المقدمة
وفيها الحديث عن:
- بواعث اختيار الموضوع وأهدافه
- مادة البحث ومنهجه وخطته
الحمد لله رب العالمين، حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين، وبعد:
فالتحديد الدقيق للصراع يحيل على أنه" التدفق الحركي المتصاعد الذي يعمل على تجميع العناصر الدرامية المتفرقة والمتباعدة، فإذا هي تتقارب وتشتبك وبعد ذلك تصطرع، ثم تبلغ الذروة في العنف، ثم تنحدر إلى الحل"[1].
ولا يمنع هذا التحديد من القول كذلك بأنه عبارة عن"مناضلة بين قوتين متعارضتين، ينمو بمقتضى تصادمهما الحدث الدرامي"[2].
وأهميته تنبع من أنه" يمثل العمود الفقري للبناء الدرامي"[3]، وبوحي من هذا منحته الدكتورة (نهاد صليحة) ميزة كبرى حينما ذهبت إلى أن" أساس الدراما هو الصراع المباشر بين قوتين منفصلتين تماماً، إحداهما خيّرة تعمل لصالح الإنسان، والأخرى شريرة تعمل ضده"[4].
ويتسع مفهوم الصراع باتساع دائرة المتغيرات والمستجدات والحركات السياسية والفكرية والاجتماعية والمذهبية والفنية، وتكريس ما يُعرف بصراع الحضارات، وتباين القيم، وازدواجية المعايير والمفاهيم، واختلاف العادات والتقاليد بين الشعوب... وما إلى ذلك مما يُلقي بظلاله على خارطة النشاط الثقافي عامة، والإبداع الفني -والقصصي منه- على وجه الخصوص، وإذْ بنا نشهد فوق ما ذكرنا مجموعة من الصراعات، قد تكون خارجية حينما تجري بين الشخصيات المتعددة، وقد تكون داخلية حينما تشكل النفس البشرية محور ارتكازها، وقد تكون فكرية حينما تتناول المطلق من المعاني، أو ما اصطلح على تسميته بـ (صراع الأفكار).
أُركز القول فأقول إن الصراع يُعد عنصراً أساسياً في العمل الأدبـي عامة والقصصي على نحو خاص؛ إذ هو الدافع لإنشائها، كما أنه لا يزال يشكل نواة الالتقاء والاحتكاك بين الأحياء، بين الإنسان وذاته، وبين الحضارات المختلفة، فهو العامل الأول في تفعيل تلك الحضارات وإنمائها ومن ثم نقلها.
ومن هنا أجد الصراع الحضاري عنصراً قوياً في القصة العربية عامة؛ بسبب تفسيره الشامل لدوافع التنازع بين حضارتنا وغيرها من الحضارات في شتى الجوانب التاريخية والسياسية والاجتماعية والعلمية، فإذا أضيفت للقصة العربية سماتها السعودية وجدنا أنفسنا أمام صراع حضاري قوي، تحمله وترفده البيئة السعودية بمعطياتها في الدين والتاريخ والسياسة والاجتماع.
وتتميز المملكة العربية السعودية بموقعها الجغرافي ومقدساتها ومقاصدها الدينية، إضافة إلى ثرواتها المتعددة؛ مما يجعلها محطاً للاحتكاك بين الحضارة الإسلامية العربية والحضارات الأخرى، كما أن النهضة الشاملة التي شهدتها هذه البلاد أسهمت في احتكاك كثير من أبنائها بالحضارات الأخرى، خلال الدراسة أو العمل في بلدان العالم المختلفة؛ فاتسعت دائرة الصراع الحضاري وتعددت اتجاهاته وظهرت جلياً آثاره.
وتتبلور أحداث وأبعاد هذا الصراع على نحو أعمق وأوسع في الأعمال القصصية السعودية، ولاسيما أن هذا الفن قد رافق الحياة الأدبية السعودية في مراحل مختلفة ومتطورة من تاريخها، والأدب دائماً وأبداً هو مرآة الحياة والناس؛ بوحي من هذا كله آثرتُ أن يكون موضوع أطروحتي هو: (الصراع الحضاري في الإبداع القصصي السعودي)، لأبحث فيه عن اتجاهات ذلك الصراع، وأقوم بتحليل البنى الدرامية للأعمال التي تمخضت عنه، وعبّرت من خلاله عن تجاربها الذاتية والإنسانية.
- بواعث اختيار الموضوع وأهميته:
جاء اختياري لموضوع (الصراع الحضاري في الإبداع القصصي السعودي "دراسة في الاتجاهات والبنية الدرامية") دون غيره لأسباب عدة أهمها:
- ندرة أو محدودية الدراسات الأدبية والنقدية التي عنيت بالصراع الحضاري في الإبداع القصصي السعودي- على حد علمي-؛ حيث لم أقع على دراسة تختص بهذا الموضوع، أو تدرسه دراسة شاملة معمّقة على النحو الذي نرجوه لهذا العمل، مع حاجة هذا الموضوع وأحقيته بالبحث والدرس.
- أهمية الصراع باعتباره عنصراً أساسياً في بنية الفن القصصي، وذا أثر عميق وفعّال في أعمال القاصّين عامة والقاصّين السعوديين على نحو خاص، بل يمتد أثره الفعال إلى بقية العناصر المشكلة للفن القصصي، فمن خلاله تنكشف علاقات الشخصيات ببعضها البعض، وموقفها من الأحداث والبيئة الزمانية والمكانية، كما أن لغة السرد والحوار لابد أن تتشكل في ضوء الصراع القصصي وتبادله التأثير.
أهداف البحث:
أهم أهداف هذا البحث تتلخص في هاتين النقطتين:
- دراسة الاتجاهات المتعددة للصراع الحضاري في القصص السعودية للوقوف على جوانبه بشيء من الدقة والشمول؛ وفي ذلك إسهام في تعرية البنية الفنية لتلك الأعمال وتقييم عدد منها، ووضعها حيث مثيلاتها في الأدب العربـي عموماً والسعودي خصوصاً.
- الوقوف عن كثب على البنية الدرامية للقصص السعودية يكشف عن خصائص الصراع الحضاري بين مجتمع كتّابها وغيره من المجتمعات في النواحي الحضارية المختلفة، ويبيّن المشكلات الواقعية في طريقة التعاطي مع تلك الحضارات، وفي أساليب الكتّاب لرسم صراعاتهم الداخلية والخارجية في أطر فنية سليمة، ومعبرة بصدق عن ذواتهم ومجتمعهم.
الدراسات السابقة:
لم أقف- كما أسلفتُ- على دراسة كلية أو جزئية تعالج موضوع الصراع الحضاري في الإبداع القصصي السعودي، وكل ما وقفت عليه- مع ماله من فائدة- لا يعدو أن يكون نظرات مختصرة وإضاءات موجزة تأتي في تضاعيف تحليلهم ونقدهم للقصص السعودية، وهي على كلٍ لا تصرف الباحث عن دراسة الموضوع، ولا تُجزيء عن دراسته دراسة مخصّصة وعميقة.
مادة البحث:
تتمثل مادة هذا البحث في عدد وفير من القصص السعودية التي عُني كتّابها بأساليب القصّ، وكانت مضامينها- في الوقت ذاته- ميداناً واسعاً لتصوير الصراع الحضاري، وتمثيل جوانبه في بنية درامية تجعل من تلك القصص نماذج مفعمة بألوان التأثّر والتأثير الفني، وهنا أشير إلى أنني سأتعامل مع القصة أو الرواية من باب الانتقاء والاختيار الدقيقين، بعد استيعابٍ حصري وشامل لكل ما يُتاح أو يتوافر لديّ من إبداعات تجسّد هذا الصراع.
منهج البحث:
المنهج المتوسل به في هذه الدراسة هو المنهج التكاملي، الذي يفيد من عدة مناهج بما فيها الفني والنفسي والتاريخي، مع الاستعانة بالأدوات اللازمة كالاستقراء والتحليل لدراسة الاتجاهات وعرض جلِّ النماذج، بما تستدعيه من آليات منهجية تسعف في تحقيق الغاية الموضوعية والفنية من قراءتها ودراستها.
خطة البحث:
تقع هذه الدراسة في مقدمة مسبوقة بفهرس المحتويات والموضوعات، ثم تمهيد وبابَين وخاتمة وملحق لتراجم الكتّاب، يليه فهرس للمصادر والمراجع، وقد جعلتُ لكل باب وفصل مدخلاً يسيراً وخاتمة لكي تسهل الإفادة منها.
أما المقدمة ففيها الحديث عن بواعث اختيار الموضوع وأهميته وأهدافه، وتخطيط المنهج وما إلى ذلك.
ويدور الحديث في التمهيد حول مفهومي الصراع والحضارة.
ثم يبدأ الباب الأول والذي يختص بالاتجاهات الموضوعية للصراع الحضاري، وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول في الاتجاه الديني للصراع، وينقسم إلى خمسة أقسام تبعاً لتنوع موضوعات القصص والروايات السعودية ذات البعد الديني، واخترت تصنيفها وترتيبها على النحو التالي:
- قضايا العقيدة والتربية الإسلامية.
- الإسلام عقيدة محبة وتسامح.
- حتمية الإيمان بالقضاء والقدر.
- القيم والآداب الإسلامية.
- بين قضايا الحجاب والسفور وتعدّد الزوجات.
أما الفصل الثاني فخصصته لدراسة الاتجاه الاجتماعي للصراع، وصنّفت موضوعاته في عدة أطر، تحت كل منها جملة موضوعات ثانوية، هذه الأطر هي:
- في إطار المجتمع العائلي.
- في إطار بعض الفئات الاجتماعية.
- في إطار المجتمع العام.
وفي الفصل الثالث المعني بالاتجاه النفسي للصراع تُقسَّم الموضوعات على النحو التالي:
- الحالات النفسية والعُقَد.
- الانفصام النفسي الحضاري.
- الرُّهاب الاجتماعي.
- الانحراف الجنسي والأخلاقي نفسيّ المنشأ.
أما الفصل الرابع فيصبّ في الاتجاه السياسي والقومي للصراع، وفيه الحديث عن عدة محاور هي:
- من الوطنية إلى القومية والإنسانية.
- القضايا والمشكلات العربية.
- أثر الحروب في الطفولة والإنسانية.
ثم كان الباب الثاني الذي يدرس عناصر البناء الدرامي وعلاقتها بالصراع في القصة ثم في الرواية السعودية، واشتمل على خمسة فصول، عالج أوّلها الصراع ودوره في بناء الشخصية، من خلال جملة محاور هي:
- الشخصية الإيجابية والسلبية.
- الشخصية النامية والثابتة.
- الشخصية الفردية والنموذجية.
- الشخصية السيكوباتية.
- الشخصية الرمزية.
أما الفصل الثاني ففي الصراع واللغة، وينقسم على النحو التالي:
- لغة الوصف (السرد): مستوياتها، تقنيات لخدمتها.
- لغة الحوار: مستوياتها، أشكال وأنواع الحوار، تقنياته.
- من مظاهر المستوى اللغوي في القصة والرواية السعودية.
وفي الفصل الثالث كان الحديث عن الصراع والحدث، وتدور محاوره حول الموضوعات التالية:
- اتجاهات الحدث.
- الأنساق البنائية للحدث.
- أساليب قصّ الحدث.
- تقنيات معالجة الحدث درامياً.
يليه الفصل الرابع المخصص لمعالجة الصراع والمكان، وعالج الحديث فيه الموضوعات الآتية:
- المكان والشخصية.
- المكان والحدث.
- أنواع المكان.
ثم الفصل الخامس في الصراع والزمان، وتدور محاوره حول النقاط التالية:
- الزمن السردي بيت المتن الحكائي والمبنى الحكائي.
- الزمان والمكان.
- الزمن التاريخي الخارجي.
ثم تأتي خاتمة البحث التي لخّصت ورصدت أهم النتائج والملاحظات.
يليها الملحق الخاص بتراجم الكتّاب والكاتبات السعوديين محلّ الدراسة.
ثم ثبت بأهم المصادر والمراجع لهذا البحث.
وقد آثرت أن أقدم للنشر الجزء الثاني من هذا البحث متمثلاً في الباب الثاني؛ والذي فيه الحديث عن البنية الدرامية يقيناً مني أنه تركيز مفيد للدارسين واختصاراً لوقتهم وجهدهم، وفي طياته يجدون متسعاً للنقد والتساؤل؛ بل هو خلاصة الجهد في غالبه لشموله على دراسة تطبيقية موسعة تجمع ما بين الاتجاهات المختلفة للصراع الدرامي والعناصر الفذة العاملة على تحقيقه في النص السردي السعودي، وهي دراسة تحليلية مدعومة في كل بالنصوص والمفاهيم النقدية القديمة والحديثة.
حتى أتمّ عملي هذا، والذي زادني قوة بما سخّره لي من معونة عباده ومساندتهم المتوالية، ثم الشكر متهادياً منحنياً لوالديّ الكريمين، فهما النعيم الدنيوي الذي أكرمني الله به، حين حفظهما ومتّعني بوجودهما، وأمدني بدعواتهما وتشجيعهما الذي لا ينضب، وأسأل العزيز جلت قدرته أن يعينني على رضاهما ويبلغني به رضاه ورحمته في الآخرة، ثم الشكر والامتنان إلى الحبيب الرؤوف، الصديق والمساند الوفي زوجي الفاضل (إيهاب عبد الله أبو رفاعي)، على حسن درايته بصعوبات البحث وما يحوجني إليه من تقصير في حقه ولو قليلاً، وهو برقيه الفكري ورجاحة عقله لم يفتأ يشجعني للمضي في العمل قولاً وفعلاً، ولا يكتمل الشكر إلا بإرسال أزاهيره موصولة إلى إخواني وأخواتي نقاء الدنيا وعبيرها (زين العابدين، نادر، سلمى، مراد ، نجود، خديجة، سارة)، فكل منهم التزم معي جانب الدعاء ووافاني في حال الشدّة قبل الرخاء، وأسأله عزّ وجلّ أن يريني ثمار الخير كلها في بني (عبد العزيز)، النبض الأسمى، والثروة النادرة؛ فبسماته تزيدني حباً في العلم وتزودني بجرعات من الطموح والرغبة في الانطواء تحت راية أهله، وللمشرف على هذه الرسالة الفاضل/أ.د.جميل عبد الغني محمد علي (أستاذ الأدب الحديث بكلية الآداب والعلوم الإدارية-جامعة أم القرى)، من معاني العرفان والتقدير ما يليق بعلمه وخلقه، ألبسه الله جميل الحلل وأسكنه بجوار النبي الأجل على حسن إشرافه ورعايته لهذه الدراسة وللباحثة علمياً ومعنوياً، ومن إخلاصه واجتهاده ورجاحته أتعلم كثيراً عن روعة أخلاق أهل العلم، وللأستاذين عضوي لجنة المناقشة: (أ.د.عبد الله إبراهيم الزهراني، أستاذ الأدب والنقد ووكيل كلية اللغة العربية بجامعة أم القرى، وأ.د.مصطفى ياسين السعدني أستاذ الأدب والنقد بكلية الآداب بجامعة الطائف)باقة من الشكر الجزيل لسعة صدريهما وبذلهما الجهد والوقت في سبيل قراءة البحث وتقييمه وتعديل ما قصرت عنه في مجمله وتفصيله، كما أقدم الشكر والعرفان: لعميدة الكلية المكرمة/د.أنجب غلام نبي ، ووكيلة الكلية للدراسات العليا:د/ميسون البنيان والقائمات على العمل معها، وكافة الأستاذات الفضليات الدكتورات بقسم اللغة العربية، وأخصّ منهن بالشكر الفاضلتين: د.سحر حسن أشقر، رئيسة قسم اللغة العربية حالياً؛ فإنها إن لم تكن في موقع المسؤولية وحسن العناية والدراية بأحوال من حولها، كانت نعم الأخت باهتمامها الدائم، وإرشادها الصائب، ونقاء دعواتها، وللمكرمة: د.فاطمة مستور المسعودي، فقد أمدتني بالكثير من التشجيع، وقد كانت كلتاهما مثالاً يحتذى، وقلباً وفياً لا ينتسى، ولزميلاتي الحبيبات كلمة تتماهى مع قدر حبي لهن، وما جدْن علي به - بعد الله- من نصح ودعاء على طول هذه الرحلة ومشاقها.
والحمد لله على بديع صنائعه، ومديد نعمه، حتى يرضى، وحين الرضى، وبعد الرضى، إنه أهل الثناء والمجد، وشكره أحق ما قال العبد، وصلاة زكية لجدّي الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراط الله المستقيم، وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم.
التمهيد
ويدور الحديث فيه:
حول مفهومي الصراع والحضارة
الصراع في اللغة مأخوذ من (صرع)، والتصارع هو التغالب والتجاذب بين شيئين[5].
والتحديد الدقيق للصراع يحيل على أنه "التدفق الحركي المتصاعد الذي يعمل على تجميع العناصر الدرامية المتفرقة والمتباعدة، فإذا هي تتقارب وتتشابك وبعد ذلك تصطرع، ثم تبلغ الذروة في العنف، ثم تنحدر إلى الحل"[6].
ولا يمنع هذا التحديد من القول كذلك بأن الصراع عبارة عن "مناضلة بين قوتين متعارضتين، ينمو بمقتضى تصادمهما الحدث الدرامي"[7].
وأهميته تنبع من أنه"يمثل العمود الفقري للبناء الدرامي"[8]، وبوحي من هذا منحته الدكتورة (نهاد صليحة) ميزة كبرى حينما ذهبت إلى أن "أساس الدراما هو الصراع المباشر بين قوتين منفصلتين تماماً، إحداهما خيّرة تعمل لصالح الإنسان، والأخرى شريرة تعمل ضده"[9].
وهكذا فإن للصراع أهمية بالغة في البناء الدرامي، وبدونه لا يتشكّل التفكير الدرامي، الذي يُغذي القصة أو الرواية لتؤديا دوريهما في تفسير الحياة من المنظور الفلسفي الخاص بالكاتب، والتعبير الدرامي قادر على تلخيص معظم القيم التعبيرية في الفنون اللغوية المختلفة؛ فلا ريب أن يعدّه (د. عز الدين إسماعيل) من أعلى صور التعبير الأدبـي[10].
لكن هذا التفسير الفلسفي الخاص لابد وأن يرتبط بممارسة مباشرة للحياة، تكشف عن جذور الصراع داخل الكاتب، ومصادره المأخوذة عن المجتمع بجوانبه المختلفة، كما لو أن الكاتب يستقي من عدة أنهر تصبّ جميعها في بوتقة يتغذى منها إحساسه وفكره ولغته التعبيرية والتي يصدر عنها عمله الدرامي، قصة كان أو رواية أو غيرهما.
ولعل هذا يفسر ارتباط القصة السعودية في نشأتها بالوعظ الاجتماعي؛ فالكاتب السعودي وجد في عادات المجتمع وتقاليده -التي منها البالي والضار- جذوة تُشعل فكره، وتدفعه لمواجهة ذلك الصراع بالتعبير عنه بلغة بسيطة حيناً ورامزة حيناً آخر، وقد عبّر (د. بكري شيخ أمين) عن ذلك قائلاً عن الأدب السعودي أنه: "أدب مرهق بالضغط الاجتماعي"[11].
ويتسع مفهوم الصراع باتساع دائرة المتغيرات والمستجدات والحركات السياسية والفكرية والاجتماعية والمذهبية والفنية، وتكريس ما يُعرف بصراع الحضارات، وتباين القيم، وازدواجية المعايير والمفاهيم، واختلاف العادات والتقاليد بين الشعوب وما إلى ذلك مما يُلقي بظلاله على خارطة النشاط الثقافي عامة، والإبداع الفني- والقصص منه- على وجه الخصوص، وإذْ بنا نشهد فوق ما ذكرنا مجموعة من الصراعات قد تكون خارجية حينما تجري بين الشخصيات المتعددة، وقد تكون داخلية حينما تشكّل النفس البشرية محور ارتكازها، وقد تكون فكرية حينما تتناول المطلق من المعاني، أو ما اصطلح على تسميته بـ (صراع الأفكار)[12].
أُركز القول فأقول إن الصراع يُعد عنصراً أساسياً في العمل الأدبـي عامة والقصة على نحو خاص؛ إذ هو الدافع لإنشائها، كما أنه لم يزل يشكل نواة الالتقاء والاحتكاك بين الأحياء، بين الإنسان وذاته، وبين الحضارات المختلفة، فهو العامل الأول في تفعيل تلك الحضارات وإنمائها ومن ثم نقلها.
ومن هنا أجد الصراع الحضاري عنصراً قوياً في القصة العربية عامة، بسبب تفسيره الشامل لدوافع التنازع بين حضارتنا وغيرها من الحضارات في شتى الجوانب التاريخية والسياسية والاجتماعية والعلمية، فإذا أضيفت للقصة العربية سماتها السعودية وجدنا أنفسنا أمام صراع حضاري قوي، تحمله وترفده البيئة السعودية بمعطياتها في الدين والتاريخ والسياسة والاجتماع.
وتتميز المملكة العربية السعودية بموقعها الجغرافي ومقدساتها الدينية، إضافة إلى ثرواتها المتعددة مما يجعلها محطاً للاحتكاك بين الحضارة الإسلامية العربية والحضارات الأخرى، كما أن النهضة الشاملة التي شهدتها هذه البلاد أسهمت في احتكاك كثير من أبنائها بالحضارات الأخرى خلال الدراسة أو العمل في بلدان العالم المختلفة؛ فاتسعت دائرة الصراع الحضاري وتعددت اتجاهاته وظهرت جلياً آثاره.
ولا يتسع المجال هنا للحديث عن المؤثرات الحضارية في المملكة، ودورها في توجيه الأدب والفكر وأساليب الحياة، حيث سنعمد لذلك في موضعه عند عرض ودراسة النماذج القصصية السعودية، وتكفي الإشارة إلى أن الأدب السعودي قد خضع-كغيره من الآداب العربية والغربية- لعوامل ضخمة منوّعة، ومراحل انتقالية نامية جعلته يقف على قدميه ويُنضج ثماره في نفوس كتّابه[13].
والحضارة بحدّ ذاتها تُعدّ صراعاً قوياً مستمراً في حياة الإنسان عامة، فهي تركن للتغيير الذي فُطر الإنسان على تفاديه ومقاومته؛ يبعثه على ذلك خوفه من الخروج عن نظامي حياته ومجتمعه المألوفين، فالحضارة ما هي إلا نظام اجتماعي يُعين الإنسان على زيادة إنتاجه الثقافي المكوَّن من عناصر مهمة وهي: الموارد الاقتصادية، النظم السياسية، التقاليد الخُلقية، متابعة العلوم والفنون[14].
وبهذا لم يغب عن فن القصة السعودية إلقاء الضوء على الاحتكاك بين الذات العربية الإسلامية والآخر الحضاري، المتمثِّل في التعامل مع الفكر الحديث، وماديات الحضارة الغربية، وكافة نتائجها على الفرد والمجتمع، وأدرك الأدباء السعوديون ما يقع على عاتقهم من مسؤولية للتوفيق بين معطيات الحضارة والأصول التراثية والتاريخية للبلاد، والعمل من خلال الأدب ليواكب المجتمع التقدم المتسارع من حوله[15]، وأصبح العمل القصصي مزاحماً للشعر السعودي في رصد صراعات الذات الخارجية والداخلية، مع الحذر ومحاولة تحقيق التوازن بين القديم والجديد.
ولاشك أن الكاتب السعودي قد استشعر في ظل كل ذلك أهمية العمل القصصي، فعمل على إخراجه عن حدود الإصلاح والوعظ الاجتماعي؛ ليكون فناً مكثفاً بما فيه من صراعات عميقة وأحداث قوية وشخصيات ناضجة ولغة وأسلوب متناغمين، بل جعله فناً قادراً على استيعاب الصراع الدائم والمتطور بينه وبين نفسه أو مجتمعه، حيث اتسعت اهتماماته وتغيرت ملامح الحياة الاجتماعية من حوله، واكتنفتها القفزات الحضارية في مراحل متتالية دينياً واجتماعياً وسياسياً، وارتقت في خضم ذلك الحياة النفسية والقدرات الداخلية للكاتب، وكذلك أهدافه بل طبيعة عمله القصصي؛ فلم يعد مهماً لديه النقل الحرفي للواقع وتصوير جوانبه فوتوغرافياً، كما ارتفعت همته للبحث عما يعادل احتياجاته الجديدة وواقعه المتحضر.
وهنا بدأت مشكلة الفنان السعودي، الذي راح يبحث ضمن صراع الحضارة عن أثر في نفسه يمكن أن يكون دافعاً للإبداع[16]، غير أن هذا الدافع- الذي هو نتيجة الصراع في الغالب-لم يتخذ هيئة الغضب والحقد الاجتماعي، إنما جاء طريقةً للتكيّف والارتقاء مستضيئة بطبيعة الفرد العربـي السعودي، وواقعه وقدراته ومفاهيمه الدينية؛ وكأنه بذلك اختار معركة مع الحضارة بعيدة عن التصادم والثورة؛ لتكون التفافاً حول قافلة التطور والوصول بنجاح إلى موازنة نافعة له ولمجتمعه.
وفي ضوء هذا يمكننا اعتبار الصراع الحضاري عنصراً قوياً في القصة- عنصراً يُفسر دوافع التنازع بين الإنسان والحضارات المختلفة- وفي القصة السعودية على نحو أقرب؛ حيث سمات المجتمع السعودي المتأرجحة بين الثبات التاريخي والتطور الواسع، مما أثر جلياً في كتّاب القصة الذين من شأنهم إعطاء صورة شبه وافية في أعمالهم عن حقيقة التصادم الحضاري القائم باستمرار بين ثوابت المجتمع والتأثيرات الحضارية المتعددة داخلياً وخارجياً، فنجد منهم من يقول عن وعي وتجربة: "من شروط القصة أن يتغلغل كاتبها داخل وجدان مجتمعه، أن يغوص ليُخرج المحار من الخضم المظلم، ومع ذلك فإن كاتب القصة لن يكتب قصة جديرة بالخلود ما لم يهضم الماضي الحضاري والسلوكي لبلاده ومجتمعه"[17]، وما ذلك الخضم المظلم إلا صورة للصراع الذي يعانيه الكاتب مع حاضره المتغيّر؛ مما يدفعه لمعانقة صراعه المتواتر مع الوقت، والذي يمر سريعاً بسبب مشاغله المتزايدة وهمومه المتراكمة للاندماج مع النمو الحضاري.
وإذا أخذنا في الاعتبار الاختلافات الذاتية والاجتماعية للكتّاب السعوديين، وتفهمنا حركة المدّ والجزر التي تنتابهم وسط صراعهم المستميت مع الحضارة، فسوف نجد اختلافاً بائناً في الاتجاه الغالب على نتاجهم الأدبـي من قصة ورواية، فمنهم من غلب عليه الاتجاه الديني الإسلامي، ومنهم من غلب عليه الاتجاه الاجتماعي أو النفسي، ومنهم من غلب عليه الاتجاه السياسي أو القومي وما إلى ذلك، وليس معنى هذا أن ينفرد كل عمل أدبـي بأحد هذه الاتجاهات متحرراً من بقيتها، فهي شبكة متداخلة مترافدة القوى لا تخلو من تبادل التأثير؛ لكن قد يُهيمن أحدها فيبرز كوجه أوّلي للعمل القصصي للفنان.
وتدعونا الحاجة هنا أيضاً لمعرفة الفرق بين أديب ومثيله في مدى التأثر بأنماط الصراع الحضاري من حوله، ويمكننا أن نلمس ذلك في حديث الكاتب ولغته التصويرية التي تختلف باختلاف المواقف والأحاديث والأحاسيس[18]، وتتنوع بواسطة مادته اللفظية ومخزونه الأسلوبـي وخبراته النفسية، وتلك قدرة لا تتسنى لكل فرد في المجتمع، بل تتباين من كاتب لآخر وفق ما يتمتع به من يقظة الإحساس، وعمق المعايشة للتجارب والصراعات.
والكاتب لا يقصر تجربته على مشكلات المجتمع، فمن حقه أن يستجيب للموضوعات الجمالية التي يلحظها في نفسه وفي الطبيعة وفي الأجواء الإنسانية، وهذا فرق آخر بينه وبين غيره في التأثّر بما حوله، لكننا نود هنا التأكيد على عدم إمكانية الفصل بين صراعات الكاتب الذاتية وصراعاته مع ما في مجتمعه وكونه، فنفس الأديب ما هي إلا نافذة يُطل بها على مجالات الحياة المتغيرة يستنشق منها الصراع المؤرق[19]؛ ليزفره في قالب إبداعي متناغم متصالح.
وهكذا فالكاتب القصصي السعودي هو أحد الأفراد القادرين على البوح والإفضاء إلينا بما تموج به نفسه من ألوان الصراع الحضاري بهمومه ومؤثراته الإيجابية، صادراً في ذلك عن مخزون تراثي ونفسي، استقاه عبر مراحل متعددة من بيئته ومجتمعه السعودي، بما فيهما من مقومات حضارية في ميادين السياسة والفكر والفن وغيرها، فالبيئة السعودية تتميز بمكانتها الدينية والاقتصادية والسياسية؛ مما أهلها لمجابهة التيارات الضخمة إثر الاحتكاك بين حضارتها والحضارات الأخرى.
الباب الأول :عناصر البناء الدّرامي
ويشمل الفصول التالية:
الفصل الأول: الصراع ودوره في بناء الشخصية
الفصل الثاني: الصراع واللغة
الفصل الثالث: الصراع والحدث
الفصل الرابع: الصراع والمكان
الفصل الخامس: الصراع والزمان