد عهد هذه السلطنة التي أرسى قواعدها، سعيد بن سلطان، نقطة تحول في تاريخ المنطقة، إذ فتح مؤسسها السواحل الإفريقية والصومالية للأوروبيين وعرفهم عليها بواسطة المعاهدات التي عقدها مع معظم الدول الكبرى وبرعايته لوكلائهم- مقابل الأموال والمبالغ التي كان يتسلمها جراء ذلك-الذين جابوا المنطقة عرضاً وطولاً، ليمهدوا الطريق لحكوماتهم، لهذا كان طبيعياً ، أن تتعرض منطقة شرق أفريقيا بصورة عامة، والصومال بصورة خاصة للأطماع الاستعمارية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. الذي يعد بداية دخول الصومال تحت دائرة النفوذ الاستعماري الأوروبي.

المبحث الثاني : دور الدول الأوروبية في إيجاد المشكلة

لقد عانى الشعب الصومالي الكثير من السياسة الاستعمارية التي ابتليت بها القارة الإفريقية في أواخر القرن التاسع عشر، وهو القرن الذي شهد تمزيق أوصال القارة الإفريقية وتقسيمها بين الدول الاستعمارية الأوروبية ، لاسيما بعد مؤتمر برلين 1884-1885م، وكان من الطبيعي أن يقع الشعب الصومالي ضحية عملية التفتيت التي مارستها بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، كل حسب دورها وموقعها على مسرح السياسة الدولية آنذاك، ولم يقف الأمر عند حد هذه الدول بل دخلت الإمبراطورية الأثيوبية الميدان تشجعها في ذلك الدول الأوروبية، بغية المحافظة على مطامعها الاستعمارية في المنطقة.
وفي الربع الأخير من القرن الماضي، بدأت بعض الدول الأوروبية المؤثرة تنشط سياستها الاستعمارية في إفريقيا، وتحت هذه الذرائع وغيرها بدأت تلك الدول الأوروبية تتكالب على منطقة القرن الإفريقي عموماً، والسواحل الصومالية بشكل خاص، كيما تفوز بجزء مهم من المناطق الساحلية لتأسيس تلك الموانئ أو المحطات التجارية عن طريق الاتفاقات الثنائية بينها وبين زعماء القبائل المحلية في المنطقة، وقد تحولت هذه الاتفاقات فيما بعد إلى وثائق سياسية، تخضع بموجبها شعوب هذه المناطق للسيطرة الاستعمارية.
ومما لا شك فيه أن الدول الاستعمارية، عقب غزوها للأراضي الإفريقية واستيلائها على ثرواتها كثيراً ما كانت تقوم بدور مباشر في تمزيق وحدة الشعوب، أو القبائل الإفريقية، ذات الأماني والمصير المشترك، ولم تعر تلك القوى الاستعمارية، أي اعتبار لأهمية الروابط الحضارية والجغرافية والاقتصادية في حياة تلك الشعوب أو القبائل، لتقرير مستقبلها وبناء كيانها السياسي، وكان هدف المستعمرين من تلك المخططات بلورة وتكريس النزاعات المحلية بين الدول المتجاورة، والعمل على تعميق وديمومة صراعاتها الناجمة من المتغيرات الاثنية أو الثقافية أو غيرها وعجزها عن مواجهتها ، وبالتالي الإبقاء على تخلفها وفقرها ، مما يسهل على تلك القوى إحكام السيطرة عليها ونهب خيراتها وربط مصيرها بتلك القوى.
والواقع أن كثيراً من الشعوب والمجتمعات ذات الروابط المشتركة، أصبحت ضحية للمخططات الاستعمارية، فتعرضت للتمزيق والتجزئة، مثلما حدث للشعب الصومالي موضع الدراسة . لذا سوف نتناول في هذا المبحث أدوار بريطانيا وفرنسا وإيطاليا كلاً على انفراد، في تفتيت الوحدة الإقليمية والديموغرافية الصومالية(الصومال الكبير)، وبالتالي غرسها لمشكلة الوحدة الوطنية في الدولة الصومالية والتي مازال يعاني منها الشعب الصومالي إلى الوقت الحاضر.
 
Page 7

المطلب الأول : الدور البريطاني

قامت السلطات البريطانية في (عدن) بتنشيط وتوسيع علاقاتها التجارية مع موانئ الساحل الصومالي القريب منها، مثل ميناء بربرة وزيلع، وترجع بداية العلاقة البريطانية بأهالي تلك الموانئ إلى عام 1827م، وذلك عندما أرسل الإنكليز مبعوثاً إلى قبيلة (حبر أول) الصومالية، للتفاهم معها على دفع التعويض اللازم بعد أن قام أفراد من هذه القبيلة بنهب سفينة بريطانية في بربرة، وعلى أثر ذلك دخل شيوخ تلك القبيلة في اتفاقيات سلام وتجارة مع المبعوث الإنكليزي، وافقوا بمقتضاها على عدم التعرض للسفن التي تحمل العلم البريطاني ، وأن يقدموا الحماية اللازمة لها، كما وافق الشيوخ على دفع تعويض عن الخسائر التي نجمت عن حادث السفينة.
إن هذه الاتفاقيات لم تقتصر على إقامة الصداقة والتبادل التجاري بين الجانبين فحسب، بل تعدت ذلك إلى الجانب السياسي، حيث قيدت الشيوخ بعدم الدخول في علاقات مع أية دولة أخرى في حالة ما إذا كانت هذه الاتفاقيات تمس بالمصالح الإنكليزية، وهي شبيهة بالاتفاقيات التي عقدتها انكلترا مع مشايخ الخليج العربي، حيث انتزعت منهم بموجبها التزامات واسعة دون مقابل يذكر، والتي عرفت بالمعاهدات المانعة، جاء فيها:
1. المحافظة على استقلالهم والمحافظة على الأمن والنظام العام.
2. ألا يبيعوا أو يتنازلوا أو يتركوا أي جزء من أراضيهم لاحتلال دولة أخرى.
3. ضمان حرية التجارة لكل السفن التي تحمل العلم البريطاني ، وكذلك سلامة رعايا حكومة جلالة الملكة.
4. إلغاء تجارة الرقيق وإعطاء السفن البريطانية الحق في مصادرة الرقيق.
5. أن يعاملوا الممثلين والمندوبين الذين ستعينهم الحكومة البريطانية في الصومال بكل اعتبار، وأن يسمح لهم بالاحتفاظ بحرس شخصي.
إن هذه السياسية البريطانية في افتعال الأزمات والحوادث مع شعوب المنطقة غالباً ما كانت تستخدمها الدول الاستعمارية، كوسيلة للنفوذ إلى هذه المناطق. فرأت انكلترا أن تدخل ميدان التوسع الاستعماري، فاستغلت هذه الحوادث لكي تنفذ أغراضها تدريجياً فاستغلت الثورة العرابية لتحتل مصر، واستغلت الحركة المهدية لتعزيز تواجدها في السودان.
كل هذا أقدمت عليه بريطانيا وقامت بتنفيذه، مستغلة براعتها ودهائها في التمويه والخداع، فأحاطت هذه العمليات، بادعاءات واهية ومتناقضة بالمحافظة على أملاك مصر، وذلك للتخلص من منافسة الدول الاستعمارية المزاحمة لها على امتلاك موطئ قدم في المنطقة.
وبعد عقد هذه الاتفاقات التي وضعت حجر الأساس لعلاقات صومالية –بريطانية أخذ الإنكليز يتغلغلون في السواحل الصومالية، وخاصة الشمالية منها، وبصورة تدريجية حسب ظروف الإنكليز واحتياجاتهم، وقد وضعوا نصب أعينهم الوقوف بوجه أية دولة في مقدورها أن تؤثر على نفوذهم في المنطقة، وعلى هذا النحو تحرك الإنكليز نحو (زيلع وتاجورة وبربرة)، للحيلولة دون النفوذ الخارجي وخاصة في المدة التي بدأت السفن الفرنسية ترتاد المنطقة وتقوم بنشاطات واسعة فيها. وبهذه الطريقة تغلغلت بريطانيا إلى الأراضي الصومالية، وأصبح لها جزر ومناطق حيوية تشغل مواقعاً مهمة عند بداية طريق القوافل نحو الداخل، ومع هذا لم يقم الإنكليز باحتلال تلك الجزر فعلياً، بل تركوها خالية واقتصروا فقط على الاحتفاظ بحقوقهم عليها.
كان هذا هو النشاط الإنكليزي المبكر في الصومال، وخاصة في السواحل الشمالية منها، منذ عام 1827، وهو النشاط الذي صور مداه أحد العسكريين الفرنسيين- وهو الملازم (فريد Perret)، الذي زار المنطقة والذي ذكر (أن الإنكليز لن يتراجعوا أمام أي تضحيات ولن يهملواأي شيء في سبيل إقامتهم على ضفتي البحر الأحمر......).
إن هذه النشاطات، اتخذت شكلاً آخر بعد افتتاح قناة السويس عام 1869 للملاحة الدولية وظهور أهمية هذه المنطقة للمستعمرين على ضوئها، كما كانت مظهراً من مظاهر التنافس السياسي، بين فرنسا وبريطانيا في أول الأمر، وتحريك الاهتمام الأوروبي فيما بعد نحو السيطرة على المناطق القريبة أو المحيطة بها وعلى أثر دراسة هذه الأهمية للقناة ، قام الإنكليز بالتفكير في السيطرة على الطرق البحرية المؤدية إلى القناة، وعلى أثر ذلك أجبر الإنكليز المصريين على الانسحاب من شمال الصومال، في عام 1884، بعد نتائج وملابسات الحركةالمهدية في السودان، وإخفاق الحملات العسكرية البريطانية ضدها واعتبار أمر هذه الموانئ شيئاً يهم البريطانيين أكثر مما يهم المصريين.
وبعد الانسحاب المصري من الأراضي الصومالية تحركت الدول الأوروبية وفي مقدمتها بريطانيا لملئ هذا الفراغ ، وكانت تدرك خطورة احتلال أية قوة أخرى للمنطقة على مصالحها، وخاصة من جانب فرنسا التي كانت في سباق معها، للاستحواذ على المنطقة مما جعلها تعمل كل ما في وسعها على إبعادها عن السواحل الصومالية، وعلى ضوء ذلك دعا قنصل بريطانيا في السواحل الصومالية (هنتر) في نهاية عام 1883 إلى ضرورة التدخل البريطاني في ساحل الصومال، تحت ذريعة (أن منليك يستعد للاستيلاء على هرر، وأن قبائل الصومال تهدد، بإخراج الحاميات المصرية، من زيلع وبربرة، وأن حكومة مصر لا تستطيع الاحتفاظ بسلطتها في هذه الجبهات الهامة بالنسبة لنا)، كما ادعى (بأن هناك شقاقاً وشيك الوقوع، بين حاكم هرر المصري وبين قبائل عيسى الصومالية، وأن هذا الانشقاق، إذا لم نتداركه بسرعة، فإن المواصلات على الساحل، ستصبح في خطر......).
Page 8
وقد رحبت بريطانيا، بدعوة هنتر واتخذت الخطوات التالية، تجاه السواحل الصومالية :
1. دعت الدولة العثمانية إلى أن تباشر سلطتها على تاجوره وزيلع وضواحيهما، بمجرد انسحاب المصريين منها، كما أبلغت الدولة العثمانية، بريطانيا بأنها مستعدة للاعتراف بملكيتها لهذا الإقليم، إذا تعهدت بعدم التنازل عن أي جزء منه لأية دولة أخرى.
2. عملت بريطانيا على إجراء الترتيبات الخاصة من جهتها بانسحاب المصريين، عندما كلفت قنصلها (هنتر) بمهمة تسهل إخلاء المصريين، من تلك المناطق، وعقد اتفاقيات مع القبائل الصومالية، الذين لم يتم الاتفاق معهم، وقد استخدمت بريطانيا مع شيوخ القبائل، وسائل الترغيب، بدفع الأموال مقابل توقيعهم على المعاهدات معها، وعندما لم يرد العثمانيون، على دعوة بريطانيا ، باستئناف ممارسة سيادتهم على مينائي (زيلع وتاجورة)، بعثت بريطانيا إنذار إلى الدولة العثمانية، وعندما لم يعط الباب العالي أي اهتمام لهذا التحذير باشرت القوات الإنكليزية، باحتلال زيلع، في 24 آب 1884.
وفي ضوء ذلك ظل الإنكليز يفكرون، في بسط حمايتهم على ما تبقى من الساحل، كما أنهم اعتبروا ، ذلك الجزء إقليماً مباحاً لا صاحب له، خصوصاً بعد انسحاب المصريين منه، ولهذا رفضوا الاعتراف بالسيادة العثمانية عليه.
ومما هو جدير بالملاحظة أن بريطانيا تعاملت بشكل مزدوج مع المنطقة المذكورة من زيلع إلى باب المندب، فهي تعترف بالسيادة العثمانية وحقها في مواجهة الدول الأوروبية الأخرى، إذا ما أرادت هذه الدول السيطرة على هذه المناطق، بينما لا تعترف بهذه السيادة علناً للدولة العثمانية، أو أنها تعترف ولكن بشروط تخدم مخططاتها الاستعمارية، وفي عام 1885 أخليت هرر من القوات المصرية، وحلت محلها القوات البريطانية، وأصبحت هرر بداية لإنشاء مستعمرات الصومال البريطاني، وبذلك أعلنت بريطانيا ، حمايتها على بلاد الصومالالمواجهة لعدن، ومن جانب آخر بدأت متاعب شعب إقليم الصومال الغربي، عندما احتلت الإقليم إثيوبيا عام 1887، حيث احتلت يومذاك قوات (منليك) مدينة هرر عاصمة الصومال الغربي، وكان ذلك الاحتلال، قد تم بإيعاز من بريطانيا، حيث ضمتها إلى إثيوبيا عام 1889، إضافة إلى منطقة الأوغادين، كمكافئة من بريطانيا لإثيوبيا لتحالفها معها ضد الحركة المهدية في السودان. وقد بقيت إثيوبيا تحتل هذه المناطق، وفقاً لاتفاقيات ومواثيق أبرمت مع بريطانيا، والتي تبعتها باتفاقيات أخرى مع بقية الدول، التي اقتسمت معها البلاد الصومالية، وقامت بوضع الحدود المصطنعة بين أقاليم الصومال الغربي، وبين بقية الأقاليم الصومالية الأخرى، حيث أدت هذه الحدود الاستعمارية إلى تمزيق شمل القبائل التي تربطها وشائج القربى.
وعندما نشبت الحرب العالمية الثانية، كانت إيطاليا، قد احتلت جزءاً كبيراً من إثيوبيا، بما في ذلك إقليم الصومال الغربي الذي كان يخضع للسيطرة الإثيوبية ، وأعلن موسوليني ضم إثيوبيا إلى إيطاليا، لكن هذا الوضع لم يدم طويلاً، حيث انتصر الحلفاء على دول المحور، وتم إعادة الإمبراطور الإثيوبي (هيلاسي لاسي) إلى عرشه في إثيوبيا، بعد أن أبرمت معه اتفاقية في عام 1943، تنص على أن منطقة الأوغادين الصومالية، جزء منفصل عن إثيوبيا، تتولى القوات البريطانيا إدارتها، وقد جددت تلك الاتفاقية بعد عام من توقيعها، وأكدت استمرارالسيطرة البريطانية على الإقليم الصومالي، وبهذا آلت إدارة جميع الأقاليم الصومالية-باستثناء إقليم الصومال الفرنسي (جيبوتي)- لبريطانيا.
وفي تلك الظروف ، حاولت بريطانيا إقناع الشعب الصومالي ، باختيارها كوصية عليه بعد أن وعدته بتوحيد أجزائه عند حلول ساعة الرحيل، وكما مر بنا ولكن وبرغم تلك الوعود، وتخطياً لكل المحاولات البريطانية، أبدى الشعب الصومالي معارضته لهذا الاقتراح، انطلاقاً من المثل الصومالي القائل (لا تعطي عصاك، لمن لا تقدر أن تسترجعها منه)، فاتجهوا إلى إيطاليا ذات المركز الضعيف على الساحة الدولية، في تلك الحقبة. وكرد فعل فوري وعملي ، على هذا الموقف من جانب الشعب الصومالي ، قررت بريطانيا في عام 1948 تسليم إقليمأوغادين إلى إثيوبيا، ونظراً لامتناع إثيوبيا عن التعاون مع إيطاليا في تعين الحدود بينها وبين (الصومال الإيطالي)، قامت بريطانيا بمبادرة فردية في عام 1950- قبل تسليم (الصومال الإيطالي) إلى الإدارة الإيطالية-برسم خط الحدود بين الصومال وإرتريا، وأسمته (الخط الإداري المؤقت)، ويلتقي بحدود (الصومال البريطاني) سابقاً، عند خط طول 48 شرقاً، وخط عرض 8 شمالاً، وعلى بعد 180ميلاً نحو الداخل من المحيط الهندي.
وقد رفض الشعب الصومالي هذا التخطيط لأنه جزء (الصومال الإيطالي) إلى قسمين، وجعل الكثير من السكان الذين كانوا ضمن (الصومال الإيطالي) يخضعون للإدارة الإثيوبية.
وفي 26 تشرين 2 1954 وقعت بريطانيا مع إثيوبيا اتفاقاً، تعهدت بموجبه بسحب كافة وجودها العسكري من منطقة هود، وما كان يسمى بالأراضي المحجوزة من إقليم أوغادين على أن تتولى الحكومة الإثيوبية ، إدارة هذه المناطق، ابتداء من 20 شباط عام 1955، مثلما انسحبت من فلسطين عام 1948 لتمهد للعصابات الصهيونية في السيطرة على زمام الأمور وملئ الفراغ ، الذي تركته بريطانيا، كما فعلت أيضاً عندما انسحبت من منطقة الخليج العربي، في عام 1971، لتمهد لإيران فرصة احتلال الجزر العربية الثلاث(طنب الكبرى- وطنب الصغرى-وأبو موسى).
وقد بقيت تلك المناطق التي احتلتها إثيوبيا منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم تحت الحكم الإثيوبي ، علماً أن الأراضي هذه لم تكن يوماً ما، من الأراضي الإثيوبية لكنها أرض صومالية، وهذا ما أكده (روتل رود) رئيس البعثة البريطانية التي تفاوضت على معاهدة 1897 مع إثيوبيا.
Page 9
أما بالنسبة (للصومال الكيني) انفدى (East Northen Frontier District) (مقاطعة الحدود الشمالية الشرقية) الذي احتلته بريطانيا عام 1905، فهو جزء من الوطن الصومالي الكبير، وكان هذا الإقليم قبل أن تضع بريطانيا أقدامها فيه، ملكاً لأهله الصوماليين، دون منازع مع أحد، أو سيطرة أي جهة أخرى، بينما كان سلطان زنجبار يدعي سيادة اسمية على السواحل الصومالية من (عام 1871 إلى عام 1905)، حيث ضمت بريطانيا هذه المقاطعة إلى مستعمراتها في كينيا، وفي عام 1934 فصلت بريطانيا مقاطعة انفدى، من مستعمراتها (كينيا)، وجعلتها منطقة منفصلة عنها، لا يمكن دخولها، إلا بتصريح خاص وكان هدفها من وراء ذلك تقطيع أوصال شعوب هذه المنطقة من جهة، وإلى إيجاد عناصر الانفجار والصراع الذي يلهي شعوب المنطقة عن قضاياها الحقيقية المجسدة في الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي خلقتها بريطانيا نفسها وغيرها من دول المعسكر الغربي، والذي لم يكتف بإثارة الأوضاع الضارة في الماضي، بل أراد أن يشكل كذلك مستقبل شعوب المنطقة وتشتيت جهودها عبر تغذية النزاعات والصراعات الأبدية من جهة ثانية.
وفي عام 1960 صرح رئيس الوزراء البريطاني (هارولد ماكميلان) أن (حكومة صاحبة الجلالة الملكة لن تعمل، ولن تشجع ولن تساند، أية مطالب تؤثر على الحقوق الإقليمية، أو وحدة الأراضي في الصومال الفرنسي أو الحبشة أو كينيا)، مما يدل على عدم مصداقية السياسة البريطانية، تجاه الشعب الصومالي الذي عانى الكثير من هذه السياسة، والتي دامت زهاء ستين عاماً، وقد أعلن (دنكار سانديز) وزير المستعمرات البريطاني في عام 1963، أن (الحكومة البريطانية، قد قررت إصدار نظام الحكم الذاتي في كينيا. وأن المناطق التيتسكنها غالبية من الصوماليين، ستصبح إقليماً سابعاً منفصلاً عن كينيا، سوف يطلق عليه اسم الإقليم الشمالي الشرقي)، علماً أن الحكومة البريطانية قد وعدت الحكومة الصومالية في العام نفسه (1963) بأنها (سترجع إليها قبل اتخاذ، أي قرار نهائي بشأن مستقبل الحدودالشمالية وعلى أن يكون ذلك قبل إعلان استقلال كينيا)، ومن هذه التصريحات والوعود، يتضح أن بريطانيا، قد أخلت بما قطعته على نفسها لحكومة الصومال.
إن مراجعة بسيطة لبنود الاتفاقيات، التي أبرمتها بريطانيا مع شيوخ القبائل الصومالية والتي غالباً ما كانت تغريهم بالأموال لقاء توقيعهم على هذه الاتفاقيات، التي ربما لا يعرفون بنودها ، نجد أن بريطانيا، قد عملت على عكس ما نصت عليه الاتفاقات السابقة التي وعدت بها بريطانيا الزعماء الصوماليين من خلال البند الذي ينص على عدم تنازلها (بريطانيا) عن أي جزء من هذه الأراضي، أو تأجيرها لأي دولة، عدا بريطانيا، وكذلك أكدت عدم مصداقيتها في وعودها التي قطعتها للصومال، عندما أبرمت مع إثيوبيا اتفاقاً جاء في مضمونه (اعتبار إقليم الصومال الغربي جزءاً من إثيوبيا، على أن تتعهد إثيوبيا بعدم غلق الإقليم بوجه الرعاة الصوماليين).
إن بريطانيا عندما احتلت الصومال في عام 1884، لم تجد سوى القوات المصرية والتي انسحبت إثر الضغوط البريطانية عليها، حيث كانت مدينة هرر في ذلك الوقت مركز إدارة الحكم المصري في الصومال، وفي أواخر القرن التاسع عشر ظهرت شخصية صومالية، عملتعلى مقاومة التوسع الأوروبي، وحاولت توحيد الشعب الصومالي، للوقوف بوجه الأطماع البريطانية، وهو الشيخ محمد عبد الله حسن الملقب بالملا، حيث أعاد أمجاد الشيخ أحمد بن إبراهيم، الذي هزم الحبشة في عدة معارك.
بدأ الشيخ محمد عبد الله، سياسته على أساس ضرورة جمع كلمة الشعب الصومالي، وتوحيد الصفوف لمواجهة العدو المشترك في ظل زعامة دينية واحدة، وقد قاوم الاحتلالين الأوروبي والحبشي، وأوقع بالمستعمرين الإنكليز الكثير من الخسائر، استمر نضاله إلى أن قتل في عام 1920، بعد أن تحالفت كل من بريطانيا وإيطاليا، وفرنسا، والحبشة معاً، للقضاء على حركته، واستخدمت بريطانيا الطائرات المقاتلة لأول مرة في إفريقيا، ضد الصوماليين، لكي تجبر الشيخ على الرضوخ لسياستها الاستعمارية، وقد دخل الشيخ في صراعات داخلية مع الزعامات القبلية المحلية التي حاولت القضاء على حركته بالتعاون مع المستعمرين، وقد أسفرت هذه الصراعات عن القضاء عليه.
إن هذه الحقائق توضح لنا مدى الدور الذي لعبته بريطانيا في تفتيت وحدة الشعب الصومالي، الأمر الذي حدا بأحد الكتاب الصوماليين إلى القول (بأن سبب مشاكلنا بريطانيا).

المطلب الثاني :الدور الفرنسي

كانت فرنسا من بين الدول الأوروبية المشتركة في تقسيم الوطن الصومالي.
تحت ذريعة حماية تجارتها الدولية التي تمر عبر السواحل الصومالية وغيرها من الأقطار الإفريقية، عن طريق شراء الأراضي من الزعماء المحليين، والدخول في معاهدات مع رؤوساء القبائل بهذا الخصوص. فعندما احتلت بريطانيا ميناء عدن، عمدت فرنسا إلى احتلال نقطة مقابلة لها، وعلى أثر ذلك قرر الفرنسيون بأن لا يتركوا الإنكليز وحدهم في الميدان في ذلك الوقت، وقد زادوا من نشاطهم بشكل كبير، مما جعل الإنكليز يعملون على إيقافه، أو تقليل تأثيره على مصالحهم، فلقد أخذت فرنسا لما فرغت من مشكلاتها الداخلية التي نجمت عن حروب نابليون في بداية القرن التاسع عشر، تبحث عما يعوضها عن مقاطعاتها في أوروبا التي فقدتها من جراء هذه الحروب، واتجهت أنظارها إلى المناطق الساحلية الممتدة على الساحل الإفريقي للبحر الأحمر، وخليج عدن، والمحيط الهندي، حيث يرجع تاريخ النشاطات الفرنسية في الساحل الغربي للبحر الأحمر وخليج عدن إلى العقد الأول من القرن التاسع عشر، وبالتحديد ما بين (1830-1848) ومنذ ذلك التاريخ شهدت المنطقة عدة محاولات، من جانب الفرنسيين، تمثلت في الحملات الاستكشافية والعلمية التي قام بها رحالة ومبشرون فرنسيون.
وقد وصل هؤلاء الرحالة إلى الحبشة ، وأسسوا مراكز تبشيرية هناك، كما قاموا بدراسة إمكانية البلد الاقتصادية، ومهدوا للنشاطات والجهود الفرنسية اللاحقة التي قامت بها فرنسا في العقد الخامس من القرن التاسع عشر وما بعده.
وتعد فرنسا أول دولة أوروبية تولي اهتماماً كبيراً بالساحل الإفريقي المطل على البحر الأحمر وخليج عدن، وذلك بإنشائها خطاً ملاحياً بين (مرسيليا) و(بومباي)، ومن الجدير بالذكر أن استيلاء إنكلترا على عدن، جعل الملاحة الفرنسية تعاني الكثير من جراء ذلك، بالإضافة إلى علاقة فرنسا التجارية والدينية الجيدة مع إثيوبيا. ولم يلبث أن تبلور الاهتمام الفرنسي على شكل مشروع تجاري، عندما كلفت شركة (نانت بورد) الفرنسية، أحد الرحالة المعروفين (كومب) بمهمة تأسيس محطة لهذا المشروع هناك.
وفي ما بين عام 1842-1843، أرسلت حكومة فرنسا عالم الطبيعيات (روشيه دي هيربكورن) إلى مملكة شوا، الواقعة في الهضبة (الإثيوبية) حيث تم تكليفه بأن يعقد معاهدات سياسية مع سيلاسي ملك شوا، وقد نجح في إبرام معاهدات تجارية وسياسية. تضمنت معاونة فرنسا للملك في حروبه، ضد المسلمين كما ذكره روشية في مذكراته. مما يؤكد أن علاقات الأوروبيين مع الأحباش كان الأساس فيها العامل الاستراتيجي الاقتصادي، فضلاً عن العامل الديني.
وبنمو تلك العلاقات الفرنسية-الحبشية، بدأ الفرنسيون ينشطون لإرسال البعثات والحملات، بهدف جمع معلومات سياسية وتجارية عن الأراضي الصومالية، وهذه البعثات هي التي دعت فرنسا إلى عدم ترك الدول الأوروبية الأخرى تسبقها في احتلال تلك الجهات، وخاصة إنكلترا التي تمكنت من تدعيم نفوذها في المنطقة.
Page 10
وكانت فرنسا تهدف من وراء تلك الحملات الحصول على معلومات وافية لتسهيل مهمة اختيارها قاعدة لتجارتها مع تلك الجهات، وتحقيق مشروعها الاستعماري الذي عرف باسم مشروع البحر الأحمر-المحيط الأطلسي-والذي يهدف إلى ربط ممتلكاتها على ساحل البحر الأحمر الغربي، بممتلكاتها على ساحل المحيط الأطلسي، وذلك بالزحف من الشرق ومن الغرب معاً صوب حوض النيل.
ثم جاءت مدة تطبيق هذا المشروع عملياً، في عهد الإمبراطورية الفرنسية الثانية 1858 وهو الوقت الذي أنشئت فيه وزارة الجزائر والمستعمرات الفرنسية لأسباب من بينها احتلال إنكلترا لجزيرة بريم في باب المندب عام 1857، ثم رفض السلطات الإنكليزية، في عدن تموين السفن الفرنسية المتجهة إلى الشرق الأقصى، إبان الحرب الفرنسية في الهند الصينية، تحت ذريعة أنها تقف على الحياد، بالإضافة إلى تطور العلاقات التجارية بين فرنسا والحبشة، مما دعا فرنسا إلى أن تبحث لنفسها عن قاعدة تكون مركزاً لنشاطها التجاري في المنطقة، ولتموين السفن الفرنسية أثناء مرورها في خليج عدن.
وقد تلقت الحكومة الفرنسية في عام 1858 تقريراً من أحد رجالها الموجودين في أحد أقاليم الصومال، وهو الكابتن (ليجيني) الذي قام بجولة استطلاعية في موانئ بربره وزيلع وخليج تاجورة، جاء في التقرير (أن الشيخ أبا بكر إبراهيم شيخ زيلع، قد طلب الحماية الفرنسية، وذلك لتعرضه لمضايقات كثيرة من قبل السلطات البريطانية، مما جعله يستعين بالفرنسيين لحمايته من البريطانيين، وهذا الشيخ فقد منصبه بسبب الإنكليز، لاتهامهم إياه بموالاة فرنسا، وبتجارة الرقيق، كما قاموا بمصادرة أحد سفنه، وأنه تعهد بتسهيل مهمة شراء قطعة أرض بالقرب من تاجورة لفرنسا في حالة ما إذا قبلت أن تمنحه حمايتها).
وقام الكابتن (ليجيني) بناء على طلب حكومته بتوزيع الهدايا والأسلحة على الشيوخ، وتأليب القبائل الموالية لفرنسا ضد الإنكليز (قبائل العيسى).
هكذا كانت فرنسا تعمل على استقطاب زعماء القبائل وكسب ولائهم، مستغلة بذلك عدائهم للإنكليز، وقد اقتفت فرنسا، أثر بريطانيا في سياستها المعروفة بافتعال الأزمات والحوادث، ومن ثم إجبار الزعماء المحليين على الدخول معها بمعاهدات حماية ومصالح تجارية، وحرصت فرنسا على أن تثبت في هذه المعاهدات (أن هؤلاء السلاطين رؤساء مستقلين، يتمتعون بسيادة تامة على بلادهم)، لكي تضفي الشرعية على هذه المعاهدات.
وفي عام 1859 غرق ممثل القنصلية الفرنسية في عدن (هنري لامبرت) الذي ابتاع من الشيخ أبي بكر إبراهيم سلطان امبابو الواقعة شمال تاجورة منطقة على الساحل جنوب خليج تاجورة، غرق عند عبوره من مدينة الحديدة (باليمن) وقد آثار هذا الحادث فرنسا التي اتهمت حاكمزيلع (علي شير ماركي) بأنه حرض المواطنين على قتل لامبرت، رغم أن الوثائق الإنكليزية تؤكد أن هذا الحادث كان ناتجاً عن اصطدام القارب الذي كان يستقله بصخرة كبيرة.
وبعد هذا الحادث، استغلت فرنسا هذا الموضوع (حادث الغرق) لتمارس ضغوطها على الشيوخ المحليين، ومن ثم إجبارهم على تقديم طلب الحماية الفرنسية، وفي أعقاب ذلك، اشترت فرنسا ميناء أوبوك في عام 1862، من أحد رؤساء القبائل بمبلغ (50.500) فرنكاً فرنسياً،ووقع الشيخ أحمد ديني (من قبائل العفر) في باريس على اتفاق البيع.
لقد كان تركيز فرنسا على منطقة تاجورة نابع من الأسباب التالية :
كان فيها عدد من الكاثوليك ويرغبون بالحماية الفرنسية، وكان إبراهيم أبو بكر أحد المتنفذين، يحارب بريطانيا ويخشى من سيطرتها على تلك المنطقة، خاصة بعد أن حجزت بريطانيا إحدى بواخره التي ادعت بأنها كانت تنقل الرقيق.
وقد حاولت بريطانيا أن تغض الطرف عن الاتفاقات الفرنسية مع بعض زعماء القبائل الصومالية في بادئ الأمر، وذلك لانشغالها بالقضاء على الثورة العرابية في مصر، حيث أرادت أن تضمن حياد فرنسا، وعدم وقوفها إلى جانب الثورة العرابية.
لقد عملت السلطات الفرنسية، على اتخاذ ميناء أوبوك قاعدة انطلاق لبسط النفوذ الفرنسي على الصومال، وبالتالي الضغط على بريطانيا المنافس التقليدي لها في شرق إفريقيا، ومن ثم قطع الطريق أمامها والحيلولة دون تكوين إمبراطورية بريطانية، تمتد من الشمال إلى الجنوب من الإسكندرية حتى مدينة الكاب.
بيد أن الفرنسيين ما لبثوا أن أسسوا في عام 1887 محطة أفضل من أوبوك، عند رأس جيبوتي التي تطل على نهاية طريق القوافل من هرر والحبشة وسرعان ما رحل التجار الفرنسيين من أوبوك، واتجهوا بقوافلهم إلى جيبوتي، كما انتقلت السلطات الفرنسية نفسها من أوبوك إلىهذا الميناء الجديد، الذي تم اتخاذه في سنة 1890 عاصمة للمستعمرة الفرنسية (الصومال الفرنسي)، وبعد أن خول إمبراطور إثيوبيا (منليك الثاني) عام 1894 فرنسا امتياز إنشاء خط حديدي، يصل أديس أبابا بميناء جيبوتي. وقفت فرنسا إلى جانب إثيوبيا، في توسعها على حساب الأراضي الصومالية إلى حد مساندتها لإثيوبيا في حربها ضد إيطاليا، وفي النهاية انتصار إثيوبيا في معركة عدوة عام 1896، وفي أعقاب ذلك، تنازلت فرنسا عن جزء من الأراضي الصومالية التي كانت تحتلها من أراضي (الصومال الفرنسي) ومنحتها لإثيوبيا في عام 1897.
إن مساعدة فرنسا لإثيوبيا في حربها ضد إيطاليا، لم تكن مجرد وسيلة لزيادة النفوذ الفرنسي في إثيوبيا، فحسب بل كانت أيضاً مظهراً من مظاهر مقاومة فرنسا لإيطاليا، بسبب تنافس البلدين في شمال إفريقيا، (قضية تونس) من جانب، وبسبب انضمام إيطاليا إلى الحلف الثلاثي الذي كونه بسمارك، وضم ألمانيا والنمسا والمجر وإيطاليا، في مواجهة فرنسا من جانب آخر، وثمة سبب آخر لعداء فرنسا لإيطاليا، هو تقرب هذه الأخيرة إلى بريطانيا (إبرام معاهدة صداقة وعدم اعتداء)- التي كانت المنافس التقليدي الأول لفرنسا إلى أن تم في روما (عاصمة إيطاليا) اتفاق بين إيطاليا وفرنسا عام 1935 لتسوية المنازعات الناشئة عن مناطق نفوذ كل منهما، في إفريقيا الشمالية، ومنها تنازل فرنسا عن (2500) سهماً من أصل (34000) سهم في سكة حديد جيبوتي أديس-أباب لإيطاليا، وبذلك أنهت فرنسا نزاعها مع إيطاليا حول مستعمراتها في إفريقيا، وباشرت فرنسا سياستها في (الصومال الفرنسي) دون منازع سواء كان من جانب إثيوبيا، التي عقدت معها صفقة من التنازلات على حساب الوحدة الوطنية للشعب الصومالي، أو من جانب بريطانيا التي تركتها فرنسا تنفرد بشؤون مصر.
وقد عملت فرنسا على ضم الأقليم (الصومال الفرنسي) ضمن اتحاد فرنسا فيما وراء البحار، والذي يستند على ربط هذه الأقاليم بالنظام الفرنسي، بهدف الادماج التام بينهما، وإخضاعهما لسيطرتها وفق مصالحها الخاصة.
وبهذا الشكل تكون فرنسا قد ربطت (الصومال الفرنسي) بها وعدته جزءاً لا بتجزأ منها، مثلما عدت الجزائر جزءاً لا يتجزأ من فرنسا، وقد تأكد هذا الموقف عندما دعيت فرنسا إلى منح الصومال الفرنسي استقلاله أسوة بالصومال البريطاني ، ليتسنى له الاتحاد مع شقيقه (الصومال البريطاني، والإيطالي)، وقد رد مندوب فرنسا في الأمم المتحدة قائلاً(أن الصومال الفرنسي لم يعد اسمه الصومال،بل صار اسمه، إفريقية الشرقية الفرنسية).