eKtab
EN ع
السياسة الخارجية الإيرانية ( 1979– 2011 )
Read free sample

السياسة الخارجية الإيرانية ( 1979– 2011 )

by د. أحمد نوري النعيمي

Page 1

المبحث الأول: المتغير الجغرافي الإيراني

تحد إيران من الشمال بحر قزوين وتركمانستان ، ومن الجنوب الخليج العربي وبحر العرب ومن الشرق افغانستان وباكستان ومن الغرب العراق.

ان لإيران حدودا برية من كل من العراق وافغانستان وباكستان وبعض الجمهوريات الإسلامية في اسيا الوسطى ، اما فيما يخص الحدود البحرية والتي تتمثل في الخليج العربي وبحر عمان وبحر قزوين ومن ناحية اخرى فأن إيران هي دولة شبه مغلقة تحاصرها اليابسة من الشمال والشرق والغرب ، ولهذا السبب تعتمد في اتصالها بالخارج على منطقة الخليج العربي التي يبلغ طولها 320. كم بالمقارنة مع السعودية (2500 وعمان 210. كم واليمن 190. كم والإمارات 1450كم([1] . فضلا عن ذلك تعد منطقة الخليج العربي المعبر الاساسي للنفط الايراني الذي يشكل 80% من صادرتها الى العالم الخارجي ، وتعد أيضا المصدر الرئيس لعملتها الأجنبية .وقد قوم وزير خارجية إيران السابق على اكبر ولايتي ([2] منطقة الخليج العربي قائلا ((ان ساحلنا الجنوبي والخليج ومضيق هرمز وعجمان هي حدودنا الستراتيجية الأكثر اهمية .إن هذه المنطقة حيوية بالنسبة الينا لايمكن ان نكون لامبالين حيالها([1] .

إن تقويم ولايتي لأهمية الخليج العربي ، ينطوي على ان هذه المنطقة هي منطقة إيرانية وبالتالي هي مياه فارسية بحته ، وهذا مايخالف الحقيقة الجغرافية لمنطقة الخليج العربي([2].

وهنا لابد من الإشارة من أن حجة الله رفسنجاني اشار في مناسبة من المناسبات ان للخليج ضفتين ، الضفة الفارسية حيث تقف ايران ، ومن بعدها شمالاً آسيا الوسطى الإسلامية ، والضفة العربية حيث يقف العرب ومن بعدها جنوباالجزيرة العربية وما وراءها من امتداد قومي حضاري عربي ([1].

إذا بامكاننا ان نقول ان هناك الإدراك الفارسي للرموز العربية ، اذ تشيع في الخيال الايراني صورة للعربي على انه : ((الفاتح الغازي المقتحم الذي لايبالي بالموروث الفارسي.

ويبدو ان هذه الصورة قد ترسخت في اذهان الإيرانيين ، ولا سيما في مرحلة الشاه محمد رضا بهلوي وولده من قبله ([2].

ان مساحة إيران واسعة جدا ، حيث تقدر مساحتها بما يقارب 628,00. ميل مربع وهو مساحة اقل بكثير مما كانت عليه في بداية القرن

التاسع عشر وما قبل ذلك ([3] . وهذه المساحة هي أقل بكثير مما كانت عليه فيما مضى ، حيث أن حروب القرن التاسع عشر أدت إلى فقدانها أجزاء مهمة من مساحتها الأصلية ([3] .إن مساحة إيران هي أكبر من العراق اربع مرات بنسبة تقارب 630 ألف ميل مربع إلى أكثر من 140 ألف للعراق . ولمقارنتها بالمقاييس الأمريكية والأوربية ، فإن مساحة تكساس ، أكبر المدن في الولايات المتحدة تبلغ ما يقارب 266 ألف ميل مربع ، ومعنى هذا أن إيران اكبر من تكساس مرتين ونصف المرة . وإيران أكبرمساحة من مجموع مساحة ألمانيا الغربية وفرنسا واسبانيا وبريطانيا وويلز واسكوتلندا ([4] . تتركز على محور يمتد من الشمال الغربي وفيها مناطق صحراوية واسعة جدا التي تمتد عبر الهضبة من الشمال الغربي بمحاذاة طهران وقم لمسافة تقدر 85. كم الى الجنوب الشرقي وتتجاوز الحدود الى ما ورائها ، وعليه يكون نحو سدس مساحة إيران صحاري قاحلة واكبر منطقتين صحراويتين تعرفان باسم دشت لوط ودشت كوير والمنطقة الصحراوية التي تلي هاتين المنطقتين في السعة هي جازموريان. وفي الواقع لايمكن اجتياز هذه الأراضي الصحراوية إلاّ عبر الطريق الوحيد الذي يربط مدينة يزد بمدينة فردوس ([1] .

إن الجبال الضخمة والصحاري الموحشة تقف سدودا هائلة ، امام المواصلات . ولو نظرنا إلى إيران نظرة جغرافية لرأيناها تقدم للعالم مثلثا كبيرا في عصر ما قبل الطيران السابق صعب الاختراق جدا ، فالقمة الشمالية الغربية لهذا المثلث هي بداية سلسلتين جبليتين فجبال زغروس تشكل الساق الجنوبية الغريبة للمثلث وجبال البرز الساق الشمالية.

وكلتا السلسلتين الجبليتين ترتفعان على العموم الى علو يصل الى 1100. قدم ويرتفع جبل وند في سلسلة البرز الى علو 1860. قدم 0وقد اثبت وهن المثلث على ان الوصول اليه ستسهل عند النقطة التي تتلاقى بها الصحراء مع جبال البرز ، فمن الممكن هنا دخول الهضبة الإيراني بالالتفات على طول السفح الجنوبي للجبال الواقعة شمالي الصحاري الموحشة. وهذا الطريق كان طريق الدخول التقليدي الذي سلكه الاتراك والمغول الى إيران([2] نجد إيران في أطرافها سلاسل جبلية عملاقة وماعدا المدن الكبيرة القليلة مثل اصفهان وكرمان ، فان مركز الارض الإيراني كان حاليا مقفرا من السكان ، في حين ان المجتمع السكاني والنشاط والثروة والزراعة كانت تتجمع في الإقاليم الجانبية ، ولهذا السبب فان الإيرانيين كانوا خلال القرون الطويلة الماضية يغيرون عاصمة دولتهم بين حين واخر([5].

تقدر المنطقة السطحية للشاطئ الجنوبي لإيران بـ 5,926,30. هكتار بموجب تقديرات عام 1995 ، من بين هذه المسافة 22,366 هكتار هي سهلية 1,982,066 هكتار مغطاة بالغابات ، 11,420,00. هكتار مغطاة بالحقول ، والبقية أي 565,622 هكتار موضوعة لاستخدمات اخرى . المصادر النهرية لإيران هي 177,00. كيلو متر وهي منطقة تشكل 11%من منطقة المصادر النهرية الكلية في ثمانية اقاليم و 7 % من منطقة المصادر المائية لبحر قزوين ، وان 864 نهرا تجري الى داخل هذه المنطقة وهي الكمية التي تساوي 5% من الإسهامات المائية من بحر قزوين .على الرغم من ان هذه ليست كمية معتبرة لكنها تمثل منطقة مصدرية مائية ذات حجم معتبر كبير في إيران([6].

يبلغ عدد سكان إيران وبموجب احصائية عام 2000 ، 302 ,865 ,65 مليون نسمة ([7] ، وبموجب الإحصائيات الأخيرة ، يصل عدد سكان إيران إلى نحو سبعين مليونا غالبيتهم العظمى من الشباب ([8] . وبحلول عام 2025 من المتوقع ان يصل هذا العدد الى 16. مليون نسمة ، وهذا ما يتجاوز عدد سكان اية دولة اخرى في الشرق الأوسط بما فيها مصر وتركيا([9] .

تمتعت إيران ، على سبيل المثال بأفضلية ثلاثة إلى واحد على العراق بعدد السكان في 1989 ( 5 و 54 مليونا مقابل 6 و 17 مليونا ، وبنحو 4 و 2 إلى واحد في 2006 ( 65 مليونا مقابل 8 و 26 مليونا . وبإستخدام الناتج المحلي الخام كمؤشر إلى الثروة ، تميزت إيران بأفضلية 4 إلى واحد في 1985 ( 8 و 179 مليارا دولار أمريكي في مقابل 2 و44 مليارا وبأفضلية 9 و3 إلى واحد في 2000 ( 101 مليار دولار في مقابل 9 و25 مليار .

Page 2

المبحث الثاني: الطابع القومي في إيران

يتكون المجتمع الإيراني من قوميات وأديان عديدة ، وفي الواقع لاتوجد إحصاءات رسمية لنسب هؤلاء ، ومع ذلك يمكننا ان نقدم نسباً تقديرية ([10] لهذا التكوين ، حيث يبلغ عدد الفرس 08. ,36 مليون نسمة (51 بالمائة والاذري97. 16 مليـون نسمة (24 بالمائة([11] ، والتـركمان 7.07. مليون نسمة ، والأكراد 4.95 مليـون نسمة ، (7 بالمائة ، والعرب 2.83. مليون نسمة (4 بالمائة ، والبلوش والجنسيات الاخرى 2.8. مليون نسمة (4بالمائة([12] .

يمثل المسلمون 8 و 98 %من السكان في إيران 91 % من الشيعة 8 و 7 % من أهل السنة . والمسيحيون يمثلون7 و 0 %واليهود 03 و% والزراداشتين 1 و 0 % ، ويمثل أتباع سائر الأديان الأخرى 1 و0 % ([13] .

وهذا يعني ، ان إيران تفتقد إلى مصدر الدولة القومية ، بسبب هذا الاختلاف السكاني الذي يحوى على عناصر قومية متعددة ، ولا تشكل اية واحدة منها سمة الدولة القومية ، وعليه يعد الإسلام العنصر الرئيس في توحيد هؤلاء ،حيث يشكل المسلون نسبة 98% من مجموع السكان([14].

تمتلك إيران مخزونا نفطيا غنيا ، وتعد ثاني اكبر احتياطي دولة في العالم في مجال الغاز الطبيعي حيث يبلغ23.00 تريليون متر مكعب في نهاية كل سنة ( [15] وهي الثانية من حيث الحجم بعد احتياطات روسيا الإتحادية ، وتمتلك إيران بشكل واضح إمكانية هائلة كلاعب رئيس في مجال الغاز الطبيعي . تبلغ الإحتياطات في حقل الغاز الهائل في بارس في الخليج ، إحدى اعظم الجواهر في تاج الطاقة الإيراني ، والذي يعد إمتدادا لحقل الشمال القطري ، مابين 280 – 500 تريليون متر مكعب ([16] . والحق فان إيران بحاجة لمصادر الطاقة هذه ومن خلال التعاون مع الدول الساحلية لبحر قزوين([17] .

فضلا عن ذلك فأن لإيران 9 % من الإحتياطات النفطية المثبتة . وعليه نرى بان اقتصاد إيران يعتمد بشكل كبير على الدخل النفطي الذي يشكل على وجه التقريب 80% من الصادرات اي 40% الى 50% من ميزانية الحكومة ، وهذا يعني ان 1. % -2. % لـ G D P اساسه نفطي . الحصة الكبيرة من إحتياجات النفط تقع في الأقاليم الجنوبية لخوزستان والحقول النفطية الساحلية ([1]. مما يعني أنه لا يوجد ما يفوقها سوى احتياطات المملكة العربية السعودية ، التي تبلغ احتياطاتها نحو 260 مليار برميل ، وكندا التي تبلغ احتياطاتها 170 مليار برميل ، وربما العراق الذي يعتقد أن احتياطاته تبلغ 115 مليار برميل . والأهم من ذلك أن احتياطات إيران التي لم يتم اكتشافها بعد ، مثل تلك الموجودة في العديد من البلاد الأخرى ، ربما تكون أكبر ، حيث يشير معظم الخبراء إلى وجود احتياطات غير مكتشفة وخصوصا في بحر قزوين ([18] .

تقدر الإحتياجات النفطية لإيران في منطقة بحر القزوين بـ 15 مليار برميل من النفط و 11 تريليون متر مكعب من الغاز . وهنا لابد من الإشارة من أن إيران لا تنتج في الوقت الحاضر النفط والغاز في منطقة قزوين . اذا اخذنا بنظر الإعتبار الحجم المعد لإحتياجات إيران في منطقة قزوين ، فان حجم الانتاج للحقول الجنوبية لايران يبقى ذا اعتبار اكبر بناء على ذلك ، وليس مثل بقية الدول الساحلية الاخرى ، فان إيران لا تعتمد على احتياجاتها النفطية في بحر قزوين ، انها تعتمد بصورة اقتصادية على بحر قزوين من أوجه أخرى ([2].. ففي إيران ، تكون العائدات الداخلية من صناعة النفط غير كافية بشكل واضح لتلبية متطلباتها الإستثمارية . وبموجب ما قاله شخصية إيرانية عليا في وزارة النفط الإيرانية : " في كل الأحوال ، لا نملك سوى خيار اللجوء إلى الأسواق الدولية والمستثمرين الأجانب كانت لنا مداخيل من النفط ولكننا لم نستخدمها للنفط . فقد استخدمناها في قطاعات أخرى لا تجتذب الإستثمار الأجنبي المباشر . يجب علينا استخدام الإيرادات النفطية في هذه الحالة " ([19] .

ولكن إيران تجد صعوبة في تلبية حاجاتها الرئيسة للإستثمار في النفط والغاز والتي قدرها مسؤول كبير في وزارة النفط بما بين 3 و6 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي للبلد . قال مسؤول وزاري في مجال التخطيط إن الإفتقار إلى دعم الميزانية هو العائق الوحيد أمام قيام وزارة النفط الإيرانية بتوسيع خططها . واعتمدت شركة النفط الوطنية الإيرانية بشكل متزايد على مصادر رأس المال الدولي كالإستثمارات الأجنبية الناجمة عن برامج إعادة شراء ما تم بيعه مثلا ، أو على المصارف الأوربية واليابانية ووكالات منح القروض للتصدير . كما شرح مستشار أعلى في وزارة النفط : " لا يمكنني إجتذاب رأس المال لرفع الطاقة الإنتاجية وتعويض الإنخفاض ، لذا ألجأ إلى الإقتراض ، وأستمر بالإقتراض . لكن هذا الأمر غير كاف . إنه غير كاف لتحسين وضع إيران فيما يخص إحتياطاتها وبالمنزلة التي يفترض بنا التمتع بها " ([20] .

تواجه إيران عقبات سياسية تحول دون حصولها على رأس المال . كان هناك دور رئيس لجماعات الضغط الأمريكية في إرجاء مشاركة كونسورتيوم ياباني لتطوير حقل نفط أزاديجان الضخم والذي تبلغ طاقته الإنتاجية مابين 3 و 6 مليار برميل ، وفي العام 2004 ، حذر وزير الطاقة الأمريكي السابق سبنسر أبراهام المستثمرين الأوربيين من الإستثمار في إيران . ومع ذلك ، فقد واصلوا استثمارهم ، تشرك سلطات النفط الإيرانية المستثمرين الأجانب ( غير الأمريكيين في إرساء الإستقرار في البلد كونهم مالكي أسهم ، وذلك من خلال التفاوض حول عقود جديدة لتطوير النفط والغاز لقد ضغطت هذه السلطات بشكل ملحوظ على الشركاء الرئيسين وهم توتال ، وبريتيش بتروليوم وشل ، والشركة الإيطالية ENI للتوقيع على عقود تشمل عمليات تطوير جديدة . قد يكون سيف واشنطن المشهر لصالح شركات النفط الدولية تلك التي يمكنها الإفادة من شروط مالية مريحة تقدمها الحكومة الإيرانية المتلهفة لحملها على توقيع العقود ([21] .

لا يتوافر رأس المال الجديد ببساطة وسهولة . لقد ناقش مستشار وزاري الأمر قائلا إن تسهيل الإستثمار في صناعة النفط والغاز في إيران هو من مسؤولية البلدان المستهلكة إذا رغبت في أن يقوم البلد بتزويد العالم بمزيد من الطاقة . يمكنها المساعدة من خلال إقناع الولايات المتحدة برفع عقوباتها ، وتخفيض حدة المواجهة السياسية المحفوفة بالمخاطر ، وتشجيع الشركات الأجنبية على الإستثمار في إيران . وعرض بوضوح لمشكلة البلد : " في ظل العقوبات ، لا يمكن لإيران تطوير إمكانات قطاع الهيدروكربون ، وأن عجزها عن تزويد العالم بالطاقة الذي هو بحاجة ماسة إليها قد يؤدي إلى قيام الدول المستهلكة الأقوى بإجتياحه لتطوير إحتياطاته الضخمة " ([22] .

في عام 2005 جنت الحكومة الإيرانية 6. 44 بليون دولار من صادرات النفط وأنفقت 25 بليونا على الإعانات – للإسكان والوظائف والغذاء ودعم البنزين – وذلك لإسكات مجموعات الضغط . لذلك إذا هبطت أسعار النفط هبوطا حادا مرة ثانية فستضطر إيران أن تحرم كثيرا من الإيرانيين من مزايا عديدة . وذلك بسبب مشكلة البطالة ، فإن ذلك يمكن أن يثير كل أنواع المشاكل ، ويؤدي كما يقول توماس فريدمان " إلى قيام غورباتشيف إيراني ( [23] .

إلى جانب هذا فأن إيران تمتلك طبقة متوسطة متعلمة ، ونظاماً سياسيا قائما على المؤسسات الدينية ([1].

وهنا لابد الإشارة ،انه بعد ان استقلت الجموريات الإسلامية في آسيا الوسطى من الإتحاد السوفيتي، منحت لإيران فرصة القيام بدور اقليمي جديد مستغلة مكانتها الخاصة التي تميزت في آسيا الوسطى لإعتبارات تاريخية ، فضلا عن العوامل الضاغطة للسياسة الجغرافية الإيرانية وذلك لانها حلقة الوصل بين الشرق الأوسط وجنوب غرب آسيا ووسطها ([2]..

فيما يخص أهل بلاد الفارس من الناحية السكانية ، كانوا اصلاً من أهل السنة ، ([24] بدليل انه عند تتويج اسماعيل الصفوي فيها (1501-1524 ، كان تعداد مدينة تبريز 30. الف شخص ، وكان عدد : أهل الشيعة ما يقارب عشرين الف نسمة ([1].

كان الفرس قبل ظهور الصفويين من أهل السنة والجماعة في الغالب ([25] فالحركة العباسية نشأت بين الفرس وتنامت تحت رعايتهم . وكان جل فقهاء أهل السنة وأئمة الحديث من الفرس في تلك الحقبة الزمنية . ولو حاولنا الرجوع إلى تراجم المحدثين وافقهاء الأولين لوجدنا فيها أسماء النيسابوري والبخاري والترمذي والرازي والطبري والغزالي والخراساني والشهرستاني والكيلاني والاسترابادي والجرجاني والامدي والاصفهاني والتستري ... وغيرهم من المنتسبين لبلاد الفارس المختلفة ( [26] .

ظل الفرس على مذهب أهل السنة حتى ظهر الصفويون ، اتخذوا الوسائل كافة لإكراه الفرس على دخول مذهب التشيع ، ولجأوا إلى الإضطهاد والقتل والتعذيب في هذا السبيل ، وكان شعارهم في ذلك " ياعلي " ([27] .

عندما دخل إسماعيل الصفوي تبريز ، وأراد فرض التشيع على اهلها بالقوة قام مجموعة من مستشاريه بتقديم النصح له بسبب ان ثلثي سكانها من السنة ، فكان رده عليهم : ((أنا والأئمة المعصومين معي ، واني لا اخاف ابدا ، فاذا وجدت من الناس كلمة اعتراض شهرت سيفي بعون الله فيهم فلا ابقي على احد منهم حيا ([28]

وبعد ذلك النجاح الذي حققه إسماعيل في تبريز ، أمر بأن تقرأ الخطبة بإسم الإثني عشر إماما ، وبعد ذلك جعلها تقرأ بإسمه( [29] . وبهذه الصورة تأسست الدولة الصفوية ذات المذهب الشيعي في عام 1501 م ( [30]

اعتمد اسماعيل الصفوي في نشر عقيدة الامامية على نصر الله الزيتوني ، وعد المجلد الاول من قواعد الاحكام لإبن المطهر الحلي الاساس للتعليم ، وعمله هذا ادى الى اغراء كثير من علماء الامامية من جبل عامل بالهجرة الى إيران لبناء دولة جديدة فيها وحسب معتقداته الجديدة([31] .

وهنا الابد من الإشارة الى أن المذهب الشافعي كان هو السائد في بلاد فارس الى أيام إسماعيل الصفوي([32] ، وهذا على عكس ما ذهب اليه شاه إيران السابق الذي جاء في مذكراته : ((منذ عام 625 بعد المسيح ، خضعت إيران للعرب ، وبقيت بلادنا بضعة قرون تحت حكم الخليفة في بغداد ، وكما حدث في اليونان ، فان الإيرانيين الذين انهزموا مالبثوا ان اصبحوا منتصرين وقد اثبتوا أصالتهم واستقلالهم برفضهم السماح للمذهب السني بالتسلل الى عقيدتهم الأساسية الشيعية ، وبالتالي فانهم كانوا يرفضون الخضوع الى سلطة الخليفة في بغداد من الناحية الروحية على الاقل ، فقد كان العامل الحاسم في عودة استقلالنا هو الانتصار الذي حققه ابو مسلم الخراساني الذي عاش بين 754-75 وبفضل القوات المؤلفة من اكثرية فارسية ثم تحرير خراسان ([33] .

إن تحويل إيران إلى المذهب الامامي من وجهات نظر الرأي الاول قد ادى الى سخط كبير في نفوس قادة الدولة العثمانية في القسطنطينية ، فبعد مرور مائتي سنة من حكم الصفويين بلاد فارس ، تكون قوتهم قد استهكلت ، الامر الذي دفع العثمانيين الى ابرام معاهدة مع قيصر روسيا من اجل تقسيم مناطق واسعة من ايران بين العثمانيين والقياصرة ، ومن ناحية اخرى ، قام العثمانيون بتجهيز جيش قوي للوصول الى غرب إيران ([34] ويضيف هذا الرأي قائلاً : - إن الشاه نادر ( [35] الذي كان يحكم إيران في هذه الحقبة لم يستطيع تغيير معتقدات اهل السنة وذلك لسببين هما([36]:-

1- اعتقادا من نادر شاه ، انه بإمكانه تخفيف التوتر بين ايران والدولة العثمانية من خلال الحد من التناقضات مع اهل السنة([37].

2- لم يستطيع نادر شاه اجبار اهل السنة على طاعته من خلال الزعم بانه هو الاخر ينتسب الى ال البيت([38] ، فهي لم تصدق هذا الا بالنسبة للعائلة الصفوية.

ومنذ ذلك الحين صار ملوك ايران لا يستطيعون الزعم بالنسب الاسلامي الشريف.

وهنا ، ونحن بصدد الحكم الصفوي ،لابد ان نسجل بعض الملاحظات ،حول تطور المذهب الأثني عشري من بينها : أن الروحانية الشيعية تحولت بعد الصفويين إلى مؤسسة اجتماعية أي اصبحت بعد ان اكتسبت الصفة الرسمية مؤسسة مشخصة في عملها ووظيفتها الاجتماعية ،وصار لها بنية مالية واقتصادية ثابتة([39].

واذا كان تعيين واصدار احكام المناصب الرسمية لعلماء الدين من صلاحية السلطان صار علماء الدين في سلطتهم وصلاحيتهم ياتون بعد الملك مباشرة ضمن سلسلة المراتب الإجتماعية ، الا انهم في القضايا الشرعية ، كان لهم صلاحيات مطلقة([40].

اما فيما يخص الأوقاف ، والتي كانت بيد العلماء بدأ بالتوسع شيئا فشيئأ ثم ترسخت اركان هذه المؤسسة في القرون الاخيرة من خلال استيفاء الزكاة والخمس والقيمة العالية لمرجعية التقليد . ويوماً بعد يوم ترسخ موقع التيار الموازي للسلطنة من خلال العلاقة المعنوية بين علماء الدين والرأي العام ، حتى اذا سقطت الملكية الصفوية لم تغادر الروحانية الشيعية الميدان ،بل أصبحت اقوى من السابق وعندما بدا عصر الملكية القاجارية والتي لا تمثل من حيث الوجاهة عند اهل الشيعة الحكم الصفوي ، فان الروحانية في ظل غياب المدنية الجديدة كانت الاهم في الساحة في تقرير المصير الاجتماعي للراي العام([41] .

وعلى الرغم من إستمرار التأييد من لدن علماء الدين للسلطة السياسية في العهد الصفوي كانت هناك معارضة كبيرة ، حيث رفض بعض العلماء ارتكازا الى اصل الاعتقاد بالإمامة وولاية العصمة ، رفض حق التعاون مع الملوك الصفويين وادانة المتعاونين معهم .وعلى هذا الاساس فقد دار جدل كبير حول موضوعات فقهية كانت لها مساس بشكل او باخر بالسلطة مثل اخذ الخراج واقامة صلاة الجمعة وغيرها .وقد طرح ايضا في هذه الحقبة موضوع ولاية الفقيه في عصر الغيبة وصار محورا للبحث في القرنين الاخيرين ، اذ طرح هذا الموضوع في بداية العصر الصفوي بوضوح وعناية كبيرين ثم تبلور اكثر واصبح أثرا مستقلا في بداية العصر القاجاري على يد احمد النراقي ، وبعد قرنين تشكلت صورة اخرى لهذه النظرية على يد آية الله الخميني بعد ثورة شباط 1979([1].

ان طرح هذا الموضوع في العصر الصفوي ،أريد منه كيفية تبرير التعاون مع الملكية الصفوية من خلال إسناد التشيع الى السلطة ، وبتعبير أدق ،اختفاء صفة الشرعية على سلطة ملوك هذا العهد ،بعد ان بقي المتصدي للقضايا والإشراف عليها هم علماء الدين ([2].

Page 3

المبحث الأول: دستور عام 1906

لم تكن ايران لتعرف المؤسسات الدستورية قبل عام 1906 ، بسبب استبدادية الحكم فيها ،حيث حكم البلاد ناصر الدين شاه بن محمد شاد حكما استبداديا ،الامر الذي دفع الايرانيين استبداله بابنه مظفر الدين بعد قتله اياه ، وقد وجد مظفر الدين بلده يعم بالفوضى وتعتريه الازمات الاقتصادية والمالية ،فضلا عن سوء الاوضاع الداخلية والمتمثل باستبداد الوزراء والبلاط وانتشار البطالة والفقر ، وتدخل الاجنبي في السياستين الداخلية والخارجية ،وهذه الامور جميعها كانت تشجع على قيام الثورة في ايران ،ولا سيما اذا عرفنا ان الانقلاب الذي حدث في روسيا القيصرية قد دفع بالايرانيين الى مطالبة المزيد من الحريات ،كما ان مقتل احد علماء الدين بايدي السلطان ، كان هو الآخرمن العوامل التي دفعت بالايرانيين مطالبة الحكومة بتأسيس (عدالت خانة أي العدلية .وقد استجاب السلطان مظفر الدين لارادتهم في تاسيس (عدالت خانة ([42].

هذه التطورات جميعها دفعت السلطان في 1324 هـ ان يصدر امرا سلطانيا الى تحديد صلاحيات واختصاصات رئيس الوزاء ، والموافقة على تبني الحكم الدستوري وتشريع قانون للانتخابات ، وكان هذا سببا في تهدئة علماء الدين وانهاء اعتصماهم والرجوع الى طهران . وبعد تشكيل مجلس النواب في 17 شعبان 1324 هـ قام المجلس المذكور بانتخاب هيئة تقوم بتدوين مشروع القانون الاساسي وتحويلها صلاحيات صياغة مواده وبعد انتهاء الهيئة من مهامها ، قامت بتقديمه الى الشاه للموافقة عليه اذ اصدر الشاه امره وذلك في ذي القعدة عام 1324 هـ الموافق 5 آب 1906 والذي اشتهر لاحقا بإسم " فرمان مشروطيت " ([43] . وقد تكون مواد الدستور من 107 مادة ([44] .

سمي هذا الدستور في البداية ((نظام نامة اساسي ثم اصطلح على تسميته ((قانون اساسي وقد تم استخدام هذا المفهوم على ايام الدولة العثمانية اما مجلس النواب اطلق عليه اسم ((مجلس شواري ملي ..([45].

استعانت اللجنة بنصوص الدساتير البلجيكية ( لعام 1831 والفرنسية مع اجراء التعديلات عليها ،فضلا عن استعانتها بخبرة بعض علماء الدين ، بما يتناسب مع ظروف واوضاع المجتمع الايراني وتجدر الإشارة في هذا المجال ان مشروع الدستور الذي قدمه ممثل الدولة الإيرانية كان يعتمد ايضا على الدستور البلجيكي ، وهنا يمكن ان نقول ان عدم رجوع المشرع الايراني للاستعانة بدستور عام 1876 العثماني في صياغة الدستور ،كون الدستور العثماني نفسه اعتمد في اغلب نصوصه على الدساتير الاوربية([46] ، اكد هذا الدستور على الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ومن الناحية العملية كانت للشاه السلطتان التشريعية والتنفيذية([47].

وهنا لابد من القول ان علماء الدين كان لهم الدور الكبير في التأثير على لجنة صياغة الدستور ، وقد اتضح هذا ، من خلال الدور الذي قام به الشيخ فضل الله نوري والذي اختلف مع بهبهاني وطباطبائي اللذين كانا يريان ان الاشارة الى وجوب مطابقة نصوص الدستور والقوانين للشريعة الإسلامية كانت كافية ، ولا ضرورة لتضمينه مواد اخرى بهذا الخصوص الأمر الذي ادى توسيع الخلاف في مدن اخرى ، وكان من نتائج ذلك تضمين المادة الاولى من الدستور التي تنص على ان دين الدولة الرسمي هو الاسلام وبموجب المذهب الجعفري الاثني عشر والمادة الثانية كانت لاتجيز مرور الى قانون من المجلس الوطني ، دون موافقة من العلماء (لا تقل عن خمسة حتى لا يصدر أي قانون عن المجلس ويكون فيه مخالفة للشريعة ، كما ورد فيه هذه المادة ما يمنع الغـائهـا او تـعديـلـها حتـى ظـهور امـام الـزمـان وقـد وضعـت ارضاء للشيخ فضل الله نوري([48]، وبعض العلماء([49] . بسبب هذه الإعتبارات وغيرها إتفق علماء الدين مع رضا خان للإبقاء على النظام الملكي وإعتلاء عرش بلاد فارس .[50] يتضح مما تقدم ان دستور عام 1906 يكرس المذهب الاثني عشر كمذهب للدولة ،وان الاسلام هو دين الدولة الرسمي كما وان الشاه الذي حكم باسم هذا المذهب ،كان ينبغي عليه تعزيز ذلك وحسب هذا الدستور فان لجنة من خمسة من القادة الدينيين ، يتوجب عليها التأكيد بان تشريعات البرلمان تنسجم مع العقيدة الشيعية ومن ناحية اخرى فان المسؤولين الحكوميين يجب ان يكونوا من المسلمين.

وبرغم وجود قيود على النشاط السياسي للاقليات الدينية ، فان حرية العبادة مضمونه كحق مدني ، هذا ويعترف الدستور المذكور بالزراد شتيه واليهودية والمسيحية.

اما البهائية وهي طائفة وجدت في ايران في منتصف القرن التاسع عشر ، ولم يعترف بها ، فتتشكل جماعة من حوالي ثلاثة مائة الف شخص([51].

ويحق للزراد شتيه مقعد واحد في البرلمان ، كما يحق لليهود بمقعد ايضا واخر للاشوريين المسيحيين. اما الارمن فكان لهم مقعدان حيث يعدون الان مائة وخمسين الف شخص في إيران([52].

أجريت على الدستور تعديلات متعددة ، عندما اصدر الشاه محمد علي مرزا في 29 شعبان 1324 هـ ، امرا ملكيا يقضي بتكملة الدستور ، حيث أضيفت 107 مواد على الدستور ، وبهذا يصبح عدد مواد الدستور 168 مادة بعد ان كان 51 مادة.

تبع إعلان دستور عام 1906 تأسيس البرلمان ، وتأسيس ملكية دستورية بيروقراطية . صحيح أن الشاه قد أهمل الدستور ، وتجاوزه أحيانا ، ولكن الوضع العام لنظام الدولة كان على العموم منظما تبعا لقيود دستور عام 1906 ومتأثرا به .( [53]

حاول شاه إيران ابتداء من عام 1962 ارضاء الرأي العام الايراني لادخال بعض الاصلاحات من اجل استمالتهم الى جانبه ، وقد اتضح ذلك من خلال خطته والتي سميت فيما بعد ثورة الشاه والشعب البيضاء([54] ، هذه الخطة التي احتوت على مبادى سته تم طرحها للاستفتاء الشعبي في 26 كانون الثاني 1963 تضمنت اصلاحات شملت نظام الإقطاع وقانون تاميم الغابات وقانون بيع المصالح والمعامل الحكومية واشراك العمال في ارباح المصانع ، وتعديل قانون الانتخابات وتشكيل كتاتب التعليم ، ثم قام الشاه بعد ذلك بإصدار مبادى سته اخرى والتي احتوت على تشكيل كتائب الصحة في خدمة الفلاحين وتشكيل كتائب الاعمار بيوت الانصاف وتاميم المياه في البلاد ،واستثمار الطاقات المادية والمعنوية في البلاد واصلاح الجهاز الاداري([55] وعندما طرح الشاه برنامجه الاصلاحي للاستفتاء ، قام علماء الدين بمقاطعة ذلك ([56] ( مع دعم ملاك الاراضي واصحاب المخازن ، الامر الذي دفع رئيس الوزراء الى اتهام آية الله الخميني والقمي بانهما وراء ذلك ([57] كما وصف الشاه علماء الدين بالادعياء والمتخلفين ووصفهم بالرجعيين السود ((نسبة الى لون زيهم ([1].

وفي هذا المجال ، يمكننا تقويم شخصية الشاه محمد رضا ، شاه إيران السابق مع والده رضا خان . خلال السنوات السابقة التي أمضاها مرافقا لوالده ، سنحت للضابط الشاب – محمد رضا – فرصة طيبة لمراقبة والده وهو يدير الحكم في البلاد ، ولعله إقتبس منه ذلك الإهتمام الكبير بالإطلاع على كل صغيرة وكبيرة للأمور التي يعالجها ( [58] .

هناك إعتقاد من بعض الباحثين ، أن الشاه الإبن كان يفتقر منذ شبابه لتلك القناعات العميقة التي كان يؤمن بها والده طول حياته ، ولذلك كان في شبابه كثير الميل لحياة اللهو الفارعة ، وكان يمضي معظم أوقاته خارج إيران متنقلا بين أوربا والولايات المتحدة . كما أنه كان في شبابه رياضيا جيدا يجيد التزحلق والفروسية والصيد وقيادة السيارات السريعة والطائرات ([59] .

تعرض الشاه محمد رضا خلال مدة حكمه للإغتيال مرتين نجا منهما بأعجوبة حيث أصيب في المحاولة الأولى في شفته ، وإستقرت في الثانية رصاصة في كتفه ، ويقال أنه في المرتين حافظ على رباطة الجأش بشكل أثار إعجاب مرافقيه([60] .

ولكن أحداث سنة 1953 ، أظهرت أنه رجل متردد تعوزه القدرة على إتخاذ قرارات حاسمة . ويقول بعض الإيرانيين الذين عاصروا عهد والده رضا شاه إن المجابهة التي وقعت بينه وبين رئيس وزرائه الدكتور مصدق عولجت بطريقة تختلف كليا عن معالجة والده للأزمات السياسية الحادة التي كان يواجهها طوال مدة حكمه . فقد كان الشاب الأب رجلا ذا إرادة صلبة وقدرة فائقة على إتخاذ القرارات القاطعة التي لا رجوع عنها ([61] .

التفسير الذي يقدمه بعضهم لنقطة الضعف هذه لدى الشاه الإبن هو رضوخه التام لإرادة أبيه في صباه وشبابه مما ولد لديه الشك بنفسه وبالآخرين أيضا . ولكن هناك تفسير آخر لذلك حيث يقول البعض أن مدة إعداده وتهيئته لإستلام زمام الأمور كانت قصيرة ، ولم يكن مهيئا ومدربا تدريبا كافيا حينما أنزل والده عن عرشه ووضع في مكانه . كما أن البعض الآخر يعتقد أن دراسته الغربية في بلد ديمقراطي كسويسرا جعلته غير مؤهل لممارسة الحاكم الأوتقراطي المطلق الذي يحتاجه بلد مثل إيران ( [62] .

أن الصورة الشائعة عنه في الخارج والتي تمثله كحاكم [63]أوتقراطي متغطرس وهي الصورة التي صقلها رجال البلاط وتبنتها ونشرتها الفئات المعارضة لم تكن صورة حقيقية ودقيقة . فالشاه محمد رضا بهلوي لم يخلق ليقود رجالا أو أمة في أوقات الأزمات .

Page 4

المبحث الثاني: الأحزاب السياسية في إيران على عهد الشاه

نركز في هذا المبحث على الاحزاب اليسارية والاحزاب الحكومية والاحزاب القومية (الجبهة الوطنية والتي ظهرت اثناء تسليم رضا الحكم فيها ، وهي متباينة في اتجاهاتها الفكرية واهدافها ، وهذه الاحزاب هي :-

1- حزب تودة – أي حزب الجماهير الطليعي :

تكون هذه الحزب من خلال توحيد مجموعة العمال الايرانيين العاملين في مجال النفط في اذربيجان وذلك بعد قيام ثورة اكتوبر الروسية عام 1917.

الا ان يوم 25 ايلول 1941 يعد هو تاريخ نشأة الحزب وذلك عندما اتخذ رضا شاه قرار الهروب الى خارج ايران ، ونتيجة لذلك ، اوجد الحزب لجنة مركزية تكونت من خمس عشر عضوا ، حيث اصبح سليمان ميرزا اسكندري امينا عاماً للحزب ، وعضوية كل من الدكتور اراني وخليل مكي واحسان طبري ([1].

مارس حزب تودة في المدة الواقعة بين 1917-1941 نشاطه السري ، وكان له دور في تعبئة الراي العام الإيراني في الحملة ضد الشركة الاحتكارية ، ومحاولة الغاء المعاهدة البريطانية الإيرانية لعام 1927 والتي اعطت امتيازات نفطية لبريطانيا ، وكان من نتائج هذه الحملة ، ان قامت الحكومة الإيرانية بنشر بنود الإمتياز الجديد في ايار 1933 0وقد دخل الحزب في مرحلة جديدة ، عندما قاد تظاهرة في عام 1949 ضد الشاه ، مطالبا باسقاط نظامه ، وقيام احد عناصره باطلاق عيارات نارية عليه في احد قاعات جامعة طهران وهو يلقي كلمته بمناسبة انتهاء السنة الدراسية ([1].

الأمر الذي دفع بوزير الداخلية د. اقبال في 7 شباط 1948 ان يقدم الى البرلمان لائحة اتهام بالنشاطات غير القانونية لحزب تودة ، تم بموجبها حل الحزب ومنع صحيفة مردم من الظهور ، وقد صادق البرلمان عليها. ومنذ ذلك التاريخ بدأ الحزب يمارس نشاطاته السرية في داخل ايران ([2].

وعندما قامت الثورة الايرانية ، اصدر حزب تودة برنامجا اكد فيه على النقاط الاتية :

1- تأييد الحزب لآية الله الخميني بقيامه إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية. يقول نور الدين كيا نوري الامين العام لحزب تودة في هذا المجال : ((فمنذ عشرين عاما وخميني يناضل ضد الشاه ، وضد الاشكال المختلفة للهيمنة الامبريالية ، وقد تطورت معتقداته السياسية وفق اسس القوانين الاسلامية ، ونحن نعلم عن مساندتنا التامة لمبادراته الخاصة بالاطاحة بالنظام الشاهنشاهي واعلان الجمهورية الاسلامية 00. ([64].

2- ضرورة انقاذ الدولة من الإمبريالية([65].

3- تأميم المؤسسات والبنوك.

وعليه نرى ، انه على أثر سقوط الشاه وإعلان الجمهورية اظهر الحزب مرونة في عقيدته السياسية والفكرية ، مشيراً الى ان الماركسية يمكن تحقيقها بالادوات السلمية ، فبدأت تصريحات حزب تودة ومن خلال رئيس الحزب اسكندري والتي تقول ان حزب تودة يحترم الدين ، واهميته وثبوت جذوره لدى الجماهير الكادحة والطبقة المثقفة الايرانية([66].

وقد عبر نور الدين كيا نوري الأمين العام للحزب عن هذا المعنى قائلا : ((ليس هناك تناقض بين الاشتراكية العلمية والمضمون الاجتماعي للاسلام ، بل هناك لغة مشتركة ([67].

وفيما يخص الكفاح السلمي ، يقول كيا نوري : ((لايرى الحزب ضرورة لسفك الدماء لانه يمكن الوصول الى اهدافنا بالادوات السلمية ([68].

ونتيجة للامور السالفة الذكر ، قام كيا نوري من حمل شعار ((الجبهة الوطنية الديمقراطية انسجاما مع الظروف التي كانت تمر بها ايران وقتئذ([69] . ويعد حزب تودة من اكثر الاحزاب السياسية قوة في التنظيم وخضوعه لمفهوم القيادة ، ومدى تأثيره في ملاكاته ، ويعتمد في التنظيم على خلاياه المنتشرة في انحاء إيران كافة ولاسيما منها في المدن الكبيرة والصناعية ، اصبح لحزب تودة اثناء حكم الدكتور مصدق دور كبير في تعبئة الراي العام الإيراني. ينتمي اعضاء الحزب الى الطبقة المتوسطة الا انه استطاع كسب قطاعات كبيرة من العمال والفلاحين والبرجوازية الصغيرة الى جانبه ،ومن حيث التاثير والقوة ،عد الحزب وقتئذ ثالث حزب شيوعي بعد الحزبين الشوعيين الايطالي والفرنسي.الا ان هناك عوامل ادت الى اضعافه منها خلافه مع مصدق وارتباطه العضوي مع موسكو ، ومتابعة جهاز السافاك له . وقد انتكس الحزب كثيرا عند تأسيس جمهورية اذربيجان من قبل السوفيت ، وكان هذا اختباراً له في مدى ولائه المطلق بموسكو([70] .

اختفى حزب توده من داخل إيران ، بعد اطاح الجنرال زاهدي يحكومة الجبهة الوطنية للدكتور مصدق في 19 أب 1953([71] ، وكان من نتائج الانقلاب الغاء الاحزاب السياسية في إيران ، وممارسة حزب تودة النشاط السري ، وقد قاموا بنشاطهم هذا من خلال ارتداء العمائم السود والاحتكاك بالحسينيات ، واثارة الرأي العام إسلاميا الى جانب هذا فقد هرب قسم من قادته الى خارج ايران ، وقد ادت كل هذه الامور الى اضعافه ، وعدم تشكيله اي خطر ضد النظام([72].

اما فيما يخص المبادئ العامة للحزب والتي تم التصديق عليها في مؤتمر الحزب الاول الذي عقد في المدة الواقعة بين تموز – اب1944 ، وتأييدها بعد ذلك في المؤتمر الثاني للحزب في نيسان- مارس 1948 فيمكننا ايجازها في الاتي([73]:-

1- الغاء الملكية الفردية ونظام الطبقات .

2- مقاومة الانظمة الفاشية

3- تأسيس الروابط المتينة بين طهران وموسكو .

2- الاحزاب الحكومية :

عند وصول الدكتور منوجهر اقبال سنة 1957 الى رئاسة الوزراء ، قام باصدار مرسوم يقضي برفع الحظر عن الاحزاب السياسية ، الامر الذي ادى الى انشاء حزبين في ايران ، وعلى غرار نظام الحزبين في بريطانيا ، حيث كلف الشاه بناء على ذلك د. اقبال بتأسيس حزب الأمة مثيلاً لحزب المحافظين ، وتكليف وزير بلاطه اسد الله بأنشاء حزب الشعب يقود المعارضة شريطة الا يكون عماليا كحزب العمال في بريطانيا. أسس الشاه حزب ماردوم ( الشعب وهو ذلك الحزب الذي كان من المخطط أن يقوم بالمعارضة الرسمية وسط ديمقراطية إيران الواهية ([74] .

وقد اكد الحزبان في برنامجهما على معنى الديمقراطية السياسية والاجتماعية في ظل ملكية دستورية ، والكفاح من اجل الحفاظ على الملكية الدستورية ضد العناصر المخربة العاملة ضد النظام. ومن الملاحظ على ميثاقي الحزبين هو عدم وجود فارق كبير بينهما ، فكلا هما من مؤيدي نظام الشاه([75].

وفي خضم هذه التطورات ، ظهر الى الوجود ، حزب المستقبل بزعامة الدكتور علي اميني([76] الذي تبنى موقفا وسطا بين حزب الأمة وحزب الشعب ، وكانت ملاكاته لاتؤدي الحزبين الاخرين الى جانب معارضة المتطرفين من مجموعة الدكتور مصدق ومجموعة الدكتور بقائي من حزب العمال([77].

ان التطورات التي حصلت في عام 1963 وعلى اثر الثورة البيضاء التي اعلن عنها الشاه ، تم تكليف علي منصور بأنشاء حزب ((ايران نوي اي إيران الحديثة وذلك في7 آذارعام 1964 لغرض تجسيد افكار ومبادى الثورة البيضاء ، الا أن الشاه كلف امير عباس هويدا بعد مقتل رئيس الوزراء حسن علي منصور ان يقوم بهذه المهمة. استمر هذا الحزب لمدة احد عشر عاما ([78] ، الى ان اعلن الشاه في 2 اذار 1975 الغاء هذا الحزب ، وحل محله حزب ((رستاخيز ، اى حزب النهضة والتجديد ، حيث تم تكليف جمشيد اموزكار تأسيس هذا الحزب ، كي يكون سداً مانعا امام القوى الوطنية المعارضة وذلك بتنظيم احتفالات التأييد للشاه وحكومته ، وهو اسلوب لم ينتفع كثيرا في تخويف الراي العام ، كما لايعد ذلك حائلا من دون المطالبة بسقوطه([79] .

وكان يراد له ان يشتمل على جناحين تقدمي ومحافظ يزودان الشاه بالمعلومات([80] .

تجاوز عدد اعضاء هذا الحزب في عام 1977 خمسة ملايين ، وبلغ عدد فروعه في انحاء ايران 25 الف فرع ، وفي هذا المجال يقول الشاه : ((ان الايرانيين فئتان اما ان تؤمن بالعرش والدستور وثورة السادس من بهمن وبذلك تدخل هذا الحزب واما لاتدخله فلا تؤمن بالعرش وبالدستور ، وصاحبها اما عضو في منظمة غير شرعية او يرتبط بحزب تودة الشيوعي ، وكل شخص من هذه الفئة سوف يسجن لانه خائن ، او عليه مغادرة البلاد حتى بدون ان يدفع رسم خروج ([81].

يتحدث الشاه في مذكراته عن غاية انشائه لهذا الحزب قائلا : ((وكنت استند في ذلك الى مجموعتين من العوامل ذلك انه بالنسبة للوقت الحاضر فقد كان على الحزب ان يستوعب وانه يمثل كل الطبقات الاجتماعية ووجهات النظر المختلفة ويجمعها في عملية بناء ايران وحريتها ، وهذا يجعلنا قادرين على كسب الاشخاص وكسب الوقت من اجل انجاح هذه التجربة ([82].

ان عملية انشاء هذا الحزب كانت مرتبطة الى حد بعيد مع العملية اللامركزية التي حاول الشاه الاخذ بها من خلال تنفيذ الاصلاح الاداري([83] .

وفضلاً عن ذلك ، فقد اعلن آية الله الخميني على اتباعه في عام 1975 تحريم الدخول بحزب رستاخيز([84] .

اصدر اية الله الخميني فتواه ازاء حزب رستاخيز ، الذي جاء فيه : (نظرا لمخالفة هذا الحزب للاسلام ومصالح الشعب الايراني المسلم ، يحرم على جميع ابناء الشعب الانتماء اليه ، وان الانتماء اليه يعد اعانة بالظالم ومشاركة في القضاء على المسلمين ، كما ان معارضته من ابرز مصاديق النهي على المنكر

هناك مؤشرات كثيرة تشير الى اخضاع تجربة نظام الحزب الواحد الذي كان يحاول الشاه من خلاله ان يبين نظاما خاصا يهيء صعود نجله الامير محمد رضا في السنتين اللتين تسبقان بلوغه سن العشرين ، وهي سن الرشد لتولي العرش وفق ماجاء في المادة 38من دستور عام 1906 ، كما لم يستطيع نظام الحزب الواحد ان يؤدي الواجبات الملقاة على عاتقه لعدم قدرته الجمع بين اهداف متعددة([85]، ونتيجة لهذه الاسباب ،لم يستطيع الحزب تطبيق المركزية الديموقراطية وتفاقم الاوضاع الداخلية وتصاعد القوى المضاعفة ،فقد قام الحزب بحل نفسه في 31 ايلول 1978([86]..

3- الاحزاب القومية (الجبهة الوطنية :

ان اهم الاحزاب القومية في ايران على عهد الشاه ، تمثل في الجبهة الوطنية التي تأسست في المدة الواقعة بين 1944-1947 وبزعامة الدكتور محمد مصدق([87] ووزير خارجيته فاطمي ، وقد ضمنت الجبهة في صفوفها اليسار المعتدلين والبرجوازيين الصغار ،اكد اعضاء الجبهة استخدام القنوات السلمية للوصول الى البرلمان ، وتم فعلا ، ومن خلال وصول الدكتور مصدق الى رئاسة الوزراء في المدة بين 1951-1953 ،والعمل المهم الذي قامت به الجبهة هو تأميم النفط الايراني في عام 1952([88] ، امام هذه الانجازات للجبهة الوطنية ،قامت القوى التقليدية وبزعامة الجنرال زاهدي بانقلاب عسكري ، ادى الى اسقاط الحكومة الوطنية ،ونتيجة لذلك مارس الشاه كل الضغوط على اعضاء الجبهة الوطنية ، الامر الذي دفع بالاخير العمل سراً في الخفاء([89].

عادت الجبهة الوطنية من جديد الى الحياة السياسية ، ومن خلال حسن نزيه من مؤيدي مصدق القدامى ، وقد عقدت الجبهة الوطنية فعلا مؤتمرها الاول الذي أنعقد في نهاية كانون الاول 1962 ، معلنة ميثاقها الجديد الذي تضمن النقاط الاتية([90] :

1- اعادة النظام الدستوري للبلاد.

2- عدم تدخل الشاه في شؤون الدولة

3- حل السافاك

4- ضمان الحريات العامة الفردية الا ان الجبهة تفككت من جديد ، فأنفصل عنها جناح في ربيع 1961 ، اطلق على نفسه حزب تحرير ايران بزعامة الدكتور مهدي بازركان ، في حين اعلن الدكتور كريم سنجابي([91]. بتأسيس الجبهة الوطنية الثالثة التي ضمت في صفوفها انصار مصدق.

ومرة اخرى قامت انشقاقات جديدة في داخل الجبهة الوطنية ، وكان من نتائجها تشكيل مجموعة سياسية مستقلة بأسم الجبهة الوطنية الديموقراطية بزعامة هداية الله معين دفتري حفيد مصدق ، والجبهة الوطنية الحديثة حددت الجبهة الوطنية موقفها عن المؤسسة الدينية في ايران في نهاية آب 1979 في البيان الذي اصدرته تضمن النقاط الاتية([92] .

1- تؤكد التطورات السياسية في إيران ،على هيمنة مجلس الخبراء في السلطة ،الآمر الذي يؤدي الى أيجاد طبقة تؤكد امتيازاتها .

2- تعد هذه الظروف بمثابة تمهيد لاقامة نظام استبدادي دكتاتوري .

3- تؤكد الجبهة على ملائمة الدستور الجديد مع الدساتير العالمية ، وجعله من اكثر الدساتير تقدمية في العالم ، وأنموذجا يجسد الحضارة الإيرانية الإسلامية.

4- ضرورة تضمين الدستور بالمبادى الديمقراطية والتي تؤكد على الحرية وحكم الشعب والاستقلال الوطني.

Page 5

المبحث الأول: الإطار العام للثورة

قام الرئيس جمال عبد الناصر بعد فشل الدكتور مصدق في عام 1953 بارسال رسائل الى آية الله الخميني([1].

يحثه على القيام بالثورة ضد الشاه ، وفي هذا الشأن ، تدفقت معلومات الى الجنرال نصيري رئيس السافاك الإيراني ، بان عبد الناصر زود آية الله الخميني بمبالغ لتنفيذ ذلك([93] .

ونتيجة لذلك اتخذ نصيري قرارا باعدام آية الله الخميني ، إلا أن الشاه اقتنع بأن إعدامه لم يمنع من ظاهرة الإستقرار السياسي ، وعليه فقد قرر في تشرين الثاني عام 1964 ابعاده من إيران ([1] ليجد نفسه في أنقرة ، الا انه لم يشعر بالإرتياح فيها لان الشيعة أقلية هناك ، وعليه فقد قرر الإستقرار في مدينة النجف العراقية ، حيث مكث هناك مدة طويلة عندها سافر الى باريس ([2] .

وعند وصول اية الله الخميني إلى باريس ،([94] تفاقم الوضع السياسي في إيران ، وتهديد المعارضة الإيرانية للشاه ،([95] قرر الشاه مغادرة البلاد في 16 كانون الثاني ، وترك السلطة بيد شابور بختيار من اجل اعادة الحياة الى طبيعتها([96].

وهنا لابد من الإشارة إلى أن إدارة كارتر التزمت جانب الصمت من التطورات الأخيرة في إيران ، في الوقت الذي كان كارتر يصف إيران بانها دعامة الإستقرار([97]

وفي هذا الشأن يقول الرئيس الأسق جيمي كارتر في مذكراته : " كنت أنظر إلى شاه إيران ، وشأني في ذلك جميع الرؤساء الذين سبقوني ، على أنه حليف من حلفاء الولايات المتحدة ومن أولاهم ثقة ، وكنت أقدر له العلاقات الطيبة التي يقيمها مع المصريين ومع السعوديين ، كنت أقدر له أيضا قراره في مواصلة بيع النفط إلى إسرائيل ، رغم نواهي المقاطعة من الدول العربية " ([98] .

يتحدث كارتر عن عملية التحديث قائلا : " كانت السافاك تعامل المعارضين معاملة بالغة من الشدة أقصى حدودها ، وكنت أعلم أن في السجون الإيرانية ما لايقل عن 2500 سجين سياسي ( وكان الشاه يقول إنهم أقل من 2500 وقد أكلتهم السنون . وكان الشاه مقتنعا أن الوسيلة الوحيدة في مجابهة المعارضة الجدية هي في تصفيتها ، ولم يكن يستطع أن يكف نفسه عن النظر بإزدراء إلى زعماء الغرب ( ومنهم أنا شخصيا ، الذين لم يكونوا يشاطرونه حماسته لهذه الوسائل المتعجلة . لقد كان ممكنا لعملية التحديث المتناسقة في إيران أن تقوم على دعائم ثلاث هي الطبقة المتوسطة والطلاب وجماعة المسلمينفي إيران . لكنني كنت أعلم بوساطة التقارير التي كانت تردني ، بأن هذه الجماعات الثلاث تشكل في الوقت نفسه خطرا على نظام الشاه ، لكيلا أتسبب في إرباكه ، إلآ أقارب هذه المسألة إلا على إنفراد ومعه على وجه الخصوص .. قلت للشاه أثناء مقابلتي له في البيت الأبيض في 15 تشرين الثاني 1977 : " إنني على وعي تام بالتقدم الواسع الذي أحرز في بلادكم ، لكنني لست أجهل أن لديكم مشكلات أيضا ، وأنكم تعرفون موقفي من قضية حقوق الإنسان ، ويشتكي اليوم ، عدد كبير متزايد من مواطنيكم بأن هذه الحقوق ليست تحترم في إيران ، واعتقد بأنني أدرك من أين تأتي هذه الإحتجاجات ، فهي صادرة بشكل جوهري عن الملات ( جمع ملا وعن غيرهم من رجال الدين وعن الطبقة الوسطى وهؤلاء يريدون زيادة نفوذهم السياسي وكذلك هي صادرة عن الطلاب .. تابعنا النقاش لبضعة دقائق ، لكنه كان واضحا أن مرافعتي التي قدمتها لم تقنع الشاه بتعديل سياسته .. " ([99] .

إن تقريرا واردا عن ال" سي . آي . إي " مؤرخا في شهر آب ، أشار إلى أن إيران لا تعيش " لا في وضع ثوري ولا في وضع ممهد للثورة ، ولقد أوضح هذا التقرير نفسه ، بأن الجيش يدعم الملكية ، وبأن معارضي نظام الشاه العنيفين منهم والمسالمين ، لا يمكن عدهم بأي حال من الأحوال ، يشكلون خطرا حقيقيا " ([100].

يقول في هذا السياق ، السفير الأمريكي الأسبق في طهران ، وليم ساليفان عند لقاءه مع الشاه محمد رضا : " شعرت بذهول عميق أمام هذا الإنفجار العاطفي للشاه . لم يكن يتكلم بلهجة الأمر المتكبر ، وإنما كشخص عادي شعر فجأة أن ظلما كبيرا وقع عليه . كان شديد الإضطراب وكلامه أقرب إلى المناشدة والتبرير بشكل يثير الإشفاق . لقد صعقت بما رأيت وسمعت في ذلك اللقاء "([101] .

يردف ساليفان قائلا : " .. بعد أن توقفت عن الكلام شعرت أنه بات مقتنعا بصحة معلوماتي ووجهة نظري ، فسأل عن المصدر الذي يقوم بتمويل الفئات المعارضة قائلا : " إن القيادة الدينية لم تكن في السابق تملك المال الوفير الذي يبدو أنها تملكه الآن ، أجبت بأني لا أعرف كثيرا من التفاصيل حول هذا الأمر ، ولأن المعلومات التي لدي الآن تدل على أن الممول هو البازار . وهنا أبدى الشاه إستغرابه الشديد من هذا الخبر ، وأعرب عن شكوكه بصحة معلوماتي بهذا الخصوص ، وذلك لأن الحركة التجارية لم تزدهر سابقا كما إزدهرت خلال الحكم البهلوي ولأنهم كانوا دائما من أنصار ومؤيدي النظام البهلوي منذ تأسيسه . أجبت على ملاحظته بتذكيره بموقف تجار البازار المعارض واحتجاجاتهم القوية ضد سياسة التقشف والقيود المالية التي وضعتها حكومة أموزغار والتي أدت بالنتيجة لإستقالة تلك الحكومة "([102] .

وفي هذا المجال ، يقول مارتن إنديك : " أن واشنطن أصبحت شديدة الالتزام بالشاه بحيث عميت عن عيونه ، وأساءت الحكم على تنامي الاستياء في أوساط شعبه ، وبقيت غافلة عن التحالف الذي أقيم بين رجال الدين الشيعة المتطرفين وتجار البازار الذين لديهم القدرة على تمويل الثورة . ولم تدرك إدارة كارتر المشكلة إلا بعد فوات الأوان . وعندما أطيح بالشاه في كانون الثاني 1979 ، كان من المحتم أن تنقلب الثورة على الولايات المتحدة ، أفضل أصدقائه . وتجلت معاداة الولايات المتحدة لدى الثورة الإيرانية في احتجاز الأمريكيين ، وفي جهود تصدير الثورة الإسلامية الشيعية إلى الدول العربية السنية في الخليج التي كانت منحازة إلى الولايات المتحدة " ( [103] .

مع بداية شهر تشرين الثاني حصلت لدى السفير سوليفان قناعة بأنه ينبغي لجماعات المعارضة أن تحصل على مقدار من السلطة ، لم يكن الشاه مستعدا أن يعطيه لها . أما فيما يخص الرئيس الأسبق كارتر ، فقد وقف بين خيارين ، مساندة الشاه دون شروط ، أو التحول بتلك المساندة ، كما كان ينادي سوليفان مناداة كانت تتزايد مع الوقت شدة ، بحيث تدفعه إلى اعتماد الحلول التي يقترحها سوليفان( [104] .

وكانت هناك مجموعة صغيرة في الولايات المتحدة وفي مقدمتهم زبغنيو بريجنسكي رئيس مجلس الأمن القومي ووزير الخارجية السابق وسايروس فانس وجورج بول وديفيد نوسوم في طهران وهارولد براون وتشارلز دنكان في البنتاغون والجنرال الكسندرهيغ والجنرال روبرت هو يترز من قيادة حلف شمال الاطلسي وستاتسنيلد تبرز وروبرت بوي من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية([105]. وقد عمل تحت اشراف هذه النخبة عدد من المتخصصين في شؤون إيران والشرق الاوسط ومن بينهم ريتشاركوتام من جامعة بتسبرغ ومارفن زوتس من جامعة شيكاغو وجيمس بيل من جامعة تكساس في اوستن وريتشارد فالك وبرنارد لويس وتوماس ركس من جامعة جورج تاون ،وكان رامزي كلارك المدعي العام الامريكي السابق المنسق للعملية ([1] .

يقول السفير االأمريكي الأسبق في طهران وليم ساليفان في هذا السياق : " .. وقد أكد " رامزي كلارك " الذي تربطني به معرفة قديمة ، أنه مع الآخرين ومن جملتهم أحد أساتذة جامعة " برنستون " سوف يحترمون سرية كل مايدوربيني وبينهم من حديث مهما كانت درجة صراحته . بناء على هذا التأكيد أعطيتهم فكرة عن الفئات المعارضة للشاه والإضطرابات السياسية الحالية ، وختمت كلامي بإداء رأيي الخاص غير المتفائل ، وقلت أنني لا أستبعد نجاح الثورة وإنهيار نظام الشاه . ولكن الأمر المؤسف الذي كدرني هو أن أحدهم " الأستاذ في برنستون " حنث بالوعد الذي قطعوه على أنفسهم أمامي ، وصرح علنا ونقلا عني في باريس التي جاءوا إليها من طهران بأمل الإجتماع بآية الله الخميني ، هذ الأستاذ لم يستطع مقاومة رغبة جامحة في نفسه فأعلن أمام بعض الصحفيين الأمريكيين هناك ماسمعه وزملاءه في طهران . ما أن نشر ذلك في الصحافة الأمريكية إلا وثارت ثائرة واشنطن فإستلمت برقية تضمنت إحتجاجا شديدا على تصريحي مذكرة إياي بموقف الحكومة الرسمي ومستفسرة في الوقت نفسه ما إذا كان تصريح البروفسور مقتبسا حرفيا عن كلماتي . أجبت على هذا الإستفسار بالقول أن مضمون التصريح صحيح ، ولكن صرحت به بعد أن قطعوا وعدا بعدم الإعلان عنه ونقله عن لساني هذا الحادث الجديد أدى بطبيعة الحال إلى مزيد من تدهور العلاقات بيني وبين البيت الأبيض في واشنطن . في تلك الآونة أيضا اكتشفت أن تقاريري السرية بدأت تظهر على صفحات " واشنطن بوست " . إن طريقة تسريب معلومات حكومية سرية إلى الصحافة هي إحدى الوسائل التي يلجأ إليها أصحاب وجهات النظر السياسية المختلفة والمتضاربة في أوساط بيروقراطية واشنطن . لهذا أخبرت واشنطن بأني سأستعمل في المستقبل أجهزة الإتصال السرية التي تربط السفارة بعدد معين من كبار المسؤولين بوزارة الخارجية لإبلاغ الوزارة بما يطرأ من أحداث هامة ومعلومات سرية طارئة "([106] .

واصبحت هناك قناعة من هؤلاء ، أنه لابد من تغيير الشاه ([107] ، بعد ان فقد الاخير شعبيته في داخل إيران ([2].

قرر الرئيس كارتر الإستعانة بخبرة جورج بول وتعيينه بصفة مستشار في الشؤون الإيرانية بوزارة الخارجية . كان بول يتمتع فعلا بخبرة طويلة وجيدة بشؤون إيران كموظف حكومي ومن ثم كمحام أيضا . وكان قبل مدة قصيرة في زيارة لطهران بصفته عضوا في مؤسسة " إخوان ليمان " للإستثمارات . كان بول يشعر بنوع من العطف على شاه إيران محمد رضاإلا أنه كان واقعيا بما فيه الكفاية ليدرك أن إنهيار النظام بات وشيكا وأن المصلحة تقضي بالسعي من أجل قيام حكومة إنتقالية في إيران تسمح للعناصر والفئات السياسة المعتدلة بالإستيلاء على السلطة قبل أن ينجح الثوار بالوصول إلى هدفهم . . في هذا الشأن يقول السفير الأمريكي الأسبق في طهران وليم ساليفان : " في النهاية لم تؤدي تلك المساعي والمحاولات إلى نتيجة مجدية بسبب رفض البيت الأبيض للتوصيات والإقتراحات التي قدمها جورج بول في تقرير مفصل لم تزودني واشنطن بنسخة منه ، وإنما اطلعت على محتوياته من جورج بول مباشرة أثناء حديث شخصي معه بعد إحالتي على التقاعد " ([108] .

وعليه نرى أن الشاه في بداية الأمر ، كلف الدكتور غلام رضا صديقي احد زعماء المعارضة في نهاية تشرين الثاني 1978 الذي كان يتولى وزارة الداخلية ، الا أن صديقي لم يستطيع القيام بهذه المهمة بسبب موقف المعارضة بفصائلها كافة من تشكيل حكومة في ظل وجود الشاه ([1] .

الأمر الذي تم تكليف شابور بختيار ، وكان يعمل نائبا لوزير العمل في حكومة مصدق([109] .

وهنا لابد من التاكيد من ان مستشار كارتر للأمن القومي بريجنسكي بين في مذكراته عن التطورات التي سبقت الثورة الايرانية قائلا : (( قبل يومين من هذه التغييرات أي في 3 شباط 1978 تحدثت عبر الهاتف مع الشاه بامر من كارتر وبموافقته وقلت له : (( إن الولايات المتحدة تدعمكم بالكامل في الأزمة الراهنة دون ادنى تردد وشروط او قيود فنحن ندعمكم بالكامل ..([110]. وكان هدفي من هذا الإتصال الهاتفي هو ان اوضح له ان الرئيس الأمريكي والولايات المتحدة يدعمونه بقوة لكي يتحرك بحزم قبل ان يفلت من يده زمام السيطرة على الاوضاع بالكامل([111]. في هذا السياق يقول الرئيس الأسبق جيمي كارتر في مذكراته : " كنا نتابع جهودنا عبر هيوسر ، لشد أواصر التحالف المتعثر بين العسكريين والحكومة المدنية ، وطلبنا في الوقت نفسه ، من السعوديين والمصريين والمغاربة والأردنيين ومن بلدان إسلامية أخرى أن تدعم حكومة بختيار ، وأن تتدخل لدى الخميني وتطلب إليه عدم العودة إلى طهران .. " ([112] . قام بختيار([113] باتخاذ مجموعة من القرارات لارضاء الرأي العام الإيراني من بينها حل جهاز السافاك ، اذ قام مجلس الشيوخ الإيراني باتخاذ هذا القرار في 6 شباط 1979 ، كما اتخذ قراراً بمحاكمة الوزراء والموظفين المتهمين بالرشوة والفساد ، واطلاق عدد كبير من السجناء السياسين الموقوفين الا ان آية الله الخميني رفض التعامل مع بختيار ، بسبب أن الشاه اختاره للقيام بهذه المهمة ، وهو نفسه " الشاه " ليس الحاكم الشرعي للبلاد . وقد ترجم هذه الحقيقة احد علماء الدين في احدى التظاهرات بقوله للمراسلين الاجانب : " نحن لا نقبل بحكومة بختيار ، ولأنه كالماء الفاتر ونحن أصبحنا في درجة الغليان "([114] .

في خضم هذه التطورات أعلن بختيار في 28 كانون الثاني 1979 عن رغبته في السفر الى باريس للقاء آية الله الخميني والتباحث معه حول مستقبل إيران ، إلا ان آية الله الخميني اشترط استقالة بختيار من رئاسة الوزراء لمقابلته([115] . لأن آية الله الخميني أعلن أن رئاسة الحكومة يجب أن تكون لمهدي بازركان ، لكن بختيار رفض أن يتخلى عن المنصب ([116] . كان ساليفان يعتقد أن وصول الخميني إلى السلطة سوف يسهل عملية تأسيس الديمقراطية في إيران ، في حين أن هيوسر كان يعد هذا الوصول كارثة كبرى ، وفي الوقت الذي كان سوليفان يرغب في أن يقف العسكريون بعيدا عن الصراع من أجل السلطة ، كان هيوسر على اقتناع بأن على العسكريين أن يساندوا الحكومة الشرعية في إيران إلى أن يصبح إصدار دستور جديد ممكنا . ولهذا صرف سوليفان العسكريين عن محاولة القيام بإنقلاب عسكري ، وعن التخلي عن مواقفهم للتجمع في جنوب إيران ، حيث التوتر هناك هو أقل بما لا يقاس من التوتر السائد في الشمال ([117] .

وعند ما تأكد عزم اية الله الخميني العودة الى ايران ، امر بختيار باغلاق مطارات إيران كافة وبالتعاون مع الجنرال هايزر على إغلاق مدارج المطار بوجه الطائرات ، بحجة المحافظة على حياة آية الله الخميني ، الا ان قطاعات من الجيش اعلنت عدم رغبتها بالنزوع للشوارع لاخماد المظاهرات مما حدا ببختيار الرجوع عن قراره([118] . وفي نهاية الأمر ، وصل آية الله الخميني في الأول من شهر شباط 1979 الى إيران بعد مرور اربع عشرة سنة من تركه اياها([119] ومعه حشد كبير من معاونيه فأستقبلوا من قبل الحشد الهائل من البشر الذين تجمعوا في مطار مهراباد على متن طائرة تابعة للخطوط الجوية الفرنسية . من المطار توجه أية الله الخميني وجماعته يرافقهم جمهور غفير من المستقبلين إلى مقبرة الشهداء حيث أدى الجميع الصلاة على أرواح الذين أستشهدوا في مختلف المراحل التي مرت بها الثورة . بعد ذلك توجه آية الله الخميني يرافقه جمهور كبير إلى مدرسة دينية صغيرة في الطرف الجنوبي من طهران أعدت لتكون مسكنا له ولعائلت ([120] وفي 11 من شباط من السنة نفسها ، اصبح آية الله الخميني زعيما للبلاد([121] إذ شرع بتعيين مهدي بازركان رئيسا للحكومة المؤقتة ، وكشفت حكومته التي تشكلت في معظمها من رجال تلقوا تعليمهم في الغرب ، وأبدت رغبتها على الفور في التعاون مع الولايات المتحدة ، ووضعت حراسة على سفارتها ، وكذلك أمنت حماية لفيليب س . كاست الذي حل محل هيوسر ، وتوجه بازركان إلى الولايات المتحدة بألفاظ ودية ، وأعلن على الملأ أن إيران سوف تستأنف تسليماتها من النفط إلى جميع زبائنها بما فيها الولايات المتحدة ([122] . واعلن ايضا :" إن عقاب الأشخاص الذين يعرقلون او يناهضون الحكومة الإسلامية سيكون عسيرا ، وفي الفقة الاسلامي الثورة ضد حكومة الهية هو ثورة ضد الله ، والثورة ضد الله كفر وعقاب ذلك وخيم جداً " ([1] .

قوم الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر ، في مذكراته ، بازركان قائلا : " ولأن بازركان ، ورغم كونه ، لم يكن مستطيعا أن يضع حدا للفوضى ، فقد ازددت وثوقا من موقفه المعتدل "([123] .

إلا أن بختيار في بيان له في اليوم الثاني من تعيين بازركان ، لم يكن ليعترف باصطلاح (( حكومة آية الله المختارة معلناً : (( انني اظل في المملكة في منصب رئيس الوزراء قانوناً كي اقوم بانتخابات حرة في المستقبل ، حتى اذا خضع نواب المجلس لطـلب آيـة الله خميـني ، واستقـالوا مـن نيـابة المجلس ([2]، واجه

بـازركـان([124] .

Page 6

وبشدة بختيار وقادة الجيش مستغلا من تاييد آية الله خميني له ، وفي صباح 11 شباط 1979 صمم قادة الجيش على الإطاحة بحكم بختيار ، مما دفع الأخير الفرار من البلاد([125] وتشكيل حكومة بارزكان([126]. حيث قام آية الله الخميني بتكليفه على ذلك في 5 تشرين الأول 1979 ([127] .

بدات المشكلات بين بازركان والمؤسسة الدينية بعد أشهر قليلة من توليه رئاسة الوزراء وذلك بسبب ازدواجية السلطة ، وهيمنة اية الله الخميني ومجلس الشورى الإسلامي عليه وعلى وزارته، ومقولة بازركان واضحة في هذا المجال (( لقد اعطوني سكينا بلا نصل ، بينما وضع النصل في ايدي الاخرين([128] .

وصل الخلاف بين بازركان وآية الله الخميني الى مرحلة متقدمة حول امور كثيرة منها فضيحة رهائن السفارة الأمريكية في طهران ، والاستفتاء على تسمية ((جمهورية إيران الإسلامية ،والإستفتاء على الدستور ، واستقلالية المؤسسة القضائية([129] وشكواه من تجاوزات اللجان الثورية ، ومعارضته ضد التعيينات التي تقوم بها المؤسسة الدينية([130] ، الأمر الذي دفع بازركان ان يقدم إستقالته. حيث جاء في نص كتاب إستقالة بازركان على مايلي : " أطلب من الشعب الإيراني أن يعذرنا ويغفر لنا خطايانا ، وأني سعيد جذا لأنني قمت خلال تسعة أشهر بخدمة الشعب الإيراني الذي كانت حكومتي دائما موضع ثقته وثقة الإمام ، الذي كلفني المهام الآتية : إدارة البلاد في المرحلة الإنتقالية ، وإجراء الإستفتاء العام حول الجمهورية ، ووضع الدستور الإيراني ، وقيام المجلس التأسيسي، وإنتخاب البرلمان إستقلت من منصبي لأنني وجدت جميع الأبواب موصدة في وجهي وجاءت إستقالتي على أثر إستقالة زملائي المتتالية .. " ([131] .

يمكننا القول في هذا المجال ، أن حكومة مهدي بازركان ، لم تكن إلا واجهة رسمية ، ربما اختيرت كحل توفيقي يرضي الأطراف المتصارعة ، الى حين حسم الامور على نحو اوضح([132].

وهناك عوامل ادت الى نجاح الثورة الإيرانية يمكننا ايجازها في الاتي :-

1- قوة المراجع الدينية في إيران ،اذ أن علماء الدين عدّو انفسهم الاوصياء والورثة الشرعيون لال البيت حتى عودة الإمام الغائب .وبموجب ذلك فانهم عدّو الحكام في إيران غير شرعيين لانهم ليسوا ورثة ال البيت ، اثر على موقفهم هذا ، وفي حال ظهور أي انحراف او فساد عندهم ، يكفي ان يقوم الفقيه باصدار فتوى لعزلهم .

2- الإستقلال المالي عن السلطة ، فقد كانت في معيتهم ثروة وقفية عقارية وزراعية ضخمة ،فضلا عن السيولة النقدية ، التي توفرت لهم نصيب من الخمس([133] او قانون 20% وهي ضربية يؤديها الشيعة عن خمس ارباحهم الصافية السنوية وكذلك من نصاب الزكاة الذي يؤديه السواء الاعظم من الناس الى المراجع الدينية ، كان هناك ما يصل عدده إلى سبعة أنواع اخرى من الموضوعات الدينية التي يقدمها الشيعة الى المجتهدين وسدنة الأضرحة ، ويمكننا تقسيم الموضوعات بصورة تقريبية الى ثلاث فئات([134] :-

1- الفئة الاولى تشتمل على نوعين من المبالغ الخيرية التي كانت فرضا على كل المؤمنين منها ((سهم الإمام وهو نصف خمس صافي دخل المؤمن المتحقق في الازمنة الحديثة من العقود التجارية وكان النوع الثاني وهو (( رد المظالم مبلغا يحوله الشيعة الى مجتهديهم تكفيرا عن منكر ارتكبوه ،وكانت هذا يشتمل على قبول وظيفة حكومية ،الأمر الذي كان لاشرعيا عند الشيعي المتزمت .

2- وكانت الفئة الثانية من المدفوعات تضم ثلاثة أنواع ترسل هي ايضا مباشرة الى المجتهدين وكان النوع الاول وهو حق الوصية يتمثل بدفع ثلث الاملاك الموروثة من المؤمنين الشيعة المتوفين وكان في العادة يخصص لغرض محدد ويقوم المجتهد بدون الناظر . وكان النوع الثاني وهو(( الصوم والصلاة مبلغا يدفعه المؤمنون الشيعة الى المجتهدين ينتظرهم ان يرتبوا مع طرف ثالث تلاوة الصوم والصلاة نيابة عن ذوي المؤمنين المتوفين لمدد تتفاوت حسب المبلغ المدفوع . وكان المبلغ السنوي الذي كان يدفعه الشيعة في اوائل القرن الماضي عن هذه الخدمات قابلا للتفاوض ويتراوح بين ثلاث وست ليرات تركية أو أربعة ريالات مجدية او ثلاثة الى أربعة تومانات . وكان النوع الثالث من الهبات الخيرية الطوعية مالا ينذر إلى المجتهدين الكبار مقابل الشفاء من مرض او النجاة من خطرها . وكان هناك ضمن الفئة نوعان من التبرعات التي عادت ترفع مباشرة الى سدنة الاضرحة كان الأول هبة خيرية تخصص لتوزيع الماء على الفقراء في النجف ، وذكر في عام 1918 ان قيمتها السنوية تبلغ زهاء 6... جنيه إسترليني ورغم ان هذه الهبة الخيرية لم تكن فرضا على المؤمنين الشيعة فقد كانت مستحبة الى حد بعيد ، لأن الهدف منها هو الحفظ على ذكر معاناة الإمام الحسين(رض بسبب العطش خلال الايام التي سبقت استشهاده مباشرة وكان النوع الثاني من هذه الهبات مالا يخصص لإنارة أضرحة الأئمة والعناية بقبور المؤمنين الأثرياء المدفونين في الاماكن المقدسة ناهيك عن التبرعات التي تنهال على العتبات المقدسة والأضرحة الدينية . وقد اصبحت هذه المصادر في معية هؤلاء ، حيث قاموا ببناء المياتم ومدارس الفقه والمستشفيات والحسينيات من دون الاعتماد على السلطة . وتجدر الإشارة في هذا المجال ،ان كثيراً من هؤلاء يقومون في ايداع أموالهم لدى كبار علماء الدين في مناطقهم من دون التعامل مع البنوك ،وقد ادى هذا في نهاية الأمر الى ثراء المؤسسة الدينية([1].

3- والمصدر الثالث من مصادر قوته هو الإجتهاد الذي ظل مسموحا به ومقاما لكل من اكتملت فيه الشروط من تضلع فقهي وقدرة عقلية ، الامر الذي ادى ان يستخدمه المرجع الديني في مواجهة أي مشكلة طارئة او مسالة جديدة بفتوى يمكن استخدامه كأداة نشطة ،مما يدفع الحكام المثول لارادة العالم الديني كي لا يخسر سلطته .

4- عمل علماء الدين من خارج إيران ، حيث أنهم عملوا في النجف ، وقد ابعدهم هذا من تتبع حكام إيران لهم ، وقد جعلهم هذا اكثر قدرة في الحركة .

5- مشاركة الطبقة البرجوازية الوطنية بالثورة خصوصا تجار البازار في طهران واذا كانت ثورة 1906 من عمل البازار في طهران ، فان ثورة عام 1979 كان للبازار دور رئيس اسهم في سقوط الشاه ومن خلال اسهامهم في تمويل الثورة ([1] بسبب ان البازار(2 لا يزال يعد المركز التجاري في طهران يضم في صفه ما يقارب 50 الف محل يعمل ما يقارب 200 الف شخص ويرتاده يوميا ما يقارب من نصف مليون شخص ، وتعقد فيه صفقات تجارية تبلغ بضعة مليارات من الريالات كل يوم وقد تبرع هؤلاء في النصف الثاني من عام 1978 بمبالغ طائلة للمراجع العليا والتي ساعدتهم على قيام الثورة ([135].

تحالفت نخبة التجار ( البازار مع الجناح التقليدي من التيار المحافظ ممثلا في جمعية روحانيت مبارز . وقد سيطر البازار على معظم المؤسسات التي صادرتها الثورة ، وقاموا بإنشاء مؤسسات إقتصادية وتجارية جديدة تغذت وما تزال تتغذى من إيرادات النفط . ويسسطر البازار حاليا على مؤسسات إقتصادية عملاقة مثل مؤسسة المستضعفين والمعوقين ، فضلا عن المؤسسة الإقتصادية التابعة لضريح الإمام الثامن للشيعة علي الرضا ، ومؤسسة إمداد الإمام التي تعد أحد المصادر المالية الرئيسة للبازار . وعلى ضوء مصالحهم الإقتصادية الواسعة ، تبنى البازار سياسة مرنة في التعاطي مع الخارج ، وذلك من خلال إقامة شبكة واسعة من العلاقات الإقتصادية والتجارية ، وفتح الأسواق الإيرانية أمام الإستثمار الأجنبي ( [136] .

عانى كل من طبقات التجار التقليدية (بازاري ، وعلماء الدين من الإضطهاد الفكري والإقتصادي ، بسبب السياسة التحديثية الموالية للغرب ، من خلال إصدار سلسلة من القرارات والقوانين التي أصدرها الشاه في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي ، التي ألزمت علماء الدين وبقية شرائح المجتمع بارتداء الزي الغربي ، وتحريم الحجاب . وقد انعكست هذه الإجراءات على ثروة التجار من خلال التهديد من تدفق البنوك والشركات الأجنبية ، وطبقة المتعهدين الجديدة التي نشأت وتنامت بمساعدة الدولة . كل ذلك قد أثر على حياة هؤلاء في مجال أرتداء الزي والتعليم والقانون والزراعة والتجارة ، مما كان له أبلغ الأثر على نفوذهم ومصالحهم الاقتصادية ، وقيمهم الإسلامية ، وتقاليدهم الثقافية . (1

6- إن الجهاز الديني كان منظما ، فقد كانت هناك لجنة عليا مؤلفة من مائتي شخص ضمت علماء الدين البارزين واساتذة الجامعات كانت تتلقى التعليمات من آية الله الخميني في منفاه . حيث قامت بنشر هذه التعليمات في صفوف الرأي العام من خلال شبكة علماء الدين التي يزيد عدد افرادها عن مائة وخمسين الفاً . وفضلا عن استفادة هؤلاء من التقنية الحديثة في نشر هذه التعليمات ومن خلال الاشرطة من منفاه . وخلال ساعات تكون آلاف النسخ من هذه الأشرطة قد جرى تسجيلها ثم تداولها في زوايا المنازل وداخل الحسينيات([137].

ان الشاه كان حصنا للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط ، وعليه فان كارتر استمر على بيع المعدات العسكرية للشاه بسرعة قياسية( [138] . وصل اجمالي مبيعات الأسلحة الأمريكية الى إيران الى 1,2 مليون دولار خلال 22 سنة منذ عام 1950. ووصلت قيمتها من 1972 الى 1979 الى 19,5 بليون دولار وذلك بزيادة قدرها ستة عشر تقريبا . في نهاية عام 1977 ، قام كارتر بزيادة الى إيران ، وخلالها صرح قائلا : ((إن إيران بسبب زعامة الشاه العظيمة تعد جزيرة للإستقرار في واحدة من اكثر المناطق اضطرابا في العالم([139] .

اصيب وكالة المخابرات المركزية باضطراب شديد ، ففي اب 1978 ، اصدرت الوكالة تحليلا للسياسة الداخلية الإيرانية من ستين صفحة تحت عنوان : " إيران في الثمانينات" جاء فيه : (( ان إيران ليست في حالة ثورة او حتى تمهيد لثورة . لقد عجزت الوكالة وقتئذ ان تقدم صورة واضحة عن الاضطرابات المحلية بالرغم من ان عدد وكلائها في ايران فاقوا عددهم في أي مكان اخر في العالم([140]. فضلا عن ذلك ، ان المخابرات الأمريكية اخفقت في اكتشاف حقيقة مهمة والتي تتركز في أن الشاه كان يعاني من مرض السرطان الذي لا امل له في الشفاء . لقد كان الاطباء الفرنسيون يتولون علاجه بجرعات كبيرة من الأدوية ، وهو في نفسية سيئة ، فكان يتردد في اتخاذ القرار في لحظات حرجة ، ولم تكن لديه الرغبة في توجيه قواته المسلحة او السافاك ضد معارضيه في الداخل ، الامر الذي ادى الى زيادة قوتهم . ناهيك من ان كارتر ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية كانا عاجزين في معرفة حقائق الشاه والذي هيمن على دولة تتميز شرائها النفطي وقواتها المسلحة الضخمة مع قوة اجهزة مخابراتها وهي مؤيدة للشاه ، كل ذلك قد ولد القناعة عند الإدارة الأمريكية ، انه من الإستحالة الإطاحة بحكم الشاه من قبل معارضة غير مسلحة . إن تقليل أهمية هذه العوامل من قبل الإدارة الأمريكية ، كان هو الحائل امام كارتر في فتح قنوات اتصال مع المعارضة الايرانية([141] .

زد على ذلك ، إن الإيرانيين كانوا مازالوا يحملون الولايات المتحدة مسئولية احداث عام 1953[142]( ، كان الجميع الى حد ما ، تولدت قناعة عندهم من ان وكالة المخابرات المركزية الأمريكية سوف تحاول تكرار العملية . ولكن الحقيقة ، وكما اتضح لنا ، ان كارتر لم تكن لديه الرغبة في الدفاع عن الشاه ، وقد اتضح هذا عندما اتخذ قرار الاعتراف بالوضع الجديد في إيران في شباط 1979 ، مع امله الكبير في اعادة العلاقات الطبيعية معها ، وجعلها مرة اخرى تخدم الستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط ، امام هذه الرواية ، كانت هناك رواية إيرانية ذهبت الى القول ، ان الولايات المتحدة سوف لن تتخلى عن الشاه ، طالما ظل على قيد الحياة ، وان المخابرات الأمريكية سوف تقود حركة انقلابية من اجل اعادة الشاه الى الحكم([143] .

والحق ، فان الولايات المتحدة كانت تعتقد بان حركة آية الله الخميني هي حركة مشايخ لايلبثون إلا ترك السلطة للعلمانيين او السياسيين بالإشتراك مع بعض المتدينين كما هي الحال في باكستان . وقد ساد تصور عندها ان بامكانها احتواء الثورة ، وربما كان اقتناع الشاه باستخدام الجيش بشكل مكثف يمثل جانباً من هذه السياسة الأمريكية التي لم تسمح له بذلك ، او تمنت عليه ان لايفعل ذلك([144].

Page 7

المبحث الثاني: الفكرالسياسي في إيران

أولا : المذهب الشيعي

اقترن الفكر الإسلامي في إيران منذ قرون طويلة بنظرية الامامة وارتباطها في أهل البيت ([1] . ونتيجة لحصر الإمامة في الإمام الثاني عشر الغائب المعصوم ([2].

اتسم الفكر الأثنى عشري بالإنعزال السياسي والسلبية المطلقة حتى ولادة نظرية النيابة العامة للفقهاء عن الامام المهدي وتطورها لاحقا الى ولاية الفقيه ، حيث استطاع الفكر الشيعي ومن خلال آية الله الخميني تطوير هذا المفهوم([1].

ان مسالة عصمة الإمام لها أهمية كبيرة عند الإيرانيين وهي من المبادى الاولية في كيانهم العقيدي ([2] والعصمة في كلام العرب تعني المنع وعصمة الله عبده : ان يعصمه مما يوبقه واعتصم فلان بالله اذا اقتنع به([3].

وفي هذا المجال ، تحدث الحلي في مصنفه عن فقه الشيعة عن كيفية معرفة الامام وتعينه قائلا:

(( ينبغي ان يكون الامام منصوصا على امامته ، لان العصمة من الخطأ امر من القلب والنفس ولايعلم خفايا النفس سوى الله سبحانه . وعلى هذا الأساس يتوجب ان يكون التعيين من الله الذي يعلم ان الإمام معصوم من الخطا اولا فينبغي على الإمام ان يقوم بمعجزة للتدليل على صدق دعواه(4 .

خفف عن العصمة في الفكر الإيراني كثير من الشيعة السابقين ، وكان على رأسهم ابن بابويه القيمي ، وشيخه ابن الوليد في القرن الرابع ، لم يذهبوا بالعصمة المطلقة للائمة بل قالوا بجواز السهم عليهم([145] .

وبالرغم من ان الفكر الشيعي لا يعد الفقيه معصوما ، إلا أن آية الله الخميني اعطى للفقيه الحاكم بوصفه نائبا عن المعصوم الولاية المطلقة وكل صلاحيات الإمام والرسول (ص واعد الولاية شعبة من ولاية الله ، وسمح له بتجاوز الدستور وارادة الأمة([146]. ويردف آية الله الخميني قائلا : " في عصر غيبة ولي الأمر وسلطان العصر عجل الله فرجه الشريف ، يقوم نوابه وهم الفقهاء الجامعون لشرائط الفتوى والقضاء مقامه في إجراء السياسات وسائر ما للإمام عليه السلام إلا البدأة بالجهاد "([147] . ومن المسائل المهمة التي يولى مذهب الاثني عشر الاهتمام مبدأ التقية كمحاولة لسكوت الامام علي (رض ونكوصه عن المطالبة بحقه الشرعي الثابت بنصوص متواتر ، وكما ينص المذهب ويقرره([148] ، وقول الإمام الصادق " التقية ديني ودين آبائي ، ولا دين لمن لا تقية له " ( [149] . حيث يعرف الشيخ المفيد التقية :(( بانها كتمان الحق وستر الاعتقاد فيه ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضررا في الدين والدنيا ([150]. ويعرف برون التقية بانها نوع من التخفي الذي يفرضه العقل في ظروف خاصة([151]. وعرفها احد علمائهم المعاصرين بقوله : ((التقية ان تقول او تفعل غير ماتعتقد لتدفع الضرر عن نفسك او مالك او لتحتفظ بكرامتك ([152] . ذكر بن بابويه عن الإمام جعفر الذي قال لقد اسمع الرجل يسبني في المسجد فاختبىء وراء عمود كي لايراني وقال عاشروا الناس ظاهريا وخاصموهم باطنيا طالما أن الإمارة رأي شخصي([153]. وفي الواقع يهتم الكليني بامر التقية ويعقد بابا خاصا بعنوان باب التقية ويضعه ضمن كتاب الإيمان والكفر وهذا دليل على ان الكليني يرى ان ترك التقية كفرا كما ان فعلها ايمان وقد ذكر الكليني في باب التقية 23 حديثا لهم([154] وفي هذا المعنى يقول بن بابويه ان من يتخلى عن ممارسة التقية قبل ظهور قائم الزمان يكون خارجا عن دين الله ويكون عصى الله ورسوله وامامه([155] ومن وجهة نظر الشيخ الطوسي ان مصطلح التقية هو مصطلح اسلامي قد نطق الوحي به لفظا مقترنا بحادثة مفسرة قال تعالى (( لا يتخذ المؤمنون الكافرين اؤلياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء الا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه والى الله المصير اذن يمكننا القول ،أن التقية عند الإمامية ليست رخصة بل هي ركن من أركان الدين كالصلاة وفي هذا المجال قال ابن بابويه (( اعتقادنا في التقية انها واجبة من تركها بمنزلة من ترك الصلاة ([156] وفي هذا المعنى قال الصادق عليه السلام : (( لوقلت ان تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقا .. لا دين لمن لا تقية له ….([157] . اذن يمكننا القول ان الفكر الاسلامي في ايران انتهى الى اثبات الامامة بالنص والتعيين ، والإقرار ، بعصمة الائمة والتقية ، ومن ذلك اجتماعها على خلافة ابي بكر (رض خطأ مع ورود النص على خلافة الإمام علي (رض في حين نقل اهل السنة معنى العصمة من الإمام إلى الأمة في مجموعها لانهم اثبتوا إمامة ابي بكر بدليل الإجماع([158] .

من هذا يتضح ، ان الإمامة عند الإمامية هي احد اصول الدين الإسلامي وقد استشهد هؤلاء بآيات من القرآن الكريم([159] . وفي هذا المجال ، يقول آية الله الخميني (( في كل سبيل ، ينبغي ان تغيب أسماء الاشخاص ، والإمامة بل النبوة ايضا ينبغي لا يعد جزأ من الدين فهما هاديان للدين وليس جزأ منه ([160].

ولكن هنا ينبغي ان نقول (( ولنفرض اننا لا نملك الدليل على كون النبوة والامامة جزاً من الدين ،فأن العقل يدعونا الى ان نعترف بالنبي والامام (رض وعلى فرض ان هذين ليسا جزاً من الدين فان الله تعالى بقوله :(( اطيعوا الله ، واطيعوا الرسول واولو الأمر منكم اوجب على البشر اطاعة ما يقول النبي والإمام (رض تحدثت الإمامية عن الوراثة العمودية قائلين بانها بامتدادها في أولاد سيدنا الحسين (رض وذلك في الاكبر فالاكبر وعدم جواز انتقالها إلى اخ او ابن او عم او ابن اخ او عم او ابن عم ، وفي هذا المجال يقول الشيخ المفيد (( ان الإمامية بعد الحسين في ولده لصلبه دون ولد اخيه الحسن وغيره من اخوته وبني عمه وسائر الناس ، وانها لا تصلح الا لولد الحسين عليه السلام ولا يستحقها غيرهم ،ولا تخرج عنهم الى غيرهم ممن عداهم حتى تقوم الساعة ([161] . وهنا لا بد من التاكيد ان نظرية الإمامة الإلهية القائمة على العصمة والنص لم تكن شائعة ومعروفة في اوساط الشيعة وأهل البيت انفسهم في القرن الاول الهجري ، ولم تكن رائجة في المدينة ، وانما بدأت في الظهور بالكوفة في بداية القرن الثاني وبستار من التقية والكتمان([162]

Page 8

نقل الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة والطبرسي في كتاب الإحتجاج عن الإمام الغائب قوله :(( واما الحوادث الواقعة فارجعوها الى رواة احاديثنا فانهم حجتي عليكم ،وانا حجة الله ([163] .

والحق ، لولاية الفقيه معنى تقليدي لدى فقهاء المذاهب الإسلامية عامة والمذهب الاثني عشرية خاصة مؤداه ((ان للفقيه العادل نوع ولاية في الإسلام تتمثل في الافتاء والقضاء ([164] . ولكن آية الله الخميني تحدث عن ولاية الفقيه عندما قال (( ان ماهو دليل الإمامة بعينه دليل على لزم الحكومة بعد غيبة ولي الامر (ع سيما هذه السنين المتمادية ولعلها تطول ، والعياذ بالله الى الاف السنين والعلم عنده تعالى ويضيف آية الله الخميني قائلا : ((اية حاجة كالحاجة الى تعيين من يريد امر الامة ، ويحتفظ نظام بلاد المسلمين طيلة الزمان ومدى الدهر في عصر الغيبة مع بقاء احكام الإسلام التي لايمكن بسطها الا بيد والي المسلمين ، وسائس الامة والعباد ؟ وقال ايضا : (( اما في زمان الغيبة فالولاية والحكومة وان لم تجعل لشخص خاص ، لكن يجب بحسب العقل والنقل ان تبقيا بنحو اخر لما تقدم من عدم امكان اهمال ذلك لانها مما يحتاج اليه المجتمع الإسلامي والعلة متحققة في زمن الغيبة ومطلوبية النظام وحفظ الإسلام معلومة لاينبغي لذي مسكة عقل انكارها([165].

في هذا المجال ، استشهد آية الله الخميني بالنراقي ( ت 1245 هـ والنائيني ( ت 1355 عندما ذهبا الى القول ان للفقيه جميع ما للإمام من الوظائف والاعمال في مجال الحكم والإدارة والسياسة ([166] . وبموجب ذلك ، فان الفقيه الذي اجتمعت فيه الكفاءة العلمية والعدالة يتمتع بولاية عامة وسلطة مطلقة على شؤون البلاد باعتبار الوصي على شؤونهم في غيبة الامام المنتظر([167] .

ويمكنهم تفسير الشريعة وتنفيذها ، وفي هذا المجال يذهب آية الله الخميني قائلا : (( ان مداد اقلام الفقهاء مقدسة كدماء الشهداء ([168] . يقول آية الله الخميني بحق الإمام الغائب (( فالعدالة كانت هدف جميع الانبياء وارادوا ان يطبقوها في جميع العالم ،لكنهم لم يتوفقوا ، وحتى ان رسول الله (ص الذي جاء لإصلاح الناس لتحقيق العدالة وتربية الناس ، فانه لم يتوفق في زمانه لتحقيقها بهذا المعنى ،وان الذي سيتمكن من ذلك ،وسوف ينشر لواء العدل في كل الارض هو الإمام المهدي ([169].يعلق ايه الله الخميني في كتابه : ولاية الفقيه او الحكومة الإسلامية على العلماء قائلا : (( ما هو المراد من العلماء ومن هم ؟ هل هم علماء الامة ؟ ام الائمة عليهم السلام ؟ احتمل بعضهم ان يكون المراد هم الأئمة (ع لكن الظاهر ارادة علماء الامة على مايشهد به الحديث نفسه لان الثناء اللائق بالأئمة عليهم السلام لا يشبه ما ورد في هذا الحديث مثلا انه الانبياء ( ع قد خلفوا أحاديث وسنن فمن اخذ بها فقد اخذ بحظ وافر لا يناسب شأن الائمة (ع وانما هي جمل تشهد باختصاصها بعلماء الامة ([170] وفي هذا المعنى يقول النراقي نقلا عن الفقة الرضوي ((منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة الانبياء في بني إسرائيل([171].

والحق ، أول من نادى بولاية الفقيه هو الشيخ محمد بن مكي العاملي الجزيني ( 72.-784 هـ ، على الرغم من انه لم يصرح بهذا المعنى ، وانما اقتناص المفهوم العام من كتابه ((اللمعة الدمشقية ، ثم يأتي بعد ذلك ، الشيـخ الكركي علي بن عبد العالي ( 87. – 94. هـ ليؤكد على مفهوم ولاية الفقيه فيحكم إيران الصفوية

وفق نظرية ولاية الفقيه ويأذن للشاه إسماعيل فيصرف بالملك بعد ان يسلمه المملكة الصفوية بكاملها([172] .

وهنا ينبغي ان نؤكد انه لم يكن هناك اتفاق بين الفقهاء حول ولاية الفقيه العامة . ومع ذلك فان كثيرا من الفقهاء المتقدمين امثال الشيخ النراقي ، ومن المتاخرين الشيخ النائيني (( في تنبيه الامة وتنزيه الملة 1857 – 1936 ، شؤون النبي محمد ( ص للفقهاء العدول . كل هذه التفاصيل عند آية الله الخميني يكون من خلال مفهوم ولاية الفقيه ، وإثبات شؤون الإمام للفقيه العادل([173] .

لقد سعى النائيني للمواءمة بين النظرية التقليدية في ولاية الفقيه وبين حقوق الامة ، والحق كان جهد النائيني هو اول محاولة للتوفيق ما بين التكليف الالهي وحق الامة ، وقد عاد النائيني في كتبه الفقهية الاخرى الى الاسلوب التقليدي في ذاته بل انه وصل في بعض الحالات الى انكار ولاية الفقيه([174] .

اما فيما يخص آية الله محمد باقر الصدر، فانه آمن بولاية الفقيه المطلقة على طريقة آية الله الخميني من خلال نظريته ((خلافة الامة وشهادة الانبياء فالامة لها حرية الاختيار ودور الرقابة في تنفيذ هذه الفكرة ([1].

وفي هذا الشأن ، بعث اية الله محمد باقر الصدر رسالة الى اتباعه في الحوزة العلمية وذلك في مستهل عام 1956 اشار فيها : (( الى جواز بل وجوب قيام الحكومة الاسلامية زمن الغيبة وذلك من خلال اية الشورى . وكان هناك بعض علماء الدين من يؤيد ذلك . في الوقت الذي نرى ان هناك من عارض ذلك وكان آية الله الصدر قد عرض الرسالة على آية الله الشيخ حسين الحلي ، وكان من كبار المجتهدين وتلميذ آية الله النائيني ، والذي كان من المتحمسين لقيام حكومة إسلامية في عصر الغيبة ، فأبدى اشكالاته على الإستدلال بتلك الأية الكريمة . والحق ، جاءت هذه الرسالة ، في الوقت الذي كان آية الله الصدر ينوي في هذه الحقبة التاريخية تأسيس حزب يأخذ على عاتقه إقامة الحكومة الإسلامية ([2].

وهنا لابد من الإشارة ، إلى أن آية الله محمد باقر الصدر عندما أبدى تصوره للدستور الإيراني بعد نجاح ثورة شباط في إيران ، لم يجعل من ولاية " المرجعية الرشيدة " مصدرا وحيدا للرقابة والتشريع ، ولم يناد كذلك بنقل النظرية إلى الميدان السياسي العراقي ([175]

أما آية الله محمد محمد صادق الصدر فانه كان يؤمن بولاية الفقيه ا المطلق ( [176] ، وفي حالة عدم وجود حكومة اسلامية فانه يرى بانه (( ليس كل امور الولاية العامة موقوفة ، وبناء على ذلك فانه اقام صلاة الجمعة ، على الرغم من عدم عمله في امور اخرى تخص الولاية كاقامة الحد الشرعي ، وفيما يخص علاقة الولاية بالاعلمية فهو يرى (( جواز ولاية غير الاعلم في المنطقة التي يحكمها ([177]

والحق ، فقد طور آية الله محمد باقر الصدر نظريته عن خلافة الأمة وشهادة الانبياء ، منذ ان استقر اية الله الخميني في النجف عام 1964 ، اذ دعا الاخير بصراحة الى اقامة حكومة اسلامية من خلال كتابه (( الحكومة الاسلامية والذي كان ردا على اراء بعض المرجعيات التي كانت تقول : (( انه لايمكن ان تقوم حكومة إسلامية قبل ظهور الإمام المهدي . فضلا عن دعوته الى ذلك في ابحاثه في مسجد الشيخ الانصاري في النجف . ثم طبع ذلك بعدئذ على شكل كتب وتوزيع ذلك على انصاره واتباعه . وعليه نرى ان آية الله الصدر حث طلابه واتباعه على حضور حلقات وابحاث اية الله الخميني الاصولية والفقهية كصورة من صور الدعم والتاييد لمرجعيته . وقد جاء التعاون ايضا بينهما من خلال موسى الصدر وأحمد الخميني . زد على ذلك ، فان آية الله الصدر بعث برساله الى طلابه واتباعه الذين ذهبوا الى الجمهورية الإسلامية في إيران ، دعاهم فيها الى الإلتفاف مع مرجعية آية الله الخميني([178] .

اما الشيخ محمد جواد مغنيه فانه عرف الفقيه بانه : (( المجتهد العادل في زمن غيبة المعصوم اما معنى ولاية المعصوم عنده : (( بانها تعم وتشمل امور الدين بما فيها رياسة الدولة وتنفيذ الأحكام .

وبعد ذلك يميز الشيخ مغنية بين المعصوم والفقيه بان (( قول المعصوم وامره تماما كالتزيل من الله العزيز العليم (( وما ينطق عن الهوى انه هو الا وحي يوحى اما حقوق المجتهد العادل الفقيه في ايام الغيبة ((هي ولاية الفتوى والقضاء وعلى الاوقاف العامة واموال الغائب وفاقد الاهلية مع عدم الولاية الشخصية ، وارث من لاوارث له وعلى الممتنع في بعض الحالات ([179] ، وهنا لابد من الإشارة ، الى أن مبدا ولاية الفقيه ((الولاية العامة لم يأخذ به كل علماء الشيعة الإمامية ، لان الأغلبية منهم ترى ان للفقيه ولاية في القضاء وفي بعض الامور الحسبية ، أي بتعبير ادق انها ولاية محدودة الصلاحيات ، يقول اية الله خميني في كتابه ولاية الفقيه : ((اذا تجمع شخص جدير ومتصف بصفتين العلم بالقانون ، وبالعدالة في اقامة الحكومة ، اصبح له ماكان لرسول الله (ص من الولاية بشان ادارة المجتمع وجبت طاعته على جميع الناس ([180] ويردف آية الله الخميني قائلا (( ولاية الفقيه من الامور العقلانية والإعتبارية وليست واقعية الا من حيث الجعل مثل جعل الوصاية على القصر ووصي الامة لا يختلف مطلقا مع الوصي على الطفل القاصر من حيث الوظيفة والمكانة ([1] .

والفقيه المؤهل للوصاية الذي يتحدث عنه آيه الله خميني هو الفقيه المؤمن بعقائد الإسلام ، اما المعارض لتلك فلا يعد مؤهلا . يقول اية الله الخميني في هذا الشأن :(( هؤلاء ليسوا فقهاء فاخشوهم على دينكم ، وهؤلاء يجب فضحهم لانهم اعداء الإسلام ، يجب على المجتمع ان ينبذهم هؤلاء كانوا دائما من غير جماعتنا ، وعلى غير رأينا ([2].

من هذا المنطلق ، يقول آية الله علي خامنئي :(( ولاية الفقيه شاملة لجميع المسلمين وشؤونهم ، ولكن اعمال الولاية ونفوذها تابعتان لتولي المسلمين واكثرهم في كل اقليم ومنطقة بولاية على الأمر ..([3]

وفي هذا المعنى ، يقول آية الله حسين علي منتظري (( ان الإمام والحاكم الإسلامي قائد ومرجع للشؤون السياسية والدينية معا ، وان المسؤول والمكلف في الحكومة الإسلامية هو الإمام والحاكم ، وان السلطات الثلاث بمراقبتها تكون بمعيته ..([181] .

أعلن آية الله منتظري عام 1994 في مناقشته لذلك لإمكانية تطبيق مبدأ ولاية الفقية قائلا:(( الولي الفقيه ان يكون زعيم كل المسلمين في العالم بشرط ان تنتخبه الأغلبية على اساس انه المرشح الأجدر والاغزر علما في الدين ،الأكثر حنكة في السياسة ، وقطعا يجب ان ينتخب بوساطة الناس او بوساطة الخبراء الذين يختارهم الناس…([182] .

Page 9

وهذا يعني ان دعوة آية الله منتظري تتضمن الى انتخاب الشعب للولي الفقيه بصورة مباشرة امكانية مساءلته ، فهو ليس القانون ، وانما ينبغي ان يكون مساءلا من قبل الناس والدستور الإيراني([183] ، وفي هذا السياق ، يقول الشيخ منتظري : " ولاية أمر المسلمين يجب أن تكون بالإنتخاب الشعبي " ([184] . وهنا لابد من الإشارة من أن معارضي منتظري تمسكوا بمبدأ " القيادة الجماعية " المنصوص عليها في النسخة القديمة وغير المعدلة لدستور " جمهورية إيران الإسلامية "( [185] ، أي إمكانية تشكيل " مجلس المرجعية " يضم عددا من المراجع ليقوم بمهام القيادة وترددت وقتها أسماء آيات الله كلبايكاني ونجفي ومنتظري كأعضاء " مجلس المرجعية " المفترض . ([186] إذا بإمكاننا أن نقول في هذا المجال ، إن جبهة منتظري هي بالأساس في الحوزة العلمية بمدينة قم ، ، أما جبهة رفسنجاني وخامنئي فكانت شؤون السياسة في طهران وفي خارج إيران . وفي حين استخدم منتظري كل الحجج والأسانيد للتأكيد على نظرية " ولاية الفقيه " أمام باقي المراجع الذين لم يؤيدوا النظرية تماما ، كان رجال آية الله الخميني في قمة الجهاز التنفيذي والتشريعي مطالبين بتدبير أمور السياستين الداخلية والخارجية . كانت أدوات منتظري في قم ، الفقه والقلم ، وكانت أدوات رجال آية الله الخميني في طهران ، السيف والسياسة . اختلفت الأدوات ، ونظرا لإختلاف الجبهات والأدوات ، كان من الواضح أن تتضارب المصالح والأفكار بين ممثل خط آية الله منتظري في قم ، ورجال آية الله الخميني في طهران ([187] .

من هذا المنطلق رفض الكلبايكاني نظرية الفقيه والإنتظار، وتخلى عن الشروط المثالية في الامامة كالعصمة والنص ، وأكد ضرورة اقامة دولة في عصر الغيبة ، ومع ذلك حصر الحق في إقامة الدولة في الفقهاء . من هنا عد بعض فقهاء الشيعة بانه من غير المعقول ان يبقوا في حالة انتظار دون ممارسة أي دور سياسي([188].

ويعني هذا أيضا ، انه من حق الفقيه الإيراني أن تكون له ولاية عامة اذ يقوم باخضاع كل الموجودات الثابتة والمتحركة في الارض ،وتكون له الهيمنة المطلقة على المحكومين باعتباره الوصي على امور المسلمين في عصر غيبة الامام المهدي([189] .

وقد عارض آية الله منتظري([190] ، ولاية الفقيه بعد ان كان مؤيدا لها ( [191]

( [192] اذ يقول في هذا المجال : (( انني اعترضت ادخال المادة القانونية بشأن الولي الفقيه في الدستور بعد الثورة ، ولاية الفقيه هي صنيعتي ولكني ارفضها اليوم لان الفقيه حسبما كنت اريد لايعدو كونه مراقبا ينظر الى الأمور ، ويقدم نصائح الى السلطات القانونية . ولكن ما نراه هو قيام دكتاتورية اكثر استبداديا من النظام السابق باسم الدين . ومذهب أهل البيت تحت مظلة الولي التي جمعت تحتها عناصر فاسدة ومنافقة ومنحرفة لا دين لها ولا إيمان بثورة ولا باخلاق ([1].

هناك من يقول ، ان آية الله منتظري خلط بين الجانب النظري والدستوري لمفهوم ولاية الفقيه ، وسوءتقديره للمعادلة السياسية الداخلية ، فاصطدم بالعقبة القانونية في الاولى وخلط اوراق اللعبة السياسية الداخلية لغير صالح قوى التغيير في الثانية مما اربك الكثير من مقربيه السياسيين من داخل النظام وخارجه ([2].

ان آية الله منتظري ، وفي الحالتين ، أي في حالة اصطدامه مع اية الله الخميني في الثمانينات وحالة اصطدامه مع اية الله خامنئي في التسعينات ذهب ضحية لعبة اليمين المحافظ السياسية المعقدة ، تلك اللعبة التي كانت توحي له في كل مباشرة او بالوساطة ان باستطاعته صعود مسير المعارضة الداخلية ، ثم استخدام ذلك لضرب منافسيه في الداخل وهم في قمة السلطة السياسية([193] .

في الثمانينات وعندما كان الحاكم التنفيذي الفعلي ريئس الوزراء مير حسن موسوي ، في حينها ادت مداخلات آية الله منتظري المشابهة حول مدى صلاحيات الحكومة في التدخل في شؤون الناس الإقتصادية الى سقوط حكومة اليسار تحت وطأة تحريض اليمين المحافظ وقتها الذي كان يتعلل بقبول ولاية الفقيه المطلقة لآية الله الخميني . وفي التسعينات تكررت التجربة نفسها ، وان كان الحيثيات والظروف مختلف تماما ،اصيب تكتل اليسار الاسلامي نكسة جديدة حيال الرأي العام ، ولكن هذه المرة تحت وطاة تعلل اليسار الإسلامي نفسه بقبول ولاية الفقية المطلقة لآية الله علي خامنئي ، والدعوة الصريحة الى اقامة (( حكومة العدل الإلهي التي لها فيها دور للجمهور والرأي العام سوى تاييد (( الحاكم الممثل لحاكمية الله في الارض.

تلاحقت الأحداث على إيران في منتصف الثمانينات ، وبصورة خاصة بين جماعات النفوذ ، والخط المؤيد لآية الله الخميني . وفي أثناء مراسم الحج ، اكتشفت سلطات الأمن بمطار جدة في المملكة العربية السعودية خمسين كيلو غراما من مادة سيمتكس الشديدة الإنفجار مخبأة في أمتعة حجاج إيرانيين من حملة حج إيرانية زوارها من مدينة أصفهان . وتبين خلال التحقيق مع الحجاج المعتقلين أن لا علاقة لهم بتلك المتفجرات . وإعترف رئيس حملة الحج بأنه سلم الحقائب إلى الحجاج بعدتسليمها إليه من مسؤولي مديرية الحج في أصفهان . وبعد مرور سنة على الحادث ، إتهمت وزارة الأمن الإيرانية ، التي قادها محمدي ريشهري ، السيد مهدي هاشمي ، بأنه كان وراء إرسال الحقائب المليئة بالمتفجرات والسعي لإثارة الفتنة في علاقات إيران مع الدول الإسلامية ([194].

والحق استخدم خصوم منتظري تحفظات على شخص السيد مهدي هاشمي شقيق السيد محمد هاشمي زوج إبنة آية الله منتظري . وقدم مهدي هاشمي للمحاكمة بتهمة العمالة للولايات المتحدة الأمريكية ، وأعدم في محاكمة سريعة . وأستخدم هذا الإعدام لاحقا للنيل من مكانة منتظري ، وبالتالي تبرير إبعاده عن السلطة ، بوصف أن سمعته الشخصية والعائلية لم تعد فوق الشبهات . وكانت هذه القاعدة قد إنطبقت قبل منتظري على محمد شريعتمداري، نجل آية الله شريعتمداري وعلى أولاد آية الله طالقاني ، وهو ما أسهم في تحييد هاتين الشخصيتين ( [195]

كشف آية الله منتظري في مذكراته بعد ثلاثة عشر عاما من إعدام مهدي هاشمي في عام 1987 ، أن الأخير لم يكن وراء تهريب المتفجرات ، بل جهات بعينها في وزارة الاستخبارات الإيرانية ([196] . وقدر أن هاشمي أعدم لأنه كشف عن زيارة مكفارلين مستشار الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان لطهران في عام 1986 والتي أسفرت عن صفقة " إيران غيت " ، والتي حصلت إيران بموجبها على أسلحة أمريكية أثناء الحرب مع العراق([197] .

اعترف رفسنجاني ، المدير الرئيس للصفقة بحدوث قضية " إيران غيت " عندما صرح قائلا : " أنها كانت ضرورية لنا بسبب سياق الحرب وضروراتها ، إلا أنها أيضا كانت خيارا واعيا من جانبنا ، ومبادرة أطلقناها نحن ، وظلت تحت سيطرتنا في تفاصيلها كافة . وعندما أقيمها الآن أصنفها كجزء من مفاخر العمل الدبلوماسي . لكن الوضع السياسي الملوث هو الذي يسمح أحيانا للبعض أن يقول ما يشاء دون حساب . في تلك المبادرة استطعنا إيجاد انشقاق حقيقي في الإدارة الأمريكية ، وأزمة ظلت تلاحقهم لسنوات ، واقتربت من أن تتحول إلى فضيحة تشبه فضيحة ووترغيت مع نيكسون . وبالمقابل فقد إستطعنا أن نحصل على إمتيازات عديدة ، كما أنها أفادتنا سياسيا بشكل جيد ، ولم ندفع ثمنا سوى مساع حثيثة لإطلاق سراح رهائن غربيين كانوا محتجزين في لبنان ، إذ كنا نعتقد بأن البعد الإنساني للقضية كان يتطلب تدخلنا لأننا لم نكن مرتاحين لوجود رهائن . استطعنا الحصول على إحتياجاتنا من صوارخ تاو وهوغ والتجهيزات الضوئية لراداراتنا دون أن ندخل في ضرورات وتبعات المفاوضات المعروفة "( [198] .

وقد اكتسبت نظرية ولاية الفقيه مؤيدين لها في إيران الذين شغلوا عضوية مجلس الخبراء الأول الذي صاغ دستور الثورة الإيرانية ، وكان من ضمن هذه الشخصيات بهشتي ، والذي قام فيه بدور أساسي وكانت زعامة بهشتي والعمل الجماعي الذي قام به مؤيدو نظرية ولاية الفقية وموافقة اية الله الخميني كلها عوامل اساسية في اقامة نظرية ولاية الفقيه في إيران([199] .

هكذا تحولت الإجتهادات التي املت عليها الظروف السياسية الى قواعد دينية ثابتة غير خاضعة لاعادة التاويل والتفسير ، ولهذا السبب صارت الإمامة وهي نظرية سياسية قابلة للتعديل والتغيير حكمت عليها المتطلبات والظروف الوقائع المستجدة واصل ثابت من اصولها ، بل صارت قاعدة الدين واصل الاسلام :(( فمن مات ولم يعرف امام زمانه فقد مات ميتة جاهلية ..([200] .

وقد اعترض بعض شيوخ الشيعة نظرية ولاية الفقية عنه اية الله الخميني ، ومن بينهم محمد جواد مغنية واحمد الكاتب([201] .

ان هذا التفسير المعطاة من قبل آية الله الخميني للعالم الفقيه ، له علاقة بمفهوم مرجعية التقليد المطلق الذي برز الى الوجود في منتصف القرن التاسع عشر([202] هذه المرجعية تقوم على اسس متعددة اهمها مسالة الإجتهاد والتقليد ، وتبعا لذلك ولإستدلالات عقلانية وتحوطا للاحكام الشرعية ، فان هؤلاء تحدثوا عن اشتراط ((الاعلمية المراد بها ان يكون صاحبها اقوى ملكة من غيره في مجال الاستنباط فيمن يجوز تقليده وذلك في خصوص موارد الإختلاف في الفتوى ،وقد كان لهذه الفكرة الدور الكبير في السوق الكبير نحو قيام (( المرجعية كظاهرة طبيعية على امتداد المسيرة([203] .

وانطلاقاً من ذلك صار هذا المفهوم (( مرجعية التقليد المطلق ( [204] قاعدة تنظيمية راسخة تقضي بانفراد وتميز احد المجتهدين الكبار من بين اقرانه بقوة روحية عامة وسلطة مركزية جامعة تخضع لارشادتها وتنصاع لقرارتها وتوجيهاتها بقية المجتهدين([205] . ومن خلال مرجعية التقليد المطلق([206] ، صار عدد من الآيات ومن خلال النسخ والتشريع النفوذ والسيطرة على السلطة السياسية ،والاشراف على الاوقاف الدينية والحوزات العلمية واستغلالها بجمع الزكاة والخمس وصرفها وكان هذا عاملا بان يكون لهؤلاء قدر كبير من السلطة السياسية والإستقلال المالي ([1].

إن ولاية الفقيه بهذه الصورة تخلق نوعا من (( الوحدوية المذهبية لتحل محل التعددية الشعبية التقليدية المعطاة لمراجع التقليد ،وهو مايبرر البعض وجود معارضة دينية ،حيث عارض بعض الفقهاء كما اتضح لنا مركزية القرار الفقهي ([2]

ومن خلال ما اتضح ، يمكننا ايجاز مفهوم ولاية الفقيه في نظريات ثلاث[(3]:

1- نظرية إنكار ولاية الفقيه : تجرد هذه النظرية الفقهية من الولاية المطلقة مع الاعتراض في مسؤلياته في القضايا الحسبية ،ومن انصارها جمال الدين مقداد بن عبد الله السبوري المعروف بالفاضل المقداد صاحب مؤلف التنقيح الرائع في شرح الشرائع المتوفي عام 826هـ .

2- نظرية الولاية المحدودة للفقيه :تحدث عنها الشيخ مرتضى الأنصاري المتوفي عام 1281 هـ والشيخ النائيني المتوفي عام 1255 هـ بموجب ذلك تحدد ولاية الفقيه في الموضوعات الحسبية والقضاء والإفتاء والتصرف في الأموال والأنفس للغيب والقصر في إقامة الحدود

3- نظرية الولاية المطلقة للفقيه ، وتبعا لذلك فان ولي الفقيه له القدرة والإرادة على اقامة الحدود وتنظيم وادارة القضاء بل عموم الولاية في ادارة المجتمع الإسلامي زمن الغيبة ومن مؤيديها :أحمد النراقي المتوفي في 1245 هـ والحسين المراغي المتوفي عام 125. والشيخ محمد حسين النجفي صاحب كتاب الجواهر المتوفي 66. هـ وآية الله الخميني([207] .

Page 10

ثانيا : دستور إيران لعام 1979 وتعديلاته :

من بين المهمات الرئيسة التي قام بها القادة الجدد بعد سقوط الشاه الاستفتاء على الغاء النظام الملكي والانتقال الى العهد الجمهوري الإسلامي ، في الوقت الذي ايد غالبية الراي العام الايراني في الغاء هذا النظام ، إلا ان الرؤى السياسية فيما يخص طبيعة النظام الجديد لم تكن معالجتها واضحة عندهم ،واذ لم يقولوا بكلمة نعم او لا على الجمهورية الإسلامية ، وفي هذا المجال فقد قاطع الاستفتاء حركة مجاهدي خلق والجبهة الوطنية وحزب الشعب في حين شارك فيه شريعتمداري وحزب تودة وبعض الأقليات الدينية ،وكانت نتيجة الاستفتاء التي تم اجراءها في 31 اذار 1979 هي ان 98.2 % من الراي العام الإيراني ايد قيام الحكم الاسلامي بعد ان رفع آية الله الخميني شعار ((كل صوت كلا هو صوت ضد الجمهورية….([1]

كان من الواجبات الرئيسة الملقاة على عاتق حكومة بازركان الإنتقالية هي إعداد دستور للجمهورية الجديدة ، اذ ان يد الله سحابي وزير الدولة للشؤون الثورية في هذه الحكومة كان له الدور الكبير في ذلك .قام مقترح الدستور الجديد على مشروع جزئي كان قد تم اعداده في باريس اذ اعتمد على الدستور الإيراني لعام 1906 ([208] ودستور الجمهورية الفرنسية الخامسة فضلا عن استشارة بني صدر وسنجابي واعضاء الحكومة والمجلس الثوري وشريعتمداري ([1] وعليه نرى انه بعد اجراء الإستفتاء تم التفكير في تشكيل مجلس يقوم على وضع دستور للبلاد ، وقد تم تشكيل ذلك من مجلس منتخب من خبراء –علماء الدين اذ ثم ابعاد اليسار والأقليات من هذا المجلس وبالتالي تم اختيار 75 عضوا عن طريق الإنتخابات ([2]

واصبح بهشتي رئيسا([3] لهذا المجلس بسبب علاقته القوية مع الحزب الجـمهـوري الاسلامي ، وتم اجراء الاستفتاء على الدستور في كانون الاول عام 1979([209]، فادلى 99,5 من اصل 15,758,956 ناخبا باصواتهم الى جانب مشروع الدستور الجديد([210] .

وهنا لابد ان نشير الى ملاحظتين هما([211] :-

1- قامت حكومة بازركان باعداد مسودة اولية للدستور ، وبموجب ذلك تم منح صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية والذي عد بانه القائد الأعلى للقوات المسلحة ، وله حق اعلان الحرب ، وصلاحية تعيين رئيس الوزراء واقالته ، وتم العدول عن الصلاحية الأولى والثانية في متن دستور عام 1979 في صورته النهائية ، وقد اصبحت الصلاحيات من مسؤولية القائد او المرشد. فضلا عن ذلك ، انه بموجب تعديل عام 1989 تم تعديل صلاحية رئيس الوزراء واقالته وذلك بالغاء منصب رئيس الوزراء وادماجه في رئاسة الجمهورية. كما ان مسودة عام 1979 ، أشارت الى عدم جواز مجلس الشورى الا بعد اجراء استفتاء على الحل ، ثم منح الأقليات حقوقا متساوية للأغلبية وان لم تخول الحق في الحكم الذاتي.

2- على الرغم من محاولة المؤسسة الدينية على عدم نشر خلافاتها في هذه المدة ،الا انه سرعان ما تم نشر هذا الخبر ، ومن خلال خلافات آية الله خميني – شريعتمداري([212] ، طالقاني حيث تم وضع شريعتمداري تحت الإقامة الجبرية في منزله إعتبارا من شهر ايلول 1980 بسبب كان آية الله الخميني يعمل لاجراء استفتاء على الدستور بعد انجازه على غرار الإستفتاء الذي جرى على الجمهورية الإسلامية ، اما شريعتمداري فقد كان ينادي بعرض الدستور الجديد على جمعية تاسيسية منتخبة من كل فئات الشعب وبعد المصادقة عليه يصار عرضه على إستفتاء شعبي ، واعتراضه على عدم اعطاء حكم ذاتي للأقليات ([213] ، وتمسكه بتحديد صلاحيات المرشد .اما فيما يخص الطالقاني فانه عارض من منح السلطة لعلماء الدين ،مذكرا آية الله الخميني باقواله في المنفى حول عدم حاجته الى المسؤوليات فما كان من آية الله خميني الا ان رده قائلا: (( كيف يمكن الحديث عن دولة ثورية إسلامية بدون إسلام ، وإسلام بدون علماء الدين وقد احتوت مقدمة الدستور على تلك الفلسفة السياسية والاجتماعية والعقائدية والقيمة الجمهورية الجديدة ،وجاء في هذا المبحث الذي يحمل عنوان (( اسلوب الحكم في الإسلام من هذه المقدمة (( لا تقوم الحكومة من وجهة نظر الإسلام – على الطبقة او على السلطة الفردية او الجماعية بل هي تجسيد للتطلعات السياسية لشعب متحد دينيا وفكريا ، ويقوم بتنظيم نفسه كي يتمكن من خلال التغيير الفكري والعقائدي من ان يسلك طريقة نحو هدفه النهائي وهو الحركة الى الله([214] .

يقر الدستور في المادة الثانية عشر :(( الدين الرسمي لإيران هو الإسلام ، والمذهب الجعفري الأثني عشر ، وهذا الأصل يبقى إلى الأبد غير قابل للتغيير ([215] .

ان الدساتير الحديثة في العالم الإسلامي تشير في الديباجة الى ان الدين الاسلامي للدولة هو الإسلام مع عدم الإشارة الى المذهب الاجتماعي في الدولة ، لان الإشارة الى ذلك يعني تجريد بقية المذاهب عن اهميتها ،وتهميشها من الحياة السياسية ، ومن جانب آخر أن هذه الديباجة لاتختلف عن ديباجة دستور عام 1906 التي ذهبت الى المعنى نفسه . ثم تاتي في المادة الثالثة عشرة فتساوي مابين المذاهب الأخرى من الإسلام وبين الأقليات الدينية غير الإسلامية من زرادشتية ويهودية ومسيحية . تؤكد المادة الخامسة عشرة بعد المائة ، أن يكون رئيس الدولة إيراني الأصل مؤمنا ومعتقدا بمبادىء الجمهورية الإسلامية ، والمذهب الرسمي للدولة . وهذه المادة صريحة دون ترشيح الآخرين لرئاسة الدولة وهذا ما يتعارض مع مفهوم ام القرى ، كما يتضح من الفصول القادمة – الذي نادى القادة الإيرانيين في بداية الثورة ، ثم انها تحرم على اهل المذاهب الإسلامية الاخرى القيام بترشيح انفسهم للرئاسة([216] .

اما المواد 5 ،57 ، 107 ، 112 من الدستور فانها تؤكد أن الفقيه الإيراني هو المصدر الاعلى للمؤسسات الدستورية الثلاث : التشريعية ، والتنفيذية والقضائية ،والقائد الاعلى للجيش والمسؤول الوحيد عن بقيةالضباط وعزلهم ، والقادر على الغاء السلطة وتغيير كل قرار حكم قضائي ،يقوم وحده بالموافقة على ترشيح رئيس الجمهورية او اقالته او تقديمه للمحاكمة بكون ان الأحكام تابعة له وليس العكس فهو فوق الأحكام والقانون([217] .

وبموجب هذه المواد ، يعد الفقيه هو المصدر الأول وصاحب الكلمة الاولى في الدولة وعلى المستويات كافة : السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية ، يجمع السيفين الزمني والديني في يده([218] .

وفي حالة غيابه يتكون مجلس قيادة من ثلاثة او خمسة من الفقهاء والمجتهدين([219] .

حددت المادة 111 من الدستور مسؤليات الفقيه الإيراني في الأمور الآتية([220] :-

1- تعيين الفقهاء في مجلس الوصاية

2- تعيين السلطة القضائية العليا للدولة.

3- تعيين القيادة العليا للدولة.

4- تعيين القائد الأعلى لكل من الافرع للقوات المسلحة.

5- إعلان الحرب والسلام.