الإهداء
إلى "والدي الكريمين"اعترافًا وامتنانًا.
إلى الآخر الذي سكن أناي زوجي "هشام "وفاءً وإخلاصًا.
والحقيقة، أن زاوية التنظير الفلسفي للسرد حملت معها أو في ثناياها مضامين عدة ذات صلة بالفرد والفلسفات الذاتية والسيكولوجية كما أنها عادت إلى الطروحات السوسيولوجية ذات الآفاق الاقتصادية والسياسية تماما مثلما أنها حفرت في طبقات التاريخ ومستوياته الأسطورية والإيديولوجية، كل ذلك بغية تقديم نموذج تنظيري يتميز بتخطي أفق الضيق والابتذال وهي صفات طالما لحقت بالسرد باسم الصرامة العلمية تارة وباسم التحليل المنطقي أحيانا أخرى.
إن جعل السرد يلج عتبات المعرفة، تلك هي ميزة العمل الكبير الذي قدمه ريكور مُحيّنا بذلك ومن وراء جهده ضمن مجموعة مؤلفاته بدءا من ثلاثية السرد ومؤلفات أخرى مثل التي لامست موضوعات قريبة من السرد كل ذلك يوحي بقيمة ريكور الفلسفية وانفتاح رؤيته على قطاعات الفكر المختلفة، فاسحا المجال واسعا أمام تأويل متنوع للثقافة البشرية.
ذلك ما سعت الباحثة المتميزة إلى إبرازه في دراستها الماثلة أمامنا وإن بطريقة غير مباشرة مركزة على السرد كنقطة هامة في فلسفة بول ريكور، وأهميتها تنبع من كونها محورية في جل اهتمامات ريكور على صعيد التفسير والتأويل والفهم أو على مستوى التاريخ والأنثربولوجيا والأدب أو على نطاق الأخلاق والقيم والتواصل أو في مجال الفلسفة والتحليل النفسي والإيديولوجيا. لقد أمكن للسرد أن يسترجع ماهيته من الماضي إلى المستقبل وأن ينهض من تحت أنقاض الميتولوجيا والخرافة فيقتحم معابر المناهج والمعارف.
بالفعل، لقد أمكن لمشروع ريكور الفلسفي من خلال مقاربته للسرد أن يعيد للفلسفة بريقا لزاوية من زواياها التي اظلمت بعدما غشاها التطور العلمي والانهمام بنـزعة وضعية طمست ملامح نورها بحيث انبرى ريكور وزملاء آخرين له في المهنة الفلسفية إلى محاولة تلميع الزوايا التي فقدت لمعانها وقد كان بمسار البحث الفلسفي المقدم حول السرد والتنظير له.
سيذكر تاريخ الفلسفة بفخر كبير مجهود ريكور وسجلاته الحافلة بالتصورات الثرية فكريا والعميقة نظريا والشاملة إنسانيا، ولعل نظرة سريعة على مشواره الفلسفي تطلعنا على أهم انجازاته من خلال:
- دوره في التعريف بالفينومينولوجيا داخل البيئة الفرنسية صحبة مثقفين آخرين.
- دوره البارز في إعطاء الترجمة بعدها الثقافي وعدم النظر إليها كعملية تقابل لفظي والبحث عن المعنى.
- دوره الهام في التنظير للخطاب السردي وربطه بحقول شتى من المعارف الإنسانية تاريخية كانت أو شعرية، سيكولوجية أو إيديولوجية، فلسفية أو أنثربولوجية.
إذ يكفي الفيلسوف شرفا أنه ترك أثرا وبصمة فلسفية على أحد الفلاسفة البارزين في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين نقصد به جاك دريدا.
لم يعبأ للجوائز الكثيرة التي نالها عن جدارة واستحقاق لأصالته الفلسفية بقدر ما كان هدفه الرئيس محادثة الفلسفة مع علوم الإنسان والتأويلية والأدب وهو يعلم جيدا أن الطريق على ذلك هو السرد. في مسار الرجل الفكري من فلسفة الإرادة إلى كتابات ومحاضرات يختصر السرد مجمل عناوين المؤلفات والمواضيع من التاريخ والذاكرة والاعتراف إلى التأويل والنصوص الإنجيلية والترجمة مرورا بالفينومينولوجيا والتحليل النفسي، بالشر والعدل والحق والذات والإيديولوجيا واليوتوبيا، الأخلاق والآخر، فيحمل برمزيته الزمان والسرد جميع مفاهيم وتصورات ريكور وتطلعاته في الحوار والعدل الإنساني ويصبح للفيلسوف -حسب رؤية ريكور- دور هام في المدينة.
المقدمة
سارت الفلسفة في طريق التعدد، فاختلفت اتجاهاتها ومناهجها، وتعددت مفاهيمها وخصائصها، وهي في هذا وإن بدت ذات صبغة إنسانية فإنها لا تخلو من خصوصيات الفترة التي تنتمي إليها والحضارة التي تنتهي إليها، إذ أن لكل مرحلة توجهاتها في طرح المواضيع ومعالجتها؛ حيث سيطرت الطبيعة ومشكلاتها على البدايات الأولى للفلسفة، فانغمست في دراسة الطبيعة والكون دون الانتباه إلى الإنسان، ولكن هذا الأخير قد أثبت انعجانه بالطبيعة والتصاقه بها. هذا الانتماء هو الذي حدد طريق البحث الفلسفي في عصور متأخرة وجعل من حضور الإنسان ضرورة لا يمكن إغفالها، لذلك ظهر ما يسمى بالعلوم الإنسانية والاجتماعية؛ وهي العلوم التي يكون موضوعها الأم، الإنسان ككائن سيكولوجي سوسيولوجي وتاريخي.
ولأن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يحس بوجوده ويجعل لهذا الوجود قيمة؛ فإن هذا الوجود يؤسس لتاريخيته وذاكرته عبر أبعاد زمكانية تعطي للتاريخ وكتابته وسرده طابع الخصوصية في الدرس الفلسفي المعاصر، إذ يعد التاريخ من المواضيع الحيوية والهامة التي تقع في دائرة اختصاص الفلسفة باعتباره أهم اكتشاف إنساني- على حد قول جون ديوي John Dewey- إنه ذاكرة الشعوب والمجتمعات ودليل وجودها.
غير أن المقاربات الفلسفية التي تناولت التاريخ كانت لها توجهاتها هي أيضا بحسب مرجعيتها الابستمولوجية والميتودولوجية وحتى الإيديولوجية. فمن المقاربة المثالية التي فشلت في الوصول إلى فلسفة تاريخ تعبر بصدق عن حقائق التاريخ وقضاياه؛ لقيامها على تصورات مثالية تحصر اهتمامها في الوعي والنشاط الروحي كقوة أساسية محددة للعملية التاريخية، أما النشاط العلمي فلا يتم إدراكه إلا كممارسة فكرية خالصة. وبالتالي، فليس تغيير العالم هو الذي يشكل محتوى الوجود التاريخي للإنسان وإنما تغيير الوعي عن العالم، إلى المقاربة العلمية التي عملت على إقامة جسور متينة بين مناهج البحث التاريخي ومناهج العلوم الطبيعية نظرا لما حققته هذه الأخيرة من نتائج. والحقيقة أن هذا الترابط والتفاعل بين فلسفة العلم والفكر التاريخي قد بدأ في أوربا منذ القرن السابع عشر حينما اتجه بعض المؤرخين إلى تطبيق قواعد المنهج العلمي على البحث التاريخي.
ولئن كانت المناهج التجريبية قد نجحت في ميدان العلوم الطبيعية فإنها فشلت ولو نسبيا في ميدان العلوم الإنسانية وذلك لأن عالم الإنسان يختلف عن عالم الطبيعة، ولأن الظواهر التاريخية تختلف عن الظواهر الطبيعية باعتبارها حوادث ماضية لا يمكن ملاحظتها مباشرة، فضلا من كونها حوادث فريدة لا تتكرر، فالتاريخ في نظر هؤلاء لا يمكن أن يُرشح للدراسة العلمية، لأن الحتمية التي هي مبدأ أساسي في علوم المادة والتي تقضي بأن نفس العلة تؤدي إلى نفس المعلول يبدو أنها لا تنطبق على التاريخ؛ مادامت الحادثة التاريخية إذا مضت لن تعود، حتى إذا توصل المؤرخ مثلا إلى إيجاد بعض الروابط بين عوامل الحرب- مثلا- كان من التعسف أن يعتبرها قانونا ثابتا، فاستحالة التجريب يحول دون الوصول إلى القوانين. وبالتالي، إلى مرحلة التنبؤ بمستقبل الحادثة. ونظرا لهذه الخصائص، فإنه من الصعب أن تتم دراسة التاريخ بروح علمية نـزيهة ذلك لأن المؤرخ في نهاية المطاف إنسان، والمبالغة في جعل التاريخ علما من نفس طبيعة العلوم الأخرى، سيقضي عليه كعلم خاص له ظواهره الخاصة التي تبقى ظواهر إنسانية قام بها إنسان ويدرسها إنسان.
يسارع التاريخ إلى إلقاء الضوء على لغز الإنسان الذي أُشكل فهمه؛ وذلك من زاوية علاقته بماضيه وحاضره ومستقبله. إلا أن مشكلات عدة ما تزال تُطرح حول مسائله المنهجية بالخصوص. وهي المشكلة التي تشعب النقاش حولها في السنوات الأخيرة خاصة بعد فشل كل من المنهج التأملي والمنهج التجريبـي في بلوغ فلسفة تاريخ تنقل الحقائق التاريخية بأمانة.
استمر البحث عن قوالب أخرى تحتوي التاريخ وقد وجد البعض في المناهج الأدبية نموذجا متميزا لدراسة التاريخ خاصة وأن التاريخ على غرار الدراسات الأخرى- مهما كان مجالها- لابد أن يمر بدراسة اللغة باعتبارها رداء الفكر وباعتبارها أيضا العقلية التي تتلابس مع كل الظواهر الإدراكية للإنسان، فكل تجربة تاريخية هي منذ الأصل تجربة لسانية تمثل ذاكرة الإنسانية الجماعية يأتمنها الناس على تاريخهم فتستجيب حاملة سجل حضارات الأمم، لكأن فهم الأحداث التاريخية في بنيته هو مساءلة لظاهرة اللغة ووقف عليها بما هي مأوى الإنسان حسب تعبير هايدغر Heidegger بل هي شكله ومحتواه أو قل هي غايته ووسيلته. والذات في نهاية المطاف ليست إلا هذا الفعل الذي تمارسه من خلال اللغة وعلى اللغة. الأداة الأولى بامتياز للتواصل مع الآخر الذي يشبهني ويختلف عني، إنها رؤية الذات في مرآة الآخر. ولأن التجربة التاريخية كذلك فهي بالضرورة ترتبط بالآخر الذي غدا في عرف كثير من الفلاسفة المعاصرين بنية لغوية من حيث قابليتها للدرس والتحليل لذلك تصبح العملية التأريخية بنظر هؤلاء خطابا سرديا يستحضر الماضي في آنية الحاضر ليس واقعيا عن طريق التجريب بل خياليا عن طريق السرد.
في ظل هذه التصورات تحضرنا جملة من الأسئلة تفرضها علينا طبيعة العلاقة بين التاريخ والسرد أهمها: ما طبيعة التاريخ؟ هل هو علم أم سرد؟ ثم ما جدوى التداخل بين السردي والتاريخي؟ وما هي النتائج الفعلية لهذا التداخل؟ إلى أي مدى يمكننا أن نكتشف في مقاربة السرد التاريخي ثراء فكريا وفلسفيا يساعدنا على الفهم الموضوعي للتراث بعيدا عن سكونية التقليد؟
في هذا السياق بالذات يمكن للفيلسوف الفرنسي بول ريكور Paul Ricœur المرتحل فوق أرضيات معرفية كثيرة والغائص في أشكال التعبير الإنساني أن يساعدنا على تنمية النقاش حول منهج التاريخ خاصة وهو الذي انخرط في هذا الصراع عارضا ومستعرضا قواه المفهومية حول منهج التاريخ وحول كتابة التاريخ. التي تشكل إشكالية قصوى ضمن فسيفساء لا نقول الخطاب الفلسفي فحسب بل الخطاب السياسي والثقافي ككل وإن كان كل خطاب يقارب هذه المسألة بأدوات معرفية مختلفة.
وفقا لريكور تنبثق أهمية الكتابة السردية للتاريخ في إغنائها للفكر التاريخي بالعديد من الأفكار المنهجية والنقدية. فضلا، عن فتحها الطريق أمام مراجعة شاملة للتصورات التي عرضتها فلسفة التاريخ بطابعيها المثالي والعلمي.
تراجعت النـزعة المثالية والعلمية لتفسح المجال أمام طرائق ومنهجيات جديدة في البحث التاريخي؛ فتحول ما ينتجه المؤرخ من قراءات وكتابات حول أحداث مضت من مجرد خطاب علمي أو مثالي إلى خطاب سردي يُبدع الأطر الدلالية التي تُرتب أثاث البيت التاريخي. ليس معنى هذا أن السرد هو نقطة الوصول التي تتوقف عندها آلية التأريخ بقدر ما يمثل السرد نقطة البداية التي تعيد بناء الحقائق المغمورة لتغدو الكتابة السردية للتاريخ بحق آلية مواكبة للتطورات المعاصرة. وإن الوقوف على هذه التحولات الراهنة في منهجيات البحث التاريخي استوجب تخصيص هذه الدراسة والتي نأمل من خلالها أن نكون قد وفقنا في إعطاء الموضوع المطروق حقه- ولو نسبيا- من الفحص والدرس.
المدخل
من التأويلية إلى السردية:قراءة في مسيرة ريكور الفلسفية
إن الحديث عن بول ريكور[1]هو حديث عن سفر طويل في الفلسفة التأويلية، حديث عن مسيرة فكرية نيف عمرها عن الخمسين سنة من التأمل والعطاء، لكن محاولة فهم المعنى العميق لهذه المسيرة أو لهذا المشروع الذي شرع فيه ريكور وبقي يعمل على إنجازه حتى اللحظات الأخيرة من حياته هو من الصعوبة بمكان نظرا لمستوى العمق الذي بلغته أفكار هذا الفيلسوف. من هنا كانت أهمية هذا المدخل الذي سيكون عبارة عن قراءة ورصد لأهم اللحظات الفكرية التي سبقت مشروعه السردي. باختصار، سيقف هذا المدخل على فلسفته ما قبل السردية التي ساهمت بشكل أو بآخر في ميلاد المشروع السردي عند ريكور. فما هي هذه الخطوات الفكرية التي سبقت خطوة السرد؟
I- من الرمز إلى النص
إذا كانت الفلسفة تعمير أفكار ومفاهيم والتعمير لا يكون دون حجر الزاوية، فإنه يجب علينا إذا كنا نريد أن نقف على أصول فلسفة من الفلسفات ونتعرف على مداخلها ومخارجها أن ندرك حجر زاويتها قبل كل شيء، فلسفة ريكور على غرار الفلسفات الأخرى لها كلمات مفتاحية ينطلق منها ويعود إليها بعد كل جولة فكرية، يمكن أن تُختصر الفلسفة الريكورية في كلمتين:
- الكلمة الأولى: أخذ مسافة distanciation[2]بمعنى أخذ مسافة بيننا وبين ثقافتنا التي ننتمي إليها وهذا شرط ضروري لفهم أي تجربة إنسانية. ومثل هذا الفهم لا يتبدى لنا إن نحن تقوقعنا وانعزلنا داخل تراثنا، كما لا يتبدى لنا إن نحن خرجنا عن ماضينا وتمسكنا بمستقبلنا. فالتماسف هو أن نظل أمناء لماضينا متطلعين لمستقبلنا عن طريق مسافة لا تجعلنا غرباء عن ماضينا ولا عن مستقبلنا بل هي مسافة تتأرجح بين الاقتراب والابتعاد فتجعل البعيد قريبا والغريب مألوفا.
- الكلمة الثانية: détour الدورة أو اللفة وتعني أن ريكور اختار الطريق الطويل غير المباشر الموسوط بالعلامات والنصوص والرموز خلافا لهايدغر الذي أقام أنطولوجيا مباشرة للوجود البشري. وهدف الدورة هو الفهم الأفضل للذات التي يجب عليها أن تتخلى عن نرجسيتها وأن تلتفت للآخر وتنفتح عليه. ومثلما هي ضرورية للذات ضرورية أيضا للفيلسوف الذي يجب عليه أن يتواضع ويخرج من برجه العاجي وينفتح على العلوم الإنسانية.
أول دورة يجب على الفلسفة أن تقوم بها في حقل العلوم الإنسانية هي دورة اللغة وما تحويه من علامات ونصوص ورموز، بما أن البحث في اللغة بحث في صميم كيان الشخصية الإنسانية فإذا قلنا الإنسان يتميز بكونه كائنا ناطقا والنطق هنا لا يعني التفكير فقط بل التكلم واستخدام اللغة أيضا، فإن اللغة هي التي تحقق ناطقيته. ومن ثمة، فاللغة تهتم بكل وسائل التفكير الممكنة التي بواسطتها يرسم الإنسان خبراته في العالم. وإذا كانت اللغة وأساليبها التعبيرية هي التي مكنت الإنسان من اعتلاء قمة السلسلة التطورية للكائنات الحية، فإنه مافتئ يطور في هذه الوسيلة التواصلية مع نفسه ومع غيره واصفا ومفسرا هذه العلاقات التي تتراوح بين التعبير التقني العلمي والتعبير الرمزي التأويلي.
انطلاقا من شعاره[3]"Le symbole donne à penser" الذي يخضع لهاتين المقولتين- باعتبار أن الرمز symbole هو هذه المسافة التي تفصلني عن المعنى المقصود من جهة. ومن جهة أخرى، الرمز هو هذا الدورة التي ينبغي عبورها للوصول إلى المعنى المقصود بعيدا عن ثقافتي في الوقت نفسه نابع منها- ارتحل ريكور من تأويل الرمز إلى تأويل النص. فكيف تم هذا الانتقال؟ ما هي أسبابه؟ ثم ما هي تداعياته؟