eKtab
EN ع
السياسة الأمريكية المعاصرة تجاه الأقليات الدينية في العالم الإسلامي
Read free sample

السياسة الأمريكية المعاصرة تجاه الأقليات الدينية في العالم الإسلامي

by د. سلمان داود سلوم العزاوي

Page 1

الخطاب الامريكي والاقليات الدينية

( إطار نظري)

ان تحليل الخطاب السياسي الامريكي المعاصر ازاء الاقليات الدينية في العالم الاسلامي يتطلب تحديد اطار مفاهيمي يرتبط بالخطاب السياسي والاقليات وما يتفرع عنها من اقليات دينية ،كما انه يتطلب تشخيص الخطاب السياسي الامريكي ازاء الاقليات الدينية من بين مجمل الخطاب الخاص بالاقليات من خلال عرض الطروحات الفكرية التي يعتمدها هذا الخطاب ،من جانب ،ومن جانب آخر تحديد مضامين الخطاب الامريكي الصادر عن الاطار المؤسسي الرسمي .

ومن اجل الالمام بهذه القضايا الاساسية جرى تقسيم الفصل الاول الى مباحث ثلاثة ركزنا في المبحث الاول على الخطاب السياسي من خلال تحديد مفهومه ، وتحديد مفهوم الخطاب السياسي الامريكي المعاصر في حين ركزنا في المبحث الثاني على مفهوم الاقليات الاثنية والدينية ،اما المبحث الثالث فاختص بالحديث عن مضمون الخطاب السياسي الامريكي تجاه الاقليات من خلال الحديث عن الطروحات الفكرية والاطار المؤسسي – الرسمي .

Page 2

المبحث الاول :الخطاب السياسي الامريكي المعاصر

ان الحديث يتركز في هذا المبحث على جانبين احدهما تحديد مفهوم الخطاب السياسي ، من خلال عرض اراء المختصين في هذا المجال والاخر تحديد مفهوم الخطاب السياسي الامريكي المعاصر ،ويتم تناوله في مطلبين هما ،

المطلب الاول :الخطاب السياسي – تحديد المفهوم

المطلب الثاني : الخطاب السياسي الامريكي المعاصر – ماهية المفهوم .

Page 3

المطلب الأول :الخطاب السياسي ... تحديد المفهوم

قبل ان نلج في تحديد مفهوم الخطاب السياسي بشكل دقيق لا بد من تناول المدلولات اللغوية لمفردة الخطاب (speech ) لأنها تتضمن الرؤية الأساسية لأية فكرة تقترن بها بالإضافة الى كونها تتعامل مع معطيات كل مرحلة او حقبة من الزمن بافاقها وامالها ومخاطرها وتحدياتها([1])

فللخطاب مدلولات لغوية وفكرية متعددة ومختلفة فهنالك من يرى انه مفهوم غربي من وضع المفكر الفرنسي الحديث ( ميشال فوكو ) الذي راى ان الخطاب ( Discourse ) هو مفهوم نقدي في جوهره ([2]) ، في حين نجد ان اللغة العربية غنية بالمعاني والدلالات الفكرية واللغوية لتلك المفردة وإشتقاقاتها ، فالتأصيل اللغوي لها ، كما مبين في معجم لسان العرب لابن منظور يعني مراجعة الكلام ، وإذ نقول خاطبه بالكلام مخاطبة وخطاباً وهما يتخاطبان ... والخطبة مصدر الخطيب وخطب الخطيب على المنبر وأختطب يخطب واسم الكلام الخطبة ، وان الخطبة مصدر الخطيب لايجوز الاعلى وجه واحد ،هو ان الخطبة اسم للكلام يتكلم به الخطيب فيوقع موقع المصدر ([3]) ، وفي تاصيل لغوي اخر لمفردة خطاب يرى ( جبران مسعود) في معجمه اللغوي ( رائد الطلاب ) ، ان مصدر كلمة خطاب هو خاطب اي ما يكلم به الانسان صاحبه، وان فصل الخطاب يعني الفصاحة وتعني ايضا الخطاب الذي ليس فيه إسهاب أو اختصار وإن الخطاب اقرب ما يكون في معناه الى الرسالة ([4]) .

كما وردت لفظة خطاب في اللغة الانكليزية بلفظ ( speech ) او ( Discourse ) وهما يعنيان الكلام او الحديث او خطبة او لغة او لهجة او مقالة او محاضرة ، واخيراً هي ملكة الكلام أو القدرة عليه([5]). فالخطاب هو فصل الكلام ويشمل المحادثة العامة او المناقشة داخل القاعات او باستخدام (رمز صوتي او رمز مرئي ) وهي الحركات والتصرفات التي يستخدمها الشخص المتحدث كالذراع او اجزاء الجسم الاخرى لاغراض تجسيد الخطاب ([6]) ، كما ان قاموس وبستر ( websters ) يحدد الخطاب بمفردة لغوية مفادها ( The ability to speak ) القدرة على الكلام او الملكة على الكلام وان اسم الفاعل هو (speech ifying ) ومعناها يخطب باسلوب رنان وبالتالي فان (speech ) هي الوسيلة لاحداث تغيير عن طريق الارسال بالكلام ([7])الذي ينتج عن مجموعة افكار يتم التعبير عنها بالكلام او الكتابة الموجهة الى اشخاص محددين وبذلك يمكن ان نطلق على تلك الافكار بالرسالة (Message ) والرسالة بالمفهوم اللغوي هي اتصال شفاهي او تحريري، اي كتابة او مخاطبة شخص لاخر، فقد تكون هي الرسالة التي يحملها الملائكة الى الانبياء ، او الرسالة التي يحملها الشباب ، او الرسالة من الرئيس الى اخرين عبر مبعوث ( الشخص الذي يحمل الرسالة ) ([8]) ، وان هذه الرسالة لابد وان تحمل فكرة معينة او وجهة نظر محددة يروم الكاتب او الباعث ايصالها الى المتلقي بواسطة نصوص مكتوبة او شفوية وهذا بحد ذاته (خطاب) وبالتالي فان القارئ لهذه الأفكار ووجهات النظر سيستخلص منها ما يختاره بفعل العادة او عن وعي وارادة وهذا ما يسميه الدكتور (محمد عابد الجابري) " تأويل الخطاب " او قراءة له وهذا يعني، ان هنالك جانبين يكونان الخطاب ، هما ما يقوله الكاتب وما يقرأه القارئ ، حيث نستنتج من ذلك أن الخطاب هو اقاويل وتاويل ، ينتج عنهما بناء لمجموعة من الافكار كما يعبر عن ذلك الفلاسفة العرب القدماء([9]) ، مما يعني ان كلمة خطاب مفردة اصيلة في اللغة العربية وقد وردت بمدلولات مختلفة وفي مناسبات عديدة على مر القرون فاذا اردنا ان نحدد وبدقة متى وردت كلمة خطاب لاول مرة ، فان الامر يستدعي منا التشفع والاستدلال بالقران الكريم في محاولة تحديد ذلك تقديراً ... حيث وردت احدى مشتقات كلمة خطاب لاول مرة على لسان نبي الله ابراهيم عليه السلام عندما تسأل من المرسلين الذين بعثهم الله سبحانه تعالى قائلاً ( قال فما خطبكم ايها المرسلون)([10]) . كما وردت كلمة خطبكم ايضا في ثلاث سور اخرى كما في قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام ( قال فما خطبك يا سامري ) ([11]) . وقوله تعالى على لسان عزيز مصر ( قال ما خطبكن اذ راودتن يوسف عن نفسه)([12]) . وقوله تعالى على لسان موسى عليه السلام ( قال ما خطبكما، قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير )([13]) ، وقد جاءت كلمة خطبكم في هذه الآيات جميعها بمعنى الشان او الامر او الغرض ([14]) ، ولكن ما يهمنا هنا كما بين الدكتور (مختار الفجاري) هو كلمة خطبكم في سورتي الذاريات والحجر المذكورتين سابقاً حين اجاب المرسلون على استفسار نبي الله ابراهيم عليه السلام، بان الامر او الغرض الذي بعثهم الله من اجله هو لتطهير الارض من المفسدين اما باصلاحهم واعادتهم الى جادة الصواب او بسحقهم ، اي ان خطابهم الذي يحملونه ليس امرا عاديا وانما هو ذو شان عظيم . وبتعبير اخر هم يحملون (رسالة) تضم في طياتها بزوغ مشروع حضاري مخلص للبشرية من العذاب الذي ينتظرهم في رسالة سماوية وخطاب يحمل دلالات عظيمة ([15]) ، ولم يقتصر المصدر (خَطبْ) على هذه المعاني في هذه الايات الكريمات فقط بل ورد في سبع ايات اخرى بمعاني ودلالات مختلفة ، حيث جاء في سورة البقرة بقوله تعالى ( ولا جناح عليكم فيما عرَّضتم به من خِطَبةِ النساءِ)([16]) ، بمعنى بما لوحتم به واشرتم اليه، وهي دلالة على استخدام الاشارة والرموز في حين ورد الفعل ( خطاب ) ثلاث مرات بمعنى الكلام حيث قال تعالى في سورة الفرقان ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً)([17])، وفي سورة هود (واصنع الفلك باعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا انهم مغرقون)([18]) ، وفي سورة المؤمنين ( ولا تخاطبني في الذين ظلموا انهم مغرقون )([19]) ، في حين وردت كلمة خطاب في سورة النبأ بقوله تعالى ( رِبّ السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خِطاباً )([20])، بمعنى لا يستطيع احد ابتداء محادثة الله سبحانه وتعالى الا باذنه ... ولكون الخطاب كما بينا يتمثل دائما بجانبين قائلا للخطاب وقارئا له بعين من التفحص وقدرة على الرد فقد جاءت الاية الكريمة في سورة ص( ان هذا اخي له تسعً وتسعون نعجةً ولي نعجةٌ واحدةٌ فقال اكفلنيها وعزَّني في الخطاب )([21]) لتؤكد ان الخطاب جاء هنا بمعنى المجادلة والمحاجة ، اي طرح كل طرف لحجته وبالتالي فان الحجة الأقوى هي التي لها الغلبة([22]) ، في حين جاءت الآية الكريمة ( وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصلَ الخطاب )([23])من سورة ص ، لتضيف شيئا جديدا لمفهوم الخطاب حيث تحمل دلالة النفوذ والسلطة لانجاز الشان او الغرض الذي انشأ الخطاب من اجله فهو الكلام الذي له القدرة التعبوية والسلطة المؤثرة في المتلقين كما يرى ذلك الاستاذ مختار الفجاري ([24]) حيث بين القران الكريم ان الله سبحانه وتعالى اعطى سلطات خارقة لداود عليه السلام ليمكنه من السلطة الكافية التي ضمنها لخطابه لاستمرار حكمه على الارض .

ان هذا التنوع في استخدام المفردة الواحدة الذي انفرد به القران الكريم قد كان له الاثر العظيم في اثراء الثقافة العربية وتكريس المفاهيم اللغوية وتعضيدها ومنها كلمة الخطاب التي تردد ذكرها بشكل كبير في كتب السيرة والاحاديث النبوية وكتب الادب والشعر العربي لدرجة يصعب احصائها فلا تكاد تذكر مناسبة اوعيد او غزوة او ظاهرة من الظواهر الا واقترنت بمشتق من مشتقاتها )[25]) . فالخطاب مفهوم عربي اصيل تداولته الالسن على مر العصور على الرغم مما يقوله البعض من ان الخطاب مفهوم غربي حددته الثقافة الفرنسية لكونه من وضع المفكر الحديث ( ميشال فوكو ) الذي يعد الخطاب اداة يعالج بها قضايا الفكر وهو ليس الفكر بحد ذاته . وقد اعتمد فوكو على عدد من المبادىء في تحليله للخطاب من اهمها :

انه لا يمكن القناعة بما يذكره الخطاب بل لابد من التركيز على ما سكت عنه الخطاب حيث يكون اكثر اهمية مما هو مذكور احيانا بالاضافة الى اننا لابد ان نكون على اهبة الاستعداد في اي لحظة لتقبل الخطاب على انه جديد ([26]) ، بينما يعرف د. حسن حنفي المفكر الاسلامي المعروف الخطاب على انه (( صياغة الفيلسوف لافكاره في قوالب لغوية تخدم عملية اتصاله بالاخرين وتاثيره فيهم )) ويقسم الخطاب الى اربعة مستويات هي ([27]) :

1. مستوى اللفظ الذي هو وحدة اللغة الأساسية .

2. المستوى الفكري المتضمن لقيم الخطاب ومعانيه .

3. مشاهدات ومقولات العالم الخارجي التي يستند اليها الخاطب .

4. مستوى الافعال الذي يتجسد في الارادات الفاعلة للخطاب .

Page 4

اما الدكتور السيد (محمد الشاهد) فانه يعرف الخطاب بالعقل وعندما يستمد مبادئه من الواقع يكون الخطاب عند ذلك وضعي وان كل ما وراء الواقع هو خرافة لا يدركها العقل ، كما يرى ان كل خطاب لا يمكن ان يكون الا فلسفيا يحوي في ثناياه على مستويات مختلفة تحددها جملة من العوامل الموضوعية والمادية ([28]) ، وهذا ما يؤكده الجابري عند تحليله للخطاب العربي المعاصر اذ يرى انه العوامل ذاتها التي تدعونا الى تقسيم الخطاب الى اربعة انواع هي : الخطاب النهضوي والخطاب السياسي والخطاب القومي والخطاب الفلسفي لكونه بناء من الافكار يحمل طابعاً استدلالياً للمستوى او النوع الذي يحدده ([29])

وفي ضوء ما تقدم وبالقدر الذي استطعنا فيه تناول مفردة الخطاب كمفهوم لغوي وفكري وفلسفي على وفق معايير مختلفة سواء أكانت في معاجم اللغة العربية والاجنبية او كما تناولها القرآن الكريم وعرضها بعد ذلك جملة من المفكرين والباحثين العرب والاجانب كان لزاما علينا ان نخلص الى القول ان الخطاب (Discourse or speech ) هو رسالة من باعث الى متلقٍ تضم في طياتها مجموعة من المعاني قد تحمل اكثر من رأي وقد تسكت عن آراء اخرى تتغير على وفق معطيات كل مرحلة او حقبة زمنية بكل ما تحمله من آمال وتحديات .

فللخطاب بنية قائمة بذاتها ووثائق وادبيات وتقارير لكي تعطي من يتداولها القدرة على الاستقرار على وفق ما تمليه عليه خلفيته الثقافية وقناعته العقائدية ، فيشكل بذلك الجانب الثاني للخطاب ، واذ كان للخطاب مستويات عديدة فان اكثرها اقترانا به هو المستوى السياسي وذلك ما سيتم تداوله وتوضيحه في دراستنا هذه لانه سيكون الاساس المنطقي الذي نستند عليه في شرح معاني واتجاهات الخطاب السياسي الامريكي المعاصر موضوع بحثنا .....

فعلى الرغم من ان مصطلح الخطاب السياسي أخذ حيزا كبيرا من حصة المفردات التي يتناولها الباحثون والمفكرون في تعبيرهم عن توجهات الدول السياسية في السنوات الاخيرة الا انه لم نجد اي تعريف واضح للدلالات والمعاني لماهية مفهوم الخطاب السياسي بالتحديد في المعاجم كلها والبحوث السياسية والفكرية التي وقعت تحت ايدينا لذا كان لزاما علينا ان نحدد الملامح الرئيسة لهذا المفهوم في ضوء فهمنا السابق لمعنى الخطاب ، فماذا يعني لنا الخطاب السياسي؟ هل هو دستور تتبناه الدولة او رموز تلوح بها ام هو تعبير عن ايديولوجية الدولة او الحزب الحاكم ام مفهوم مرادف للثقافة السياسية بكل معتقداتها الواقعية ورموزها التعبيرية التي تحدد الوضع الذي يحدث الفعل السياسي في اطاره ([30]) ؟ بمعنى اخر هل الخطاب السياسي تعبير عن مجموعة من المعتقدات والقيم والاتجاهات السائدة لدى الجماعة الوطنية ( الشعب ) بصورة عامة والنخبة السياسية المسيطرة ( السلطة ) بشكل خاص ، ومن هي الجهة او الجهات التي يصدر عنها الخطاب السياسي ولماذا ؟ فالاستاذ مختار الفجاري يرى ان الخطاب يقترن بالسلطة مباشرة ([31]) . بينما يرى الدكتور (احمد يوسف القرعي) ان الخطاب يعكس توجهات السياسة العامة للبلد ([32]) . في حين يعتبر الدكتور (مصطفى النشار) الخطاب السياسي هو احد الوسائل المهمة التي تقودنا الى تحديد معالم الفكر السياسي للدولة التي ينطلق منها الخطاب ([33]) ومن هذا نستشف ان الخطاب لا يكون سياسيا الا اذا اقترن بالدولة وكان معبرا عن توجهاتها لانه وكما بين ذلك الدكتور(صادق الاسود ) بقوله " ان السياسة تنحصر في الدولة فقط وذلك لان السياسة لا يمكن ان تنفذ عملياتها الا في ظل نظام مستقر وان الاستقرار لا يتحقق الا في اطار الدولة"([34]) وفي ظل الدولة الواحدة هناك اكثر من جهة يمكن ان يصدر عنها الخطاب السياسي لكن خطاب السلطة هو الاكثر تمثيلا للدولة لان مفهوم الدولة يرتبط بمفهوم السلطة وكلاهما ينبثق منه وعنه مفهوم الحكومة حيث يعد( هارولد لاسكي ) ان الحكومة هي هيئة من الاشخاص يصدرون اوامر باسم الدولة الى زملائهم المواطنين ويمارسون سلطة تنفيذ ذلك ، وان الاحتفاظ بهذه السلطة يعتمد على قدرتهم على اصدار الاوامر بحكمة ([35]) ، لهذا نجد ان الدكتور مصطفى النشار يقسم الخطاب السياسي الى اربعة انواع عند قراءته التحليلية للخطاب السياسي في مصر القديمة توضع جميعها في اطار الدولة الواحدة في محاولة منه لشرح مستوى الفكر السياسي المصري القديم وعلى النحو الاتي :

1. خطاب السلطة السياسي المتمثل في المراسيم الصادرة عن الملوك المصريين القدماء سواء تلك التي تصدر كنصائح الى الامراء او على شكل وصايا الى وزرائهم .

2. خطاب الحكماء او النخبة وهو صادر عن صفوة الشعب يبين رؤاهم بشان المستقبل واتنقاداتهم الى الحكام الذين تسببوا في الفوضى السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها مصر انذاك ، والخطاب هنا اقرب ما يكون الى الفلسفة السياسية .

3. خطاب الشعب : ذلك الخطاب السياسي الذي يصدر من افراد عاديين تعرضوا للمظالم فرفعوا شكواهم الى السلطة السياسية معبرين عن سخطهم على الاوضاع السياسية والاقتصادية المتدهورة .

4. الخطاب الدبلوماسي الذي يشمل رؤية السلطة للعلاقات الدولية وشكل المعاهدات مع بقية الدول على وفق اصول وتقاليد محددة تلائم مصلحة البلاد ([36])

وان هذه الصور المتعددة للخطاب السياسي تعبر لنا عن منطلقات الفكر السياسي للمرحلة التي تمثلها وهو يحقق المنهج القائم على اساس ان للخطاب جانبين باعث او كاتب للخطاب وقارئ او مؤول له ، فتمثلت الدولة هنا بالجانب الاول لما تطرحه عبر خطاب السلطة والخطاب الدبلوماسي في حين كان الشعب والنخبة هما الجانب الثاني للخطاب ... فالخطاب السياسي غالباً ما يطرح مشكلة الدولة والمجتمع والعلاقة بينهما من منظور يعالج بالاساس مسالة السلطة يعدها الممارس الشرعي للسياسة ([37]) ، لذا فان الرسالة التي تطمح بايصالها الى الدول الاخرى او السلطات المضادة ستتعرض لجملة من الاجراءات الاحترازية لضمان عدم وصول تلك الرسالة او الخطاب الى ساحاتها مما سيدفع واضع الخطاب الى اللجوء للتمويه وانتهاج الحيل السياسية للتوصل الى فرض ذاته وتطبيق المنهج الذي يخضع لثنائية الظاهر والباطن ، ففي الخطاب السياسي ( ظاهر ) يحمل كل ما يجعله مقبولا لدى الطرف الثاني على وفق اسلوب علمي مدروس يبدوا مشروعا وعلميا ويعبر عن طموحات وامال من يوجه اليهم و (باطن) ينطوي على معاني ومضامين يهدف من خلالها الى تمرير سياسته المطلوب تنفيذها على وفق الاسلوب الذي يخدم مصالحه من غير ان يحمله التزامات غير مستعد للايفاء بها ([38]) وبذلك ينطبق على هذا الاسلوب السياسي قول الشاعر:

يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ عنك كما يروغ الثعلب ([39])

فالخطاب السياسي قد يقصد اكثر مما يقال وقد يقول اكثر مما كان يقصد ، ومهمة الباحث هي الكشف عن التوجه الرئيس لهذا الخطاب ([40]) ، وفي الاحوال كلها يعدّ الخطاب السياسي جزء من مجموعة الاعمال السياسية التي تقوم بها الدولة ، فقد يضطر القائم بالاعمال السياسة على وفق رأي الدكتور ملحم قربان بالتمثيل على المسرح السياسي بلبس القناع الذي يعتقد ان الجمهور يستسيغه ويتخفى بالملابس التي تغطي تحتها الطبيعة الحقيقية للسياسة التي يلعبها فقد يكون هذا القناع ايديولوجيا او اخلاقيا او الى غير ذلك من الاقنعة التي يعتقد أنها تنال رضا الجمهور ، ولكن هذه النظرية ليست بالضرورة ملازمة دائما للسياسة ، فاذا كانت كذلك فسترمي ظلا ثقيلا واسوداً على طبيعة السياسة والسياسيين وانها ستجعل من السياسة لعبة قذرة لمن يحتكرها ([41]) لذا نجد ان الخطاب السياسي لا بد وان يتميز بالصراحة والواقعية السياسية ويتضمن عبارات تحتوي على الثوابت والمتغيرات كلها في الفكر السياسي الذي يعبر عنه الخطاب ، فالثوابت هي المبادئ الاساسية التي يتبناها الفكر على الرغم من الاختلالات التي يتعرض لها النظام السياسي للدولة واما المتغيرات في الخطاب فهي العوامل المستجدة التي تؤثر فيه بحكم تغير الظروف السياسية والنهج السياسي للمرحلة القادمة وعلى وفق المصالح التي يبغي الخطاب تحقيقها ، فقد يكون الخطاب مباشرا يظهر ما يبطن بدون اللجوء الى وسائل التمويه وذلك عندما يكون معبرا عن قضية مبدئية مؤمن بها ويناضل من اجلها كما هو الحال في الخطاب السياسي العراقي الذي نجده مفعم بمعاني القومية والتمسك بها ([42]) ، وعلى سبيل المقارنة نجد ان الخطاب السياسي التركي ينطوي على قدر كبير من التمسك بالعلمانية والتشبث بالتغريب وادعاءات الايمان بالفكر الليبرالي من اجل دخول الاسرة الاوربية في الوقت الذي نجد تركيا تفقد اصدقاءها واحدا تلو الاخر بسبب " حالة التخبط السياسي التي تنتهجها ، فمنذ انهيار الامبراطورية العثمانية وحتى الان لم تتمكن تركيا من رسم ملامح هويتها السياسية والثقافية " كما بين ذلك الكاتب التركي سامي كوهين ([43]) 0

وبناءاً على كل ما تقدم وعند التصدي لمفهوم الخطاب السياسي فاننا لم نجد في الواقع اي تعريف محدد تناوله الباحثون للمفهوم على الرغم من تداوله الواسع ولكن من خلال الدلالات اللغوية المتنوعة لمصطلح الخطاب التي مررنا بها ومن الملامح العامة والمميزات المتعددة التي يتصف بها نستطيع ان نلخص مفهوم الخطاب السياسي ( political speech ) بانه فكرة او مجموعة من الافكار ناتجة من طبيعة التفاعل بين المجتمع والدولة يحدد معانيها النخبة المفكرة والسلطة المنفذة في الاطار السياسي الذي ترسمه الدولة بكل مؤسساتها وروافدها ، فهو عبارة عن رسالة سياسية انسانية ، من نتاج العقل الانساني ، تخاطب العقل الانساني ، تبوح باشياء، وتسكت عن اخرى ، وفق ما تراه منسجماً مع مصالح الدولة وبما يحقق غاياتها السياسية ، كما ان الخطاب السياسي يكون مؤثرا في الوسط الموجه اليه عندما تكتمل فيه عناصر القوة المتمثلة بطبيعة النشاة الاجتماعية والثقافية والسياسية لصانعي الخطاب والتوافر في زخم المعلومات التي يستندون اليها في تكوين رسالتهم اخذين بنظر الاعتبار مصالح البلاد العليا وطبيعة الظروف والمتغيرات الدولية التي تمليها السياسات المناهضة لشكل الخطاب او تلك المنسجمة معه ليشكلوا الجانب القارئ للخطاب والمكمل له على وفق المنهج الاستقرائي . والخطاب السياسي يتاثر بتغيير الزمن ولا يكون قادرا على تحقيق الغاية المتوخاة من إنشاءه إلاّ من خلال توافر القدرة على ايصاله للوسط الموجه اليه عبر وسائل الاتصال السياسي المتمثلة بالوسائل الشخصية المباشرة والتقليدية التي يعبر عنها بالجماعات الاولية ، او عبر الوسائل المؤسسية والحزبية، واجهزة الاعلام المختلفة للدولة .

Page 5

المطلب الثاني :الخطاب السياسي الامريكي المعاصر

تعرفنا في المطلب السابق على مفهوم الخطاب السياسي من خلال تصدينا الشامل لمفرداته اللغوية والفكرية والسياسية كافة ، كي نعتمده منهاجاً اساسياً يمكن الاستناد عليه في توضيح مفاهيم الخطاب السياسي الامريكي المعاصر وابعاده والتعرف من خلاله على اهم العناصر الاساسية والفاعلة في بناء مضامينه التي ستعتمد عند تحديد ملامحه على احد المناهج الاستقرائية للخطاب الذي يشكل الجانب الثاني كما عرفنا ذلك سابقاً .

فللخطاب ثلاث قراءات هي : التأويلية والاستنساخية والتشخيصية . فالمنهج التأويلي لقراءة الخطاب لا يتوقف عند حدود التلقي المباشر فقط وانما يسهم بوعي وادراك في انتاج وجهة النظر التي يحملها الخطاب ولا تقف عند حدود العرض والتحليل بل تذهب الى اعادة بناء ذلك الخطاب بالشكل الذي يجعله اكثر تماسكا واقوى تعبيراً .

اما المنهج الاستنساخي للقراءة فانه لا يتجاوز حدود التلقي المباشر للخطاب الذي يكون باقل تدخل ممكن من القارئ اي انه ذلك الاسلوب الذي يتم فيه عرض الخطاب على وضعه بدون التعرف على صحة محتواه من عدمه وليس من شأنه اظهار ما يسكت عنه الخطاب لبيان الاهداف الحقيقية من انشائه وطرحه .

اما المنهج الاخير فهو القراءة التشخيصية التي تعتمد على الاسلوب التحليلي النقدي للخطاب وتشخيص عيوبه وليس اعادة بناء مضمونه حيث يبغي كشف وتشخيص وتفنيد المضامين المتناقضة له ([44]) .

وحرصنا في مطلبنا هذا على تناول الخطاب السياسي الامريكي على وفق المنهج الاستنساخي دون التعرض اليه او تقييمه ،ليس لاننا نؤمن بما ورد فيه من مفردات وانما لكي نمكن القارئ من تأمل الخطاب الامريكي بنفسه بكافة معانيه ومدلولاته دون ان نملي عليه استنتاجاتنا بل سنجعله يقوم بنفسه بالتمحيص والتحليل والاستنتاج ، ثم نقوم بعد ذلك في الفصل الرابع من هذا البحث بتفنيد الخطاب الامريكي وكشف التناقضات التي تفضح ازدواجية الخطاب وزيف ادعاءاته من خلال مضامينه المعلنة او اهدافه المبيتة التي سكت عنها ، التي مهما تغيرت معانيها ودلالاتها فانها لا بد ان تتلائم وتتوافق مع المصالح القومية والستراتيجية الامريكية وتستجيب للمتغيرات الدولية ([45])،التي لا يمكن التلاعب بها من قبل العناصر الاساسية في تكوين السياسة الامريكية التي يحددها الدكتور (فواز جرجس) بالسلطة التشريعية الممثلة بالكونكرس ، والقيادة السياسية المتمثلة بالرئيس الامريكي ومكتبه التنفيذي ([46])،والنخبة المفكرة، والشخصيات الاكاديمية ذات الثقافة السياسية التي تعكس الرأي العام وتعبر عنه ([47]). فان هذه العناصر التي تشكل جميعها الاساس الفعلي في صناعة القرار الامريكي هي ذات العناصر التي تشكل الخطاب السياسي ، الذي تطل به الولايات المتحدة الامريكية على العالم ولكن صاحب القدح المعلى في حجم التأثير يكون للقيادة السياسية المتمثلة بالرئيس الامريكي الذي يلعب دورا اساسياً في صياغة مضامين الخطاب بحكم الصلاحيات والسلطات التي يمنحها الدستور له ومن خلال ارتباط اكثر الاجهزة فعالية به كوزارة الخارجية ووزارة الدفاع ومجلس الامن القومي ووكالة المخابرات المركزية ووكالة الاعلام والاتصالات ([48]).

كما يرى الدكتور ابدوريا ان الرئيس الامريكي "هو اكثر رؤساء الحكومات قوة عرف في عصرنا الحاضر وان كلامه واعماله العامة تراقب بالاهتمام الاعظم في جميع العالم، ان قوته حقيقية يمارسها على مسؤوليته على خلاف ذلك ملك انكلترا ورئيس جمهورية فرنسا ،وانه واع بان ليس هناك متكلم سياسي اخر غيره ، انه الصوت الوطني الوحيد في الامور جميعها فاذا كسب اعجاب وثقة البلاد مرة فليس هنالك قوة منفردة تستطيع معارضته" ([49]) ، فلهذا نجد ان مضامين الخطاب السياسي الامريكي تتغير من حقبة زمنية الى اخرى بفعل تغير عناصر تكوين الخطاب سواء تلك التي تتغير بحكم الدستور كالقيادات السياسية أو نتيجة للتفاعلات الاجتماعية أو بفعل المصالح الستراتيجية الامريكية فضلاً عن وجود جملة من العوامل الموضوعية الأخرى التي تؤثر في مضامين الخطاب السياسي الأمريكي ومنها :-

1- العامل الديني :-

كان فصل الدين عن السياسة في الدستور الامريكي قائما بالاساس على حماية الدين من تدخل الدولة في شؤونه ، حيث كان للكنيسة الامريكية دورا شموليا في شرح الدين بكل جوانب الحياة اليومية والممارسات الانسانية للفرد الامريكي ، وتمثل البروتستانتية الاكثرية الغالبة للشعب الامريكي حيث تشكل اغلب مصادر النفوذ السياسي ليس بسبب كثرة عدد اتباعها فحسب بل لكونها كنيسة الطبقة العليا (W.A.S.P )[(*)] . فلقد كان للكنيسة تاثير واضح في الفكر الامريكي على السلوك السياسي للمجتمع ، بفعل ممارسة اساليب الضغط المنظم (اللوبي) ووسائل الاعلام الحديثة والرأي العام ([50])،مما انعكس على سلوك اعضاء النخبة السياسية وبضمنهم بعض الرؤساء الامريكان (وهذا ما يفسر لنا اهتمامهم بطرح مشاريع حماية الاقليات الدينية المسيحية في العالم ) ، فقد اعلن الرئيس كارتر على سبيل المثال ان ايمانه بالعقيدة المسيحية الاصولية يعد الولادة الثانية له ،في حين إعتبر الرئيس رونالد ريكان ان للدين دوراً اساسياً في حياة السياسة الامريكية وان الكثير من القرارات السياسية التي اتخذت لم تملها المصالح الامريكية بقدر ما يمليه الايمان بالمعتقدات الدينية الاصولية البروتستانتية وخاصة فيما يتعلق بالصراع العربي الصهيوني انطلاقا من الايمان بان عودة السيد المسيح مشروطة بقيام دولة صهيون ، تجمع اليهود على (ارض الميعاد) فلسطين إعداداً لمعركة هرمجدون (*) التي ستقضي على الملحدين الشيوعيين والمسيح العلمانيين وغير الأنجيليين والمسلمين ([51])،وهذا ما يفسر لنا عد (اسرائيل) ليست مجرد اصطلاح سياسي بل رمزاً للخطاب الديني المستنبط من تراث المسيحية واليهودية ([52]).

2- القوى الداخلية :-

وتتمثل بالرأي العام وجماعات الضغط ووسائل الاعلام والثورة الالكترونية التي امتد اثرها الى العملية السياسية والى مستوى صنع القرار اذ ان استطلاعات الرأي العام اصبحت تقود القرار السياسي الى ما تبتغيه بفعل نفوذ جماعات الضغط التي باتت لا تتدخل في الخطاب السياسي الامريكي فحسب بل في قرارات التدخل العسكري كما حصل في هاييتي 1990. ولوسائل الاعلام الأثر الفاعل في الترويج للمفاهيم التي تعبئ من اجلها ، ولم يعد خافياً ان صور القناة الاخبارية ( CNN ) اصبحت اكثر نفوذا على قرار الرئيس الامريكي من مذكرات وزراء خارجيته ومستشاريه ([53]).

3- البيئة الخارجية والمتغيرات الدولية والاقليمية :

تعد العوامل والظروف الدولية واحدة من اهم المتغيرات التي تؤثر في السياسة الامريكية وترسم ملامحها حيث تكون الاطار الأساسي للخطاب السياسي فمثلا عندما بدأت مظاهر انهيار الاتحاد السوفيتي تتضح وما تبعها من تغيرات في الخريطة السياسية الدولية والاقليمية تغيرت مضامين الخطاب السياسي الامريكي لتبدأ مرحلة جديدة من التبشير بنظام عالمي سيدخل الانسانية في عهد جديد من الرخاء والتكافل والديمقراطية ([54]) .

Page 6

وان الاستنتاج الذي نستخلصه مما تقدم هو تأثر مضامين الخطاب السياسي الامريكي بطبيعة عناصر التكوين وبالعوامل المؤثرة فيه ، التي تتغير على وفق المصالح القومية الامريكية الستراتيجية وعلى وفق تغير الظروف الدولية ،فلو تصفحنا تاريخ الولايات المتحدة الامريكية لوجدنا ان جل اهتمام ساسة البلاد الاوائل كان مرتبطاً بترتيب البيت الامريكي حيث بين (بيتر ماكرات) في مقالته(القوة العظمى الوحيدة) ان اتجاه العزلة كان الغالب على السياسة الامريكية لكونه منغرس في الطبيعة النفسية الامريكية التي تعود الى اول رئيس امريكي (جورج واشنطن) عندما حذر من تورط امريكا في السير مع شبكات الارتباط الاجنبية ([55])،وجاء الرئيس (مونرو) ليكرس تلك السياسة من خلال مبدئه المعروف باسمه الذي اطلقه في ك1 1823م القاضي بعدم تدخل الولايات المتحدة في شؤون الدول الاخرى ليكون الاتجاه السائد في الدراسات السياسية بان أمريكا كانت تعيش عزلة سياسية ([56]) ، فالولايات المتحدة كانت حينئذ جمهورية جديدة وضعيفة ([57]) . ومع ذلك فانها حاولت دائما ان تفسر علاقاتها مع بقية اجزاء العالم على صورة مبادئ ايديولوجية فتتخظى المصالح العسكرية والاقتصادية الضيقة وذلك لتنامي الشعور بأن لأمريكا دوراً مهماً في منح العالم نموذج لمجتمع تسوده الرفاهية ، وان انتشار الحضارة الامريكية في الخارج هو التبرير الاسمى لنقل ذلك النموذج الى بقية ارجاء الارض ([58]) فالامريكان الاوائل كانوا يزعمون انهم يحملون رسالة الحرية الانسانية التي ستمتد الى العالم اجمع . وهذا ما عبرعنه الرئيس الامريكي الثالث (توماس جيفرسون) في ان امريكا ستصبح " اثرا شامخا ومثالا – سيحسن حياة الانسان في جزء كبير من الكرة الارضية "([59]) ، وهذا ما يفسر لنا تدخل الولايات المتحدة في المغامرات الخارجية بحثا عن مزيد من الاحترام والسلطة والقواعد والمواد الاولية ومزيد من الاسواق ([60]) .

وغلف الزعماء الامريكان طموحهم هذا بغطاء فكري ( ايديولوجي ) اذ اعلن الرئيس ( وليم ماكنلي) ان التدخل في كوبا عام 1898 جاء استجابة ( للضرورات الانسانية الكبرى )([61]) ومنذ ذلك الوقت تميز الخطاب الامريكي المعلن بدوره الانساني في تحقيق الامن الجماعي كما اعلن ذلك الرئيس ( وودور ويلسون ) مع تركيزه على اهمية المشاركة الفعلية وممارسته القيادة المعنوية بدلا من استخدام القوات العسكرية كاتجاه مؤيد للانعزالية ولكن ما ان انتهت الحرب العالمية الاولى حتى جاء مبدأ ( روزفلت ) الذي يدعو علنا الى اهمية خطاب القوة العسكرية في تطبيق السياسة الامريكية ، فالدخول في الحرب العالمية الثانية هو الخيار الذي سيحقق غايته ليصبح هذا المبدأ مركزاً ثابتا في التفكير الامريكي ([62]) ، في الوقت الذي كان فيه التيار الانعزالي لايزال يصر على ابتعاد امريكا عن سياسة التدخل الدولية والتفرغ للداخل لذا كان الخلاف حتى في اروقه الدوائر الامريكية المختصة حول شكل الخطاب السياسي الذي يجب ان تطل به امريكا على العالم فقد كشفت احدى الوثائق وهي دراسة تخطيط السياسة (23) التي كتبها كينان (Kennan ) عام 1948 احد مخططي السياسة الامريكية في وزارة الخارجية " نحن نملك 50% من ثروات العالم و3و6 % من سكانه فيجب ان نركز انتباهنا على اي مكان له صلة باهدافنا القومية المباشرة ويجب ان نتوقف في التحدث عن الغموض – والاهداف غير الحقيقية مثل حقوق الانسان ورفع مستوى المعيشة وغرس الديمقراطية ولن يكون بعيداً ذلك اليوم الذي لابد لنا ان نتعامل فيه بمفاهيم القوة بشكل مباشر " ([63]) .

ويبين نعوم تشومسكي ان هذه الوثيقة كانت سرية للغاية ومن اجل تهدئة الناس العامة كان من الضروري الزعيق بالشعارات المثالية ( كما هو الحال الذي يجري بثبات الان ) والكلام للكاتب تشومسكي ، ولكن كان المخططون يحدثون بعضهم البعض في الدعوة الى تصعيد الهجمة وعدم التراخي امام الشيوعية طالما انهم يمتلكون مقومات النجاح ( [64]) .

الا ان البداية الفعلية لسياسة الولايات المتحدة الامريكية الخارجية كانت مع ولاية الرئيس ( هارى ترومان ) وكانت سياسته تمثل مرحلة جديدة في السياسة الدولية اذ بدأت رحلة الصراع الستراتيجي مع السوفيت ايذانا بانطلاق الحرب الباردة التي تغير فيها الخطاب الامريكي ليرفع الشعار المعروف ان ( الروس قادمون ) في مواجهة انتشار الفكر الشيوعي ليكون مبررا لمنهج التدخل الامريكي في الشؤون الاقليمية من اجل فرض الهيمنة على مناطق العالم تطبيقا لمبدئه الذي يهدف الى تحجيم المد الاحمر وحصره في نطاق الدائرة الجغرافية للكتلة الشيوعية ([65]) .

وجاء تراجع القوى الغربية الكبرى المتمثلة ببريطانيا وفرنسا في الشرق الاوسط وفشل حلف بغداد بفعل حركات التحــرر سببا لجعل الرئيس (ايزنهاور) يبادر باعلان مبدئه في 5 / 1 / 1957 القائم على اساس سياسة ملأ الفراغ في الشرق الوسط عن طريق تقديم المساعدات الاقتصادية والعسكرية الضخمة ( [66]) ، متخذا خطابا سياسيا موجها الى العالم اجمع يشير الى احترام الولايات المتحدة لتطلعات الامم في الحرية وحق تقرير المصير والدفاع عن الحدود السياسية القائمة على الشرعية الدولية واحترام السيادة الاقليمية وربطها بمفهوم السلم والاستقرار والنظر بعين الشك والريبة والعداء لمحاولات تغيير الحدود ([67])، متخذا من هذه المبادىء ذريعة للتدخل العسكري عند تعرض احدى دول الشرق الاوسط للخطر او للتهديد الشيوعي او عند تعرض احدى الدول المهمة بالنسبة للمصالح الامريكية الى ازمات داخلية تهدد كيانها السياسي([68]) وسار الرئيس (كندي) على سياسة سلفه نفسها مع التركيز على اهمية الدعوى الى الحرية والسلام الدوليين والربط بين قوة امريكا العسكرية التي ازدادت في وقته خمسة اضعاف ما كانت عليه وبين مبادئ الحرية والسلام ، وكان اول من رفع شعار رفض العنف مع السوفيت([69]).

الا ان هذا الاتجاه في السياسة الامريكية كان لا يروق لكثير من الساسة الامريكان حيث كانت هناك مطالبة باستنزاف القوة السوفيتية المتنامية من خلال اعتماد حرب العصابات([70])، وتصاعدت انذاك لهجة التلويح بالقوة ، بل وباستخدامها في مناطق متفرقة من العالم حماية حلفائها ، مما عرض السياسة الامريكية الى انتكاسة كبيرة وثبوت فشلها مما حدى بالرئيس (نكسون) الى الاتجاه نحو المفاوضات للتخلص من هذه الورطة التي ارتكبتها السياسة الامريكية وتحولت الى عقدة كبيرة القت بثقلها على البيت الابيض الذي لجا الى مبدا الاعتماد على الحلفاء المحليين ([(])،وتعزيز نفوذهم وتثبيت نظمهم السياسية من اجل حماية المصالح الامريكية ، حيث كان ذلك في وقته يمثل حلا مقنعا لازمة الخارجية الامريكية([71]) . ولكن بتسارع التطورات السياسية التي حدثت في العالم جعل من السياسة الامريكية امام انعطافات تاريخية كبيرة فاحداث مثل الغزو السوفيتي لافغانستان ، وتغيير النظام السياسي في ايران ، والتفاعلات السياسية في المنطقة العربية اثر اتفاقية كامب ديفيد بين مصر والكيان الصهيوني ، جعلت الادارة الامريكية امام مازق كبير ، الامر الذي ادى الى تغيير الخطاب السياسي الامريكي جذريا ، فمن الدعوة الى التفاوض ودعم الحلفاء الى الدعوة لزيادة القواعد العسكرية الامريكية في المناطق الحساسة من العالم على وفق مبدأ كارتر الذي يدعو كذلك الى انشاء قوات التدخل السريع وزيادة كفائتها القتالية لتكون قادرة على مواجهة اي خطر يهدد المصالح الامريكية ، والاعلان عن استعداد الولايات المتحدة لخوض حرب شاملة بالتحالف مع اوربا ضد الاتحاد السوفيتي ، كما كان هنالك في الوقت نفسه دعوات لتعميق الشعور بمسالة حقوق الانسان لابراز اهتمام الولايات المتحدة الامريكية بهذه القضية من خلال القيام بمبادرات متعددة الاطراف للتاثير في الحكومات الاخرى لاعطاء قيمة عالية لهذه الحقوق ([72]) ، من اجل تحسين صورة امريكا امام العالم ومن ثم حشد التاييد العالمي للوقوف بوجه ( الانظمة الدكتاتورية والشمولية ) وفق التسمية الامريكية ، وفي مقدمتها الاتحاد السوفيتي ،وعلى الرغم من ذلك تعرض الرئيس كارتر ومبادؤه الى انتقادات واسعة من قبل الساسة الامريكان ، الا ان ذلك لم يثن الرئيس اللاحق (ريغان) من عدّ مبادئ كارتر الاساس الذي تقوم عليه السياسة الخارجية الامريكية فقد احدث تطويراً لتلك المبادئ من خلال إيجاد قواعد دائمة للقوات الامريكة مما منح الولايات المتحدة صفة التفوق الدولي والزعامة المتقدمة ، وهي مسالة شعرت الادارة الامريكية باهمية تحقيقها والاعلان عنها لاعادة المصداقية بكونها امة عظمى فاعلة ومؤثرة في معادلات الصراع الدولي بمشاركة الدول الاوربية ([73]) ، التي اعتمدت طيلة الحرب الباردة على حماية الولايات المتحدة الامريكية لها، فضلا عن اعتمادها قرابة عقدين على الرأسمال الامريكي ، مما اتاح الفرصة لامريكا لفرض هيمنتها على تلك الدول ، التي بدات اثر بوادر انتهاء الحرب الباردة التخطيط للتخلص من براثن الهيمنة الامريكية وذلك لغياب الخطر العالمي الذي تحتمي منه بالولايات المتحدة التي كانت تتذرع به لبسط هيمنتها على الدول الحليفة كلها ، بالاضافة الى ان الولايات المتحدة لم تعد المصدر الرئيس للاستثمار الرأسمالي العالمي وذلك بفعل اشاعة مبادئ الاقتصاد الحر الذي تقوده امريكا بنفسها ([74]) . الذي كان احد نتائج التغيرات الهائلة اثر انهيار الكتلة الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفيتي في مطلع التسعينيات من القرن الماضي ايذانا ببزوغ مرحلة جديدة في النظام الدولي جعل السياسة الامريكية تنتقل من التركيز على احتواء وتحجيم الاتحاد السوفيتي الى الاهتمام بعناصر اخرى ([75]) ، تستطيع من خلالها الاستمرار في فرض هيمنتها على العالم في اطار خطاب شامل يتوخى البحث عن اعداء جدد لملء الفراغ الستراتيجي الذي خلقه تفكك الاتحاد السوفيتي([76]) .

وعبرت واشنطن في خطابها الرسمي عن رغبتها في جعل اوربا كياناً موحداً وقومياً بما يكفي لمشاركتها بمسؤليات واعباء زعامة العالم ، وفي الواقع ان الولايات المتحدة كانت على صعيد التطبيق اقل وضوحا واقل ثباتا ورغبة في مشاركة اوربا للتصدي للاعداء الجدد ([77])، ذلك لأن الولايات المتحدة إتخذت عدداً من الاغطية المثالية لتنفيذ سياساتها . وحرص الخطاب السياسي والاعلامي الامريكي على تقديم المفاهيم الامريكية الجديدة في السياسة الدولية بمضامين اخلاقية وقانونية ([78]) ، وهذا ما اشار اليه بريجنسكي بقوله " ان على الولايات المتحدة الامريكية (..........) ان تقدم للعالم اجمع نموذجاً كونياً للحداثة بمعنى نشر القيم والمبادئ الامريكية " وقبله الرئيس الامريكي نيكسون في كتابه ( نصر بلا حرب ) الذي دعا الى نشر "القيم الامريكية اذا ما ارادت الولايات المتحدة ان تكون زعيمة للعالم" ([79])وليس هناك شك في ان الولايات المتحدة هي زعيمة العالم الان على وفق ما يزعم ( فوكو ياما ) اذ يقول "نحن الاقوى والاعظم .... انظروا الى الروس والشعوب الاخرى التي خلعت رداء الشيوعية وجاءت لتحتمي بنا ... بامريكا ، فالديمقراطية الغربية الحرة قد انتصرت وانتصر الغرب ولم يعد امام امريكا والغرب من جديد .لقد حدث هذا الجديد بانهيار الماركسية وتفكيك الاتحاد السوفيتي " ([80]) .

وباندلاع العدوان الثلاثيني ضد العراق بزعامة الولايات المتحدة ، الذي نتج عنه نسق كبير من المعطيات سواء ما يخص الشرق الاوسط او العالم باسره ويعد من ابرز تلك المعطيات المضي في مشروع التسوية العربية – الصهيونية وبناء مشروع الشرق اوسطية([81]) . فالواقع الدولي الراهن هو وضع جديد نتيجة التغيرات العميقة التي حدثت في العالم وان نهاية المجابهة بين الشرق والغرب وفقا للتصور الامريكي ستفتح الطريق امام اقامة نظام دولي جديد ([82]) ، حدد ملامحه الرئيس الامريكي الاسبق ( بوش الاب ) في خطابه السياسي امام الكونكرس الامريكي بتاريخ 11/9/1990 حيث وصفه ( بالحقبة الجديدة الخالية من التهديد باستخدام الارهاب .. اكثر قوة في متابعة العدل .. اكثر امن في السعي نحو السلام ... عهد يمكن الشرق والغرب والشمال والجنوب ان تزدهر في رخائها ومن العيش في تجانس ... اليوم يصارع النظام الدولي الجديد لكي يولد .. عالم مختلف عن الذي نعرفه ... سيبدل حكم الفوضى بحكم القانون عالم تدرك منه الامم المسؤولية المشتركة للحرب والعدل عالم يحترم فيه القوي حقوق الضعيف ))([83]) لقد اعطى النظام الدولي الجديد للولايات المتحدة الامريكية حقوقا لا يتوقف طرف في العالم ليسال نفسه او غيره عن اساسها او مصادرها فلها حق اخلاقي على البشرية كلها حيث تعد نفسها حكما ومرجعا في قضية حقوق الانسان ، ولها الحق في الاشراف على الاداء العالمي الاقتصادي ، وحق تكييف وتطبيق القانون الدولي وحماية الشرعية الدولية ، ولها الحق كذلك في استخدامها الترسانة الهائلة للاسلحة التي تمتلكها ابتداء باسلحة الحرب النفسية الى اسلحة الجو والصواريخ ([84]) ، في فرض هيمنتها على اولئك الخارجين عن الارادة الامريكية لان قدر امريكا ان تقود العالم في السنين القادمة ([85]) ، لذلك نجدها قد ربطت بين المعونات الاقتصادية واحترام حقوق الانسان كجزء من ممارساتها لتلك الحقوق التي منحها النظام الدولي الجديد لها ولهذا ستعمل على اجبار الحكومات لاجراء التحولات الديمقراطية في بلدانها وبعكسه ستحرم من تلك المعونات التي ستقتصر على الدول المطيعة في العالم الثالث([86]).فان الديمقراطية اصبحت قدراً محتوماً ستؤول اليه دول العالم جميعها ([87]) .

وان امريكا كما قال بوش الاب في رسالة موجهة الى الكونكرس في 17/1/1991 عشية العدوان على العراق لديها القدرة على القيادة الاخلاقية والوسائل الداعمة لها ([88]) ، وهذا ما يفسر تاكيد امريكا منطق القوة والتلويح بها كجزء من الوسائل الداعمة في فرض هيمنتها على العالم عبر استخدام القوة العسكرية والاليات الاقتصادية والثقافية لاجبار الدول على تبني وانتهاج النموذج الامريكي في ظل النظام الدولي الجديد ([89]) ، الذي يتميز بخطاب سياسي مؤدلج لا يمكن الفصل فيه بين مبادئ السياسة الخارجية الامريكية وبين المبادئ الاخلاقية التي يشارك الامريكان في بناء افكارها كما يقول الرئيس كلنتون ، كما يؤكد "عدم امكانية غض النظر عن الاسلوب الذي تعامل به الحكومات مواطنيها" لهذا يصر على ضرورة التوصل الى ما اسماه الامن العالمي من خلال دعم وتوسيع الانفتاح السياسي والتعددية الحزبية والظاهرة الديمقراطية حيث يبين " ان الديمقراطية تقوم بمهمة افضل في حماية الاقليات العرقية والدينية وغيرها وان الانتخابات يمكن ان تساعد في حسم الحروب الاهلية المؤدية الى تجزئة الامم "([90]) .

كما تؤدي الى ضمان عيش الشعوب بحرية مع بعضها البعض بانسجام ، ومحاربة انتهاكات حقوق الانسان بعد ان كسرت العولمة والثورة التكنولوجية الحواجز السابقة الجغرافية والرقابية الرسمية ([91]) ، لكي ينعموا بالسعادة والتقدم والرفاه من خلال الاقتصاد والرأس مال الحر والانتقال المباشر الى اقتصاديات السوق في جميع انحاء العالم لانه بات مشروعا عالميا وفق المفاهيم الايديولوجية لليبرالية الجديدة ([92]) ، التي ستستخدم الولايات المتحدة هيمنتها من اجل تعميمها لاصلاح الاقتصاد والسياسات المالية للدول الحليفة لتحقيق اقتصاد السوق والقطاع العام الاقوى بغية زيادة الانفتاح الثقافي على الغرب في ظل العولمة التي اصبحت من اهم سمات النظام الامريكي العالمي وتصدرت خطابه السياسي([93]) ، اذ بين ( الان منيك ) الاقتصادي الفرنسي في كتابه ( العولمة السعيدة ) ان العولمة ليست خيرا او شرا في ذاتها ولا داع لوصفها بالوحشية او خلق الاجواء المقرفة حولها ، فهي لا تحدد الحريات الفردية او الجماعية بل على العكس فان الفهم الافضل لاليات العولمة ( Clobalism Micanisms ) سيجعل الجميع يجني اكبر المنافع والمعالم وذلك هو التحدي الذي على السلطة السياسية ان تواجهه دون تردد وإلا فان اي بلد يرفض العولمة سيكون مصيره السقوط لا محال ([94]) – على حد زعمه - .

لقد ارادت العولمة كما يرى الدكتور (رياض عزيز هادي) شمول حقوق الانسان بهذا المفهوم وحاول الغرب فرض ارادته على الاسرة الدولية في هذا الميدان واضفاء الصفة العالمية على ما يريده ، وان امريكا اصبحت تقدم نفسها كمنقذ للشعوب او الجماعات او الافراد التي تعاني من القمع والاضطهاد في العالم الثالث وكمدافع عن حقوق الاقليات القومية والدينية او اللغوية ([95]) . وهذا ما نلمسه من خلال وقائع السياسة الامريكية ومحاولات التدخل في شؤون دول العالم تحت ذرائع حماية حقوق الانسان التي لن تتوانى الولايات المتحدة من اتخاذ كافة الاجراءات الممكنة الاقتصادية والعسكرية في تنفيذ سياساتها التدخلية سواء أكان بمفردها او عن طريق الامم المتحدة بغية تحقيق هيمنتها على العالم ([96]) ، واظهار قوتها العسكرية المتنوعة التي يعدها الرئيس بوش الابن " ندا لكل متحد ومتفوقة على كل خصم " ([97]) ، كي يؤكد ضرورة شد العزم خلال الحقبة القادمة والعمل على تحديث تلك القوة من اجل " مواجهة مخاطر الارهاب والطغاة والدول المارقة " و " الوقوف بوجه انتشار اسلحة الدمار الشامل " في العالم من اجل المضي قدما في " تعزيز السلام ونشر القيم الامريكية " على حد قول الرئيس الامريكي جورج دبيلو بوش في خطابه الاول امام الكونكرس الامريكي ([98]) .

وبعد كل ما تقدم يمكن ان نخلص الى القول ان الخطاب السياسي الامريكي المعاصر اتسم بالمرونة والتغير النسبيين على وفق الحقبة الزمنية التي عبر عنها ليكون منسجما مع المتغيرات السياسة الامريكية والدولية ، وحرصا على خلق التوازن المناسب بين القيم الاخلاقية والقانونية التي يدعيها الخطاب الايديولوجي الليبرالي الامريكي وبين متطلبات السياسة الواقعية ، التي تفرضها المصالح القومية والستراتيجية الامريكية وتمليها الظروف الدولية . فلقد غلف التحرك السياسي الخارجي الامريكي بمبادئ جليلة ونبيلة كجعل العالم مكانا امنا للديمقراطية وتنمية حقوق الانسان ولحماية حرية الاقليات وتعزيز الاتجاه السائد نحو اقتصاد السوق وحق تقرير المصير والشرعية الدولية والقضاء على الارهاب ونبذ العنف السياسي وخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وانفراد الولايات المتحدة بالعالم بغية تحقيق المصالح الامريكية في تكييف النظم السياسية والاقتصادية لدول العالم الواقعة خارج اطار المنظومة الغربية ودمجها مع ما تسميه الولا يات المتحدة بـ ( النظام الدولي الجديد ) مستغلين ثورة التكنولوجيا والسيطرة على وسائل الاعلام المتطورة التي جعلت من العالم مدينة صغيرة في تحقيق الاهداف المطلوبة . كما ان الولايات المتحدة لن تتردد في الاعلان والتلميح في خطابها السياسي عن عزمها في خلق المتاعب للدول التي سوف تتاخر عن الانسياق خلفها وذلك باشاعة عدم الاستقرار السياسي لتلك البلدان وتحريك الاقليات العرقية والدينية لتفجيرها من الداخل او من خلال فرض العقوبات الاقتصادية عليها او وصفها بتهمة تهديد السلم والامن الدوليين.

Page 7

المبحث الثاني :الاقليات الإثنية ... تحديد المفهوم

تعد واقعة الاقليات الاثنية من اكثر الوقائع الاجتماعية تعقيداً في المجتمعات الحديثة نتيجة للمشكلات الناجمة عن وجودها ،والتي لا تقتصر على منطقة جغرافية محددة او دولة واحدة ،سواء أكانت هذه الدولة متقدمة ام متخلفة . ([99])

وعلى الرغم من ان وضع الاقليات يبدو ثانوياً او فرعياً ،لانه يتعلق بمصير جزء صغير من عناصر الجماعة الوطنية . الا ان موضوع الاقليات يعد ذا اهمية بالغة ،لما له من علاقة وثيقة بوحدة الدولة وتماسك مجتمعها ولدورها الفعال في استقرار المجتمع وعدم استقراره ([100]) . وعليه سنتناول موضوع الاقليات بشكل عام و(الاقليات الدينية) بشكل خاص لكونها تمثل المحور الرئيس في بحثنا المتعلق بالسياسة الامريكية ذلك بعد ان نعرج على (الاثنية) الاكثر شمولية واتساعاً في الاستعمال على وفق الدراسات والمدلولات السياسية التي اعتبرتها من اكثر المفاهيم اثارة للخلاف وعدم الاتفاق حول مضامينه ودلالاته منذ بداية القرن الماضي وحتى الان ([101]) .

ان كلمة (اثني) مشتقة اساساً من الكلمة اللاتينية ( Ethnieus ) المقتبسة من الكلمة الاغريقية (Ethnikos) وهي في الأصل (Ethnos) وتعني الشعب . وقد جاءت (Ethniqus ) بالفرنسية لتعبر عن معنى (عرقي) وبالانكليزية ( Ethnology ) تعني (الاعراق البشرية) ،وان اثنولوجي ( Ethnologies ) تعني العلوم التي تبحث في اصول السلالات البشرية ([102]) .

ان هذا التنوع في المدلولات اللغوية للمفردة كان سببا في اختلاف الباحثين حول ايجاد تعريف محدد (للاثنية) .فقد عد (الدكتورشفيق الغبرا) كلمة (الاثنية) مرادفة (للأقلية) ضمن أية جماعة وطنية سواء كانت قائمة على معيار العرق او الدين . ([103]) بينما نجد ان الدكتور ( رياض عزيز هادي ) بيـن ان لمصطلح اثني ( Ethnie ) استعمالات عديدة وغير دقيقة فقد تكون وصفا لواقع ثقافي يميز مجموعة بشرية عن غيرها او تعبيراً لمفاهيم تنطبق على العرق او الحضارة او الشعب او القبيلة في أي مجتمع كان .([104])

اما الدكتور (مجيد حميد عارف) فقد بين أن للأثنية جذر لغوي اغريقي تعني قوم او شعب ، وان المقومات الرئيسة لهذه المفردة تشمل اللغة والعادات والتقاليد والاعراف والمصالح المشتركة والتاريخ الواحد وان المجاميع الاثنية ناتجة من التطور الحضاري التاريخي للمجتمع([105]) .

وتناول عدد من الباحثين مفهوم الاثنية من منظور سياسي ومنهم (علي مزروعي) الذي أوضح من خلال المقاومة بين الاثنية الامبريالية المستعمرة والمتمثلة بالاستعمار الفرنسي البريطاني وبين التشكيلات السياسية الافريقية ،حيث اتسمت الاولى بالعنصرية والتعصب العرقي والاخرى تمحورت حول القبلية ([106]) .

اما الدكتور (عبد السلام البغدادي) فقد رد على هذه الاختلافات حول مفهوم الاثنية بقوله ان الاثنية هي تمايز او اختلاف بين الجماعات وفقا لصفتها الطبيعية وان وضعها داخل الدولة ليس له علاقة بعددها ،فهي قد تمثل الاغلبية في الدولة او قد تكون في وضع اقلية .... وهكذا ... فالاقلية اذ كانت جماعة اثنية ،فانه ليس بامكان الجماعة الاثنية ان تكون اقلية دائماً ... فالاثنية تتضمن كلتا الجماعتين الاقلية والاغلبية ،فكلاهما تعدان جماعتان اثنيتان ،ومن هنا فلا يقتصر وضع الاثنية على الاقلية فقط ([107]).

Page 8

المطلب الاول :مفهوم الاقليات

اتفق كثير من الباحثين والمحللين السياسيين على الاهمية المتنامية لمفهوم (الاقليات) الى الدرجة التي عدها البعض تلي في اهميتها دراسة الحروب والتهديدات بها . ([108]) وعليه فلا بد من التدخل لايجاد تعريف محدد او مفهوم عام لنطاق الاقليات يحقق لنا فهماً افضل ، الامر الذي يستدعي تناول "مفهوم الاقليات" من الناحية اللغوية ومن وجهة نظر بعض الباحثين في مجال العلوم الاجتماعية وبالتالي سنبين مركز الاقليات في الشريعة الاسلامية والقانون الدولى .

Page 9

1- المفهوم اللغوي للاقليات :

لقد ورد مفهوم الاقليات ( Minorities ) ([109]) في العديد من المعاجم والمراجع اللغوية العربية والاجنبية حيث جاء الجذر اللغوي (قلل) في مختار الصحاح ( لأبي بكر الرازي) بمعنى الشيء القليل وجمعه قل أي افتقر .والقل والقلية كالذل والذلة ويقال الحمد لله على القُلّ والكثر .والقُلة اعلى الجبل ([110]) .

كما ورد في المعجم اللغوي محيط المحيط لبطرس البستاني ان معنى (القلة) هي ضد (الكثرة) وقل الشيء يقل قلاً وقُلا.

والقلة اعلى الرأس والسنام والجبل .وقلل من الناس .أي اناسٌ متفرقون من قبائل شتى او غير شتى فاذا اجتمعوا جمعا في مكان فهم قلل ([111]) .

اما في المعاجم الاجنبية فقد ورد مفهوم الاقلية في قاموس وبيستر مثلا بمعنى العمر الذي يتراوح بين اعمار ( 15-18) سنة كالشباب . او قد تأتي بمعنى الجزء الاصغر من نصف العدد للمجموعة ، او بمعنى مجموعة عرقية أو دينية او سياسية اصغر من المجموعة المسيطرة وتختلف عنها ([112]) .

2- المفهوم الاصطلاحي للاقليات في القانون الدولي .

تنوعت التعريفات المطروحة لمفهوم الاقليات من قبل الباحثين وخاصة اولئك المتخصصون في مجال القانون الدولي حيث اختلف الكثير منهم على المعايير التي يستند عليها كل منهم في تناول ومعالجة المفهوم فهناك من سيطرت عليه فكرة المعيار العددي واخرين وضعوا تعاريفهم انطلاقاً من المعيار الموضوعي او المعيار الشخصي([113])، فكان لكل واحد وجهة نظره ،وحججه في تبني المعيار الذي يرجحه وهذا ما سنبينه تباعاً.

أ- المعيار العددي :

اصدرت اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الاقليات التابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي في الامم المتحدة عام 1977 م دراسة للبروفيسور (فرانسسكو كابوتوري) من ايطاليا حول حقوق الاشخاص المنتمين الى الاقليات الاثنية والدينية واللغوية طبقاً للمادة (27) من اتفاقية الحقوق المدنية والسياسية ،وقد اعتمد المؤلف المذكور في تلك الدراسة تعريفاً يقوم على اساس المعيار العددي ، لذلك عرَّف الاقلية على انها "مجموعة اقل عدداً بالنسبة لباقي السكان في الدولة التي ينتمون اليها ، وتمتلك هذه المجموعة خصائص ثقافية طبيعية او تاريخية او دين او لغة تختلف عن باقي السكان".([114])

كما قدم السيد ( جون ديشين )(*) تعريفا للاقلية على المعيار نفسه مفاده "هي جماعة من المواطنين في دولة ،يشكلون اقلية عددية ،وهم في وضع غير مهيمن في تلك الدولة ،ولهم خصائص اثنية او دينية او لغوية تختلف عن خصائص اغلبية السكان، ويربط بينهم شعور بالتضامن ، تدفع ولو بشكل مستتر ارادة جماعية للبقاء ، وهدفهم هو تحقيق المساواة مع الاغلبية في الواقع والقانون " ([115]) .

ويتضح من التعريفات السابقة ان اللجان المتخصصة بالقانون الدولي اخذت بالمعيار العددي لتحديد مفهوم الاقليات واستبعاد (الجماعة) التي تكون في وضع مسيطر على الدولة في هذا المعيار ،وهذا ما اكدته المحكمة العليا في الهند بالقضية ( A-m -pat rooni – V – E skesavan ) اذ بينت انه في حالة عدم وجود تعريف خاص بالاقليات فيأخذ بالمعيار العددي ([116]) .

وبالنظر لكون هذا المعيار يغلق الباب امام الاقليات الجديدة التي قد تظهر مستقبلا لذلك تعرض الى الانتقادات بالاضافة الى انه لا يأخذ بنظر الاعتبار الاقليات التي لها الهيمنة والسيطرة على الاغلبية في الدولة الواحدة مما يؤدي الى نتائج مضلله ([117]) .

ب- المعيار الموضوعي ( السوسيولوجي / الاجتماعي )

يتجه انصار هذا المعيار في تحديد مفهوم الاقليات انطلاقا من اختلاف الجنس او العقيدة او اللغة او التقاليد الخاصة بمجموعة من افراد الجماعة الوطنية ، فيذهب (فان ديك) الى تعريف الاقلية بانها "مجموعة من الاشخاص في دولة تختلف من حيث الجنس او الديانة او اللغة عن باقي الشعب .وليس لها الهيمنة او السيطرة بجنسية الدولة .وتصبوا الى حماية ثقافتها وتقاليدها ولغتها الخاصة " ([118]).

وحدد استاذ القانون الدولي ( محمد حافظ غانم) ان اية مجموعة غير مهيمنة او مسيطرة داخل الدولة هي (اقلية) .في الوقت الذي تسيطر فيه الاغلبية ،وهذا ما عدّه المبرر الاساسي لتدخل القانون الدولي العام لحماية الاقليات ([119]) ، مما يعني ان الاقلية غير المسيطرة التي تتعرض للاضطهاد او سوء المعاملة من جانب الاغلبية ستكون مكفولة بتدخل القانون الدولي لحمايتها . ان هذا التعريف قد تعرض الى انتقادات انطلقت من كونه غير جامع وشامل بالقدر الذي يجعل مفهوم الاقلية واضحاً اذ توجد طائفة من الاقليات في العالم تختلف عن الاغلبية من حيث الجنس او اللغة او الدين ومع ذلك تكون هي المسيطرة او المهيمنة ،كما هو الحال بالنسبة للاقلية البيضاء في جنوب افريقيا (حتى عام 1994 ) التي كانت لا تدخل ضمن مفهوم حماية القانون الدولي ([120]) .

وهذا ما يدعونا الى الاستنتاج أن الاقلية على وفق هذا المعيار لا تعني الحماية الأقل عدداً قياساً ببقية سكان الدولة وانما هي الجماعة الاقل اهمية سواء على المستوى الثقافي أو الأجتماعي او الاقتصادي او السياسي قياسا ببقية السكان ([121]) .

جـ- المعيار الشخصي :

ان الاساس الذي يتم الاستناد عليه في تحديد مفهوم الاقليات على وفق هذا المعيار مبني على الارادة والمشاعر ([122]) . أي بمعنى الشعور بالانتماء الى الاقلية او التحرر من هذا الشعور ،حيث يظهر هذا المعيار بأجلى صورة في اوقات الازمات أي عند الاستشعار بحصول تهديدات او ضغوط مباشرة تعرض وجود الاقلية ومصالحها للخطر ([123]) .

وقد وعرف البعض الاقليات على وفق المعيار الشخصي ومنهم الدكتور (سعد الدين ابراهيم) على انها "أي كيان بشري يتسم افراده بوحدة الانتماء لاشتراكهم الجماعي في امتلاك خاصية او خصائص نوعية لا تشترك فيها الجماعات الاخرى او الاغلبية في المجتمع " ([124]) . حيث يظهر هذا المعيار بشكل خاص في المجتمعات التي تتواجد ضمنها الاقليات القومية او الاقليات ذات الحجم (العددي) الكبير نسبياً في الدولة ([125]) .

ان هذا المعيار تعرض كسابقيه الى عدد من الانتقادات ،ذلك لان انخفاض درجة الوعي او الادراك لدى بعض الجماعات بذاتها او بسبب الرغبة لدى ابناء تلك الاقليات يجعلهم في كثير من المجتمعات يميلون الى الاندماج او الانصهار التدريجي في بوثقة المجتمع الكبير وهذا ما يمكن ملاحظته في المجتمع الامريكي وبلدان امريكا اللاتينية([126]).وعليه فان المعيار الشخصي لا يصح بمفرده لتحديد مفهوم الاقليات لان الاعتماد على الاعلان الارادي او الشخصي لتحديد المفهوم لا يعد سندا . ذلك لان الحالة تعتمد اولاً واخيراً على المراكز الواقعية للاقليات .

د- معيار المصلحة :

ان هذا المعيار لا يقل اهمية عما سبقه من معايير في تكوين الجماعات الفرعية وخاصة تلك التي تقوم على اساس الانتماء الطوعي للفرد الطامح في تحقيق مصالحة ضمن اطار الجماعة لعدم تمكنه من تحقيق ذلك بمفرده ([127]) .

ولكنه سرعان ما افتقد تأثيره كاطار عام في تحديد مفهوم الاقليات كما يرى بعض الباحثين ذلك بفعل تغيير المصلحة (Interst ) بحكم التطورات الحاصلة في الساحة الدولية في ظل ما يسمى بالنظام الدولي الجديد الذي تعد العولمة واحدة من اهم مظاهره التي تهدف الى السيطرة على الادراك واختطافه وتوجيهه ،وبالتالي سلب الوعي ثم الهيمنة على الهوية الثقافية الفردية والجماعية مما يؤدي الى تعطيل العقل وتوجيه الخيال ،وان الغاية هي جعل الافراد ثم الجماعات الفرعية الوطنية تبحث عن بدائل تحقق من خلالها مصالح اكبر ، فتتغير الانتماءات وتتجدد الولائات لهثاً وراء المصالح([128]) .

Page 10

3- مفهوم الاقليات في الفقه الاسلامي :

لم يتطرق الفكر الاسلامي الى مفهوم الاقليات بالاستناد الى ما ورد من ايات قرآنية في الذكر الحكيم او في السنة النبوية بشكل مباشر وان كانت هنالك اشارات الى بعض الالفاظ المشتقة من جذر الفعل قلل كما في قوله تعالى "ويقللكم في اعُينهِم" ([129]). وقليل كما في الاية الكريمة "واذكروا اذ انتم قليلٌ مستضعفون في الارض " ([130]). وقليلون " ان هؤلاء لشر ذمة قليلون " ([131]). وقليلة "كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرة باذن الله " ([132]). ولقد جاءت جميع هذه المفرادت جميعها بمعنى القلة وهي ضد الكثرة التي تتعلق بالعدد ,وهذا ما يدعونا الى الاستنتاج ان مفهوم الاقليات في المنظور الاسلامي لم ياخذ الابعاد نفسها التي جرى تناولها في المعايير السابقة التي تمايزت بها الجماعات الفرعية سواء أكانت لغوية او عرقية او ثقافية لان الاسلام لا يعرف التفرقة بين الافراد ([133]) .

كما ورد ذلك في مناسبات عديدة على لسان رسول الله محمد ( صلى الله عليه وسلم) بالحديث النبوي الشريف "لا فضل لعربي على أعجمي الا بالتقوى" ، وقوله عليه الصلاة والسلام "الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لأحمر على اسود ولا عربي على اعجمي " ، فالاسلام يرفض التمييز بين الناس على وفق الاجناس او الالوان او العنصر او الثقافة باستثناء من يعتنق دينا سماويا غير الاسلام ([134])، وعليه فان مفهوم الاقليات في الفكر الاسلامي لا يقوم الا على اساس ديني بحت يث لا ينطبق وصف الاقلية الا على الافراد الذين يعتنقون ديناً آخر وهذا ما يطلق عليه في الاسلام اصطلاح (اهل الذمة) (*) وهو ما يعرف حاليا ( بالاقليات الدينية ) ([135]).

وبعد كل ما تقدم نستطيع ان نضع خلاصة مفادها ان الاقليات هي جماعة تقل نسبتها او قد تكثر مقارنة بسكان الدولة ،حيث تشترك في واحدة او اكثر من المقومات او الخصائص الاثنية من اللغة او العرق او الدين او الثقافة التي تميزها عن باقي السكان وقد تكون هذه الميزة سببا في حرمانها من المشاركة السياسية الفعالة في تلك الدولة ،او تجعل منها نخبة تتمتع بكافة سبل السيطرة والنفوذ بغض النظر عن عددها او عمقها التاريخي طالما تتمسك بتضامنها وشعورها العميق بالتميز.