الإهداء
كانا - رحمهما الله – ينتظران مني عملاً أقدم به نفسي للآخرين
والدي – رحمه الله – فقد كان مشجعاً ومربيّاً ومخفراً
والدكتور عناد غزوان – فقد كان موجهاً وراعياً ومعلماً
إلى روحهما الطاهرة وهما في علييهم
أقدم ثمرة جهدي
تحسين
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على الهادي الأمين، خاتم الأنبياء والمرسلين محمد العظيم، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه البررة المنتجبين إلى يوم الدين.
أما بعد،،
فقد كنت منذ زمن يقرب من عقدين ونصف العقد، أقوم على تدريس اللغة العربية في المدارس الثانوية، درست في مراحلها جميعاً، وقد رأيت التواء ألسنة المتعلمين، وما يعانونه من ضعف في القراءة، وعدم إخراج الحرف من موضعه الصحيح، ورأيت أحياناً عدم الدقة في الابتداء والوقف، وعدم فهم معنى الكلم الذي ينطقونه، وكم منيت النفس بأن أضع منهجاً يكون عوناً لهم يعينهم على هذين الأمرين من الفعل المعرفي (القراءة) هو غاية الدرس اللغوي.
وشغفت كذلك بدراسة المعنى وما يتصل به منذ ذلك الوقت، المفردة، الجملة على أنني ظننت حينها – وهذا أمر مفروغ منه لمثلي في ذلك الوقت – أن مثل هذا المنهج منهج غربي، لم يدرسه العربي، وهو من معطيات التقدم الحضاري، وكان علماءنا العرب القدماء يجهلونه جهلاً تاماً، ولم يكن من مباحثهم، لما بهرنا علم الغربيين، وتأثر المستغربين به.
فكان أن شددت العزم لأن ألبي ما ناديت به نفسي، وأن أقدم شيئاً من هذا، فكان هذا البحث المتواضع في موضوعه المنصوص عليه، (الصوت والمعنى في الدرس اللغوي عند العرب القدماء في ضوء علم اللغة الحديث).
الدرس الدلالي هو قمة الدراسات اللغوية قديماً وحديثاً، لأنه المعين لفهم المعنى ودراسته، ولا سيما ارتباط الصوت به، وكان هذا الدرس موضوع اهتمام العلماء القدماء، إلا أنهم لم يسموه، درسوه من خلال علوم متعددة، منها على سبيل المثال لا الحصر، علم البلاغة، ولاسيما في مباحث علمائنا الرواد في علم المعاني، والبيان، أقول يمكنني أن أضم مصطلحات هذين العلمين ليكونا المصطلح الدلالي القديم.
مرَّ هذا المنهج بعصور متعددة مر بين البحث، والدرس، والتمحيص، فدرسه الغربيون على أنه علمهم، خالص لهم، في مناحيه العلمية والمنهجية كافة، فاستحدثوا مصطلحات جديدة في نظرهم على مسارب هذا العلم، وقد تأثر كثير من دارسي اللغة المحدثين، فنقلوا ما كتبوه من غير أن يكونوا حريصين لمبادئ علم الأجداد، ونحن أولئك الأحفاد الذين لم ينسوا أن لهم أصالة عمقها عمق التاريخ الحضاري لهذه الأمة العتيدة الكريمة المحتد، تمنعهم أن يكونوا مقلدين بل يكونون مؤسسين وهكذا كانوا.
أقول، لقد نقلوا ما قرؤوه، ولم يتفحصوه، ولم يتبينوا أسسه، ولم يرسخوا في أذهانهم، أن أمة هذا عمقها، وأمة تنته علماؤها فكتبوا قواعد لغتهم في زمن يعد متقدماً في حسابات الزمن الحالي، وفي زمن تفتقر فيه الأمم الأخرى إلى مثل هذا النشاط العلمي، كل ذلك حماية لكتاب الله تعالى الذي نزل بلغة العرب.
وأكرر القول إن أولئك الأجداد سبقوا أمماً كثيرة فيما توصلوا إليه في حقول العلوم كافة، ولاسيما علوم اللغة العربية؛ لأنها علوم تتصل بأقدس كتاب نزل على خير أمة أخرجها الله تعالى للناس.
وعود على بدء أن قضية الصوت والمعنى كانت واحدة من تلك المحاور التي ناقشها علماؤنا الأفذاذ، بشكل تفصيلي، فقد أطلق عليها علماء البلاغة والنقاد، عبارة (اللفظ والمعنى) وبينوا علاقة كل منهما بالآخر، فكانت هذه القضية محوراً لدرسهم البلاغي والنقدي ولكنهم لم يدرسوها في مستواها اللغوي.
أما علماء اللغة، فكان درسهم موقوفاً على دراسة علاقة الصوت بالمعنى، وقيمة الصوت في الكلمة، والقيمة التغيرية للحرف، ثم الكلمة وأثرها في الأسلوب على مستوى السياق اللغوي، لقد ارتبط هذا الموضوع بقضية كانت محوراً لدراسات لغويّنا العرب وهي مباحث نشأة اللغة، فقد ارتبط هذا الموضوع مباشرة بقضية تفكيرهم بنشأة اللغة، ونظرياتها التي أسسها علماء عرب، فجذور القضية – قضية الصوت والمعنى – هي من مباحث نشأة اللغة، والتفكير بدراستها على وفق منهجهم العلمي الذي تصوروه.
فكرت كثيراً فيم أكتب؟ وماذا أكتب؟ وقدحت في ذهني هذه القضية، وقد أولعت بها، فعرضت الأمر على أساتيذ هذا العلم فرحبوا بالموضوع أيما ترحيب، وكان من منة الله وتعضيده أن شاركني أستاذي الدكتور طارق عبد عون لرسم خطة الدرس التفصيلية بمباحث هذه القضية المهمة.
واقتضى الموضوع أن يدرس على أربعة فصول يسبقها تمهيد، ويخلفها النتائج التي توصل إليها الباحث، وهي على النحو الآتي:
التمهيد: وقد قسمته على ثلاثة محاور متصلة اتصالاً مباشراً بالموضوع:
المحور الأول: وقفت منه عند حد اللغة عند القدماء والمحدثين.
المحور الثاني: كان للتفريق بين اصطلاحات ثلاثة (اللغة – الكلام – اللسان) مستفيدة من الصوت موضوعاً، ودرساً، ومنهجاً.
وقد جعل المحور الثالث: لإلقاء نظرة سريعة على نظريات نشأة اللغة، وقفت على النظريات العربية فقط، وهي:
- نظرية التوقيف الإلهي.
- نظرية الاصطلاح والمواضعة.
- نظرية المحاكاة الصوتية.
لما لهذه النظريات وموضوعها من علاقة وثيقة الصلة بموضوع الدرس.
ولما كانت المصطلحات الخاصة بالموضوع مهمة جداً، فقد جعلت الفصل الأول، لجلاء الاشتباكات الحاصلة في مصطلحات الدرس، على أنها قد تداخلت بعضها مع بعض، فبدا قسم منها واضحاً، والآخر غامضاً، وبذا عملت على فلت الأشكال والاشتباك اللذين حصلا عند الدارسين ما استطعت إلى ذلك، داعماً ذلك بأقوال العلماء قديماً وحديثاً. وقد قسمت الفصل على المباحث الآتية:
المبحث الأول: الصوت وحده عند اللغويين القدماء والمحدثين.
المبحث الثاني: الحرف وحده عند اللغويين القدماء والمحدثين.
المبحث الثالث: الفرق بين الصوت والحرف على حسب نظرة اللغويين من القدماء والمحدثين، مستفيداً من المبحثين السابقين.
المبحث الرابع: المعنى والدلالة، وقد درست كل اصطلاح على حدة، وما يتصل بهما من معان، حتى فصلت بين المصطلحين.
وممّا يتصل بدراسة المعنى وعلاقته بالصوت، كان الفصل الثاني وعنونته (دلالة الصوت مفرداً)، لقد كانت مباحث الفصل كلها معنية بهذه القضية، وكل ما يتصل بها من أمور تعين على دلالة الصوت على معنى وهو منفرد، وقسمته على المباحث الآتية:
المبحث الأول: الصوت اللغوي، وبينت فيه ما يعني الصوت اللغوي، وميزته من غيره من الأصوات.
المبحث الثاني: الصوت الإيحائي والصوت الانفعالي، ومعنى كل واحد منهما
المبحث الثالث: مخارج الأصوات.
المبحث الرابع: صفات الأصوات، وأوضحت ما له علاقة منها بدلالة الصوت المفرد.
المبحث الخامس: الحدث اللساني بين الطبيعية والاعتباطية، وقصدت به علاقة الصوت بمعناه أطبيعية هي أم اعتباطية؟
والصوت وحده لا يعطي معنى تاماً يستفيد منه السامع، بل يمكن ذلك إذا تركب في سلسلة كلامية يسيرة هي (الكلمة)، لذا جاء الفصل الثالث الذي وسمته بـ(الصوت في الكلمة)، وما يؤديه من أثر في مستوى معنى الكلمة، إمّا تعديلاً، وإنما تغييراً، متناولاً كل ما يتعلق بدلالة الصوت على مستوى الكلمة، لذا اقتضى أن ينقسم الفصل على سبعة مباحث درست هذه المشكلات المتصلة بالكلمة وهي:
المبحث الأول: الكلمة العربية في حدودها بين اللغويين القدماء والمحدثين.
المبحث الثاني: طبيعة الكلمة العربية، أو ما يجب أن تكون عليه الكلمة في اللغة العربية.
المبحث الثالث: ثنائية الكلمة العربية.
المبحث الرابع: الأصول الثلاثية للكلمة العربية.
المبحث الخامس: نظرية الصوتيم (الفونيم) في العربية.
المبحث السادس: المقطع في العربية.
المبحث السابع: الإبدال اللغوي، ودرسته على أساس ما يحدثه الصوت في الكلمة من جراء استبدال صوت بصوت، وما يجوز منه وما لا يجوز، لذا اقتضت طبيعة المبحث دراسته على:
أ. موازنة بين الجزريات والعربية.
ب. رأى اللغويين العرب القدماء .
ج. رأى اللغويين المحدثين.
د. أمثلة لتعزيز ما ذهبت إليه.
والكلمة وحدها أيضاً ليس فيها دلالة على معناها الدقيق إن لم تكن في نسيج كلامي أكبر، وهو الجملة أو التركيب، لذا عنونت الفصل الرابع (دلالة الكلمة في التركيب)، و(بحثت فيه ما تؤديه الكلمة من أثر في المعنى على مستوى التركيب Syntex، ومديات تطور معنى الكلمة في داخل التركيب (جملة أو نصاً) وابتدأته بمفهوم التركيب، وما اصطلح عليه، وأثره في إيضاح معنى الكلمة، لذا انقسم الفصل على مباحث خمسة، هي:
المبحث الأول: التركيب (مصطلحاً لغوياً).
المبحث الثاني: ظاهرة الإعراب على أنها تتعلق بالوظيفة النحوية لإيضاح المعاني.
المبحث الثالث: النبر، وأثره في الكلمة وما يؤديه من وظيفة معنوية على مستوى الكلمة لكون في التركيب، وإنما وضعه في هذا الفصل لصلته الوثيقة بالتنغيم.
المبحث الرابع: التنغيم، وتأثيره في مستوى الأسلوب العربي اللغوي.
المبحث الخامس: السياق، ويعد من أظهر مظاهر تطوير دلالة الكلمة على مستوى التركيب.
وأما الخاتمة: فقد تضمنت كل ما توصل إليه البحث من نتائج.
وأود التنويه بأن بعض الفصول جاءت أطول من غيرها، أو حتى المباحث طال بعضها على بعض، وذلك ما اقتضته ضرورة البحث في ما كتبته.
ومع ذلك لا أجدني قد وصلت به إلى درجة الكمال، فالكمال مطلوب ولكنني بذلت ما بوسعي ليكون بحثي كذلك، والكمال لله تعالى وحده.
وأبين أن المصاعب التي واجهت الباحث، هي ليست عدم وجود المصادر أو قلتها، أو عدم توافرها فهذا أمر واقع منه، فلا بد من أن يسعى الإنسان للبحث فيما توافر لديه من مصادر ومراجع، وأشير إلى أن ما كتب في هذا الموضوع قليل جداً، بل نادر إلا بعض الدراسات المتصلة بالدلالة الصوتية، التي لم تغط كل ما يتصل بالموضوع، ومنها دراستان عربيتان:
1) الدلالة الصوتية لمؤلفه صالح سليم عبدالقادر.
2) الدلالة الصوتية لمؤلفه د.زكي حسام الدين.
فعثرت على الكتاب الأول، ولم احصل على الكتاب الثاني.
ودراسة غربية، هي:
ست محاضرات في الصوت والمعنى – لياكوبسن حسن ناظم وآخر.
وفي هذا المقام لي كلمة أقولها، كم تمنى اثنان أن ترى أعمالي النور، فإلى روحهما الرحمة، وهانذا أقدم عملاً طالما انتظراه، والدي المرحوم عبدالرضا الوزان، ووالدي الروحي الدكتور عناد غزوان.
وأقدم خالص الشكر والوفاء لأستاذتي الدكتور طارق عبد عون الجنابي، لما قدمه لي، ويقدمه باستمرار، والدكتور نعمة رحيم الغزاوي، وكان مرافقاً للباحث والبحث مرافقة المشرف عليه.
الدكتور
تحسين عبد الرضا الوزان
التمهيد
المحور الأول: الكلام على اللغة
المحور الثاني: اللغة – الكلام – اللسان
المحور الثالث: نظريات نشأة اللغة
التمهيد
سأقصر الكلام هنا على ما له علاقة بواقع الرسالة وبموضوع الدرس، وهو ثلاثة محاور:
المحور الأول: الكلام على اللغة.
المحور الثاني: اللغة – الكلام – اللسان.
المحور الثالث: نظريات نشأة اللغة.
على أن ما كتب في هذه القضايا ليس قليلاً، ولكن ضرورة البحث اقتضت ذلك.
المحور الأول: اللغة:
لم يؤلف كتاب له صلة بالبحث في اللغة، لا يحتوى كلاماً على اللغة وحدها، وسأذكر في هذا المجال تعريفات للغوينا الأوائل، وما استقر عليه تفكيرهم في هذا الشأن موازناً، بما توصل إليه حد اللغة عند المحدثين، ولن أتطرق إلى حد اللغة عند المعجميين العرب، بل سأتناول الحدود الاصطلاحية مما له صلة بالموضوع.
وأشير هنا إلى أن العرب في بداية التفكير في الدرس اللغوي، أولعوا كثيراً بالحدود والتعريفات، لغوية، واصطلاحية، وغرضهم من ذلك إيصال ما وقر من تفكيرهم في هذا الأمر، أما سبب ذلك فيرى عبده الراجحي أنه متأتٍ من تأثرهم بالمنطق الأرسطي([1]).
ومع هذا الاهتمام الشديد بالحدود، لم نجد لهم تعريفاً في اللغة على كثرة ما ألفوه في الدرس اللغوي إلى أواخر القرن الرابع الهجري، وفيما وصلت إليه معرفتنا، أن أول تعريف للغة يظهر العالم العربي ابن جني (392هـ) أواخر القرن الرابع الهجري، إذ هو يقول في اللغة([2]): "أما حدها فإنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم".
لقد أدرك ابن جني منذ ذلك الزمن الطبيعة الصوتية للغة، وهذا فيما يبدو وقت مبكر لمثل هذا الحد، وهو بهذا الحد يكون قد أثار دهشة الدارسين فذلك اللغوي الذي ابتعد عن تطور الحياة العلمية العربية، يقترب بتعريفه هذا اقتراباً شديداً من تعريفات المحدثين([3]).
وأزعم أنه مؤسس في تعريفه هذا، ولست بدعاً في هذا الأمر؛ مع أنه لم يكن من علماء التشريح، إنما هو عالم تجريبي، يعرف طبيعة الأشياء بالتحسس، فيكف بالمحدثين وقد توصلوا بالتجريب، وبالمخابر العلمية إلى هذا الكشف؟ وهو أن اللغة أصوات.
ويظهر تعريف ابن جني أن الأصوات هي الأصل في اللغة، بمعنى أنه يعطي للطبيعة الصوتية الأولوية في حدة اللغة، وهو بهذا قد أخرج الكتابة، وذلك دليل واضح على أن العلماء العرب حينما كانوا يدرسون اللغة يدرسونها وهي منطوقة، ولم يدرسوها مكتوبة وهذا مطابق لوجهة نظر علم اللغة بمفهومه الحديث أيضاً([4]).
وأرى ما يراه الدارسون المنصفون من المحدثين أن مصطلح فقه اللغة عند العرب مساوٍ لمصطلح علم اللغة عند الغربيين.
لا يبتعد تعريف اللغة عند المحدثين كثيراً عما أقره ابن جني، من أنها أصوات، فلقد تبين د.التهامي الراجحي الهاشمي تعريفات متعددة تناولت اللغة، أكثرها كان لغربيين، وأورد تعريف اللغوي الألماني همبولت Humboldt إذ يقول فيه([5]): (اللغة جهاز عضوي، ويجب معالجته على هذا الأساس)، إن هذا التعريف قد ساد الأوساط اللغوية في القرن التاسع عشر، وأن عضوية جهاز اللغة تنطلق من أنها – اللغة – الكلام، واللغة عنده وعند من تابعه من اللغويين شرط لازم للفكر، و(إن عملية الكلام تنحصر كلها في منحها للفكر مادة يعتمد عليها، بإزالتها الإبهام عما تتركه الأصوات المقطعة من أثر ثابت بإجبارها الذهن على أن تنتظم جميع معانيها بانتظام الألفاظ المتعاقبة)([6]).
ويقرر فرنز بوب Franz Bob ما أٌره سابقه في تعريف اللغة على (أنها الجسم العضوي الحي)([7])، إن منحى ربط اللغة بالفكر يكون قاصراً عن فهم اللغة، ولو أن همبولت قد أقر بالطبيعة الصوتية، وهذا ما يهمنا.
أما السلوكيون فيرون أن اللغة واحدة من الأشكال المادية العلمية على وفق نظرتهم، فهي سلوك للفرد الحي، تظهر على شكل استجابات يصدرها بإزاء المثير الذي يتلقاه في بيئته، وهذه الاستجابة التي يصدرها الكائن الحي بإزاء المثير تنتج من إشباع لبعض الحاجات أو الرغبات([8]).
ويتجلى في ضوء هذا الفهم للغة المظهر الصوتي فيها، لما فيه من إلقاء، واستجابة تكون رد فعل لمقتضى حاجة يروم الكائن البشري إلى تأديتها، لأن اللغة لا تكون إلا للكائنات البشرية، وهي حاصلة بين اثنين، متكلم وسامع، وإلا لما تحصل الفائدة – الاستجابة -.
ويرى سابير Sapir وهو من رواد المدرسة الاجتماعية (أن جوهر اللغة يكمن في إسناد أصوات وضعية، ومقطعة إرادياً أو ما يناظرها إلى مختلف عناصر التجربة) ([9])، على أنه يربط بين اللغة حقيقة لغوية لا يمكن إدراكها إلا من خلال الواقع السمعي الحادث على الأذن، وهذه الحقيقة لا يدركها الجهاز السمعي ما لم يكن هناك جهاز نطقي، يكوّن الحدث اللغوي من أصوات (حروف)، وحركات تنطق بحسب نظام مخصوص.
ويطالعنا دي سوسير بتمييز اللغة Language من اللسان البشري الناطق باللغة language، في بداية تعريف اللغة التي هي من وجهة نظره – اللغة - جزء محدد من اللسان، مع أنه جزء - جوهريه فاللغة هي النتاج الاجتماعي - من مظاهر المجتمع - لملكة اللسان، واللسان متعدد الجوانب - غير متجانس- يشتمل على عدة جوانب في آن واحد([10]).
وهذه الجوانب التي يظهرها دي سوسير هي:
- الجانب الفيزياوي (الطبيعيّ).
- الجانب الفسلجي (الوظيفة).
- الجانب السايكولوجي (النفسي).
وهذا مما يؤكد الطبيعة الصوتية المرتبطة باللمعان، وهذا ما أظهره من الجانب الفيزياوي، إذ يرتبط الجانب الفيزياوي بالصوت، شرط أن يؤدي وظيفة وهذا تأكيد لجانب الاستجابة لدى السامع في مجتمعه.
ويرى وتني Whitney أن اللغة أشبه ما تكون بمؤسسة اجتماعية، مثل أيّة مؤسسة أخرى، فليس الصوت وحده وسيلة اللغة، ولكنه أحد وسائلها، وبمقدور الإنسان اختيار الحركة واستخدام الصور البصرية موضع الصور السمعية([11])، وهنا إشارة إلى الطبيعة الصوتية أيضاً.
ويؤكد فندريس Vendryes أن اللغة نظام من العلامات، وهذا هو أعمّ تعريف لديه، ويوضّح هذه العلامات بأنها تكمن في الحواس الإنسانية، ويكون الصوت أولى معالجاته العلاماتية التي أشار إليها([12]).
نخلص من ذلك كله أن اللغة أولاً هي ذات طبيعة صوتية، وأنها تدرس بوصفها منطوق بها أصواتاً، وليس بوصفها حروفاً مكتوبة، وهذه قضية دقيقة، على أن قسماً منهم يرى أن العلامات أو الرموز هي إشارة إلى جانب ليس الجانب الصوتي، أي أن هناك لغة للبكم، كما هي الحال في لغة الإشارة، لكن ابن فارس (395هـ) فصل في هذا الأمر بقوله "لأن الأبكم قد يدل بإشارات وحركات له على أكثر مراده ثم لا يسمّى متكلماً([13]).
وهل بعد ذلك شك في دراسة لغويينا العرب للغة على أساس أنها أصوات؟ فهم الذين بشروا بهذا النوع من التفكير في الدراسة اللغوية، فالأصل أن تدرس اللغة المتكلمة المنطوق بها. لأننا نرى أن الاستعمال يتفق مع التقاليد في تأكيد اختلاف اللغة المكتوبة عن اللغة المتكلم بها، والواقع أنهما لا يختلطان أبداء ومن الخطأ أن نطن أن النص المكتوب يُعدّ تمثيلاً دقيقاً للكلام([14]).
فاللغة المكتوبة لا تصلح للدراسة فهي الطابع المميز للغات المشتركة، ونعلم من تراثنا اللغوي أن اللغة المشتركة في صراع دائم مع اللغة المتكلم بها؛ لأنها حينها تخضع لأي تأثير فردي، تميل دائماً إلى الابتعاد عن المثل الأعلى الذي تسلكه اللغة المشتركة، وكثيراً ما تكون اللغة المكتوبة معرّضة لضربات اللغة المتكلمة المنطوقة([15]).
ولا نقصد باللغة المكتوبة هنا اللغة الأدبية؟ لأن اللغة الأدبية تكون في طبقة معينة منعزلة، لها تقاليدها وعوائدها وامتيازاتها، وفي هذه الحال كانت للغتهم خصائص اللغة الخاصة كلها([16]).
أما أن العلماء العرب قد حدّوا اللغة بأنها أصوات، فهذا مما يفسر المنهج العربي في درسهم لجمع اللغة واستقرائها من طريق الرواية والمشافهة، وحديثهم الواسع والمستفيض عن السماع، ومنهج علم القراءات في التلقي والعرض([17]).
وبذا يكون العلماء العرب أول من قرر أن اللغة أصوات، وتابعهم من جاء بعدهم من بحث في أمر اللغة من المستشرقين والغربيين والمستغربين، وعلى وجه الدقة، فلقد كان للعلماء العرب أثر في الدرس اللغوي فيمن جاء بعدهم من علماء اللغة.
ويضيف ابن جنّي إلى تعريفه وظيفتين أخريين شغلت اللغويين ولاسيما المحدثين، ولكنه - ابن جني- قد أشار إليهما إشارة فقط من غير تفصيل في ذلك، هما التوصيل والتعبير، وإن كل نظام من أنظمة التعبير الإرادي يسمى لغة، ولهذا صح تعريف بعضهم([18]) للغة أنها نظام من العلامات، أولها الصوت، وثانيها التعبير، والتوصيل، وهذه العلامات تختلف بحسب الحاسة التي تدركها، ويطرح الأنطاكي السؤال: "هل للحيوان لغة كما عند الإنسان؟".
ويجيب الأنطاكي عن هذا السؤال بأنه إن كانت اللغة مجرد وسيلة للاتصال بالآخرين يكن جواب السؤال بالإيجاب؟ لأن العلماء الذين اهتموا بتفسير اللغات، قد كشفوا عن وسائل كثيرة يتوسل بها الحيوان للاتصال بأفراد جنسه لغرض تلبية حاجات غريزية منوعة، ولاسيما الحيوانات التي تعيش جماعات كالنحل، والنمل، والقردة، والوعول، وغيرها، وهي تعبيرات لا إرادية.
ويقسم د.وافي([19]) أنواع التعبير الإنساني على قسمين:
أحدهما: التعبير الطبيعي عن الانفعالات، ويشمل الأمور الفطريّة غير المقصودة جميعاً تلك التي تصحب مختلف الانفعالات السارة والأليمة، وقد أشار إليه الأنطاكي أنفاً.
الآخر: التعبير الوضعيّ الإراديّ، ويشمل الوسائل الإرادية جميعاً التي يلجأ إليها الإنسان للتعبير عن المعاني التي يود وقوف غيره عليها، وأطلق عليه الأنطاكي بالتعبير الإرادي عن الفكر، فليس عند الحيوانات - هذا افتراض أولي- لغة من أي شكل من الأشكال، فالإنسان هو المعني بها.
وهنا نحتاج إلى أن نميز الإنسان من الحيوان باللغة، فقد قيل عن الحيوان الشيء الكثير في تعبيره عن انفعالاته بما يشبه اللغة، بالصياح والصراخ، كما عند الشمبانزي من القردة، أو النحل إذ تدل بالرقص على تلبية حاجاتها، لكن هذا الضرب من اللغة - إذا صح ذلك - يتميز تميّزاً قاطعاً من اللغة التي يستعملها الإنسان([20]).
وذكر السعران([21]) شيئاً من هذا، وردّه إلى دراسات هي في الأصل دراسات غير لغوية، فهذا من أثر الفلسفة، إذ يرى الفلسفة ولاسيما المناطقة أن دراسة اللغة فرع من دراسة الفلسفة، أو أنها - فرع من فروع علم النفس، أو فرع من فروع الانثربولوجيا الاجتماعية، وخلاصة هذه الدراسات كلها هو وصف اللغة على أنها الوسيلة للتعبير عن الأفكار، والعواطف، والرغبات، أو وسيلة لتوصيل الأفكار...الخ([22]).
يقدم هنري سويت Henry Sweet نوعاً من النظر القديم (الكلاسيكي) إلى اللغة بقوله: "أن اللغة هي التعبير عن الأفكار بوساطة الأصوات الكلامية المؤتلفة في كلمات([23])"، ويذهب ادوارد سابير إلى المذهب نفسه بقوله: "اللغة وسيلة خالصة، وغير غرزية إطلاقاً لتوصيل الأفكار، والانفعالات، والرغبات عن طريق نظام من الرموز التي تصدر بطريقة إرادية([24])" وهذه الرموز فيما ازعم هي الأصوات.
ينظر قسم من دارسي اللغة المحدثين إلى اللغة مثل هذه "النظرة الضيقة" على الرغم من دراستهم (الكلام الحي المنطوق)، وقد استعانوا على ذلك بعلم الاجتماع في دراسة اللغة.
إن (الأفكار)، و(الانفعالات)، و(العواطف) و(الغرائز)، و(الرغبات) كلها اصطلاحات نقلت إلى دراسة اللغة من دراسات أخرى هي غير لغوية، لذا جاز القول إن اللغة هي تعبير عن الفكر، على أن الفكر هو أحد وظائفها، والفرق واضح بين الغريزة والفكر (بين العلاقة الغريزية، والعلاقة الذهنية - الفكرية).
يحيا الحيوان بالغريزة، وهو كثير الطلب لها، ويتصرف للحصول عليها تصرفات غير طبيعية لذا أطلق عليها تصرفات (حيوانية) دلالة على عدم معقوليتها، ولا يخرج عن تلك الغريزة، وإلا كان الهلاك مصيره. أمّا العقل ففيه حريّة، وليس فيه كمال، وإنما يتكاسل باستمرار، قال برجسون([25]): إن العلاقة الغريزية علاقة ملازمة، في حين أن العلاقات الذهنية متحركة غير مستقرة، وبهذا تستطيع اللغة الإنسانية التعبير عن مواقف لا حصر لها من مواقف الحياة اليومية لا تلبية رغبات فقط، ذلك لأن العقل الإنساني أداة كلية شاملة تستطيع أن تخدم الإنسان في ضروب الملابسات والمصادفات جميعاً، أمّا لغة الحيوان فتقتصر على التعبير عن بعض المواقف، وإن كانت ضيقة، تلك التي قدرها الله تعالى لها.
نعم، إن الإنسان لا يستطيع أن يفكر بلا لغة تعينه على ذلك أياً كانت تلك اللغة، وليس ثمة أدنى شك في أن التفكير في أغلب حالاته يقتضي استعمال اللغة([26]).
ومن الوهم أن ثقة تفكيراً بلا لغة، والصحيح إنما هي أفكار أمكن استحضارها في أثناء الصمت، والواقع أن الصمت الظاهري إنما هو كلمات وألفاظ، ولقد ذهب واطسن إلى التوحيد بين اللغة والفكر فهو يرى أن الفكر ليس شيئاً أكثر من الكلام الذي بقى وراء الصوت، إنه كلام الحنجرة لا الصوت، وعندما يفكر الإنسان فإنه يتكلم على الرغم من أن هذا الكلام لا يسمع"([27]).
نطرح السؤال الآتي: هل ثمة توصيل للأفكار أو تعبير عن الأفكار في لغة التحيات، ولغة التأدب، ولغة التدريب الرياضي والعسكري مثلاً؟
الجواب عن هذا السؤال أن ليس ثمّة توصيل للأفكار أو التعبير عنها في مثل ذلك، إذا ما تعود الإنسان ذلك، ولكنها تكون مرتبطة به - التوصيل والتعبير عنه - إذا كان الإنسان قاصراً عن ذلك.
وبذا تكون النظرة إلى اللغة من هذه الزاوية ضيقة، لأن اللغة هي وعاء الفكر كما يعبرون عنها، والتعبير عن الفكر ليس كل اللغة وإنما هو وظيفة من إحدى وظائفها، وكذلك يرى أولئك الذين درسوا اللغة مرتبطة بفروع المعرفة أن([28]):
1) الوظيفة الأساسية للغة هي أنها وسيله من وسائل "الاتصال" أو "التوصيل" أو "النقل" أو "التعبير" عن طريق الأصوات الكلامية.
2) وأن ما توصله اللغة، أو تنقله، أو تعبر عنه هو الأفكار، والمعاني، والانفعالات، والغرائز، والرغبات، أو.. الخ أو الفكر بوجه عام.
وقد شاركهم في هذا المذهب كثير من علماء اللغة ولاسيما من درس اللغة على أساس (منطقي) أو (فلسفي) أو "نفسي" أو "رياضي" أو "آلي".
وما دام الكلام على التعبير عن الأفكار والمعاني، فلقد أورد السيوطي([29]) (911هـ) تعريفين ربط بهما صاحباهما بين اللفظ والمعنى، احدهما لابن الحاجب (646 هـ) بقوله: (حد اللغة كل لفظ وضع لمعنى).
وتعريف الأسنوى (772 هـ): (اللغات عبارة عن الألفاظ الموضوعة للمعاني)، فاللغة عندها تلك الألفاظ، والألفاظ مؤلفه من أصوات، والألفاظ تقتضي معنى مفهماً للسامع، وهذا شرط في اللغة فإن لم تُبن فهي ليست لغة.
بقي أن تعريف ابن جني قد تطرق إلى مسألة (تعبير كل قوم عن أغراضهم)، فالتعبير والتوصل من الأغراض التي سبقت الإشارة إليهما، وإن مفهوم القوم الوارد في التعريف هو الدلالة على الجماعة، فهي – اللغة - لا تعيش بمعزل عنهم، وهذه إشارة إلى وظيفة أخرى شغلت علماء اللغة المحدثين. ووظيفة اللغة الاجتماعية عبر عنها وتني في مقالته السابقة بأنها مؤسسه اجتماعية، تعمل فيها أنظمة متعددة، وتكون بعد ذلك لغة مفهومة يتبادلها أبناء المجتمع الواحد، وهنا أيضاً إشارة إلى الطبعة الصوتية.
فاللغة - أية لغة - تبلور الخبرات البشرية، وتنقل تجارب الأمم في كلام يفهمه الغير، ويمكن أن يستفيدوا منه، وبها يدون التراث التفافي لذلك المجتمع - مجموعة من البشر تجمعهم بيئة واحده (القوم) لكي يحتفظ به جيل بعد جيل، وتشارك اللغة في تعديل سلوك الفرد كي يلائم المجتمع، وتزود الفرد العبارات المناسبة لكل مقام، فقد قال العرب قديماً "لكل مقام مقال"، حينما يتعلم الفرد تلك العبارات ويرددها في ظروفها المناسبة، يحاول بهذا أن يخضع سلوكه كفرد لما يقتضيه المجتمع([30]).
ومهما قيل عن اللغة عند السلوكيين من النفسيين، فأنها لا تستطيع أن تعش بمعزل عن المجتمع، وتقوم على أساس أنها نشاط للفرد يكتسبه من بيئة مجتمعة، الذي تربطه به روابط معينة، كالجنس، والدين، والعادات، والوطن، يروي عبد الرحمن أيوب([31]) قصة أحد ملوك المصريين في الأسرة الثانية، حين عزل طفلاً وليداً عن الاتصال بالناس، ليرى أيتكلم حين اكتمال نموه، إن لم يكن هناك مجتمع يكتسب منه لغته، ومما قيل عن أولئك الآدميين الذين وجدوا متروكين في الغابات، يعيشون مع حيواناتها، وقد أخذ هؤلاء ودربوا على الكلام فاستطاعوا اكتساب اللغة، وذلك ينهض دليلاً على أن اللغة تولد فطرية مع الإنسان، ولكن اكتسابها لا يكون إلا في المجتمع.
وأمّا نظره سويسر الاجتماعية في اللغة فأنها تتبني على أساس من نظرية دوركايم Durkheim رائد المدرسة الاجتماعية، إذ يعد ما يسميه (نشاط الجماعة) أو (النشاط الجماعي) مستقلاً تمام الاستقرار عن أي فرد من أفراد المجتمع الذي ينتمون إليه، فللفرد عنده وجود خاص، ويقرر أيضاً أن الظواهر الاجتماعية ذات وجود خاص، وتكون بذلك اللفظة ظاهرة من جملة تلك الظواهر الاجتماعية، ولخصائص سلوك الفرد وجود مستقل أيضاً، فاللغة إحدى هذه الظواهر الاجتماعية([32]).
ولا نستطيع في الواقع عزل الظواهر اللغوية عن مقاماتها الاجتماعية، ولا عن دلالاتها الاجتماعية، فإننا نلمس بوضوح حاجة ملحة إلى التواصل بين أفرادها، فاللغة من هذا الباب حقيقة اجتماعية ككل الحقائق الواقعية، هي ظاهرة كغيرها من الظواهر، لا لأنها تكون عاكسة للواقع الاجتماعي الذي هو منبعها، ولا هي نابهة عن الشعور الإنساني، ولكن لأنها مظهر جلي يمكن أن نرى فيه المجتمع واضحاً([33]).
ويرى محمود السعران([34]) أن دراسة الوظيفة الاجتماعية للغة يتطلب منهجاً خاصاً خلاصته: أولاً يعد هذا المنهج الكائن البشري مركزاً لدراسة اللغة، وثانياً تؤرخ للتطور اللغوي للشخص في الجماعة.
ويهتم هذا المنهج بالشخص والشخصية اهتماماً كبيراً، فالشخص يظل دائماً عاملاً مؤثراً ذا صلة وثيقة بالموضوع، ثم أن الاهتمام بالشخص والشخصية يفيد في جوانب لا كثيرة من الدرس اللغوي.
وخلاصة القضية أن حدّ اللغة قد ولد عربياً في بيئة عربية، وجاء دقيقاً معبراً عن حقيقتها وواقعها، في مسائل شغلت اللغويين المحدثين، ويتفقون على أنها أصوات، وتعبير، وتوصيل، وظاهرة اجتماعية، ونفسية... كل ذلك بما قال به اللغويون العرب القدماء، وأكده اللغويون من المحدثين.
حينما حدد اللغويون المحدثون مستويات التحليل اللغوي وأنها تدرس معاً تبدأ من المستوى الأول: الأصوات، والمستوى الثاني. البنية (بنية الكلمة)، ومدرسه المستوى الصرفي، والمستوى الثالث: التركيب (النحو)، والمستوى الرابع: الدلالة (المعنى).
اقترب المحدثون من حدّ ابن جني في الكلام على ذلك، وقد جاء معبراً عنها، وبه تطابقت وجهة النظر الحديثة مع وجهة النظر العربية القديمة، فعلماء العربية قد سبقوا أكثر الشعوب في تقعيد لغتهم، وبذا جاءت نظرياتهم متقدمة على كثير من النظريات.
المحور الثاني: اللغة Language اللسان langue الكلام parole
يقودنا الكلام على حد اللغة إلى أن نقف عند اصطلاحات ثلاثة، وقف عندها علماء اللغة المحدثون، وفصلوا القول فيها؛ لأن الكلام على هذه الاصطلاحات بالشكل الذي يخدم هذه الدراسة، مما له صله مباشرة بدراسة الصوت وعلاقته بالمعنى، تلك الاصطلاحات هي اللغة language واللسان langue والكلام parole فإن وجد أن ثمة ارتباطاً عضوياً بين هذه الاصطلاحات الثلاثة، ولم أكن أول عارض لهذا الموضوع، بل سأحاول أن أقدمها بشكل غير ما يطرحة من سبقني، على أنني سأستفيد من مقالات كل أولئك، متتبعاً إيّاها عند من تقدم من لغويينا العرب الأول.
لقد حدّ اللغويون العرب اللغة بأنها أصوات([35])، وأنها من اللغو، قال تعالى: (اوأذا تروا باللغو مروا كراما)[سورة الفرقان، الآية: (73)، أي بالباطل([36])، وفي الحديث: "من قال في الجمعة صه فقد لغا: أي تكلم أورده ابن جني([37])، والسيوطي([38])، فاللغو هو التكلم، وقد ورد عن إمام الحرمين معنى اللغة أنها "من لغي يلغي من باب رضي إذا لهج بالكلام، وقيل من لغى يلغى([39])، فاللغة بمعنى تكلم أي تكلم كلاماً، وبهذا تكون اللغة أعم من الكلام.
تبين من هذا أن اللغة عند القدماء هي الكلام الموضوع للدلالة على معان في ذهن السامع، أو في الألفاظ الدالة على ذلك، وهي عند ابن جني أصوات يشترط فها أن تؤدى معاني تستقر في أذهان متداولي اللغة، ولا تختلف التعريفات كثيراً، فالأصوات هي المكونة للألفاظ، وتدل على علاقات بينها هي الدلالة على المعاني، وبذا تكون الأصوات هي المكونة للألفاظ، والألفاظ هي المكونة للكلام، والكلام يكوّن اللغة.
ويتردد تعريف اللغة([40]) عند الفلاسفة: "أنها وظيفة التعبير اللفظي عن الفكر سواء كان داخلياً أو خارجاً"، وبهذا المعنى قال دولاكروا: إن نية الكلام وهي ليست بالضرورة لغة، بل ليست لغة داخلية، تقضي إلى اللغة الداخلة أي الكلام.
وعلاقة الكلام باللغة هي ما قاله العلماء العرب القدامى، فماذا صنع المحدثون؟، كل ما في الأمر أنهم جعلوا اللغة وظيفة في المجتمع يؤديها متداولوها، على أن في المجتمع وظائف يؤديها الأفراد، واللغة واحدة من الوظائف أو نشاط من أنشطته.
ويرى بعض المحدثين([41]) أنها – اللغة - نظام من العلائق يشترط أن تكون دال، ليمكن استعمالها وسيلة للاتصال. وقد قال علماء العربية الأول ذلك، ونقل د.عثمان أمين([42]) تعريفاً للغة لباحث لغوي يرى أنه من التعريفات الدقيقة وهو: "أنها القدرة على اختراع الرموز أو العلاقات الدالة أو استعمالها قصداً وعمداً"، وهذا كلام يبدو لي أنه عام وغير دقيق؛ ذلك لأن اللغة ليست القدرة الفردية على اختراع الرموز أو العلاقة وإنما نتاج مجموعه بشرية، وحينما أورد التعريف القدرة لم يحدد نوعها.
ويعرف هالة([43]) اللغة بأنها: "نمط اجتماعي منظم يتواصل بها البشر الواحد مع الآخر". فهي نظام إنساني بحث عند هالة، لأنه يتطرق إلى المجتمع والتواصل البشري بين متداولي اللغة، فهي بنت المجتمع، ويظهر أن هذا التعريف اجتماعي سلوكي؟ لأن فيه إشارة إلى جوانب سلوكيه تميز بالاستجابات في مقابل مثيرات معينة، وأنه قع في إطار مصطلح السلوكيين.
ويمكن أن نتصور اللغة على أنها نظام أي قانون، ويعني ذلك خضوعها لتنظيم معين في مستوياتها الأربعة: الصوتية، والصرفية، والنحوية، والدلالية، وهذا النظام ليس فوضوياً، بل يخضع لتنظيمات محددة، وهي في الأساس أصوات.
فلقد تكلم الإنسان باللغة قبل أن يتمثلها كتابة، كما أن الطفل يتكلم باللغة قبل أن يستطيع كتابتها. واللغة رموز، أي أن الكلمات رموز لما تدل عليه، فهي على هذا نظام ترميز، وعلى متداولها يقع حل تلك الرموز، ووظيفتها نقل الأفكار والمشاعر، وليس نقل الأفكار فقط، ويبرز أثرها في نقل المشاعر في عبارات المجاملة والتحايا والمواساة التي يتبادلها الناس، فهم الذين يتبادلون المشاعر، ويتبادلون الأفكار، فأثرها اجتماعي منطقي فضلاً عن أثرها الفكري الإعلامي.
واشرع بالحديث عمّا يعينه (الكلام) في درس اللغويين العرب القدماء، ونبدأ بمقالة الزجاجي([44]) إذ يقول: "إنما جعل الكلام لعبر به العباد عما هجس في نفوسهم، وخاطب به بعضهم بعضا بما في ضمائرهم مما لا وقف عليه بالإشارة ولا بإيماء ولا رمز بحاجب"، فقد أخرج كل ما لا يعمل فيه جهاز النطق مثل الإشارة، أو الإيماء أو الرمز، وإنما هو تعبير عما في هاجس النفوس فهو أثر نفسي، يعتمد على المخاطبة فيما بين المتكلم والسامع، وشرط فيه أداؤه معنى تاماً يستقر في ذهن السامع.
وقد قال الرضي([45]) (684 هـ): "إن اشتقاق الكلمة، والكلام، من الكلام، وهو الجرح لتأثيرهما في النفس، ومنه قد استفيد المعنى الاصطلاحي، وهو التأثير في النفس، إذ الكلام عنده لم يخرج عما جاء به الزجاجي، والكلام عند الرضي مما يطلق على المفيد والمهمل.
وذكر ابن عصفور([46]) (668 هـ) معاني للكلام منها أنه "لفظ مشترك بين معان كثيرة، منها المعاني التي في النفس"، ويستدل على ذلك بقول للأخطل في قوله:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلاً
ومن المعاني التي ذكرها ابن عصفور الاشبيلي أنه –الكلام- مما فهم من حال الشيء، فضلاً عن المعاني المستقرة في النفس، وبذا سمي قولاً، قال الله تعالى: )ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله([سورة المجادلة، الآية: 8]، فقد جعل المعاني التي في النفس قولاً، ومن المعاني الدالة الإشارة، وعليه قول الشاعر:
إذا كلمتني بالعون الفواتر وددت عليها بالدموع البوادر
فجعل الإشارة بالعين كلاماً.
أمّا الكلام في اصطلاح النحويين فهو اللفظ المركب بالوضع أى المسند والمسند إليه (الجملة)، وأشار إلى ذلك غير واحد منهم.
ويذهب الرضي([47]) إلى أن الكلام موضوع لجنس ما يتكلم به سواء كان كلمة على حرف أم أكثر، أو كان أكثر من كلمة، سواء كان مهملاً أم لم يكن، وهو مما كان من تفريقات النحويين بين الكلمة، والكلام، والكلم، وتأتي لديه اصطلاحات ثلاثة مما يتعلق بموضوع الكلام، هي: القول، والكلام، واللفظ، فالقول اشتهر بالمفيد بخلاف اللفظ والكلام، والكلام مما اشتهر في المركب من حرفين فصاعداً، وأما اللفظ فهو خاص بما يخرج من الفم إلى القول.
وأرى أن الكلام لا يكون إلا في المركب مع حصول الفائدة، وهذا ما قال به النحويون، وقد يلتقي هو ومصطلح الحرف عند الرضي فهو ليس الحرف الذي نعرف، وقد يكون مما تركب من كلمتين، مع اضطراب في حدّ الحرف عندهم([48]).
لكنّ تعريف النحويين للكلام على نحو ما ذكرنا ينظر إلى الكلام من حيث هو حقيقة لغوية واقعة أمام السامع، وتصرف النظر عن أن الحقيقة اللغوية نفسها وليدة ملابسات خارجة، وعناصر جزئية شديدة التعقد([49]).
ويلخص د. حسن ظاظا([50]) رأى إخوان الصفا في الكلام، ويذهب إلى أنه ظاهرة خاصة بالإنسان الناطق، فهو المعنى القائم عندهم في النفس أولاً، بمعنى أنه إدراك عقلي لحقيقة، ثم يعبر باللفظ عن حقيقة هذا الإدراك، وحينما يتحول المعنى إلى أصوات تقوم عملية تبادلية بين المتكلم باللسان، والسامع بالأذن، وفصلّوا أنواع الكلام ابتداء من المحادثات العملية اليسيرة، والكلام الفني بفصاحته وبلاغته شعراً ونثراً، إلى الكلام العلمي والفلسفي، بمناقشاته وقواعده في ضبط العمليات العقلية المعقدة. لقد قدم إخوان الصفا فكرة دقيقة عن الكلام، لكنهم لم يصفوا له – الكلام – حداً يعيننا في هذا المجال، وهذا الفهم يقترب من مفهوم الصوت.
أمّا في نظر المحدثين فإن الكلام "عملية عضوية تقوم بها أعضاء يطلق علها تجاوزاً أعضاء النطق"([51])، نشاط فردى يقوم به الفرد بهذه الأعضاء التي تسمى أعضاء النطق، أمّا أن عبد الرحمن أيوب قد قال (تجاوزاً) فلأن هذه الأعضاء هي أصلاً لم تكن وظيفتها الأساسية الكلام؟ لأن لكل عضو من أعضاء هذا الجهاز وظيفة فسلجية أخرى، تختص بالفرد البشرى؟ فعلى سبيل المثال أن اللسان يستعمله الإنسان في الأكل والبلع والتذوق، أما في عملية إنتاج الكلام فللسان أثر واضح، بل هو العضو الرئيس في هذا الجهاز، واقترنت اللغة به، ثم تتبعه أعضاء أخر.
يحدث الكلام نتيجة حتمية لنشاط يقوم به فرد واحد من الأعضاء سمت جهاز النطق، ويشتمل هذا الجهاز على الرئتين، والحجاب الحاجز، والقفص الصدري، والقصبة الهوائية، والحنجرة، والممر الأنفي، والممر الفموى بما يحتويه من أعضاء هي: اللهاة، وسقف الحنك الرخو، وسقفه الصلب، واللثة، والأسنان، والشفتان. والعملة المهمة في إنتاج الكلام هي عمليه التنفس (الشهيق والزفير)، إلا أن الكلام لا يحدث إلا حينما يطرد الهواء إلى الخارج في عملية الزفير، ويكون في حالات قليلة جداً -إن لم تكن نادرة- لغوية هذه الحالات، أو غير لغوية جذباً له من الخارج إلى الداخل([52]).
فالكلام - الحدث اللغوي- حدث فردى مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالصوت، إن لم يكن الكلام مجموعة أصوات، وبذا يقترب مفهوم الكلام عند المحدثين مما قاله علماء العربية القدامى، فالكلام من هذه الوجهة هو ما يصدر من الفرد من ألفاظ سواء أفادت أم لا"([53]).
ويرى د. حسن ظاظا([54]) أن أفضل مفهوم للكلام هو ما قاله العالم اللغوي ادوارد سابير([55]) Sapir، من أن "الكلام نشاط إنساني يتغير من غير حد مسمى عند التنقل من مجتمع الى مجتمع آخر، لأنه تراث تأريخي للمجتمع، نتيجة استعمال اجتماعي تواصل منذ زمن بعيد، ويتغير الكلام تغير كل الطاقات الإبداعية، ولكنه ليس أكثر تغيراً من الأديان والعقائد والعادات، والفنون عند الشعوب المختلفة، فالمشي وظيفة جسمية غريزية (وليس طبعاً غريزة في ذاته)، بينما الكلام ليس وظيفة غريزية، بل هو وظيفة ثقافية مكتسبة".
يبدو من ذلك أن الكلام نشاط، وينتقل هذا النشاط بالأصوات، وهذا النشاط من خصائص الحياة اليومية للفرد، فالكلام عند سابير أمر طبعي للإنسان كالمشي، أما أنه – سابير- قد قرن الكلام بالمشي، ذلك أن المشي يمكن أن يتعلمه الفرد ما إن تصل قوى الطفل العضلية والعظمية، والعصبية إلى مستوى معين، ويبذل مجهوداً تلقائياً وحده حتى ينهض ثم يمشي ويجري، بمعنى أن التكوين الجسماني العضوي هو الذي يمكنه من ذلك، لكن هذا الأمر لا يكون في الكلام؟ لأن الإنسان ليس ميسراً للكلام بطبعته، وبمجرد تردد نسمات الحياة بين جوانحه، بل بأمر آخر هو ضرورة وجوده في المجتمع، يعيش فيه مع أبناء نوعه عضواً من أعضائه، فهو مضطر للتجاوب والتفاهم معه، وبمجرد أن يعيش وحيداً في أحضان هذه الطبيعة، فهو يمشي لكنه لا يتكلم([56])، لأن المشي قدرة يتعلمها الفرد، والكلام نشاط فردى يكتسب من خلال المجتمع.
ويثير سابير([57]) في فهمه الكلام قضية أخرى، وهي انتقال الفرد من مجتمع إلى مجتمع آخر، ترى بتغيير مشيه؟ بالتأكيد لا يتغير نوع مشيه الذي يمشي فيه، بتغير طبيعة المجتمع وأفراده الذين يعيشون معه في بيئة واحدة، لكن كلامه هذا النشاط المرتبط بالمجتمع سيتغير حتماً في حال الانتقال هذه؛ ذلك لأن الكلام نتاج الاستعمال الاجتماعي الذي استمر زمناً طويلاً، ويستمر.
ويصف نايف خرما عملية إنتاج الكلام، ويفترض افتراضات لهذه العملية، تبدأ من أن يكون هناك (مثير)، إذ لا بد لمن يرغب في الكلام أن يتأتي بما دفعه لذلك، وربما تشترك أكثر من حاسة، لأن هذا المؤثر يمكن أن يكون آتياً من الخارج، أو من الداخل، وفي هذه الحال تكون مرحلة إرسال الرسالة، وإطلاقها على شكل أصوات تختص بالشكل، بمعنى أنه ذلك التفكر العقلي فيما سيصدره، وبعد ذلك تنتقل هذه الأصوات على شكل أمواج صوتية عبر الهواء، وهنا معمل جهازان من أجهزة البشر هما: جهاز النطق لدى الشكل، وجهاز الاستقبال (الأذن) لدى السامع، ولا بد لهذه الرسالة من أن يختار المرسل فيها المعاني، يضعها في القوالب الجاهزة المتعارف عليها والمتوافرة في لغته، أي هي عملية تبادلية بين ما يريد المرسل أن يكلمه ليدركه السامع، على وفق القواعد اللغوية التي تفرضها عليه ببيئته، وتأتي المرحلة الأخيرة التي يحلل فيها السامع رموز تلك الرسالة الصوتية، والتوصل إلى تركيبها الصوتي، والصرفي، والنحوي، ويستخلص منها المعنى الذي يقصده المتكلم([58]).
أما المصطلح الثالث اللسان Language فهو كما نعلم نظرياً أحد أعضاء جهاز النطق، وله أثر كبير في إصدار الأصوات، وبه ارتبط مصطلح اللغة، وقد ورد في اصطلاح الناس على أنه المقصود به اللغة، كما ورد في قوله تعالى:)بلسان عربي مبين([سورة الشعراء، الآية: (195)]، وقوله تعالى:)وهذا لسان عربي مبين([سورة النحل، الآية: (103)].
يستعمل المتكلم اللسان لتلبية حاجاته في الحديث والتحدث، وأحياناً تكون الحاجات ملموسة، إذ يتجه في هذه الحال بناء اللسان لدى المتكلم نحو التحدث، أي نحو الكلام، ويتعلق الأمر هنا عند المتكلم في الأهل باستعماله الصيغ المعقدة في سياق معين بالإمكان تلمسها، ولا تكمن الصعوبة في فهم اللسان أن تتطابق الصيغ المستعملة مع معاييرها، ولكن الصعوبة في الأساس يقع في المعنى الجديد الذي تكسبه هذه الصيغة حين استعمالها في السياق([59])، هذا تفسير مادي يربط بين اللسان الناطق بالكلام، على أن اللسان عضو مادي معني بالكلام.
وتنظر الوجهة النفسية، أن الباحث اللغوي إذا تصدّى لدراسة لسان قوم فهو أمام خيارين في موضوع الدرس، الخيار الأول: موضوعه اللغة لأنها ظاهرة من ظواهر المجتمع وأداة يتم بها التفاهم بين أفراد الأمة الواحدة، الثاني: انصرافه إلى دراسة الكلام، على أنه نوع من أنواع السلوك الفردي، ويتجلى ذلك من طريق كل ما يصدر عن الفرد من أهوال ملفوظة أو مسطورة – مكتوبة-([60]).
فلا يدرس الكلام منفصلاً عن اللغة على ما ذهب إليه د. تمام حسان([61])، إلا حينما يكون عملاً صوتياً بحتاً مقطوع الصلة بالمعنى، وهذا ما يحدث عند فحص المرضى بالعيوب الكلامية، لأن الدراسة اللغوية للكلام تجعله على صلة بالله، ولابد أن تكون كذلك من حيث أنه قصد به أن يدل على معنى. فالكلام على ما يبدو من دواعيه أن يكون ذا معنى يفهمه السامع، وله صلة باللسان غير منفصل عن اللغة بأي حال من الأحوال.
فموضوعا اللسان([62]) Langue هما: اللغة Language والكلام Parole أي دراسة ما هو جماعي اللغة، وما هو فردي الكلام، فاللسان يعد مجالاً لتحقيق الظاهرة اللغوية، فيكتشف لدارسي علم اللغة، عن علاقة اللغة بالحياة الجماعية، ويعينه على إدراك خصائص اللغة في أثناء الفروق القائمة بين الألسنة، فاللسان جملة من القواعد تواضع عليها المجتمع بأفراده كافة، حتى أن الفرد من هؤلاء الجماعة يولد، فيجد اللسان هائماً أمامه كالقانون الجماعي الصارم الذي يتعين بالفرد وحده، ولا وجود له – اللسان خارج المجموعة، ذلك أن له وجوداً مستقلاً عن وجود كل فرد من تلك المجموعة، وبذا قد يصبح القول إن اللسان ظاهرة مجردة من جهة عن كل فرد بمفرده، وتوجد في كل فرد من جهة أخرى بوصفه جزءاً من كل.
ويذكر السعران([63]) عن اللغة التي يتخذها علم اللغة موضوعاً له، التي ترتبط بمضمونات الفكر الإنساني بأصوات ينتجها (النطق) بجهازه. فاللغة التي تجري فيها عمليتا الإصدار والاستقبال، الإصدار أصوات تحدثها عملية (الكلام)، فالأصل أن تكون اللغة كلاماً، وأن تكون مشافهة، وبذا تستبعد الكتابة أو لغة الكتابة؟ فهي لغة أخرى تقصد إلى تمثيل الكلام المنطوق بطريقة منظورة، أي التحول باللغة من البعد الزماني (الكلام المنطوق) إلى البعد المكاني (اللغة المكتوبة) فالكتابة اختراع إنساني لاحق على اختراع (اللغة)، وبعض المجتمعات لم توجد لنفسها هذه الوسيلة المتطورة من تمثيل اللغة الملفوظة.
ويعدّ دي سوسير([64]) من أكثر اللغويين المحدثين اهتماماً بثنائية اللغة والكلام، فميز المقدرة اللغوية من الظواهر الواقعية التي هي مادة علم اللغة الخام، ويقصد بها المنطوقات بوصفهما اللغة Language، والكلام Parole فقد سار هذان المصطلحان السوسريان بلا ترجمة في التداول اللغوي مثل مصطلحات أخرى كثيرة جداً، فالكلام هو المادة التي يحصل اللغوي عليها، والهدف الصحيح له لغة كل جماعة لغوية، فالأصوات والقواعد، والمعجم تغرس في كل فرد من أفراد المجتمع، بسبب نشأته في المجتمع المعين، وينشأ على الأسس التي على وفقها يتكلم لغة هذا المجتمع ويفهمها، وقد يكون مبالغاً – سوسير- لأنه متأثر كثيراً بالنظرية اللغوية الاجتماعية لأميل دور كايم، بالنسبة لتقديره للواقع ما فوق الشخصي للغة language فضلاً عن الواقع الفردي، وبشكل خاص حينما يعترف بأنه التغيرات التي يحدثها الأفراد في كلامهم Parole في حين يصرح أيضاً بأن اللغة لا تخضع لقدرة الفرد على التغيير؛ لأنه نتاج جماعي.
وشغل هذا الأمر الباحثين بعد سوسير فطفقوا يدرسون هذه الثنائية (اللغة – الكلام) ويحللونها بدراسات مطولة، وفي مقالة دي سوسير([65]) في الفصل بين اللغة، والكلام أنه يعني هذا:
1) فصل بين ما هو جماعي language لغة، وما هو فردي Parole كلام، لأن الكلام عند سوسير الجانب التنفيذي للغة، إذ تعد ملكة الاستقبال وملكة التنسيق بوظائفهما؟ لأن الكلام صور وانطباعات ذهنية واحدة، وهذه جميعاً تحدث في عقول المتكلمين من متداولي اللغة، أي من حصولنا على صور الكلمات جميعاً، تختزن في عقول الأفراد جميعاً، أمكن تمييز الجزء الاجتماعي الذي يؤلف اللغة، فهو مخزون يملؤه أفراد المجتمع من طريق الاستعمال الفاعل للكلام، فلا يكمل وجود اللغة إلا في المجموعة.
2) فصل بين ما هو جوهري، وما هو ثانوي وعرضي إلى درجة ما، أي ما هو أساس عمّا هو تابع أو عارض، فاللغة هي الجوهر أي الأساس، والتابع هو الكلام، فاللغة ليست وظيفة الفرد المتكلم بها؟ إنها النتاج أو الثغرة التي سجلها الفرد بلا قصد ولا وعي منه، ولا تتطلب اللغة تأملاً سابقاً.
وليس للتفكير دخل فيه إلا في صدد ترتيبه، أما الكلام فهو عمل فردي نابع عن إرادة وذكاء، هو عمل عقلي مقصود وينبغي له أن يميز فيه:
أ) الارتباطات، أي المجموعات التي يستعمل فيها الفرد المتكلم رموز اللغة للتعبير عن فكره الشخصي.
ب) الآلية النفسية المادية (السامكوفزياوت) التي تسمح بإخراج هذه المجموعات (الرموز) إلى حيّز السماع.
وممن فرق بين اللغة والكلام من الباحثين اللغويين (السير ألان جاردن) ([66]) الذي يرى أن عقل الإنسان في ساعات يقظته لا يستريح بل يفكر دائماً، وهو لا يتكلم دائماً بل فكر وحيداً، وربما فكر بلا كلام، وهو في جماعة، وفي الكلام العادي لا بد من وجود شخص آخر في الأقل، ولا يستلزم حدوث الكلام وجود الآخرين، وقد حدث الكلام في الوحدة بأن يحدث الفرد نفسه على طريقة المونولوج. ومن هذا يستنتج أن الكلام نشاط فردي وليس جماعياً.
ونخلص إلى القول في مفارقة الكلام واللغة ضمن المحاور الآتية([67]):
1) أن اللغة هي القانون الذي سمح للإنسان بأن يتواصل به داخل مجموعته اللغوية، في حين أن الكلام هو شغل هذا القانون بأفعال ملموسة.
2) وضمن محور المواجهة اجتماعي - فردي: إن اللغة تتحدد بأنها مجموعة من العادات اللغوية تسمح لشخص بأن ينتسب إلى مجموعة بأن يفهم الآخرين، وأن يعرب عن نفسه أمامهم، ولكي يكون هناك لغة لا بد أن توجد مجموعة مُتكلمة، وهي لا توجد خارج الفعل الاجتماعي، بيد أن الكلام فردي، وليس ثمة أي نشاط لفاعل الكلام على مستوى اللغة.
3) وضمن محور المواجهة فعل الذاكرة - فعل الإبداع: ذكرنا في الفقرة السابقة أنه ليس ثمة نشاط لفاعل الكلام على مستوى اللغة، نستطيع القول إن اللغة ليست إلا نتاجاً يسجله الفرد بشكل غير إرادي، وأنها – اللغة- مجرد مجموعة من عوامل الذاكرة، أما الكلام فإنه يوصف بأنه عمل فردي للإرادة والذكاء، وإليه يعود كل ما يمكن الحديث أن يحتويه في طليق الإبداع.
المحور الثالث: نظريات نشأة اللغة
ما دمنا في معرض الحديث عن اللغة واصطلاحاتها التي تعين الباحث على الدرس والتقصي، ولا أشك في أن العرب قد عنوا بدراسة اللغة عناية لا تفوقها أي عناية، لأن العرب قد استقروا لغتهم استقراءاً دقيقاً، بما ألفوه من كتب تدرس مفرداتها، ووضعوا تواعدها، وبذلك صح أن يتسم الدرس اللغوي عند علمائنا العرب بالعلمية. وهم في ذلك سبقوا أمماً كثيرة في هذا الموضوع، على أنني أرى أن جل ما جاء به اللغويون المحدثون في دراساتهم في المجال اللغوي قد قال به اللغويون العرب القدامى، إذ لم يتركوا شاردة ولا واردة إلا كانت في مجالات درسهم، مع فارق في المنهج والمصطلح والمعالجة؟ وذلك للتقدم الحضاري والفكري الذي شهدته الدراسات اللغوية، فالمحدثون قد أضافوا المنهج، ووضعوا المصطلحات، ونظروا القضايا، لتكون ملبية لحاجات الدرس الحديث ومواكبة التطور في واقع الدرس.
ومن المسائل التي كانت محوراً لدراسة العلماء العرب القدماء قضية نشأة اللغة، على الرغم مما قيل عن هذا النوع من الدرس اللغوي في العصر الحديث، وبالتحديد منذ مطلع القرن التاسع عشر، فقد كان همهم - اللغويين المحدثين- أن يتوصلوا إلى حل لهذا المشكل اللغوي، ولكنهم فيما يبدو في كل ذلك كانوا يدورون في حلقة مفرغة من الدرس، حتى عد كثير من اللغويين هذا الدرس من القضايا غير اللغوية، ولذلك قررت الجمعية اللغوية في باريس، في أول نظام صدر لها عام 1866م، ألا تسمح بمناقشة أي بحث من البحوث التي تتناول أصل اللغة([68]).
ويعلل لذلك اللغوي الفرنسي فندرس([69]) بقوله: (فغالبية أولئك الذين كسبوا عن أصل الكلام منذ مئة عام يهيمون في تيه من الضلال؟ لأنهم لم ينتهوا إلى هذه الحقيقة، وغلطتهم الأساسية أنهم يواجهون هذه المسالة من الناحية اللغوية، كما لو كان أصل الكلام مختلط بأصل اللغات"، والحقيقة التي أشار إليها فندرس هي أن دراسة أصل الكلام ليس من مسائل علم اللغة، لما بين اللغة والكلام من فرق، فكان الدارسين لأصل اللغة إنما مؤهلون للكلام، وهم بهذا قد يقعون في خلط كبير، لأن الكلام شيء، واللغة شيء، كما فصلنا القول في ذلك في المبحث السابق.
وعلى أية حال كان أصل اللغة من مباحث لغويينا العرب القدماء، وقد شغل حيزاً في دراساتهم، وتفكرهم في مجال فقه اللغة بالاصطلاح العربي، وقد أسسوا ثلاث نظريات قالوا بها، وهي:
النظرات الأولى: التوقيف والإلهام.
النظرات الثانية: المحاكاة لأصوات الطبيعة.
النظرات الثالثة: المواضعة والاصطلاح.
ولكل نظرية من هذه النظريات قائلون بها، ولهم أدلتهم التي تدعم ما يقولون، وسأشرع ببحث هذه النظريات بشيء من الإيجاز؛ لأنها من مقولات علماء عرب، على أن كتب فقه اللغة قد فصلت القول في كل نظرية من هذه النظريات. وأمّا النظريات الأخرى التي درسها العلماء المحدثون فلم تخرج من نظريات العلماء العرب. وأمر آخر دعاني إلى البحث في هذه النظريات أنها ذات صلة وثيقة بمقالات العلماء في قضية (الصوت والمعنى) التي هي موضوع الدراسة.
النظرات الأولى: التوقيف والإلهام (الوحي والإلهام):
لمّا أعجب المسلمون باللغة العربية بحثوا فيها، وسحرتهم لغة التنزيل، فكان أن كان من دراساتهم الأولى (مسألة الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم)، وجرتهم مثل هذه الدراسات إلى دراسة نشأة اللغة، ومن هذه الدراسات نظرية (القول بالوحي والإلهام الإلهي) في نشأة اللغة([70]).
وقد أطلق أبو الحسين احمد بن فارس([71]) (395 هـ) على هذه النظرية (نظرية التوقيف) في قوله: "إن لغة العرب توقيف"، ويستند بذلك إلى قوله تعالى:(وعلم آدم الاسماء كلها)[سورة البقرة، الآية: (31)] مشيراً بذلك إلى قول ابن عباس:"علمه الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارفها الناس من دابة، وأرض، وسهل، وجبل، وحمل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها".
ويقرر أصحاب هذا المذهب – النظرية - قبل الإسلام أن اللغة ني أصل نشأتها مصدر إلهي هبط على الإنسان فعلمه النطق وأسماء الأشياء، ويذهب إلى هذا المذهب الفيلسوف اليوناني (هيراكليت) ([72]).
ورؤية علماء الهنود لهذه النظرية قولهم في فقدم اللغة، وهي هبة الهية وليست من صنع البشر([73])"، وني ضوء هذه النظرية، ميزت اللغة الكائن البشري – الإنسان- بمنحه القدرة على الكلام، وأعطاه اللغة التي بها يتكلم، وقد أهتم الهنود بأمر اللغة، وقرروا حقيقة ترى أن "الصوت نتاح ذبذبة الهواء" وهم في كل ذلك لم يستطيعوا التخلص من فكرة التدخل الإلهي في اللغة([74]).
أما أنني فقد بدأت بتحليل ابن فارس لهذه النظرية، لأنه نابع من فكر عربي، في بيئة عربية، رجل متشدد متعصب للعربية والعرب، وقد أورد معاصره ابن جنى (392هـ)، أن أبا علي الفارسي (377هـ) هو أيضاً من القائلين بهذه النظرية، محتجاً بالآية القرآنية التي احتج ابن فارس بها.
ومهما يكن من أمر هذه النظرية فإن أصحابها قد استدلوا بأدلة نقلية من كتب مقدسة ، اعتمد فيها العلماء العرب المسلمون على قوله تعالى الذي ذكرناه، أما غير المسلمين فيستدلون بما ورد في الكتاب المقدس من قوله: (والله خلق من الطين جميع حيوانات الحقول، وجميع طيور السماء، ثم عرضها على آدم ليرى كيف يسميها وليحمل كل منها الاسم الذي يضعه له الإنسان، فوضع آدم أسماء لجميع الحيوانات المستأنسة ولطيور السماء ودواب الحقول" ويعلق وافي([75]) على هذا الدليل بقوله:"تكاد يكون عليهم" لا لهم.
والذي أراه أن المستدلين بهذه الحجة لم يفهموا النص بدقة إن صح ذلك دليلاً من أدلتهم، فالنص واضح تماماً، ولا يمت إلى هذه النظرية من قريب ولا من بعيد، بل يمكن أن يكون دليلاً على نظرية أخرى.
وجدير بالإشارة إلى أن ابن جني قد نقل تعليق شيخه أبي علي الفارسي على تفسير قوله تعالى السابق بقوله([76]) قد يجوز أن يكون تأويله: أقدر آدم أن واضع عليها، وأن المعنى من عند الله سبحانه لا محالة" فهو لم يستقر على ذلك، بل قد أشار إلى رأى أبي الحسن – الأخفش- (315هـ) من أنها (تواضع منه([77])).
والذي يهمني من أمر هذه النظرية أن علاقة الصوت بالمعنى في ضوئها علاقة توقيفية، أي أن الألفاظ الموضوعة بإزائها المعاني من الله سبحانه وتعالى، بمعنى أن المعنى الموضوع الأساس للفظ لم يأت من طريق المواضعة والاصطلاح، ولكن هو من طريق الإله([78]).
أما كيف تؤدي اللغة أثرها في المجتمع وهي توقيف؟ فقد رد ابن فارس هذه القضية، بأن اللغة كانت تنزل على الأنبياء بين حين وآخر، أي كلما استجدت ألفاظ لتواكب حاجات البشر اليومية، وتلبي متطلبات الحضارة، بقى مدافعاً عن نظريته في التوقيف التي قال بها وتبناها في كل فقرة من فقرات كتابه([79]).