eKtab
EN ع
السرد والاعتراف والهوية
Read free sample

السرد والاعتراف والهوية

by د. عبد الله إبراهيم

Page 1
المقدّمة

يقترن أدب الاعتراف بالهُويّة، سواء أكانت هُويّة فرديّة أم جماعيّة، فلا يمكن انتزاع الكاتب من الحاضنة الاجتماعيّة والثقافيّة التي يشتبك بها؛ ذلك أنّ أدبه يقوم بمهمّة تمثيلها، وبيان موقعه فيها، فلا يطرح موضوع الهُويّة في السرد، والاعتراف بها، إلاّ على خلفيّة مركّبة من الأسئلة الشخصيّة والجماعيّة، وتبادل المواقع فيما بينهما؛ فالكاتب منبثق من سياق ثقافيّ، وتجد الإشكاليّات المثارة كافّة في مجتمعه درجة من الحضور في مدوّنته السرديّة·

لكنّ أدب الاعتراف محطّ شبهة وموضوع ارتياب؛ لأنّ الجمهور لم يتمرّس في قبول الحقائق السرديّة والواقعيّة، فيرى في جرأة الكاتب على كشف المستور سلوكًا غير مقبول، وإفراطًا في فضح المجهول، فالاعتراف محاط بكثير من ضروب الحذر في مجتمعات تقليديّة تتخيّل أنّها بلا أخطاء، فتبالغ في ذكر نِعَم الله عليها، وكأنّها هبات خُصّت بها دون سواها، وتتحاشى ذكر عيوبها، وتتوهّم أنّها تطهّرت من الآثام التي واظبت على اقترافها مجتمعات أخرى، فتدفع المخاوف كثيرًا من الكتّاب إلى اختلاق تواريخ استرضائيّة لمجتمعاتهم، وابتكار صور نقيّة لذواتهم، متجنّبين كشف المناطق السرّيّة في تجاربهم، وإظهار المسكوت عليه في مجتمعاتهم، فصمتوا عمّا ينبغي عليهم قوله أو زيّفوا فيه، وربّما أنكروا وقوعه، يريدون بذلك الحفاظ على الصور الشفّافة لهم ولمجتمعاتهم·

وقد أفضى ذلك إلى ظهور أدب يهرب من كشف البطانة الذاتيّة الحميميّة، ويلوذ بالقضايا المشتركة بين الجميع، فثمّة إحجام عن التركيز على البعد الجوّانيّ للشخصيّات، حيث تقبع المادّة الأكثر أهميّة في أدب الاعتراف، وقد نهلت الآداب السرديّة العالميّة من هذه المنطقة شبه المحرّمة، وبيّنت موقع الكاتب في مجتمعه وهُويّته ورؤيته للعالم· ومع ذلك لم يزل أدب الاعتراف في الأدب العربيّ الحديث يتلقّى إمّا بوصفه جملة أسرار، أو على إنّه مدوّنة فضائح، فسوء الظنّ يتربّص بالكتّاب والقرّاء على حدّ سواء، ولا غرابة أن نجد ندرة فيه، لا يقبل البوح بالجوانب الشخصيّة، ولا بالآراء المخالفة للإجماع العامّ؛ إذ يعمّق الخوف الضمنيّ من المتلقّين رغبة في الصمت لدى الكاتب، فيتجنّب ذكر الوقائع غير المقبولة، وهذا يطمر في طياته تزييفًا للتاريخ الشخصيّ وللتاريخ العامّ، ويجعل من خداع الذات والآخرين سلوكًا مقبولاً وشائعًا، فتتوارى الوقائع المهمّة، أو يقع تخطّيها، وكلّ هذا يتعارض مع وظيفة أدب الاعتراف الذي يستبطن المناطق المخفيّة من حياة الأشخاص ، ثمّ المجتمعات بعد ذلك·

يضع أدب الاعتراف- ومثاله الأكثر وضوحًا السيرة الذاتيّة والسيرة الروائيّة والرواية التي تستفيد من التجارب الذاتيّة للمؤلّف- الكاتب أمام المسؤوليّة المباشرة لصنّاع الرأي العامّ؛ لأنّ الاعتراف بذاته يقع في المنطقة المتوتّرة بين رغبة الجمهور في براءة المشاهير، ورغبة هؤلاء في التطهّر ممّا لحق بهم من أخطاء اقترفوها عن قصد أو غير قصد خلال حياتهم· ويحول التنازع بين الصورة الخارجيّة والداخليّة للكاتب دون الاتفاق على حلٍّ مرضٍ للطرفين، فالجمهور الأدبيّ يصاب بخيبة أمل حينما يعرض الكاتب اعترافا صريحا عن حياته، وأفكاره، ومعتقداته؛ لأنّ الصورة النمطيّة للكاتب - وكثير منها من نسج الخيال- تخرّب في بعض أجزائها· وهذا تعبير عن رغبة يبديها متلقّون ينتظرون نقاء مطلقًا دون أن يفكّروا في نقائهم الخاصّ ، وفي مقابل ذلك يحرص بعض الكتّاب على عدم التنكّر للأخطاء التي انزلقوا إليها في وقت مضى، سواء أكانت شخصيّة أم أيدلوجيّة، فهم يريدون تنقية صورهم الجوّانيّة حتى لو اقتضى ذلك البوح بالأسرار الخاصّة وبالأخطاء·

وتتّصل هذه القضيّة بأخرى أكثر أهميّة، في سياق البحث في الصلة بين السرد والاعتراف والهُويّة، فالجمهور يضغط التاريخ الشخصيّ للكاتب في لحظة واحدة، وهي لحظة معرفته خلال القراءة، فيما الكاتب صيرورة من التحوّلات التي لا تنتهي، ولا يعاب على المرء الوقوع في الخطأ، إنّما يعاب عليه نكرانه له، أو عدم تخطّيه، فينبغي عدم الخوف من اقتراف الكاتب للخطأ، ولكن يحسب عليه تقبّله والتعايش معه، فالانزلاق إلى الخطأ أمر تصعب السيطرة عليه بسبب تحوّل الوعي الخاصّ بالكاتب من درجة إلى أخرى، وبين مرحلة وأخرى، وصولاً إلى ما يصطلح عليه لوكاش بـالوعي الأصيل بنفسه وعالمه، وذلك يتأخّر كثيرًا، وقد لا يأتي أبدًا· وبعبارة أخرى يتعامل الجمهور مع شخص جاهز، فيما يتعامل الكاتب مع ذاته بوصفها هُويّة متحوّلة، وحالة الاعتراف بالنسبة إليه جزء من عمليّة التحوّل، لكنّها تخدش الصورة الرمزيّة له في المخيال العامّ·

ليس من المفيد أن يأتي الاعتراف منقطعًا عن السياق الحاضن له، وإلاّ أصبح فضيحة، فالقارئ يبحث عن ذروة، ويهمّه أن يتعلّق بحادثة مثيرة، أمّا الكاتب فمشغول بسياق كامل من التحوّلات الفكريّة والجسديّة، وهو ما يشكّل صيرورة هُويّته، وحينما يعيد تركيب تاريخ حياته بالتمثيل السرديّ، فمن الطبيعيّ أن يدرج الأحداث في سياق منظور خاصّ لنفسه ولمجتمعه وللعالم الذي يعيش فيه· ومن الخطأ انتقاء لحظة عابرة وتركيز الاهتمام عليها في منأى عن السياق الحاضن لها، فذلك انتهاك مقصود يهدف إلى تخريب فكرة الاعتراف، والترويج لغاية معيّنة توافق أيدلوجيًّا القارئ الذي يقوم بذلك· ولا بدَّ من الأخذ في الحسبان كيفيّة استعادة أحداث الماضي والموقف منها، وكيفيّة إدراجها في الكتابة السرديّة·

كُتب كثير من الكتب لتكون مدوّنات اعترافات، وقليل منها تمسّك بالهدف الاعتباريّ للكتابة، وهي أنّ ما يُكتب وما يُرغب في استعادته، ينبغي أن يكشف خريطة التحوّلات الاجتماعيّة والفكريّة والشخصيّة، وبيان علاقة الكاتب بكلّ ذلك تأثّرًا وتأثيرًا، وإلاّ أصبحت الكتابة خداعًا، ثمّ أخيرًا ينبغي أن يُمنح الكاتب الفرصة والمناسبة والحقّ في تقديم اعترافه في الوقت الذي يراه مناسبًا· إنّ للاعتراف قيمة تفوق كثيرًا قيمة الصمت أو التزوير، ولا بدَّ أن يمنح المعترفون فرصتهم لقول ما يريدون قوله· وتجنّب الخداع واصطناع التواريخ المزيّفة، فإعادة التعريف بالهُويّة، كائنة ما كانت، يفوق أمر تعريفها الابتدائيّ·

يتنزّل أدب الاعتراف خارج السياق الرسميّ للأدب وللمجتمع الحاضن له، فلم تزل الثقافة العربيّة تتبرّم منه، وما زالت هذه الفكرة عصيّة على الفهم العامّ، وفي كثير من الأحيان يوصم المعترف بأنّه الشخص الذي غدر بمجتمعه، وتنكّب له بأن فضّل اختيارًا فرديًّا تاركًا الجماعة في وضع خامل خارج منطقة اهتمامه، أو إنّه فضح البطانة الخفيّة المسكوت عنها، فلا يقع استيعاب كامل لاعترافاته·
Page 2
الفصل الأول

السيرة، والمنفى، والأوطان المتخيّلة

1· أوطان متخيّلة

تحدّث ميلان كونديرا في رواية الجهل عن (Nostalgia) بوصفه منفيًّا، فمن باريس كتب عن براغ، وهو يستعيد عالمًا تراجع بقوّة إلى الوراء فاستحال ذكرى· وأشار كونديرا، وهو يتتبّع المسارات الدلاليّة لـ(Nostalgia) إلى أنّ الجذور الأولى للكلمة يونانيّة، وهي مزيج نُحتَ من (Nostos) و(Algos) أي الرجوع المقترن بالشقاء، فالطرف الأوّل يحيل على العودة والانكفاء، فيما الطرف الثاني يحيل على الحنين والشغف والاشتياق والشوق المعذِّب الذي لا يحتمله المرء، بسبب العجز عن تحقيق الرغبة في الرجوع إلى المكان الأوّل·

ثمّ اتّخذ اللفظ في اللاتينيّة معنى النأي الذي يحول دون المعرفة، فيتسبّب في جهل مطبق بما يحدث في ذلك المكان، وما يتبع ذلك من إحساس عميق بالألم، أمّا في الإنجليزيّة فاستقرّت الدلالة على معنى الابتعاد عن الوطن، والحنين المشوب بالوجع في العودة إليه، فتكون الدلالة الأخيرة قد اقترضت كثيرًا من المعاني الإغريقيّة-اللاتينيّة للكلمة·

على أنّ المعنى اتّسع وتشبّع بدلالات حافة، فالمصطلح يتردّد في إيحاءاته بين حنين جارف للمكان الأوّل، وتوق إليه وجهل به وتخوّف من العودة إليه وتردّد، بل عجز عن عدم القدرة على اتخاذ أيّ قرار بشأن ذلك، فالبقاء بعيدًا عن الوطن يخلّف عذابًا متواصلاً وقلقًا مستمرًّا، والاقتراب إليه غير ممكن، فالمنفيّ منزلق في سفوح منحدرة لا سبيل له إلى الثبات ولا الوصول إلى نهاية محدّدة· وحينما تُحزم معًا كلّ هذه الإيحاءات القابعة تحت لفظ (Nostalgia) ينبثق المفهوم الشامل لفكرة الحنين، التي تشكّل اللبّ الحقيقيّ لأدب المنفى·

إثر إحدى محاضراتها سُئلت الروائيّة التشيليّة إيزابيل ألليندي عن معنى Nostalgia في رواياتها، فبُهتت، ثمّ صمتت مرتبكة ومتفاجئة، لكنّها استجمعت معلوماتها المعجميّة عن المصطلح بعجالة، فتداركت الموقف قائلة: هو ألمُ أن يرى المرءُ نفسَه غائبًا عن وطنه، هو الحزن الذي تثيره سعادةٌ مفقودة ثمّ عقّبت تشرح حالها المضطربة حينما طُرح عليها السؤال، وهي تفكّر بالجواب: قطع السؤالُ الهواءَ عنّي؛ لأنّني حتى تلك اللحظة لم أنتبه إلى أنّني أكتب كتمرين متواصل عن الاشتياق، طَوال حياتي كنت غريبة تقريبًا، وهو الوضع الذي أقبله؛ لأنّه لا خِيار آخر أمامي· وجدتُ نفسي مرّات عديدة مجبرة على المغادرة مُحطِّمة الأغلال، مخلّفة كلّ شيء ورائي، كي أبدأ من جديد في مكان آخر؛ فلقد جبتُ متغرِّبة طرقًا أكثر ممّا أستطيع تذكّره، ومن كثرة ما ودّعتُ جفّت جذوري، واضطُررتُ إلى أن أستنبتَ أخرى، استوطنَت الذاكرةَ لعدم وجود مكان جغرافيّ تستوطنه(1)·

وما دام الحديث ينصرف برمّته إلى أمكنة مفقودة فرضتها حالة النفي، فهل يمكن الحديث عن أوطان متخيّلة بالنسبة للمنفيّين، تكون بديلاً للأوطان الحقيقيّة؟ أجابت ألليندي نفسها عن ذلك في سيرتها الذاتيّة بلدي المخترع، وهي تصف شعورها بالاقتلاع إبّانَ مغادرة بلادها إلى فنزويلا عام 1975بعد نحو سنتين من الانقلاب العسكريّ الذي قاده الجنرال بينوشيت، ضدَّ الرئيس سلفادور ألليندي في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 1973: منذ اللحظة التي عبرتُ فيها جبال الأند، ذات صباح شتويّ ماطر، بدأتُ دون وعي عمليّة اختراع بلد، عدتُ لأحلّق فوق الجبال مرّات كثيرة، ودائمًا أتأثّر؛ لأنّ ذكرى ذلك الصباح تهاجمني كما كانت حين رأيت مشهد الجبال الشامخ، فالعزلة المطلقة لتلك القمم البيضاء، لتلك الهوّات السحيقة، لتلك السماء العميقة الزرقاء، ترمز إلى وداعي لتشيلي· لم أتصوّر قطّ أنّني سأغيب كلّ هذا الزمن··سيطر عليّ الحنين منذ تلك الليلة الأولى، ولم يفلتني لسنوات طويلة إلى أن سقطت الدكتاتوريّة وعدتُ لأطأ أرض بلدي، خلال ذلك بقيتُ أعيش ناظرة إلى الجنوب، متعلّقة بالأخبار، منتظرة لحظة العودة بينما أختار ذكرياتي، أغيّر بعض الأحداث، أبالغ أو أتجاهل أخرى، أشذّب عواطفي؛ وهكذا رحتُ أشيّد شيئًا فشيئًا هذا البلد المخترع، الذي زُرعت فيه جذوري(2)·

أثارت إيزابيل ألليندي قضيّة الانتماء ومشكلة الهُويّة وتخيّل الأوطان، وهي أمور مهمّة بالنسبة للمهجريّن والنازحين والمترحّلين، وكلّ الذين غادروا بلادهم قسرًا أو اختيارًا، جماعات كانوا أم أفرادًا، أو أبعدوا عنها بسبب التجربة الاستعماريّة أو الاستبداد السياسيّ أو الدينيّ، أو بسبب ظروف تأسيس الدول في العصر الحديث، أو بسط الأيدلوجيّات المتشدّدة التي وضعت تمايزًا بين الجماعات على أسس عرقيّة أو دينيّة أو مذهبيّة أو قبليّة، أو أيّ تمييز آخر قائم على أساس المعتقد أو اللون أو العرق، فأدّى إلى النزوح عن المكان الأوّل، والانتقال إلى مكان غريب لم تعهده الجماعة أو يعرفه الفرد، وما يترتّب على ذلك من صعاب الاندماج في الحال الجديدة التي أصبحوا عليها، لكونهم لم ينسوا أعراف الجماعة القديمة التي تحدّروا منها، ولم يهضموا تقاليد الجماعة الجديدة التي رحلوا إليها· ومن بين هؤلاء المنفيّين لأسباب خاصّة بأوضاعهم الثقافيّة أو السياسيّة·

لا يستطيع المنفيّ الانخراط الكامل في المجتمع الجديد، ولا يتمكّن من قطع الصلة بالمجتمع القديم الذي ولد فيه، فيتوهّم صلة مضطربة وانتماءً مهجّنًا، ويختلق بلادًا لاحقته أطيافها في المنفى، فما إن يرتحل المرء أو يُرحَّل عن مكانه الأوّل حتى تتساقط كثافة الحياة اليوميّة وتنحسر وتتلاشى، وتحلّ محلّها ذكرياتٌ شفّافة تدفع به إلى نسيان الوقائع المريرة، وبمضيّ السنوات يبدأ المنفيّ في تخيّل بلاد على سبيل الاستعادة والتعويض، وهي أمكنة تتخلّق في ذاكرته كتجربة شفّافة وأثيريّة، يغذّيها شوق إلى أماكن حقيقيّة تلاشت إلاّ كومضات بعيدة في عتمة حالكة· ذلك هو الحنين بدلالته الفكريّة والعاطفيّة· حينما كتبت ألليندي سيرتها، تحدّثت عن طفولتها في تشيلي المتخيّلة، وليس عن حياتها في أمريكا حيث تعيش· ولكن كيف يقوم الحنين بمهمّة تخيّل الأوطان؟

وفي مقال له بعنوان أوطان متخيّلة عرضَ الروائيّ الهنديّ سلمان رشدي وصفًا لخلفيّات روايته أطفال منتصف الليل، ثمّ ربط النصّ بذكريات طفولته في بومباي، حيث استعاد نبذًا من أحداث متناثرة، ليجعل منها حقائق سرديّة كوّنت متن الرواية· لم يؤرّخ رشدي لانفصال شبه القارة الهنديّة إلى دولتين هما الباكستان والهند، إنّما ركّب حدثًا متخيّلاً من شتات الوقائع، فاستعاد ذكرى مزعجة لانشطار أمّة كبيرة إلى أمّتين متنازعتين بناء على تفسيرات ضيّقة للمعتقدات الدينيّة·

وقد علّق تيتز رووكي على ذلك بقوله: ربّما كان صحيحًا اعتبار الماضي وطنًا هاجرنا كلُّنا منه، وأن يكون فقدانه أو ضياعه جزءًا من إنسانيّتنا المشتركة كما يتصوّر رشدي، بيد أن الكتّاب الذين يعيشون مثله في المنفَى قد يمرّون بتجربة الفقد هذه أكثر من سواهم، لكن حتى أولئك الكتّاب الذين يؤرّقهم الشعور بالفقد والدافع إلى استعادة ما ضاع، إذا قرّروا أن ينظروا وراءهم، فلن يكونوا قادرين على استعادة الشيء الذي فقدوه بالتحديد، لكنّهم سوف يصنعون خيالاً بديلاً، ليس مدنًا وقرى حقيقيّة، وإنّما مدنًا وقرى غير مرئية، وأوطانًا متخيّلة، كما صنع رشدي هندًا متخيّلة في روايته(3)·
Page 3
2· المنفى والعودة المستحيلة

تشكّل قضيّة تخيّل الأوطان والأمكنة الأولى، ومنها المدن وما يتّصل بذلك من حنين وشقاء، البؤرة المركزيّة لأدب المنفى، فثمّة تزاحم بين الأوطان والمنافي في التخيّلات السرديّة التي يكتبها المنفيّون· ولكن مَنْ هو المنفيّ الذي ينتدب نفسه لهذه المهمّة، أو يُجبر عليها فيخوض غمارها؟

يُعرف المنفيّ بأنّه الإنسان المنشطر بين حال من الحنين الهوسيّ إلى المكان الأوّل، وعدم القدرة على اتخاذ القرار بالعودة إليه، وينتج هذا الوضع إحساسًا مفرطًا بالشقاء لا يدركه إلاّ المنفيّون الذين فارقوا أوطانهم، ومكثوا طويلاً مبعدين عنه، فاقتُلعوا عن جذورهم الأصليّة، وأخفقوا في مدّ جذورهم في الأمكنة البديلة، فخيّم عليهم وجوم الاغتراب والشعور المريع بالحسّ التراجيديّ لمصائرهم الشخصيّة؛ إذ عَطِبَتْ أعماقُهم جرّاء ذلك التمزّق والتصدّع، وقد دفع الحنين إلى المكان الأوّل رغبة عارمة لاستدعاء الذكريات الممزوجة بالتخيّلات، فالمنفيّ وقد افتقد بوصلته الموجِّهة، يستعيد مكانًا على سبيل الافتراض ليجعل منه مركزًا لذاته، ومحورًا لوجوده، فيلوذ بالوهم بحثًا عن توازن مفقود· فهو يُحكم سيطرته على المكان المفقود عبر سيل من الذكريات المتدافعة في سعي للعثور على معنى لحياته، فيغيب المنفى مكانًا يعيش فيه الآن، ويحضر الوطن زمانًا كان فيه من قبل· وفي اللغة العربيّة تحيل مشتقات الفعل نفىعلى دلالة واحدة مترابطة الأطراف، هي: الإبعاد والتنحية والطرد والإخراج والتغريب والذهاب والانتفاء والانعدام· وجميعها تؤكّد حال الانبتات والانقطاع والاجتثاث وعدم المُكنة على التواصل والعجز عنه·

يُكرّس المنفَى شعورًا من عدم الانتماء، فالمنفَى ليس مكانًا غريبًا فحسب، إنّما هو مكان يتعذّر فيه ممارسة الانتماء؛ لأنّه طارئ ومُخرَّب، ومُفتَقر إلى العمق الحميم، بل إنّه يضمر قوّة طاردة في العلاقات القائمة فيه بالنسبة للمنفيّ، ويخيّم عليه برود الأسى وضحالة المشاركة· ولطالما وقع تعارض، بل انفصام بين المنفيّ والمكان الذي رُحّل/ارتحل إليه، وندر أن تكلّلتْ محاولات المنفيّين بالنجاح في إعادة تشكيل ذواتهم حسب مقتضيات المنفَى وشروطه·

ولطالما اتّقد المنفيون حماسة أول عهدهم بالمنافي، إنما لم يعوا أنهم رموا في منطقة مبهمة لا تخوم لها، فمن اختار المنفى فقد راودته الآمال العراض لإجراء تحويل جذري في نمط حياته، واختياراته، ومن دُفع إليه قسرا وجده ضربا من الانتقام الفظيع الذي لا سبيل إلى الاقتصاص منه، لكن المعرفة بالمنفى سرعان ما تراكمت خلال القرن العشرين، وارتسمت معالمها الثقافية، فراودت بعض المنفيين أحلام وردية بعالم جديد ينبثق من أحشاء عالم عتيق لا يقبل الاختلاف، ولا يعترف بالمغايرة، ولا يوفّر أسباب الشراكة في الحقوق، لكن ولادته تعسّرت، ثم تأخّرت، وحينما ظهرا أخيرا جاء هشّا لا طاقة له بقبول الغرباء، وحمايتهم، ناهيك عن الدفاع عنهم، فكان من المنفيين من قبل التواطؤ فوجد فيه خلاصا مؤقّتا لمحو التجارب المريرة التي ذاقها في وطنه، وفيهم من وقع أسير الإغراءات المذهلة للعزلة، ومنهم من أراد الاكتفاء بتحسين أحواله، أو خوض مغامرة، أو ملامسة عالم آخر، لكن مجمل هذه الدوافع المتداخلة ما لبثت أن غدت جزءا من الإستراتيجية التي يمارسها المنفى ضدّ من ينتسب إليه، وهي الانغلاق على من يكون فيه، ووضعه تحت طائلة انتظار دائم، فانتهى الأمر بالمنفيين إلى غير ما صبوا إليه، فقد أصبح المنفى اختيارا غامضا يختلف عمّا كان يُتوقّع منه، لمن أراده أو أُجبر عليه، فتمخّض عن كل ذلك شعور مرّكب من الآمال والإخفاقات، ومن الإقدام والتردّد، ومن الاندماج والعزلة، ومن الاطمئنان والخوف، ومن النبذ والاشتياق، فكان أن تلاشت الفكرة البرّاقة التي اجتذبت المنفيين للعيش في عالم آمن يخلو من مخاوف الأوطان؛ إذ نشأت غيرها في المكان الجديد، وسواء تعايش المرء مع هذه أو تلك، فإن إحساسه المريع بفقدان مكانه أورثه شكّا بأنه خارج الدائرة الحميمة للانتماء البشري·

ومن الحقّ أن توصف حال المنفيّ بأنّها شقاء أخلاقيّ دائم، فالمنفيّ هو منْ اقتُلع من المكان الذي ولد فيه لسبب ما، وأخفق في مدّ جسور الاندماج مع المكان الذي أصبح فيه، فحياته متوتّرة ومصيره ملتبس، وهو يتآكل باستمرار، ولا يلبث أن ينطفئ بالمعنى المباشر، ليتوهّج مرّة أخرى بالمعنى الرمزيّ· فالمنفيّ ينطوي على ذات ممزّقة، لا سبيل إلى إعادة تشكيلها في كينونة منسجمة مع نفسها أو مع العالم· ومن المتوقّع أن يقدّم أدب المنفى تمثيلاً سرديًّا عميقًا لهذه الحالات المتضاربة من الرؤى والمصائر والتجارب التي يخوضها المنفيّ، وبخاصّة حينما يلجأ إلى الكتابة السرديّة التي تتعرّض لارتحالاته بين الأمكنة والأزمنة والثقافات واللغات والتقاليد والمجتمعات، والبحث عن موقع له بينها، وكشف موقفه منها، ثمّ الكيفيّة التي يعيد فيها بناء مسار حياته ضمن رؤيته بوصفه منفيًّا يقف على حافة كلّ الحالات، ولا ينخرط فيها·

وقد آن الأوان لتنشيط جدل ثقافي ينتهي بإحلال عبارة كتابة المنْفَى محل عبارة كتابة المهجر لأن الثانية تخلو من المحمول الذي جرى وصفه من قبل، فيما الأولى مشبعة به، فهو يترشّح منها حيثما درست مستوياته الدلالية، ووقع تأويله، وعليه فـأدب المنْفَى يختلف عن أدب المهجر اختلافا واضحا، كون الأخير حبس نفسه في الدلالة الجغرافية، فيما انفتح الأول على سائر القضايا المتصلة بموقع المنفِيّ في العالم الذي أصبح فيه دون أن تغيب عنه قضايا العالم الذي غادره·

عرض تودوروف في سياق بحثه عن الصلة بين الأنا والآخر لشخصيّة المنفيّ، وحاول أن يحدّد ملامحها بالصورة الآتية: تشبه هذه الشخصيّة (المنفيّ) في بعض جوانبها المُهاجر، وفي بعضها الآخر المُغرَّب· يقيم المنفيّ مثل الأوّل في بلد ليس بلده، لكنّه مثل الثاني يتجنّب التمثّل، غير أنّه وخلافًا للمُغرَّب، لا يبحث عن تجديد تجربته وزيادة حدّة الغربة، وخلافًا للخبير، لا يهتمّ خصوصًا بالشعب الذي يعيش بين أفراده

وبعد هذا التحديد الذي تقصّد تودوروف فيه أن يبيّن فيه أوضاعًا متزحزحة للشخصيّات التي من خلالها يمكن أن تنبثق شخصيّة المنفيّ، مضى قائلاً بأنّ المنفيّ هو الشخص الذي يفسّر حياته في الغربة على أنّها تجربة اللاانتماء لوسطه، والتي يحبّها لهذا السبب نفسه· المنفيّ يهتمّ بحياته الخاصّة، بل وبشعبه الخاصّ، ولكنّه أدرك أنّ الإقامة في الخارج هناك حيث لا ننتمي أفضل لتشجيع هذا الاهتمام· إنّه غريب، ليس مؤقّتًا بل نهائيّا· يدفع هذا الشعور نفسه، وإن يكن على نحو أقلّ تطوّرا، بالبعض إلى الإقامة في المدن الكبيرة حيث يحول الإغفال دون أيّ اندماج كامل في الجماعة ويضيف يكمن الخطر في وضع المنفيّ··في إنّه يتخلّى دفعة واحدة عن العلاقات القويّة التي تربطه بهؤلاء الآخرين الذي يعيش بينهم ثمّ يختم قد يشكّل المنفَى تجربة سعيدة، لكنّه بالتأكيد ليس اكتشافًا للآخرين(4)·

وشغل هذا الموضوع إدوارد سعيد فتطرّق إلى بواعث النفي وآثاره، النفي لا يقتصر معناه على قضاء سنوات يضرب فيها المرء في الشعاب هائمًا على وجهه، بعيدًا عن أسرته وعن الديار التي ألفها، بل يعني إلى حدٍّ ما أن يصبح منبوذًا إلى الأبد، محرومًا على الدوام من الإحساس بأنّه في وطنه، فهو يعيش في بيئة غريبة، لا يعزّيه شيء عن فقدان الماضي، ولا يقلّ ما يشعر به من مرارة إزاء الحاضر والمستقبل
Page 4
ثمّ يستطرد موضّحًا يشيع افتراض غريب وعارٍ عن الصحّة تماما، بأنّ المنفيّ قد انقطعت صلته كلّيّة بموطنه الأصليّ، فهو معزول عنه، منفصل منبتّ الروابط إلى الأبد به· ألا ليتَ أنّ هذا الانفصال الجراحيّ الكامل كان صحيحًا، إذن لاستطعتَ عندها على الأقلّ أن تجد السلوى في التيقّن من أنّ ما خلّفته وراء ظهرك عاد لا يشغل بالك، وأنّه من المحال عليك أن تستعيده أبدًا· ولكنّ الواقع يقول بغير ذلك؛ إذ لا تقتصر الصعوبة التي يواجهها المنفيّ على كونه قد أُرغم على العيش خارج وطنه، بل إنّها تعني - نظرًا لما أصبح العالم عليه الآن- أن يعيش مع كلّ ما يُذكّره بأنّه منفيّ، إلى جانب الإحساس بأنّ الوطن ليس بالغ البعد عنه، كما أنّ المسيرة الطبيعيّة أو المعتادة للحياة اليوميّة المعاصرة تعني أن يظلّ على صلة دائمة موعودة ولا تتحقّق أبدًا بموطنه· وهكذا فإنّ المنفيّ يقع في منطقة وسطى، فلا هو يمثّل تواؤمًا كاملاً مع المكان الجديد، ولا هو تحررّ تمامًا من القديم، فهو محاط بأنصاف مُشاركة وأنصاف انفصال، ويمثّل على مستوى معيّن ذلك الحنين إلى الوطن وما يرتبط به من مشاعر، وعلى مستوى آخر قدرة المنفيّ الفائقة على محاكاة من يعيش معهم الآن، أو إحساسه الدفين بأنّه منبوذ، ومن ثمّ يصبح واجبه الرئيسيّ إحكام مهارات البقاء والتعايش هنا، مع الحرص الدائم على تجنّب خطر الإحساس بأنّه حقق درجة أكبر ممّا ينبغي من الراحة والأمان(5)·

توقّف إدوارد سعيد كثيرًا على هذا الموضوع في سعي لا يخفى من أجل تعميق الإحساس بفكرة المنفى، يُجبِر المنفَى المرء على التفكير فيه، ويا لها من تجربة فظيعة· إنّه الشرخ المفروض الذي لا التئام له بين كائن بشريّ ومكانه الأصليّ، بين الذات وموطنها الحقيقيّ: فلا يمكن أبدًا التغلّب على ما يولّده من شجن أساسيّ··· فمآثر المنفَى لا يني يقوّضها فقدان شيء ما خلّفه المرء وراءه إلى الأبد(6)·

أفرزت هذه الحال مدوّنة ضخمة من الكتابة الشعريّة والسرديّة تعرف بـأدب المنفَى وهي سجلّ متنوّع أسهم فيه عدد كبير من الكتّاب المنفيّين الذي استلهموا تجاربهم، وجعلوا منها خلفيّات لعوالم افتراضيّة أفضوا بحنينهم إليها، ورغبوا في أن تكون المكافئ المتخيّل لإحساسهم بالفقدان والغياب· وقد أجمل فخري صالح ما تفرّق عن المنفى وأدبه في دراسته مفهوم أدب المنفَى، فبيّن دلالة المنفى وموقع المنفيّين في الجغرافيا الثقافيّة المتزحزحة بين المراكز والأطراف، فمفهوم المنفى ذو طبيعة معقّدة؛ لأنّه مفروض ومرغوب فيه، يجري السعي إليه وتفضيل الإقامة فيه، وكذلك ذمّه بوصفه حالة من الإبعاد والاغتراب اللذين يُدفع المرء إليهما، أو يُجبر على عناقهما·

ثمّ انتقل إلى تقصّي طبيعة الأدب الذي يفرزه المنفَى، مؤكّدًا أنّه من الصعب أن نرسم شبكة لمعنى المنفَى وأدب المنفَى، ضمن هذه الظروف المعقّدة من عمليّات النزوح والشتات والاغتراب والاقتلاع والتشريد والنفي والرحيل الطوعيّ أو الهجرة بحثًا عن الحرّيّة، أو الرغبة في تحسين الأوضاع المعيشيّة؛ فبينما كان الارتحال فرديًّا في العصور السابقة، أو إنّه يتضمّن جماعات صغيرة، صار هناك مجتمعات شتات كاملة تبتعد طوعًا أو كرهًا عن أوطانها الأصليّة· وبعض مجتمعات الشتات هذه أجبرت لا على ترك أوطانها فقط، بل على التخلّي عن لغتها الأمّ، وثقافاتها الأصليّة لتصبح جزءًا مُزاحًا من المجتمعات والثقافات الجديدة، مثل الأفارقة الذين يعيشون في فرنسا، والهنود والباكستانيّين الذين يعيشون في بريطانيّا·

وهؤلاء ينتجون آدابًا مهجّنة، لكنّهم يتّخذون من الفرنسيّة والإنجليزيّة لغة يعبّرون بها عن أنفسهم، بكلّ ما يتضمّنه ذلك من مصاعب في التعبير عن الذات وانشقاقات في الهُويّة· وعلى هذه الخلفيّة المركّبة من أوضاع الجماعات النازحة والأفراد المقتلعين، يرى فرانز فانون أنّ المنفَى انسحاب نرجسيّ من العالم إلى شرنقة الذات وبهذا المعنى يستخدم فانون المنفى استخدامًا مجازيًّا في تحليله لعبء الاستعمار وضغطه على الذات المستعمَرة، حيث يتلوّن تعريفه ليدخل في تعريف الهُويّة المنشقّة والذات المشروخة، لأسباب تتّصل بالتجربة الاستعماريّة للشعوب المستعمَرة في القرون الثلاثة الأخيرة·

إنّ المنفى عرض نفسيّ من وجهة نظر فانون، وهُويّة مكتسبة تقيم على حدود الثقافات، وتعلّم الذات والآخر كيفيّة النظر إلى تداخل الثقافات وتجارب البشر، من وجهة نظر إدوارد سعيد، وهو الشيء نفسه الذي فعله هومي بابا حين شدّد على أهميّة المجاز في تجربة المنفى؛ حيث يرى أنّ عددًا كبيرًا من الشعوب الحديثة بدأ رحلته في تكوين القوميّات خلال القرن التاسع عشر، وهو القرن نفسه الذي بلغ فيه الاستعمار الأوروبيّ ذروته· لقد سعى الغرب إلى الامتداد نحو الشرق، كما نشطت حركة الهجرة باتجاه الغرب، ممّا ملأ الفراغ الذي تركه غياب الأوطان بلغة المجاز· وإلى كلّ ذلك يميّز جان محمّد بين المهاجر والمنفيّ، ففي الوقت الذي يقوم فيه كلّ من المنفيّ والمهاجر بعبور الحدود بين مجموعة قوميّة أو اجتماعيّة وأخرى، فإنّ موقف المنفيّ من الثقافة المُضيِّفة سلبيّ، فيما يتّخذ المهاجر من تلك الثقافة موقفًا إيجابيًّا·

تشدّد فكرة المنفَى دومًا على غياب الوطن وعلى النسيج الثقافيّ الذي شكّل الذات الفرديّة؛ ومن ثَمّ فإنّها تتضمّن تمزّقًا لا إراديّا أو مفروضًا، للعلاقة بين الذات الجمعيّة للثقافة الأصليّة والذات الفرديّة· إنّ النوستالجيا الخاصّة بالمنفى تدفع الفرد في العادة لكي يكون غير مبالٍ بالقيم والخصائص المتعلقة بالثقافة المُضيِّفة؛ إنّ المنفيّ يختار إذا كان بمقدوره أن يختار، أن يعيش في سياق غير مرحّب، سياق يشبه الوطن

وخضع مفهوم أدب المنفَى خلال الربع الأخير من القرن العشرين لتحوّلات وتعديلات عديدة، حيث غادر معناه اللغويّ، الذي جعل منه دالاًّ على أدب الغربة والهجرة والاقتلاع والنفي والتشرد، فأصبح تجربة مجازيّة تدلّ على النظر بعيون جديدة إلى العالم وتجارب البشر وتفاعل الثقافات ومفهوم الحرّيّة والرؤية غير المتحيّزة والابتعاد عن مفهوم الهُويّة المغلقة، وطرح مفاهيم مثل الأصل والقوميّة والآداب الوطنيّة على بساط البحث مجدّدًا·

ودخل المفهوم من خلال عدد من المنظّرين ونقاد الأدب بوّابة النظريّة الأدبيّة، ليصبح من بين المفاهيم الأساسيّة التي تشكّل ما يسمى آداب ما بعد الاستعمار، بوصف تجربة المنفى عنصرًا مشكّلاً للهُويّة الخاصّة بكلّ من المستعمِر والمستعمَر؛ فالرحلة باتجاهات متعاكسة جزء لا يتجزّأ من تجربة الغزو الاستعماريّ الحديثة· وهو ما جعل مفهوم أدب المنفى يُبحث في كلا الاتّجاهين: شرقًا وغربًا، جنوبًا وشمالاً· وبهذا المعنى يمكن القول إنّ محاولة فهم الآداب الحديثة تستلزم إلمامًا بتحوّلات المفهوم، ومغادرته دائرة الفهم القاموسيّ الضيّق إلى أفق النظريّة الأدبيّة(7)·

أدب المنفَى إذن ظاهرة ثقافيّة يتنامى حضورها في آداب الأمم التي خضعت للتجربة الاستعماريّة، وتشكّل الكتابة السرديّة لبّها الجوهريّ، وهي تطفح برغبات هوسيّة من الاشتياق والحنين والقلق، ومسكونة بفكرة إعادة كشف موقع الفرد في وطنه وفي منفاه على حدٍّ سواء· والحال هذه، يكرّس المنفَى عجزًا عن الانتماء إلى أيّ من العالميّن المذكورين، وتعذّرُ الانتماء يقود إلى نوع من الترفّع الفكريّ والرهبنة الروحيّة والعقليّة، وذلك قد يفضي إلى العدميّة أحيانًا، حيث تتلاشى أهميّة الأشياء، فتنهار صورة العالم في أعماق المنفيّ، ولكن قد يظهر العكس، فالمنفيّون الكبار عبر التاريخ، هم الذين أوقدوا شرارة الأمل في نفوس شعوبهم، وألهموها فكرة الحرّيّة، وقادوها إلى شواطئ الأمان، فالمنفيّ ما إن يتخطّى الذاتيّة المغلقة حتى يصبح كائنًا عالميّا يتطلّع إلى تغييرات شاملة··والمنفيّون ينظرون إلى غير المنفيّين نظرة استياء وسخط· فهم ينتمون إلى محيطهم، أمّا المنفيّ فغريب على الدوام· يقضي معظم حياته في التعويض عن خسارة مربكة بخلق عالم جديد يبسط سلطانه عليه(8)·
Page 5
خلع إدوارد سعيد على المنفيّ الميزة المتفرّدة، بقوله: يعلم المنفيّ أنّ الأوطان في العالم الدنيويّ عارضة ومؤقّتة· بل إنّ الحدود والحواجز يمكن أن تغدو سجونًا ومعازل، وغالبًا ما يُدافع عنها، وتُحمى بلا مبرِّر أو ضرورة· أمّا المنفيّون فيعبرون الحدود، ويحطّمون حواجز الفكر والتجربة(9)· وكلّ ذلك له صلة بفكرة الانتماء التي تتلاشى عند المنفيّين بمعناها المباشر، فتصبح الهُويّة رماديّة، تطوي في داخلها هُويّات متمازجة كثيرة، وربّما متناقضة·

ويتميّز أدب المنفى بأنّه مزيج من الاغتراب والنفور المركّب؛ لكونه نتاجًا لوهم الانتماء المزدوج إلى هُويّتين أو أكثر، ثم في الوقت نفسه عدم الانتماء لأيّ من ذلك، بل إنّه أدب يستند في رؤيته الكلّيّة، إلى فكرة تخريب الهُويّة الواحدة والمطلقة، وبصفته تلك فهو أدب عابر للحدود الثقافيّة والجغرافيّة والتاريخيّة، ويخفي في طيّاته إشكاليّة خلافيّة؛ لأنّه يتشكّل عبر رؤية نافذة ومنظور حادّ يتعالى على التسطيح، ويتضمّن قسوة عالية من التشريح المباشر لأوضاع المنفيّ، ولكلِّ من الجماعة التي اقتُلع منها والجماعة الحاضنة له، لكنّه أدب ينأى بنفسه عن الكراهية والتعصّب، وهو يتخطّى الموضوعات الجاهزة والنمطيّة، ويعرض شخصيّات منهمكة في قطيعة مع الجماعة التقليديّة، وفي الوقت نفسه ينبض برؤية ذات ارتدادات متواصلة نحو مناطق مجهولة داخل النفس الإنسانيّة·

3· السيرة والمنفى: تفاعلات متبادلة

تقع السير الذاتيّة للمنفيّين في قلب المدوّنة السرديّة لأدب المنفى، ومعلوم أنّ أدب السيرة يظهر في إطار التعبير الشخصيّ الذي يفرضه الوعي الذاتيّ، وهو يبحث عن معنى لتطوّره عبر الزمن، ولهذا يقول جورج ماي بأن أقوى البواعث الباطنيّة على كتابة السيرة الذاتيّة، حاجة المرء إلى العثور على معنى لحياته المنقضية أو على إعطائها شكلاً مخصوصًا(10)· وفكرة البحث عن معنى مخصوص لتجربة الحياة، بعد أن توارت متمزّقة بين الأوطان والمنافي، تستأثر باهتمام المنفيّين أكثر من سواهم؛ لأنّ تجاربهم تتنزّل في منطقة البحث عن معنى معيّن فرضه المنفى؛ فتأثير المنفَى وإعادة صوغه للشخصيّة، يترك بصمة لا تُمحى في تحديد معالم تلك التجربة، وفي طريقة النظر إليها، وفي استخلاص التجربة الكبرى منها، وفي كيفيّة كتابتها·

في سيرته الذاتيّة خارج المكان عرّج إدوارد سعيد على ذكر كثير من ذلك، وأوّل ما يلفت الانتباه حرصه على رسم الأطر العامّة التي حدّدتْ نزوعه ليس في اعتبار كتابة سيرته معادلاً لانهياره الجسديّ بسبب مرض السرطان فحسب، إنّما في الوصف المُسهب للنزوح المكانيّ المتواصل، والإزاحات اللغويّة التي سبّبتها التجربة الاستعماريّة، ثمّ تأثير كلّ ذلك في صوغ علاقته بنفسه وبأسرته وبالأمكنة المفقودة· وفي جميع ذلك ظهر سعيد منقسمًا على نفسه بين قوّة مستترة وضعف معلن، فلا هو قادر على الإفصاح عن قوّته الجوّانيّة - وهو ما يقع الاحتفاء به عادة في السير الذاتيّة - ولا هو متمكّن من ستر الوهن العميق الذي يجتاح أعماقه - وهو ما يجري غالبًا طمسه في الكتابة السيريّة - فكلّ قوّة طبيعيّة في داخله كبحها ضغط خارجيّ فرضته التربية العائليّة الصارمة، ولم تُتح له فرص التفتّح والمشاركة، إنّما الانكفاء على الذات وتكبيل الرغبات· وبمرور الزمن فإنّ كلّ ضعف تسببتْ به تلك التربية استُبدل بقوّة خارجيّة أمكن تحويرها لتحرّر سعيد المثقّف من هشاشته الداخليّة المرتبكة، وتجعل منه شخصيّة ثقافيّة وأكاديميّة صلبة وحادّة وعنيفة وسجاليّة في مواقفها وأفكارها· إلى كلّ ذلك كشفت سيرته طبيعة الصلة المعقّدة بين المنفَى والكتابة، وموقع المنفيّ فيهما، ونوع التصدّعات الجوّانيّة التي لحقت به جرّاء كلّ ذلك· وقد اهتبل الفرصة كاملة فشرح كلّ ذلك وعرض له باستفاضة لم تنقصها الجدّيّة والوضوح·

يكمن مفتاح سيرة إدوارد سعيد في محفِّزها الأساسيّ، وتمثّله العلاقة الافتراضيّة التي ربطته بـجوزيف كونراد وهي علاقةُ مُماثَلَةٍ وربّما مُطابقة، ظلّ سعيد يحيل عليها بكثير من الاحتفاء، والإصرار والتكرار، وإليها أرجع موقعه في الثقافة، بل ورؤيته للعالم وصلته باللغة بوصفها أداة تمثيل وتعبير، فما برح كونراد مُلهمًا لسعيد في تحديد نوع العلاقة بين الكاتب والعالم، منذ أوّل مؤلّف ظهر له· وهذه العلاقة هي المفتاح الأنسب الذي به يمكن الدخول إلى عالم سعيد كما قامت سيرته الذاتيّة بتمثيله·

ففي مقالته بين عالميّن التي وردت في كتابه تأمّلات حول المنفى، صرّح بأنّه منذ أوّل كتاب كتبه، وهو جوزيف كونراد وقصّ السيرة الذاتيّة، استخدم كونراد مَثلاً لمن تبدو حياته وعمله تجسيدًا لمصير المتجوّل الذي يغدو كاتبًا بارعًا بلغة أخرى مُكتَسَبة، لكنّه لا يقوى مطلقًا على زعزعة إحساسه بالاغتراب في موطنه الجديد -أي المُكتَسَب- والمثير للإعجاب في حالة كونراد الخاصّة، فجميع أصدقاء كونراد قالوا إنّه كان راضيًا أشدَّ الرضا حيال فكرة أن يكون إنجليزيّا، على الرغم من أنّه لم يفقد أبدًا لكنته البولنديّة الثقيلة ونكده المميّز تمامًا، والذي أعتقدُ أنّه غير إنجليزيّ إلى أبعد الحدود· غير أنّ مَنْ يدخل كتابتَه لا بدَّ أن يلمس مباشرة جوّ الانخلاع وعدم الاستقرار والغربة، الذي لا مجال للخطأ فيه· فما مِنْ أحدٍ أمكَنه أن يمثّل مصير الضياع وفقدان الوجهة بأفضل ممّا فعل، وما مِنْ أحدٍ كان أشدّ سخرية حيال السعي وراء تغيير ذلك الشرط بترتيبات وتكيّفات جديدة· لا تني تغري المرء بالوقوع في مزيد من الشراك(11)·
Page 6
والحقّ، كلّ هذا ينطبق تمام الانطباق على سعيد نفسه، فلم يتبرّم من كونه أميركيّا، ولكن من الصعب أن يعثر المرء على كتابة له لا تَمور فيها فكرة الاقتلاع، ولا تموج بمشاعر الاغتراب، ولا يتعالى فيها القلق، ولا تضطرب فيها الشكوك· وباستعارة تحيل على تجربته يستطرد سعيد متحدّثًا عن نظيره: لم يحاول نقّاد كونراد إعادة بناء ما دُعي بخلفيّته البولنديّة إلاّ بعد وفاته بفترة طويلة، تلك الخلفيّة التي لم يجد منها طريقه المباشر إلى قصّ كونراد سوى أقلّ القليل· غير أنّ معنى كتابته المراوغ المتملّص لا يُقدّم بسهولة أو يسر، ذلك إنّه حتى حين نجد الكثير عن تجاربه البولنديّة وأصدقائه وأقربائه، فإنّ تلك المعلومات بحدّ ذاتها لن تهدّئ ذلك اللُّباب من عدم الاستقرار والقلق الذي يدور عمله من حوله دون كلل أو ملل· وندرك في نهاية المطاف أنّ القوام الفعليّ لهذا العمل إنّما هو تجربة المنفى أو الاغتراب التي لا سبيل لمعالجتها· فبصرف النظر عن مدى قدرته البارعة على التعبير عن شيء ما، فإنّ النتيجة تبدو له على الدوام ضربًا من التقرّب ممّا أراد أن يقوله، وممّا قاله متأخّرا جدًّا، بعد اللحظة التي كان يمكن للقول فيها أن يكون مفيدًا(12)·

هذا الوصف لحال كونراد العالق بين لغتين وعالميّن، دفع بسعيد إلى وصف تجربته المماثلة لتجربة صنوه البولنديّ، إنّ العربيّة لغتي الأصليّة، والإنجليزيّة لغتي المدرسيّة، كانتا مختلطتين على نحو يتعذّر فصمه: فلم أعرف أبدًا أيّهما كانت لغتي الأولى، ولم أكن أشعر بأنّني مرتاح تمامًا في أيّ منهما، على الرغم من أنّني أحلم بكلتيهما· وفي كلّ مرّة أنطق بها جملة إنجليزيّة، أجد نفسي أردّدها بالعربيّة، والعكس بالعكس(13)· وأردف: وجدَت نفسي وأنا أُحيي من جديد ما في سنواتي الأولى من مآزق سرديّة إحساسي بالشكّ، وبكوني خارج المكان، وشعوري الدائم بأنّني أقف في الركن الخطأ، في مكان بدا كأنّه ينزلق منّي بعيدًا كلّما حاولت أن أحدّده أو أصفه(14)· والمماثلة بين تجربتَي كونراد وسعيد أشار إليها هو بنفسه مرارًا، وأشار إليها سواه أيضًا(15)·

التريّث طويلاً أمام تجربة كونراد، والتأمّل فيها وتقليبها من طرف سعيد، إنّما هو عتبة للولوج إلى تجربته الشخصيّة والثقافيّة، بوصفه مفكّرًا ومنفيًّا، فتجربته تصلح بدورها أن تكون ذكرى استعاديّة يمكن بها إعادة اكتشاف تجربة كونراد في ضوء الارتباك الذي تفرضه المنافي وشروطها القاسية، ويقرّره تزاحم اللغات الجديدة، بما يؤدّي إلى دفع اللغة الأصليّة إلى الوراء، ومعها التصوّرات الذهنيّة المصاحبة لها، ويقترح لغات بديلة لها متصوّراتها الجديدة، وبذلك تُخرّب الصلة الطبيعيّة مع المكان الأوّل، وتفرض صلة ثقافيّة جديدة، فتقع القطيعة بين المنفيّ ووطنه ليس بالمعنى المباشر فحسب، إنّما بالمعنى الرمزيّ؛ إذ يتراجع دور اللغة الواصفة، وينحسر التواصل، ويجري ترحيل الوطن المفقود من مرتبة الواقع إلى مرتبة الذكرى المستعادة·

وفي ضوء هذا الانزلاق اللغويّ والثقافيّ تنزلق الهُويّة بصورة متواصلة، فلا تكتمل ولا ترسخ ولا تتّضح معالمها ولا تعرف الثبات النهائيّ، فالهُويّة أو التطابق أمر مضجر بقدر ما يمكن للمرء أن يتخيّل· ولا شيء يبدو أبعد عن الإثارة والتشويق من الدراسة النرجسيّة للذات، التي تستبدل بها اليوم في كثير من الأمكنة سياسات الهُويّة أو الدراسات الإثنيّة، أو ضروب التأكيد على الجذور والاعتداد الثقافيّ والقوميّة الصاخبة··وإذا ما كان علينا أن ندافع عن الشعوب والهُويّات المهدّدة بالإفناء أو المخضّعة بسبب اعتبارها شعوبًا وهُويّات أدنى، إلاّ أنّ ذلك مختلف تمامًا عن تعظيم ماضٍ مبتدع لأسباب في الحاضر(16)· وأخيرًا عرض سعيد اعترافه الآتي: كوني فقدت بلادًا دون أن يكون لديّ أمل باستعادتها قريبًا، ليس يعني أن أجد عزاء في رعاية جنّة أخرى(17)·

وبهذا التصريح نقل سعيد علاقته باللغة والمكان إلى مستوى إشكاليّ يخصّ المنفيّين، وهو أحد أهمّ مرتكزات أدب حقبة ما بعد التجربة الاستعماريّة، فقضيّة الإزاحة عن المكان الأصليّ والارتماء في مكان ناءٍ، وتبنّي لغة أخرى غير اللغة الأمّ للتعبير، وبناء تصوّرات مغايرة، تولّد أزمة خاصّة بالرؤية وبالهُويّة وباستعادة بناء علاقة فعّالة بين الذات والمكان الجديد لتحديد موقع الفرد في العالم، وهذا هو مضمون الاغتراب والمنفى، وكما تذهب أدبيّات ما بعد الاستعمار، فإنّ أوسع ممارسة إدراكيّة مشتركة يمكن داخلها تحديد هذا الاغتراب، تتمثّل في بناء المكان· كما أنّ الفجوة القائمة بين خبرة المكان واللغة المتاحة لوصف هذا المكان تشكّل ملمحًا كلاسيكيًّا واسع الانتشار في نصوص ما بعد الكولونياليّة، وتوجد هذه الفجوة لدى من تبدو لغتهم غير كافية لوصف مكان جديد، ولدى من تتعرّض لغتهم لتدمير منتظم نتيجة الاسترقاق، ولدى من أصبحت لغتهم غير متميّزة نتيجة فرض لغة سلطة المستعمِر· وعن مزج واحد أو آخر من تلك النماذج يمكن أن يصف حال جميع مجتمعات ما بعد الكولونياليّة(18)·

تتخلّل سيرة سعيد إشارات متواترة عن موقعه في الثقافة والعالم وعن لغته وكتابته، باعتبار كلّ ذلك ردًّا على الإزاحة التي تعرّض إليها بوصفه منفيًّا لم يشعر بالانسجام مع العالم الجديد الذي أُزيح إليه، ولم يقطع الصلة بالعالم القديم الذي أُزيح عنه، فبقي عالقًا بينهما وخارجهما؛ لتعذّر الاتصال الكامل بأيّ منهما بصورة صميميّة وكاملة·

بعد أن فرغ سعيد من وصف كلّ هذه المحدّدات عرّج على ذكر الظروف الخارجيّة التي رافقت كتابة السيرة ودفعت بها، وبلورت الأحاسيس المطمورة في تضاعيفها، وكلّ ذلك جسّم عمق الخسارة التي تسبّبت بها التجربة الاستعماريّة وتداعياتها في فلسطين: أحاول أن أكتب ذكريات حياتي الباكرة - أي ما قبل السياسة- وذلك عائد بدرجة كبيرة إلى اعتقادي بأنّها قصّة جديرة بالإنقاذ والإحياء؛ لأنّ الأمكنة الثلاثة التي ترعرعت فيها كفّتْ عن الوجود· ففلسطين هي الآن إسرائيل، ولبنان بعد عشرين عامًا من الحرب الأهليّة، لم يبقَ ذلك المكان المُضجر إلى حدّ الاختناق حين كنّا نقضي أصيافنا محتجزين في ضهور الشوير، ومصر الكولونياليّة الملكية اختفت عام 1952· وذكرياتي عن تلك الأيّام والأمكنة لا تزال حيّة إلى أبعد الحدود، مفعمة بالتفاصيل الدقيقة التي يبدو أنّني احتفظت بها كما لو بين دفتي كتاب، ومفعمة أيضًا بالمشاعر غير المُعَّبر عنها المتولّدة عن أحوال وأحداث وقعت منذ عقود مضت، لكنّها انتظرت كما يبدو لكي يفصَح عنها الآن· يقول كونراد في نوسترومو: ما من قلب إلاّ وتعتمل فيه الرغبة في أن يدوّن مرّة وإلى الأبد رواية صادقة لما حدث، ولا شكّ أن هذا ما حرّضني على كتابة مذكّراتي(19)·
Page 7
4· المنفى وانزياح الهُويّة

وعلى هذه الخلفيّة من الشعور المتفاقم بالفقدان، وكون المرء عالقًا في منطقة ينتمي/ ولا ينتمي فيها إلى أمكنة وثقافات متعدّدة، تتنزّل السيرة الذاتيّة لسعيد، فتثير إحدى أهمّ المشاكل الخاصّة بكتابة المنفى، قصدتُ بذلك العلاقة مع المكان من وجهة نظر المنفيّ، وكيفيّة تشكيل الهُويّة الشخصيّة المنزاحة لرجل يقيم علاقة هشّة معه، فهو لم يدّخر جهدًا في تصوير علاقته الواهنة بالأمكنة، وتوسيع دلالتها ليجعل منها فضاءات ثقافيّة، مصوّرًا نفسه عالقًا بينها، ومن خلال ذلك ينزلق إلى المنطقة الجوهريّة في أيّة سيرة ذاتيّة، وهي تكوين الذات في وسط أسريّ واجتماعيّ قلق ضمن حقبة تاريخيّة متقلّبة جعلت المصيرين العائليّ والاجتماعيّ في وضع متأرجح بين المنفى كمكان غير محدّد الملامح، وفقدان الوطن، والتفكّك الذي مثّله غياب الداعمين الأساسيّين له، وهما الأب والأمّ، ثمّ تجربة المرض بالسرطان، وهي التي فرضت الشروع بكتابة السيرة، وحدّدت شروطها، وكلّ ذلك جعل من كتاب خارج المكان كما يقول مؤلّفه، عبارة عن سجلّ لعالم مفقود أو منسيّ(20)·

حضر العالم الذي استعاده سعيد بالسرد على خلفيّة إحساس بالغياب النهائيّ عن العالم الحقيقيّ، منذ عدّة سنوات، تلقّيتُ تشخيصًا طبّيًّا بدا مُبرمًا، (اكتشاف إصابته بسرطان الدم في خريف عام1991)، فشعرتُ بأهميّة أن أخلّف سيرة ذاتيّة عن حياتي في العالم العربيّ، حيث ولدتُ وأمضيتُ سنواتي التكوينيّة، كما في الولايات المتّحدة، حيث ارتدتُ المدرسة والكلّيّة والجامعة· العديد من الأمكنة والأشخاص التي أستذكرها هنا أصبحت غير موجودة، على الرغم من أنّي أندهش باستمرار لاكتشافي إلى أيّ مدى أستبطنها، وغالبًا بأدقِّ تفاصيلها، بل بتشخيصاتها المرّوعة(21)·

أوّل الصعاب التي تواجه شخصًا اتّصل بأمكنة ولغات متعدّدة وانفصل عنها في وقت واحد، هو الموقع الذي ينظر من خلاله إلى تجربة حياته الآفلة، وإلى تجارب الآخرين المحيطين به، فقد شرع سعيد في كتابة السيرة وهو في أميركا يكافح مرضًا لا سبيل للنجاة منه، عن حياته طفلاً وصبيًّا وشابًّا قبل أكثر من خمسين سنة في القدس والقاهرة وضهور الشوير( في لبنان)، وما كان يثيره ويشغله في الوقت نفسه بوصفه كاتبًا تتناهبه مؤثّرات المكان واللغة، هو إحساسي بأنّي أحاول دائمًا ترجمة التجارب التي عشتها لا في بيئة نائية فحسب، وإنّما أيضًا في لغة مختلفة· ذلك أنّ كلاًّ منّا يعيش حياته في لغة معيّنة، ومن هنا فإنّ الكلّ يختبر تجاربه ويستوعبها ويستعيدها في تلك اللغة بالذات·

والانفصام الكبير في حياتي هو ذلك الانفصام بين اللغة العربيّة لغتي الأمّ، وبين اللغة الإنجليزيّة وهي اللغة التي بها تعلّمتُ وعبّرتُ تاليًا بما أنا باحث ومعلّم؛ لذا كانت محاولتي سرد التجارب التي عشتها في اللغة الأولى بواسطة اللغة الأخرى مهمّة معقّدة، ناهيك عن الطرائق المختلفة التي بها تختلط عليّ اللغتان وتعبران من حقل إلى آخر··إلى جانب اللغة كانت الجغرافية في مركز ذكرياتي عن تلك السنوات الأولى، خصوصًا جغرافية الارتحال، من مغادرة ووصول ووداع ومنفى وشوق وحنين إلى الوطن وانتماء، ناهيك عن السفر ذاته· فكلّ واحد من الأمكنة التي عشت فيها - القدس والقاهرة ولبنان والولايات المتّحدة - يملك شبكة كثيفة ومركّبة من العناصر الجاذبة، شكّلتْ جزءًا عضويًّا من عمليّة نموّي، واكتسابي هُويّتي، وتكوين وعيي لنفسي وللآخرين(22)·

وقد أسهب سعيد في وصف هذه الخلفيّة المركّبة، وهو يعيد تخيّل وقائع حياته، مشيرًا إلى أثر التعليم الاستعماريّ في صوغ تجربته الثقافيّة والشخصيّة القلقة، ومستعيدًا علاقته باللغة بوصفها وسيلة تمثيل لتجاربه الخاصّة والعامّة، الفارق بين الإنجليزيّة والعربيّة يتّخذ شكل توتّر حادّ غير محسوم بين عالمين مختلفين كليًّا بل متعاديين: للعالم الذي تنتمي إليه عائلتي وتاريخي وبيئتي وذاتي الأوّليّة الحميمة- وهي كلّها عربيّة - من جهة، وعالم تربيتي الكولونياليّ وأذواقي وحساسيّاتي المكتسبة ومجمل حياتي المهنيّة معلّماً وكاتباً من جهة أخرى· لم يُعْفني هذا النزاع منه يومًا واحدًا، ولم أحظ بلحظة راحة واحدة من ضغط واحدة من هاتين اللغتين على الأخرى، ولا نعمتُ مرّة بشعور من التناغم بين ماهيّتي على صعيد أوّل وصيرورتي على صعيد آخر·

وهكذا فالكتابة عندي فعل استذكار، وهي إلى ذلك فعل نسيان، أو هي عمليّة استبدال اللغة القديمة باللغة الجديدة، لذا ساورني شعور عظيم بالارتياب عندما أقدمتُ على تأليف هذا الكتاب عن حياتي المبكّرة، وقد عشتها في معظمها في القدس والقاهرة وضهور الشوير؛ إذ أدركت أنّني مُقدِم على عمل متناقض جذريًّا، هو إعادة بناء عالم في مصطلحات عالم آخر· كان لي أن استخدم اللغة الإنجليزيّة، ولكن كان عليّ أن أستذكر التجارب، وأعبّر عنها بالعربيّة· طبعًا، كان من العبث إنكار التغاير والتباعد الكاملين بين هذين العالمين·

ولكن لا يعقل أن يكونا منفصلين أحدهما عن الآخر، كأنّما نتيجة لعمليّة بترٍ جراحيّة، ما داما قد تعايشا سنوات وسنوات داخل شخص واحد· الأحرى أنّهما كانا جسمين متوازيين بل توأمين، يتحسّس واحدهما أيديولوجيًّا وروحانيًّا كلّ عنصر غريب يتعذّر استيعابه عند الآخر، وينفعل إزاءه· لقد اختبرت دومًا ذلك الشعور بالغربة المزدوجة· فلا أنا تمكّنتُ كليًّا من السيطرة على حياتي العربيّة في اللغة الإنجليزيّة، ولا أنا حقّقتُ كليًّا في العربيّة ما قد توصلتُ إلى تحقيقه في الإنجليزيّة· هكذا طغى على كتاباتي كمٌّ من الانزياحات والتغايرات والضياع والتشوّه، ولكنّي كنت مدركًا في الأقلّ لكلّ ذلك، وقد حاولت استظهاره في مؤلّفاتي· فالذي عشته صبيًّا في البيت مع شقيقاتي وأهلي مثلاً، اختلفَ كليًّا عمّا قرأته وتعلّمته في المدرسة· تلك الانزلاقات والانزياحات هي قوام هذا الكتاب، وهي السبب الذي يحدوني إلى القول إن هُويّتي ذاتها تتكوّن من تيّارات وحركات، لا من عناصر ثابتة جامدة(23)·

هذا الموقع المنزلق دائمًا خارج أيّ مكان- وقد برع سعيد في وصفه بالتفصيل كما رأينا- انعكس أثره مباشرة في التوتّر الذي يشوب السيرة بكاملها، إلى ذلك فقد كتب النصّ في ظلّ مرض عُضال لا سبيل إلى وقف زحفه، فقد ربط سعيد كتابه بمرضه· وهذه هي التفاصيل التي حدّدت الإطار الخارجيّ والمباشر لكيفيّة تأليف الكتاب بوصفه معادلاً لتآكل ذاتيّ متواصل، فقد كانت الكتابة الوسيلة الوحيدة التي أفسّر بها لنفسي وللقارئ مدى ارتباط زمن هذا الكتاب بزمن مرضي بحقباته وطلعاته ونزلاته وتقلّباته كافّة· فمع تزايد ضعفي، وتكاثر الالتهابات وطفرات الآثار الجانبيّة للمرض، ازداد اتّكالي على هذا الكتاب وسيلة أبتني بها لنفسي شيئًا ما بواسطة النثر، فيما أنا أعارك في حياتي الجسمانيّة والعاطفيّة هواجس التدهور وآلامه· وقد انحلّت المهمّتان إلى مجموعة من التفاصيل: فالكتابة انتقال من كلمة إلى كلمة، ومكابدة المرض اجتياز لخطوات متناهية القصر تنقلك من حالة إلى أخرى···والغريب في الأمر أنّ كتابة هذه السيرة ومراحل مرضي تتزامن تمامًا، مع أنّ معظم آثار مراحل مرضي قد محت من هذه السيرة عن حياتي المبكّرة· وعلى الرغم من ذلك، فسجلّ حياتي ذاك ومسار مرضي هذا (الذي عرفت منذ البداية أن لا شفاء منه) هما كلّ واحد، بل يمكن أن يقال إنهما متماثلان ومختلفان قصدًا(24)·
Page 8
هذه الأطر الناظمة لمتن السيرة، حيث ظهر فيها سعيد ملوّحًا لعالم تركه خلفه، جعلته يستعيد بصراحة كيفيّة تشكيل شخصيّته، وتشكيل وعيه الذاتيّ بعالمه الأوّل في الشرق الأوسط، وأوّل ما حرص على التصريح به هو فكرة اختلاق تلك الشخصيّة، تخترع جميع العائلات آباءها وأبناءها وتمنح كلّ واحد منهم قصّة وشخصيّة ومصيرًا، بل إنّها تمنحه لغته الخاصّة· وقع خطأ في الطريقة التي تمّ بها اختراعي وتركيبي في عالم والدي وشقيقاتي الأربع· فخلال القسط الأوفر من حياتي المبكّرة، لم أستطع أن أتبيّن ما إذا كان ذلك ناجمًا عن خطئي المستمرّ في تمثيل دوري أو عن عطب كبير في كياني ذاته· وقد تصرّفت أحيانًا تجاه الأمر بمعاندة وفخر· وأحيانًا أخرى وجدت نفسي كائنًا يكاد أن يكون عديم الشخصيّة وخجولاً ومتردّدًا وفاقدًا للإرادة· غير أنّ الغالب كان شعوري الدائم بأنّي في غير مكاني(25)·

ويستطرد بعد هذا التدشين الذي يسبّب الصدمة، منذ أن بدأ وعيي بذاتي وأنا بعدُ طفل، استحال عليّ التفكير بذاتي إلاّ بوصفي طفلاً يملك ماضيًا شائنًا ويتوعّده غدٌ لا أخلاقيّ· فكان أن اختبرت كلّ وعيي الذاتي خلال السنوات التكوينيّة بصيغة الحاضر، مجاهدًا كي لا أنقلب إلى الوراء فأقع في قالب مُعدٍّ سلفًا، أو أن أتهاوى إلى أمام، فأسقط في هاوية الضياع المؤكّد· أن أكون أنا ذاتي كان يعني ألاّ أكون تمامًا في موقعي الصحيح، ولكنّ الأمر لم يقتصر على ذلك، وإنّما كان يعني أيضًا أنّي لم أنعم مرّة براحة بال، بل أتوقّع باستمرار أن يأتي من يقاطعني، أو يصوّب لي أفعالي، أو يجتاح حميميّتي، أو يعتدي على شخصي الضعيف الثقة بالنفس· كنت دومًا في غير مكاني· لم يترك لي نظام الضبط والتربية المنزليّة الجامد الصارم، الذي حبسني فيه أبي منذ سن التاسعة أيّ متنفّس، أو أيّ مجال للإحساس بالذات في ما يتجاوز قواعده وترسيماته(26)·

5· الأبوّة والأمومة: تنازع تربويّ

رسم سعيد المحضن التربويّ الأبويّ الذي اختلق شخصيّته، وهو محضن خرّب البراءة الأولى، وشتّت السويّة الطفوليّة، حينما أخضعها لمعايير أبويّة معدّة سلفًا؛ فلم يكن المهمّ أن ينمو طفلاً على البداهة، ويتفتّح مكتسبًا خبراته بالتدريج من الوسط الأسريّ والاجتماعيّ، إنّما ينبغي عليه أن ينمو ممتثلاً لشروط تلك المعايير الجاهزة، وما كان مهمًّا أن تنمو له شخصيّة خاصّة، إنّما أن ينصاع إلى سلسلة لا نهائيّة من الروادع والنواهي· وبهذه الطريقة اختُرعت شخصيّته، وتحدّدت علاقته بالأمكنة التي عاش فيها، فإلى سنّ الستين، لم أكن أطيق مجرّد التفكير في ماضيّ، خصوصًا ماضيَّ في القاهرة والقدس، وقد احتجبت المدينتان عنّي لمجموعتين مختلفتين من الأسباب: الأخيرة لأنّ إسرائيل حلّت محلّها، والأولى لأنّي مُنعتُ من دخولها لأسباب قانونيّة نتيجة صدفة من أقسى الصدف· ولتعذّر زيارتي مصر خلال خمس عشرة سنة، بين1960 و1975، أخذت أقنّن الذكريات المبكّرة عن حياتي هناك··فاعتمدت تلك الذكريات وسيلة للإخلاد إلى النوم، بعد أن ازداد صعوبة مع مرّ الوقت، الذي بدّد هالة السعادة التي غمرت حياتي المبكّرة، فظهرت فترة أكثر تعقيدًا وعسرًا· فأدركت أنّ استيعاب تلك الفترة يتطلّب منّي حالاً من الصحو والنباهة وتحاشي الوسن الحالم·

والواقع أنّي أحسب أنّ محور هذا الكتاب هو الأرق، وأنّ موضوعه الرئيسيّ هو اليقظة، أي حاجتي إلى الاستذكار الصاحي وإلى التعبير، وهما عندي البديل من النوم· لا، ليس بديلاً من النوم وحده، بل من العطَل والاستراحات وكلّ ما هو في عرف الطبقات الوسطى والغنيّة ضرب من ضروب التسلية، وقد أدرت لها ظهري بطريقة لا واعية منذ حوالي عشر سنوات· ولمّا كان هذا الكتاب أحد الأجوبة عن مرضي، فقد وجدت فيه نوعًا جديدًا من التحدّي، لا مجرد نوع جديد من اليقظة، وإنّما مشروعًا أبتعد بواسطته أبعد ما أستطيع عن حياتي المهنيّة والسياسيّة·

ثمّة موضوعان ضامران في كتابتي هذا الكتاب· أوّلهما، انبثاق ذات ثانية كانت مدفونة لمدة طويلة جدًّا تحت سطح خصائص اجتماعيّة، غالبًا ما تكتسب بواسطة العادة والإلزام، وتنتمي إلى تلك الذات التي حاول أهلي تركيبها؛ وأعني بذلك إدوارد الذي أتحدّث عنه هنا بين الحين والآخر· والثاني، هو الكيفيّة التي أدّى بها عدد متزايد جدًّا من المغادرات إلى زعزعة أركان حياتي منذ بداياتها الأولى· وفي نظري أنّ ما من شيء يميّز حياتي على نحو أشدّ إيلاما- والمفارقة إنّه هو ذاته ما أتوق إليه توقًا- أكثر من تنقّلاتي العديدة عبر البلدان والمدن والمساكن واللغات والبيئات، وهي تنقّلات ظلّت تحرّكني خلال تلك السنوات(27)·

هذه هي الأطر التربويّة الناظمة لحياة سعيد، والنتائج التي ترتّبت عليها، ما برح يفكّكها ليعيد لنا ترميم طفولته وشبابه وعلاقته بالمكان، وهو أمر ظلّ يتردّد في تضاعيف السيرة، وسيقودنا إلى القضيّة التي تخيّم على صفحات الكتاب، عَنيتُ علاقته الملتبسة بأبيه وأمّه، فكما تبلبل وسط تنازعات مكانيّة وثقافيّة في حياته العامّة، فقد عرف التنازع نفسه في أسرته طَوال فترة وجوده معها·
Page 9
وارتسم تأثير الأب والأمّ عميقًا في حياته، وهو تأثير متناقض يخرّب بعضه، ولا يعرف الاستقامة، ويتعذّر حلّه، فلم يخالجه إحساس بالبهجة في علاقته بأبيه: مهما تكن الوقائع التاريخيّة الفعليّة، يبقى أنّ أبي كان مزيجًا طاغيًا من القوّة والسلطان ومن الانضباط العقلانيّ والعواطف المكتومة· وقد أدركت لاحقًا أنّ هذه جميعًا قد طبعت حياتي ببعض الآثار الإيجابيّة، ولكنّها لم تعفني من الكوابح والمعوّقات· ومع تقدّمي في العمر، توصّلت إلى تحقيق التوازن بينها، على أنّي عشت محكومًا بها من الطفولة حتى سنّ العشرين· فقد بنى لنا أبي بمساعدة أمّي، عالمًا كان أشبه بشرنقة جبّارة أدخلت إليها، وحبست فيها بكلفة باهظة، أو هكذا أرى الآن إلى تلك التجربة إذ أستعيدها بعد نصف قرن· وما يثير دهشتي الآن، إضافة إلى صمودي، هو نجاحي بطريقة ما خلال أداء عقوبتي داخل ذلك النظام، في أن أربط بين مصادر القوّة الكامنة في تعاليم أبي الأساسيّة، وبين قدراتي الشخصيّة التي عجز هو عن التأثير فيها، وربّما عجز أيضًا عن إدراكها(28)·

وراح سعيد يفصّل ذلك بقوله: هيمنت قوّة أبي المعنويّة والجسديّة على طفولتي ونشأتي· كان له ظهر ضخم وصدر برميليّ نافر يوحي بالعصيان، رغم قصر قامته، ويوحي بالثقة الطاغية بالنسبة إليّ على الأقلّ· على أنّ أبرز صفاته الجسديّة مشيته المتيبّسة كقضيب، والمنتصبة على نحو يكاد أن يكون كاريكاتوريًّا· إلى هذا، وبالمقارنة مع جبني وخجلي الانكماشيّين والعصابيّين، كان يتمتّع بنوع من التيه يناقضني تناقضًا صارخًا؛ إذ لا يبدو إنّه يخشى اقتحام أيّ مكان أو الإقدام على أيّ فعل- وهما أكثر ما أخشاه· ولم يقتصر الأمر على أنّي لم أكن مقدامًا··وإنّما كنت أتحاشى جدّيًّا نظر الناس لشدّة تحسّسي لنواقصي الجسمانيّة اللامتناهية، وأنا مقتنع تمام الاقتناع بأنّها جميعًا انعكاس لنواقصي الجوّانيّة(29)·

واضح أنّ الأبوّة تجسّدت بالقوّة المظهريّة الخارجيّة، فيما عُبّر عن البنوّة بالهشاشة الشعوريّة الداخليّة· وحينما نقوم بتنضيد صفات الاثنتين، نجد أنّ الأبوّة تتمثّل بالضخامة والنفور والعصيان والطغيان والانتصاب والتيه والإقدام والاقتحام، أمّا البنوّة فمكوّناتها الشعور الانكماشيّ بالجبن والخجل إلى درجة العُصاب·

وفي مقابل هذا الهشيم الداخليّ الذي خلّفه الأب في أعماق سعيد، ظهرت الأمّ بوجه مغاير، لكنّه مزيج من الحبّ والحبور والكبح والغموض، المؤكّد أنّ أمّي كانت الرفيق الأقرب إليّ والأكثر حميميّة خلال ربع قرن من حياتي· وأشعر أنّي مطبوع بالعديد من وجهات نظرها وعاداتها التي لا تزال تسيّر حياتي: من قلق يشلُّ إرادتها إزاء احتمالات التصرّف، إلى أرق مزمن، معظمُه فرضته على نفسها فرضًا، وعدم استقرار عميق الجذور يضارعه مخزون لا ينضب من الحيويّة الذهنيّة والجسديّة، واهتمام عميق بالموسيقى واللغة وبجماليّات المظهر والأسلوب والشكل، وربّما أيضًا من ميلٍ متضخّم إلى الحياة الاجتماعيّة بتيّاراتها وملذّاتها وما تحمله من طاقة على السعادة والحزن، ونزوع لا يرتوي - ومتعدّد الأساليب إلى حدٍّ لا يصدّق - إلى تنمية الوحدة، بما هي شكل من أشكال الحرّيّة والعذاب في آنٍ معًا·

ولو أنّ أمّي كانت مجرد ملجأ، أو مأوى آمنٍ، أفيء إليه بين حين وآخر هربًا من مرور الأيّام، لما استطعت التكهّن بالنتائج، إلاّ أنّها كانت تحمل أعمق الالتباسات التي عرفتُها، وأكثرها إشكالاً تجاه العالم وتجاهي أنا شخصيًّا· فعلى الرغم من الألفة بيننا، كانت تطالبني بالحبّ والتفاني، وتعيدهما إليّ أضعافًا مضاعفة· على أنّها قد تصدّ مشاعري فجأة، باعثة رعبًا ميتافيزيقيًّا في أوصالي لا أزال أتمثّله بانزعاج شديد، بل برهبة قويّة· فبين ابتسامة أمّي المقوّية وعبوسها البارد أو تكشيرتها المتعالية المديدة، وُجِدتُ طفلاً سعيدًا وعظيم اليأس في آن معًا؛ فلم أكن هذا أو ذاك على نحو كامل(30)·

وُضعَت الأمومة في تعارض مع الأبوّة، وفي مقام الغموض مع البنوّة، فلقد رأينا قبل قليل، كيف أنّ الأبوّة لم تكفِ عن التعبير عن نفسها بشكل مباشر قصد أن تكون أنموذجًا يحتذى في علاقة التبعيّة بين الأب والابن، فلكي يكون سعيد طفلاً بارًّا عليه تبنّي مبدأ محاكاة الأب في سلوكه العامّ، وهو سلوك يخرّب هدفه بنفسه؛ إذ لا تستقيم تربية في ظلّ الهيمنة، ولا يتكوّن استقلال بوجود التبعيّة، وكلّ ذلك أدى إلى نتائج تخالف مقاصد الأبويّة؛ إذ تكرّست الهشاشة الجوّانيّة، وسائر ضروب الانكسار الداخليّ المرافق لها من تردّد وخوف وخجل وعجز·

لم يتحقّق مقصد الأبوّة؛ لأنّ مضمون المحاكاة فيها نزع إلى التقليد الأعمى، وليس التمرّس على مواجهة الصعاب· على أنّ الأمومة لم تكن أقلّ ضررًا من الأبوّة في نزوعها الجارف إلى زرع خِصال لا تقلّ خطرًا، فبتعارض مع صورة الأب الواضحة جرى بناء صورة الأمّ الغامضة التي كانت تريد لطفلها أن يتشرّب مبدأ المحاكاة نفسه، ولكن بمضامين مختلفة؛ إذ غذّت صغيرها بنظام صارم من العادات الشخصيّة بدأت بالحيرة والسُّهاد والقلق، ومرّت بشغف مفرط بالجماليّات الشخصيّة والتعبيريّة، والمظاهر الخادعة، وانتهت بالعزلة المعذِّبة· ثم، وهذا هو اللبّ الخطير في الأمر كلّه، جُمع كلّ ذلك ورمي الطفل به باعتباره حنانًا أموميًّا صادقًا، وحينما توهّم صدق ذلك ببراءة، ورغب في التفاعل معه، لم يجد إلاّ صدًّا وعبوسًا، فقد كان يتطلّع إلى مشاطرة الأحاسيس مع أمّه، لكنّ مشاعره كانت تُردّ وتُرفض وتُكبح، فيقع في المنطقة المعتمة بين السعادة واليأس، والأمل والقنوط· ومن الصعب أن تغدق على طفل بمشاعر خاصّة، ثمّ تفيض عليه بأحاسيس متضاربة، وتحول دون مشاركته· وهذا النمط المقترح من العلاقة الأموميّة، أفضى إلى تبعيّة أخرى مغايرة لتبعيّة الأب، وأكثر خطرًا منها، كما سنرى·

ولكن من المفيد أن نترك لسعيد إضاءة جوانب خافية من العلاقة مع أمّه: تراءت لي أمّي امرأة في مقتبل العمر، غير معقّدة موهوبة محبّة جميلة· وإلى حين بلوغي سنّ العشرين، وقد بلغت هي الأربعين، كنت أراها في تلك الصورة، فلا ألومن إلاّ نفسي إن هي انقلبت شخصًا آخر· بعد ذلك، ارتسمت ظلال داكنة على علاقتنا· ولكنّي، وأنا في مقتبل العمر، غمرتني حال من الحبور بسبب التناغم الهشّ والمؤقّت جدًّا القائم بيني وبين أمّي، إلى درجة أنّه لم يكن لي فعلاً أصدقاء من عمري··إلى أمّي حصرًا كنت أتوجّه للرفقة الفكريّة والعاطفيّة· وهي تقول إنّها مُذ فقدتْ طفلها الأوّل في المستشفى بعيد ولادته، أخذت تغدق عليّ جرعات زائدة من العناية والاهتمام· على أنّ هذه المبالغة لم تكن لتحجب تشاؤمها الداخليّ الشديد الذي كان يموّه غالباً إعلاناتها الإيجابيّة عنّي

إنّه حبّ مشوب بغموض تعذّر على سعيد تفسيره، فدمغ حياته بالحيرة، وفّر لي دفء أمّي السائغ الفرصة النادرة لأكون الشخص الذي كنت أشعر حقيقة بأنّني إيّاه، بالمقارنة مع إدوارد الفاشل في المدرسة والرياضة والعاجز عن مجاراة الرجولة التي يجسّدها أبوه· على أنّ علاقتي بها ما لبثت أن ازدادت التباسًا مع الوقت، وصارت إدانتها لي أشدّ تدميرًا من الناحية العاطفيّة من تنمّر أبي وتأنيبه، فقد كانت تعلن خيبتها بأولادها جميعهم، وتزرع الشقاق فيما بينهم في تقلّباتها العاطفيّة التي تربطها بهم، ظلّت أسباب خيبتها فينا، ومن ثَمّ فيّ أنا شخصيًّا سرّها الدفين، وسلاحًا في ترسانتها تُشهره للتلاعب بنا وإفقادنا التوازن وبذر الشِقاق بيني وبين شقيقاتي وبيننا وبين العالم وذلك أورث الأطفال إحساسًا بالتنابذ والتفارق والانشقاق، لم نتعانق كما هي عادة الأشقاء والشقيقات، فعلى مستوى ما دون الوعي هذا، كنت أشعر بانكماش متبادل منّي تجاههنّ ومنهنّ تجاهي، ولا تزال تلك الهوّة الجسدانيّة قائمة بيننا إلى الآن، ولعلّها اتّسعت عبر السنين بسبب أمّي

وعلّل سعيد كلّ ذلك بالصورة الآتية: كنت دومًا أشتبه في أنّها كانت تلعب على الغرائز والنوازع وتستخدمها لبذر الشقاق بيننا، بتشديدها على الفوارق وتضخيمها نواقص واحدنا للآخر على نحو دراميّ، بحيث تشعرنا أنّها وحدها مرجع كلّ منّا وصديقه الصدوق وحبّه الأغلى· والمفارقة في الأمر أنّي ما أزال أصدّق أنّها كانت ذلك كلّه· وكان على كلّ شيء بيني وبين شقيقاتي أن يمرّ عبرها، وكلّ ما أقوله لهنّ يجب أن ينبع من أفكارها هي ومشاعرها هي ومعاييرها هي لما هو الصواب والخطأ

ثمّ توسّع في فضح كنه تلك العلاقة غير السويّة بين الأمّ والأطفال: خلافًا لأبي، الذي كان رسوخه العامّ وإعلاناته الأنيقة كمًّا مستقرًّا ومعروفًا سلفًا، جسّدتْ أمّي الحيويّة في كلّ شيء، في أرجاء البيت كافة وفي حيواتنا ذاتها، تتدخّل فيها بلا كلل، مطلقة الأحكام، جارفة إيّانا جميعًا إلى مدارها المتوسّع باستمرار· ولكنّها حرمتنا بذلك من تكوين حيّز مشترك فيما بيننا، مستبدلة إيّاه بعلاقات ثنائيّة معها، كمثل علاقة المستعمرات بالحاضرة الاستعماريّة، وشكّلتنا كمجرّة تنفرد بالإحاطة بكامل أجرامها ومداراتها(31)·

التفضيل على أساس الطاعة، ثمّ النبذ على قاعدة عدم الرضا، وخلق بؤرة استقطاب أموميّة ينجذب إليها الأطفال، بمقدار ولائهم للأمّ، وليس استنادًا إلى مراعاتها لاستقلاليّتهم النسبيّة الكامنة في ذواتهم الصغيرة، جعل سعيد يضع أمّه في مرتبة الإمبراطوريّة المستعمِرة، وجعل نفسه وشقيقاته في مرتبة المستعمرات التابعة التي لا حول لها ولا قوّة، وقد عجزوا عن فهم هذه العلاقة المداريّة حول قطب لا يتيح لهم انجذابًا كاملاً إليه إلى درجة التماهي، ولا يُمكِّنهم من التحرّر عنه، وتكوين هُويّاتهم الخاصّة، فهم منخرطون في مدار مغلق حول مركز يتلاعب بهم بمزيج من التقريب والإبعاد· وهو أمر بقي عصيًّا على فهم سعيد إلى النهاية·

ولطالما ظلّ يحوم حول علاقته بأمّه في تضاعيف سيرته دون أن يحسم طبيعة تلك العلاقة بصورة نهائيّة، فيما كان قد أصدر حكمًا حول طبيعة العلاقة مع الأب· فبدا وكأنّ الأب صاغ جسده، وعالمه الخارجيّ، فيما صاغت الأمّ نفسه، وعالمه الداخليّ، وفي نهاية المطاف لم تستقم علاقة سعيد، لا مع جسده ولا مع نفسه· وكان بَرِمًا بجسده ذي الحاجات الغامضة التي لم يزوّد بأيّة معلومات عن وظائفها، ففي ظلّ رقابة الأب كان جسده ينمو بعيدًا عن الشروط المعياريّة التي افترضتها الأبوّة، فظهر وكأنّ جسده مدوّنة عار ينبغي أن يخفيها عن الآخرين، ويمحو عنها كلّ العيوب، ولازمه أيضًا سأم وضجر من أحاسيسه ومشاعره، فبدت بطانته الروحيّة شاحبة، وشبه جرداء من التجارب، وفيها من التشويه والعجز ما يحول دون أن يعدّ نفسه سويًّا؛ إذ وسمته الأمومة الغامضة بسلوك ملتوٍ لم يفصح عن مقاصده·
Page 10
وفي النهاية رسم سعيد للمتلقّي كمًّا كبيرًا من الصياغات الأبويّة والأموميّة المتواصلة لكينتوته الخارجيّة والداخليّة، ما أدّت قطّ إلى تحقيق غاياتها، بل تحقّق عكس ذلك، فلا هو بالمستقرّ الثابت في مكانه، ولا هو بالمنجرف إلى الهاوية، بل مكث متأرجحًا بين هذا وذاك، فيهما وخارجهما في الوقت عينه، كان أبي هو الذي بادر تدريجيًّا إلى محاولة إصلاح جسدي، بل وإعادة تكوينه من الأساس· على أنّ أمّي نادرًا ما اعترضت على ذلك، بل أخذت تدور بجسدي بانتظام من طبيب إلى آخر· وإذا استذكر وعيي لجسدي منذ سن الثامنة فصاعدًا، أراه منحبسًا في نظام صارم من التصحيحات المتكرّرة، تمّت كلّها بأمر من أهلي، وأدّى معظمها إلى تفاقم نقمتي على ذاتي، ذلك أنّ إدوارد كان قد حلّ في كيان بشع مشوّه يشكو من كلّ العلل أو يكاد

كشفت الرواية الاستعاديّة التي قدّمها سعيد عن صباه ومراهقته أنّ الأبوين وقعا أسرى وهمٍ مؤدّاه اعتباطيّة التشكيل الجسديّ لابنهما، وسرعان ما صدّق الجميع إنّه موطن أمراض وتشوّهات لانهائيّة، منها: أنّ قدماه مسحاوان، ولديه رعشة غير إراديّة عند التبوّل، وألم في المعدة، وضعف في البصر، ووجود كدس من الشعر النامي بين الفخذين، والتواء في القامة، وكبر في الصدر، وضخامة في الكفّين، وقضم للأظافر، ولم يعدم وجود عُقد نفسيّة، وقد جرى مراجعة عدد من الأطباء لإصلاح كلّ تلك العلل، وقَبِلها هو صاغرًا مفترضًا أنّها جميعًا من مقوّمات عمليّة تهذيب لا بدَّ أن يمرّ بها المرء كجزء من مرحلة النمو· فإذا النتيجة الصافية لتلك الإصلاحات تعمّق ارتباكي وخجلي من ذاتي

بقيت تلك الإصلاحات العبثيّة شاخصة في ذاكرته، ولم يغفر لأبويه التنازع على جسده، وفرض الإصلاحات والعقوبات عليه، وجعله موطن شبهات لا تحصى، فكلّ ذلك رسّخ لديه شعورًا بالخوف العميم الذي قضيتُ معظم حياتي أحاول التغلّب عليه· وما أزال أفكّر أحيانًا أنّي جبان، تتوعّدني كارثة جبّارة ضامرة تتحفّز للانقضاض عليّ بسبب ذنوب ارتكبتها وسوف أعاقب عليها لا محالة في القريب العاجل(32)·

6· المنفى وثنائيّة الرفعة والدونيّة

وخارج مجال الجسد نشأ سعيد في عالم أسريّ مغلق يدار بإحكام، لشدّة ما كنت محميًّا ومُحتجزًا داخل ذلك العالم الصغير الذي بناه أهلي، لازمني شعور بأنّ وراء حدود العادات والرحلات المبرمجة بدقّة متناهية عالمًا كاملاً يتأهّب لاختراق السدود ليغمرنا، بل ليجرفنا جرفًا تحت لُجَجه فارتسم له عالم القاهرة عدائيًّا وغير مؤتمن، وينبغي الحذر منه؛ إذ كُبتتْ رغباته بضغط أسريّ مفرط في صرامته، فمع أنّ كلّ شيء في القاهرة كان يغريه، لكنّ حياته كانت خاضعة لرقابة كاملة، لم أخرج مرّة مع فتاة، بل لم يسمح لي بأن أزور أماكن اللهو العامّة والمطاعم، ناهيك عن ارتيادها· وكان والداي يتناوبان على تحذيري دائمًا من الاقتراب من الناس في الباص أو الحافلة، ومن تناول المشروبات أو الأطعمة من محلّ أو بسطة، والأهمّ أنّهما صوّرا لي بيتنا والعائلة على أنّهما الملجأ الوحيد في زريبة الرذائل المحيطة بنا(33)·

حُجز سعيد خلف جدران عالية أخذتْ بها أسرة متوسطة الحال تنتمي إلى أقليّة شاميّة مهاجرة، لم تتوافر لها ظروف الاندماج بالمجتمع المصريّ، وظلّت علاقتها مضطربة بكلّ من السكان الأصليّين والإدارة الاستعماريّة· والشوام أقليّة ظهرت في مصر منذ مطلع القرن التاسع عشر، وتكاثرت في نصفه الثاني، ولكنّها بقيت خارج المجال الأهليّ المتماسك، ونُظر إليها باعتبارها داعمة للاستعمار، فيما لم تنظر إليها الإدارة الاستعماريّة إلاّ بوصفها جزءًا من تشكيل الأقليّات الأجنبيّة· والحال أنّها كانت أكثر قربًا من الناحية الذهنيّة للأقليّات الأجنبيّة منها للمصريّين، وقد شكّل الشاميّون في مصر عالمًا خاصًّا غلّفه حسّ بالاغتراب، والعزوف عن الاندماج والشعور بدرجة من التعالي، بسبب الهجنة التي جعلتهم في منتصف الطريق بين الأجانب الغربيّين والأهالي، فذاكرة تلك الأقليّة استمدّت وجودها من الأصول الشاميّة، ولكنّه وجود منشبك بالمصالح الغربيّة· وهذا الوضع غير المستقر جعلها أسيرة نوع من الانكفاء الحذر على الذات·