eKtab
EN ع
السرد والسرديات في أعمال سعيد يقطين
Read free sample

السرد والسرديات في أعمال سعيد يقطين

by د. شرف الدين ماجدولين

Page 1

تقديم

يتقدم هذا الكتاب إلى قارئه بوصفه مدخلا إلى مقترب نقدي ثر ومتشعب وماتع الأعطاف، هو مدخل من حيث كونه يشتمل على وصف وتعريف، ومناقشة للّبِنات الأساسية في كتابات صاحبه سعيد يقطين، دون أن يكون بديلا عنها، مثلما هو وبالصفة ذاتها، تيسير لفهم أسباب التنوع والتعدد في موضوعاته، وآليات اشتغاله، ومراجعه النظرية، ومقاصده الفكرية والنقدية.

كان وازعنا في إعداد هذا الكتاب "عن السرد والسرديات في أعمال سعيد يقطين" الإيمان بجدواه الحاضرة والمستقبلية، في الاستجابة لبعض انتظارات درسنا النقدي العربـي، واستثارته لأسئلة عصية على التبسيط أو الاختزال، وبحثه عن منافذ لمناهج هذا الخطاب، ومضامينه، وأهدافه، من واقع التكرار الفج، واجترار الإشكالات الزائفة غير المجدية، إلى أفق مفتوح على قضايا النقد والثقافة في بعدهما الكوني.

يتناول الكتاب عبر فصوله الثلاثة مساهمات سعيد يقطين في النقد الروائي، ودراسة التراث السردي، وجماليات النص التفاعلي والمترابط، وبذا فإن العمل الحالي يكتسي بعدا وصفيا وتقييميا في آن، قصاراه عرض المحصلات والخوض في جدل مع ما تقدمه من اجتهاد مفهومي، يصل المادة النقدية المحللة بامتدادها الثقافي، ويشج الوعي نظري الرافد لها بأسئلة النقد المعاصر، ومقولاته بصدد مفاهيم: "السرد" و"السرديات" و"النص" و"الخطاب"، و"الترابط" و"التفاعل" وغيرها... وبالشغف نفسه الذي يجعل من الخطاب النقدي حقلا لاستكشاف آليات النظر إلى أقانيم: "اللغة" و"التراث" و"الذات" و"الآخر"...

هكذا تراوح القراءات بين الدراسات الجامعة التي تنظر إلى منتوج سعيد يقطين في شموليته، وبالنظر إلى تكامل مكوناته، وأخرى تختص بأعمال مفردة، تتناولها بالنظر إلى جدتها في حقلها المعرفي ومدى ما تستثيره من أسئلة وإشكالات في مجالها النقدي. وفي المحصلة تكاد الدراسات المضمنة في هذا الكتاب تتناول مجموع أعمال سعيد يقطين الممتدة من "تحليل الخطاب الروائي" إلى "قضايا الرواية العربية الجديدة" مرورا بباقي الأعمال، تضاف إليها شهادات شخصية لزملاء الباحث وأصدقائه وبعض تلامذته، تسلط الضوء على بعض سجاياه الثقافية والإنسانية.

Page 2

ولعل ما يميز القراءات والشهادات في هذا الكتاب انتماؤها إلى أقطار عربية متنوعة، كما أن ما يبرر اختيارها، كونها نصوصا متساندة، بما يتضمنه معنى التساند من إحاطة بمجمل اجتهادات سعيد يقطين، وأسئلته وهمومه الفكرية والمنهجية، غير أن تساندها لا ينفي تباينها سواء من حيث المرجعيات أو في المحصلات والنتائج، وبالنظر إلى بنيات الوصف والتقييم على حد سواء.

وجدير بالذكر في هذا السياق أن الكتاب الحالي يتألف من مباحث أنجزت عبر مناسبات متباينة، وخلال مدى زمني طويل نسبيا، فبعض المقالات كتبت لهذا العمل خصيصا، وتتمثل أساسا في نصوص الشهادات المضمنة في الفصل الثاني، كما أن جزءا من دراسات الفصل الأول أنجز بمناسبة ندوة تكريمية لسعيد يقطين التأمت بمدينة شفشاون المغربية بتاريخ 31 يناير 2009، بينما أمدنا الأستاذ سعيد يقطين بمجموعة أخرى من الدراسات والحوارات، التي سبق لأصحابها أن نشروها في بعض الصحف والدوريات، أو شكلت جزءا من رسائل وأطاريح جامعية، وإذ نستأذن أصحابها في نشرها مجددا، نأمل أن نكون قد وضعناها في سياقها اللائق، بما يصون الغرض الذي كتبت من أجله، وييسرها مجددا للقراء والمهتمين بأعمال سعيد يقطين، بين دفتي كتاب جامع.

ونود أن نشير في ختام هذا التقديم إلى أن المتن المنتقى بين دفتي الكتاب الحالي، هو صيغة تمثيلية لما أنجز حول أعمال سعيد يقطين، لاتدعي- بأي حال من الأحوال- الإحاطة بكل ما أنجز في هذا الباب، حيث كان بين أيدينا في البداية عدد كبير من المقالات والبحوث، فكان من اللازم تنخيلها، فهي محاولة لتقريب الصورة في تقاسيمها الرئيسية، وليست مجرد عمل توثيقي، كما أننا حاولنا أن نحتفظ بتلك المقالات في صيغتها الأصلية، مع تصويب بعض ما بدا لنا خطأ غير مقصود، أو تعديل عدد من الصيغ بما يجعلها تتواءم والسياق الجديد، أو حذف بعض المعلومات (التوثيقية) الواردة في أكثر من موضع، هي إذن صيغة تحريرية تتقصد أن تكون وفية -إلى أبعد حد- لهدفها الأصلي المتمثل في قراءة تجليات: "السرد والسرديات في أعمال سعيد يقطين"، بعيون ثلة من أهم الباحثين والنقاد المغاربة والعرب.


ويبقى أن ننوه في النهاية، بأن إصدار هذا الكتاب، فضلا عن القيمة النقدية والأكاديمية، التي يمثلها، فإنه يسعى إلى توجيه تحية رمزية، لناقد أصيل، وكاتب طبع بجهوده المعرفية مرحلة ثقافية في المغرب والعالم العربـي، وأستاذ خلد بأريحيته العلمية شيما ثقافية باتت نادرة اليوم، في ذاكرة أجيال من الطلبة والباحثين والنقاد، ومنهم محرر هذا الكتاب، فأبت إلا تبادله وفاء بوفاء.

د. شرف الدين ماجدولين

10 نونبر 2012

Page 3

السرد العربي القديم: من التراث إلى النص تجربة سعيد يقطين نموذجا

د. حاتم الصكر

(ناقد وباحث عراقي)

-1-

لم يحظ السرد العربـي القديم بالعناية الكافية من الباحثين العرب المعاصرين، رغم الاتفاق على وجوده وتوفر نصوصه، المندرجة ضمن أنواع وأجناس سردية مختلفة؛ كالأخبار والنوادر والحكايات والأمثال والمسامرات، وأنواع القصص المتقدمة كالمقامات وقصص الحيوان والقصص الخيالية والشعبية والمنامات والرحلات والسير وسواها. وقد يرجع ذلك في بعض أسبابه إلى استمرار النظر إلى الموروث الأدبـي العربـي على أنه متمركز في الشعر فقط، أو أن الهوية الثقافية للتراث تتجلى في (أو من خلال) الشعر، في المقام الأول، لما تميزت به الشعرية العربية من قوة ونفوذ وانتشار، وفرها لها تاريخها وانتظامها الداخلي، ونصوصها المنوعة عبر العصور، وقوانينها ولغتها وإيقاعها، والذرى النوعية التي وصلتها القصيدة العربية الموروثة.

ولكن سبباً آخر لتراجع الاهتمام بالتراث السردي، قد يشترك فيه هذا التراث مع الموروث النثري العربـي كله، وهو هيمنة الشعر أصلا في التراث، بسبب الشفاهية التي رافقت أوليات الأدب العربـي، وتحكمت في إنتاج الثقافة العربية؛ فالنثر- وهو القسيم الشقيق للشعر في حاضنة الأدب- لم يتيسر له الانتشار والنفوذ، لما يتطلبه من هيئة كتابية، ليس فقط في تدوينه ولكن أيضاً في تأليفه، لأن الشفاهية كانت حاجزاً يحول دون التفكير بالمكتوب، فتفرض الشفاهية أعرافها وإجراءاتها في عقل الكاتب، قبل الاصطدام بالصعوبات الموضوعية، كندرة الكتاب وغياب التعلم والتدوين الخ..


هذان السببان، المعاصر والقديم، رغم تباعد نشأتهما، ونوعهما، كتعلق الأول بالتلقي المعاصر، والثاني بالشعرية العربية ذاتها، كانا وراء هيمنة الشعر على مساحة البحث المعاصر نقدياً وأكاديمياً؛ حتى صار مصطلح "الثقافة العربية" في مرحلة ما يحيل إلى مفهوم محدد، هو الشعر دون سواه. مما أضر بصورة الأدب العربـي في تلقي معاصرينا والدارسين منهم خاصة.

Page 4

-2-

لقد عانى مفهوم التراث، نفسه، من التباس كبير. فإذا ما استقر "المصطلح" ليدل على النتاج العقلي والفكري للعرب في مرحلة زمنية متقدمة، فإن "المفهوم" نفسه كان يعاني من تلك الالتباسات والبلبلة، فقد أخذ يندرج تحته كثير مما يقصر عن الإضافة والتأثير والحضور في عصرنا، وقد جرى بسبب ذلك أمران يؤديان إلى نتيجة واحدة، هي النفور من التراث، والنظر إليه عقبة في طريق المعاصرة والحداثة من بعد.

الأمر الأول: التهافت على كل ما كتب في "الماضي" زمنياً، وتحقيقه ونشره بكونه "تراثاً"، رغم ظرفيته، وتدني مستواه، وتخلف مفاهيمه.

والثاني: النظر إلى مادة التراث نظرة "انتقائية"، تختار منه ما يناسب أيديولوجية صاحبها، أو معتقده، أو رؤيته.

ويتعلق بهاتين النظريتين، اللتين شجعت الجامعة من جهة، والمجددون أو الإحيائيون في عصر النهضة من جهة أخرى، على اتساع أثرهما، موقف آخر يتذبذب بين رفض التراث كماض منقض، أو إسقاط الحاضر عليه، لسلبه سياقه وظرفيته. وهو ما جعلنا نخسر الكثير من تراثنا، أو أن يأتينا منبهاً إليه من الغرب، كما جرى للتراث الشعري الصوفي خاصة.

إن مراجعة التراث تستلزم الوعي به: وعي الحاضر بالماضي، وقراءته، وتأويله، فالوعي بالتراث هو وعينا بالمنجز البشري نفسه، وليس بتقديس الزمن، أو الخوف منه، وحراسته والدفاع عنه، دون فهمه وفحصه وكشف قوانينه، وذلك ما نعتقد أنه منطلق أساسي للذهاب إلى التراث في أغنى نقاطه وأكثرها معاصرة.


-3-

ربما أصبح الآن ما قلناه في الفقرة السابقة سبباً ثالثاً لابتعادنا عن التراث السردي العربـي خاصة، فإذا كانت قراءة الشعر الموروث، وهو فن العربية الأول، تتعرض لذلك الالتباس والفهم القاصر، فكيف سيتم النظر إلى المدونات السردية، وهي تقبع في هامش الثقافة العربية، لكون الأنواع السردية الحديثة وصلت إلينا بطريق الغرب، كالقصة والرواية والمسرحية؟.

لكن تحديث المنهج النقدي العربـي في الربع الأخير من القرن الماضي تحديداً، وما حصل "ثورة" منهجية مست الإجراءات والآليات، وغيرت كثيراً من مفاهيم الشعرية السائدة، وقد ساعد في العودة إلى التراث، والي مناطق محددة منه، يمكن الإشارة إليها موجزاً؛ في الشعر: بإحياء الهوامش والمهمشين ولأسباب متعددة ثقافية واجتماعية وسياسية ودينية. وفي السرد: ساعد التعرف على نظريات السرد الحديثة وعلومه وترجمتها إلى العربية على العودة إلى النصوص التراثية السردية لفحصها وتقديمها، ليس بالامتثال إلى المعاصرة أو بث روح الحاضر فيها، وإنما بواسطة إجراءات جديدة، يمنحها الجهاز السردي الضخم، الذي بفضل انضباطه وتنظيمه للقراءة أطاح بالقراءات الانطباعية والتعليقية للسرد، والمكتفية بتلخيص الحبكات والتعليق على المضامين في العادة، وهو عين ما جرى في مجال قراءة المتون السردية المعاصرة. في القصة والرواية خاصة.

Page 5

-4-

لعلها مفارقة حقاً أن تكون المناهج النقدية الحديثة، وتيارات الحداثة في تحليل الخطاب والسرديات ودراسات الشعرية، هي التي ستعيد للسرد القديم قيمته واعتباره.

ومثلما جرى في الغرب حيث تمت قراءة ألف ليلة وليلة مثلاً بكونها تجسداً للمخيال العربـي، وصورة للحكي الغني المحكوم بقوانين خاصة، بخلاف النظر المعتاد إليها في الدراسات الاستشراقية الأولى، فقد تمت في النقد الأدبـي العربـي الحديث قراءة المتون السردية العربية الموروثة في ضوء علوم السرد وما تهبه السرديات من إمكان الكشف عن مكونات الخطاب السردي، وصولاً إلى مستويات السرد في النص نفسه.


وما قدمه نقاد السرد العرب ليس خافياً كمنجز في هذا المجال اذا ما استرجعنا جهود كتاب مثل عبد الفتاح كيليطو ومحمد مفتاح في المغرب، ومحمود طرشونة في تونس، وعبدالله ابراهيم في العراق، وسواهم من الكتاب المهتمين بالسرد العربـي القديم في ضوء المناهج الحديثة، التي لا تكتفي بوصف النص أو كشف مضامينه، وإنما تتجه إلى كشف قوانينه، وكيفيات انتظامه، وعلائقه، إلى جانب عناصر السرد التقليدية فيه، والتي صار التعرف عليها (كأصناف الرواة وأنواع السرد والمروي) جزءاً من مظاهر تنظيم الخطاب السردي، وإكسابه علمية ومنطقية.

وفي هذا المجال تبرز جهود باحث مغربـي جاد هو سعيد يقطين الذي بدأ اشتغاله المبكر في السرديات عبر تحليل الخطاب الروائي، لاسيما في كتابه "تحليل الخطاب الروائي" وكتاب "انفتاح النص الروائي"، ولكن جهوده لم تتوقف عند حد الاهتمام بالخطاب والنص، وإنما تجاوزتهما إلى البحث في القصة، أو المادة الحكائية. وهو ما جسده في كتبه اللاحقة وهي: "الرواية والتراث السردي" و"الكلام والخبر، مقدمة للسرد العربـي" و"قال الراوي، البنيات الحكائية في السيرة الشعبية" ومختاراته من السيرة الشعبية التي ضمها كتابه "ذخيرة العجائب العربية".

Page 6

-5-

سوف نعني في هذا الجزء من الدراسة بجهود سعيد يقطين في مجال السرد العربـي القديم بصفة خاصة، ونبدأ بمنظوره للتراث، حيث يعترض أولا على الدراسات والبحوث المعاصرة حول هذا التراث، لأنها تنم عن "التكرار والاجترار"، وذلك في رأيه يباعد بيننا وبين فهم هذا التراث الزاخر، وتقييمه التقييم المناسب، بسبب كونها لم تأخذ بأسباب البحث العلمي.. في معالجة الجوانب التراثية. وبديلاً عن ذلك يوضح الكاتب مبتغاه بالسعي إلى قراءة التراث بأدوات جديدة، وبأسئلة جديدة، وبوعي جديد، ولغايات جديدة. وأحسب أن التحديد الأخير ألزم دارس التراث- أو اقترح عليه- توفر أربعة أشياء جديدة هي: أدوات- أسئلة- وعي- غايات. الأولى تتعلق بالإجراءات المنهجية، والثانية بالهم الفكري المصاحب للقراءة، والثالثة: بالموقف وزاوية النظر، والأخيرة بالقصد أو الغرض من العودة إلى التراث.


وهذه الاشتراطات تحقق أكثر من هدف، فهي تتطلب نوعاً خاصاً من الباحثين المجددين منهجياً والمهمومين بمساءلة التراث والبحث عن إجابات في متونه، والواعين بقضيته، والقاصدين استنباط قوانينه ونظمه أو أدبيته بالاحتكام إلى نظرية الأدب. ولكن هذه الشروط ليست قسرية أو قهرية، فالتراث كما يرى سعيد يقطين شبيه بكتاب الصور العائلية الذي يضم أفرادها في مراحل مختلفة ومتباعدة.

وسيفترض الكاتب أن أفراد العائلة سيعودون- منفردين- كي يعاينوا هذه الصور بعد زمن، وسنرى أن هذا "العالم الصوري الذي يتشكل منه الكتاب يثير لدى كل منهم عوالم جزئية وأخرى كلية، خاصة وعامة، ويتباين هؤلاء الأفراد في زوايا النظر وأبعاده، وتختلف بذلك رؤاهم إلى ذلك العالم الأيقوني من هذا يستثير أحدهم في ذاكرته اللحظات السعيدة، فيما يعود آخر إلى الذكريات السيئة.. ولكن أبرز ما يمثل اقتحاما أو انتهاكاً لصورة التراث، هو المحمول الإيديولوجي الذي يصير التراث بسببه وسيلة في صراع خارج موضوعه وسياقه. كما يعترض الكاتب على تركيز الباحثين لجهودهم في جانب منه، مهملين الجوانب الأخرى المغيبة والمهمشة، ويعترض على مناهجهم في البحث التي يصفها بأنها "تقليدية وناقصة وتجزيئية".

إن غنى التراث العربـي وتنوعه وتعدد جوانبه تبعاً لتعدد منتجيه ومراجعهم الإثنية والجغرافية، يتطلب فحص موقف العربـي نفسه من تراثه. وهنا يرى الكاتب أن ثلاث لحظات عاشها العربـي في علاقته مع تراثه:

- اللحظة الأولى: وتبدأ مع ظهور الإسلام وتغيير رؤية العربـي إلى ذاته وواقعه وتراثه.

- اللحظة الثانية: في القرن الثالث الهجري حيث اتسعت رقعة المجتمع العربـي الإسلامي وجرى الاحتكاك مع الأمم الأخرى.

- اللحظة الثالثة: ويمثلها عصر النهضة الذي مثل لقاءً مع الغرب المتقدم والمسيطر، وفي كل لحظة من اللحظات الثلاث يقدم الوعي صورة للتراث، وموقفاً محدداً منه. لكنها كلها تعكس حيرة وقلقاً إزاء مفهوم التراث الملتبس والمحير في ذاته

Page 7

-6-

هذا الالتباس في مفهوم "التراث" وقراءته وتقييمه وتفسيره، سيدفع الباحث في مرحلة لاحقة إلى اقتراح مصطلح "النص" بديلاً عن "التراث"، رغم اعترافه بأن "النص" لا يقل- كمصطلح- عن التراث إبهاما وشمولية، وهو ما سيدفعه في مرحلة لاحقة لاستبدال "الحكائية" بالنصية. مادام استعمال "التراث" يوقعنا مفهومياً تحت وطأة الدلالات الإيديولوجية والإيحاءات الزمنية، فالباحث يقترح (النص) بديلاً عنه لعدة اعتبارات منها:

1- أن مفهوم (النص) مفهوم لا زمني لاتصاله بالنصية ذاتها، وهي لا تتحدد بزمن معين.

2- ذلك يسمح بتأسيس نظرية للنص أو معالجته بناءً على تحديد الموضوع ومكوناته وعناصره، إضافة إلى تاريخية النص ذاته، وثقافته، ودلالاته...

3- دراسة (النص) باعتبار التفاعل النصي أي علاقته بنصوص أخرى، من أجناس مختلفة ظهرت في الفترة نفسها أو ما سبقها أو ما تلاها.

بذلك نتجاوز الانتقائية والإيديولوجية في دراسة التراث.. ونقيم اعتباراً لبنيات النص الخاصة وعلاقاته مع سواه.

-7-

يتيح لنا الاهتمام بالنص تحديداً لا التراث بعموم وشمولية، أن نعاين المُقصى أو المغيب وهو الذي يسميه الباحث (اللانص) بحسب تقسيم العرب لإبداعاتهم، وامتثالاً للعملية النقدية والبلاغية العربية التي انصبت كما يرى الباحث "على أنواع معينه من الإبداعات اللفظية وتم إغفال وتجاهل قطاعات عديدة من الإبداع اللفظي ذاته"، أي أن بعض النصوص دخلت إطار ما يعرف بالنص بشرعية وقبول، فيما أقصي البعض الآخر ليدخل دائرة (اللانص) رغم توفر (النصية) فيه وهي صفة يستخدمها الباحث مقابلة للأدبية في النثر والشعرية في دراسة الشعر.

ولكن: كيف نظر العرب إلى (النصية) أو المقومات التي تتحقق في الكلام ليغدو نصاً؟ هذا ما سيستوقف الباحث ليستقصي تلفظات ابن وهب الكاتب في (البرهان في وجوه البيان) وابن الجوزي في (كتاب القصاص والمُذكرين) حيث يكتشف تحكم ثنائيات أخلاقية وقيمية في تحديد هوية (الكلام) -جنسه ونوعه ونصيته- وهوية المتكلم أيضاً "فثمة السفهاء والجهلاء، بمقابل العلماء والحكماء، وكلامهم هو السخف والهزل، بمقابل الجد والجزل، وثمة ثنائيات كثيرة: الحسن والقبيح، الفصيح والملحون، الصواب والخطأ، الصدق والكذب، الحق والباطل... الخ". وفي هذا تركيز على نوع المتكلم وموقعه الاجتماعي (خواص/عوام..) وعلة نوع الكلام وصفته ومحتواه، وعلى قصد الكلام من جهة كونه محموداً أو مذموماً..


وسيتضح أن (النص) في هذا التقسيم هو ما كان قائله من الخواص، ونوعه مسايراً للأخلاق، وقصده محموداً ومقبولاً... أما (اللانص) فقائله من العوام، ونوعه خارج مقاييس الخلق السائد، ومقصده الهزل أو الاحتيال.. وهذا التقسيم ينطبق على القص والقصاصين لدى ابن الجوزي فبعضهم عنده لا يتحرون الصواب، ويُدخلون في الدين ما ليس منه، فأفسدوا العوام بما يقصون عليهم، كما أن ذلك يشغل الناس عن قراءة القرآن، مع أن في القرآن والسنة من القصص والوعظ ما يكفي عن غيره. وهاتان الصورتان عن النص واللانص (من ابن وهب وابن الجوزي) لهما نظير في فتاوى الفقهاء أيضاً، كتحريم بعضهم بيع كتب القصاص وشراءها، والنهي عن سماع القصص، وعدم جواز إمامة القاص ولا شهادته...

Page 8

-8-

يستدل الباحث بعد هذا الاستقصاء المضني والربط المحكم للوقائع والأخبار لاستنتاج نظرية نصية عربية، على أن النتاج السردي هائل وضخم في التراث العربـي، ولكن أغلبه ضاع بسبب الرواية الشفهية وعدم التدوين. وان أغلب ما ضاع هو من النتاج ذي الطبيعة السردية، وأن ما اعتبره النقاد العرب والمؤرخون (لانصاً) هو في تقدير تقليد أدبـي محدد لا يوافقه كثير من المتلقين (العوام) لأن هذا التمييز بين (النص) و(اللانص) "يستند إلى أبعاد ثقافية واجتماعية وتاريخية"، يترتب عليها "اصطفاف ثقافي ومعرفي له مبرراته الحضارية في حقب ثقافية وتاريخية معينة"، ودليله على ذلك تبدل النظر إلى النص واللانص، فما كان يعتبر (لا نصاً) -كالسيرة الشعبية مثلاً- سيكون (نصاً) في فترات لاحقة، وبتقدير متغير أو جديد، وهذا التقسيم سينسحب على العصر الحديث أيضاً، ولدى المعاصرين أو المحدثين، لأنهم جميعاً واقعون تحت مبدأ (الملاءمة) أي إلى قياس مدى ملاءمة النص للنص النموذج، ومدة ملاءمته المنهجية كموضوع للبحث والدراسة.


أما الغربيون فقد أعطوا (اللانص) صفة النصية خلال دراستهم، كما حصل عند معاينتهم للسيرة الشعبية، على سبيل المثال، وهي التي سينشغل سعيد يقطين بمادتها الحكائية وتجنيسها، وتصنيف مفرداتها لاحقاً.. وكأنه يريد بذلك أن ينسب للدارسين الغربيين في مجال السرد الفضل في كشف نصية اللانص، مثلما كان للباحثين الغربيين الفضل في كشف شعرية المهمّش والمقصي في المتون الشعرية العربية..

إن الباحث يرى أن التمييز بين (النص واللانص) تعود في جذورها إلى الثقافة العربية المبكرة، بدءاً بمرحلة جمع وتدوين آيات القرآن الكريم وحرق المصاحف المغايرة للمصحف العثماني، ثم تصنيف الأحاديث بحسب مكانة رواتها وصلاتهم بمن يروون عنهم ونوع المروي..

-9-

يرى الباحث أن السيرة الشعبية تعد مثالاً لتبدل الموقف من (اللانص) وصيرورته (نصاً) وترتب على ذلك تغير النظرة إلى السيرة الشعبية العربية، واهتمام الدارسين بها بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك لأسباب تتعلق بالوعي أو النـزوع القومي -التحرري في مواجهة الاحتلال والاستعمار، وبفعل بروز مقولة (الشعب) العربـي المحملة بشحنات تحررية وسياسية وإلى ما في السيرة الشعبية ذاتها من (بعد قومي وبطولي) يضاف إلى ذلك ما طرأ على مفهوم الأدب نفسه من تغير، وما حظي به الأدب الشعبـي من مكانة خاصة.

ولاشك أن النـزاع أو الصراع مع الغرب منذ عصر النهضة حفز الباحثين على البحث عن جوانب دفاعية كان منها السيرة الشعبية.. وما تبعته من عزائم وهمم في النفوس. هكذا غدا (اللانص) الذي لا يوافق الاشتراطات النصية التقليدية، (نصاً) له مكانته في الأدبية العربية. وهو ما حدا إلى البحث فيه من حيث مادته الحكائية، وتجنيسه، والبحث في أطره الحكائية، ورواته، وعجائبيته، وجوانب (النصية) فيه.. وهو ما سينصرف اليه جهد سعيد يقطين الأخير في جمع مادة السير الشعبية، ودراستها سردياً ودلالياً، ثم تطوير جهازه الاصطلاحي من داخل حفرياته في نص السيرة الشعبية، وما يترتب عليه من تطوير الآلية المفهومية والإجرائية المستخدمة في البحث.

Page 9

-10-

تمثل جهود سعيد يقطين نموذجاً للكد النقدي المتواصل، وتطوير الأدوات والإجراءات المنهجية. فبعد أن مر الباحث بطور الانبهار بالجهاز الاصطلاحي والمفاهيمي الهائل للبنيوية، وما تفرع عنها من دراسات في مجال السرديات، وانصرف إلى بناء اجتهاده النظري الخاص، صاحب ذلك التحول المنهجي اهتمام باللانص أو النصوص الهامشية، والسرد القديم على وجه التخصيص، وجانب السيرة الشعبية منه بالتحديد. ولاشك أن جهده هذا يحسب له في رصيده العلمي والنقدي، فالنص السيري الشعبـي ظل نهباً للحكي الشفاهي أو التدوين (الشعبوي) غير المنقح أو المدروس.. لكن جهود الباحث وعدد من زملائه في المغرب والمشرق، جعلت النظر إلى نص السيرة الشعبية منهجياً وعلمياً، وسواء بالأدوات أو الإجراءات أو الغايات.

لقد كان الكاتب نفسه (في مرحلة اهتمامه بالخطاب والنص كما يعترف في أكثر من موضع) واقعاً تحت تأثير المفهوم الذي ينتقده في (الكلام والخبر) ويقترح فيه هدم ثنائية (النص/اللانص) في التراث السردي العربـي. لقد كان الباحث لسنوات يهتم بما يأخذ صفة (النص) في العرف النقدي الحداثي، أي ذلك المستجيب لحداثة أسلوبية وانتظام بنيوي ونسقي خاص، تصاحبه هموم معاصرة أو حديثة وعبر أشكال متفق على حداثتها (كالرواية والقصة..) وبذلك أقصى من ذاكرته ما لا يعد (نصاً) وفق ذلك. ومنه (النصوص) أو (المتون) السردية العربية القديمة، ومنها نص السيرة الشعبية ذاته. كما أن الجهد الرائع الحيوي والدال على تفتح عقلي حواري مع المقروء، لم يتخلص من الإعجاب بجهد الغرب، فنسب إلى باحثيه فضيلة اعتبار (اللانص) نصاً من خلال تجنيسهم للسيرة الشعبية ودراستهم لها، أو حتى مجرد تنبيههم على متونها. والباحث يغفل بهذا، ما فعله باحثون عرب قدامى في مسائل أخرى أكثر خطورة، تمس جوانب من المهمش والمغيب في الثقافة العربية التقليدية. وسأضرب مثلاً لذلك بنص (الحمق) أو (الجنون) الذي رأى فيه مؤرخون وباحثون كبار ومكرسون (نصاً) جديراً بالدراسة (يراجع كتاب عقلاء المجانين مثلاً أو أخبار الحمقى والمغفلين)، إضافة إلى أخبار الموسوسين وسواهم من الشعراء في بعض المعاجم. فلماذا لا نعد جهودهم محاولة في تنصيص ما لا يُعد نصاً في عصرهم؟. وما دام التراث أشبه بكتاب الصور العائلي الذي يرى كل فرد فيه صورته، فلماذا لا يظل التجنيس والتنصيص مفتوحين كذلك كل اجتهاد ما دام النص السردي التراثي نفسه يحمل غناه وديمومته.. أي ينطوي على نصيته التي تؤكد أدبيته وانتظامه السردي؟ أو (حكائيته) في المفهوم الأخير المقترح من طرف الباحث، وهو دائم التحول في اجتراح المصطلحات والمفاهيم تعبيراً عن قلق دائم، هو سمة طيبة فيما أرى، تسم جيل النقاد العرب الشباب الذي (عقلنوا) و(منهجوا) نقدنا العربـي بعد ضياع ملامحه في غمرة الانفعالية والإنشائية ونقد الشروح والتغيرات والأحكام القيمية التي لم تضف إلى الدرس النقدي شيئاً ذا أهمية.

Page 10

السرد العربيّ القديم:إشكالية المنهج وجدلية القراءة حاشية على مشروع سعيد يقطين

هيثم سرحان

(ناقد وباحث أردني)

-1-

تُمثّلُ أعمال الناقد سعيد يقطين مشروعًا معرفيًّا ذا خصوصيّة بارزة تتمثّلُ في مدوّنته السردية والنقدية التي تتصف بالإحكام من جهة والتّميّز من جهة أخرى. فأمَّا وجهُ الإحكام فيتمثّلُ في حرص سعيد يقطين على الإقامة في دائرة الحقل المعرفيّ المُتجانس موضوعًا ومفاهيمَ وآلياتٍ؛ إذ راكم، منذ ما يربو على ثلاثة عقودٍ، جهدًا كبيرًا وواضحًا في حقل السّرديات سواء تعلّق الأمر بالاشتغال النظريّ والمنهجي أم بالمجال التطبيقيّ والتحليليّ في السرديات العربية المعاصرة (= الرواية)، والسرديات العربية القديمة (= الخبر وأدب المجلس، والسيرة الشعبية، والحكاية والأخبار).

غير أنّ هذه الإقامةَ لم تكن إقامةَ المُطمئنّ وإنما كانت إقامةَ القَلِقِ الذي تحفزهُ روحُ المغامرة والكشف على مُساءلة ما يلابس موضوعاته من إشكاليات وما يساور أسئلته من شكوك وما يكتنف خطابه من ثغرات تستدعي نظرًا مُستأنفًا ومُعاودةَ تحققٍ وتثبّتٍ وتحوّط يشهدُ بذلك أنه واصل عمله بدأب ونشاط كبيرين حققا له ولمدونته المكانة النقدية اللائقة التي يستحقانها بامتياز.

وأمّا وجه تميّز مدونة سعيد يقطين فيتمثّل في إقدامه، منذ ثمانينات القرن المُنصرم، على تطويع المنهجيات النقدية وتبيئة آلياتها واختبار مفاهيمها وأدواتها من أجل تقديم قراءات جديدة للسرديات العربية القديمة والحديثة والمُعاصرة على السواء. وضمن هذا السياق تحضر أبرز علامة في مشروع سعيد يقطين تلك المُتمثّلة في الجدل المنهجي النقدي الذي ظلّ مُهيمنًا على خطابه ومسيطرًا على مرجعياته.


-2-

يؤمن سعيد يقطين بأنّ "القضية الثقافية" أبرز القضايا التي ينبغي الاهتمام والعناية بها في سبيل تطوير قيم المجتمع العربيّ الثقافيّة والارتقاء ببنياته الذهنية. فالقضية الثقافيّة قادرة على حسم البلبلة المعرفية وتطويق الجهالات التي تهيمن على مجالات الحياة الأساسية. فضلا عن أنّ القضية الثقافية قادرة على تأسيس برامج الإصلاح الشامل والنهوض بمشاريع التنمية الكاملة؛ فالقضية الثقافية لا تهدف إلى ترقية التعليم وبرامج الثقافة والمعرفة فحسب وإنما تستهدفُ تعميق الوعي الإنسانيّ لدى أفراد المجتمع العربـي وخلق مسارات تواصل خلاّقة[1].

ويعزو يقطين أسباب الاختلالات الثقافيّة في العالم العربـي إلى غياب المؤسسات الفاعلة القادرة على رأب التصدّعات التي تعيشها المجتمعات العربية. وهذا يعني أنّ المؤسسة الثقافية التي ترعى التقاليد الإبداعيّة والنقديّة وتسهم في خلق بناء اجتماعيٍّ ضرورةٌ كبرى في بناء الوعي الجمعيّ حيث تأتلف الأصوات لتؤلِّفَ إيقاعًا جماعيًّا. لذلك فإنّ محنةَ المجتمع والخطاب العربيين يكمنان في غياب المؤسسة التي ترعى الخطاب وتؤمّن فاعليته علاوة على أنّ حضور المؤسسة الفاعلة يسهم في صناعة السلطة الثقافيّة القادرة على تأسيس تصوّر للأدب وممارساته[2].

أمّا المستوى التطبيقي فيرى سعيد يقطين أنّ للمؤسسة الأدبية أدورًا مهمّة تتمثّلُ في تأسيس حلقات دراسيّة لبحث تصوّرات مُغايرة عن الأدب، وتكوين مدارس واتّجاهات إبداعيّة مُتمايزة فنيًّا وإيدولوجيًّا علاوة على اعتماد روح البحث والتجديد بعيدًا عن التعبيّة والتقليد والانغلاق والاجترار[3]. ووفق هذا التصّور فإنّ "الناقد الأدبيّ يهتمّ بالتجليات الملموسة (النصّ الأدبيّ)، مُستلهمًا مُختلف المنجزات التي تتراكم من خلال أشغال العالم الأدبيّ"، وهو الأمر الذي يستوجب انفتاح النقد الأدبيّ على المعرفة الإنسانية واستناده على إنجازات البحث العلميّ المُتَحقق في مختلف العلوم الأدبيّة عن طريق تقويض الحدود الفاصلة بينها[4].


وتقوم الرؤية النقدية عند سعيد يقطين على الانتقال بالخطاب النقديّ إلى التفاعل الإيجابيّ الذي يُساهم في تطوير الوعي والمعرفة بالنصّ والمجتمع، وتغيير آفاق التفكير العربـي بتحويله من مرحلة الانقطاع إلى التحوّل. وسوف تسهم هذه الرؤية النقدية في إنجاز التفاعل الثقافي الذي يحوّل العملية النقدية إلى عملية إنتاج معرفيّ تعمل على البحث عن رؤية نقدية جديدة بديلة من جهة، وإنجاز قراءات نقدية علمية للرؤى النقدية القديمة المُتحققة ومعاينة حدودها من جهة أخرى[5].