eKtab
EN ع
السيرة النبوية لابن كثير الجزء الثالث
Read free sample

السيرة النبوية لابن كثير الجزء الثالث

by أبن كثير

Page 1
عندك لبن تسقينا ؟.
 
فقلت: إنى مؤتمن ولست بساقيكما، فقالا: هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد ؟ قلت: نعم.
 
فأتيتهما بها، فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الضرع فدعا، فحفل الضرع وجاء أبو بكر بصخرة متقعرة فحلب فيها، ثم شرب هو وأبو بكر وسقيانى، ثم قال للضرع: اقلص فقلص.
 
فلما كان بعد أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: علمني من هذا القول الطيب، يعنى القرآن.
 
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنك غلام معلم " فأخذت
 
من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد.
 
فقوله في هذا السياق: " وقد فرا من المشركين " ليس المراد منه وقت الهجرة، إنما ذلك في بعض الاحوال قبل الهجرة.
 
فإن ابن مسعود ممن أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة ورجع إلى مكة كما تقدم، وقصته هذه صحيحة ثابتة في الصحاح وغيرها.
 
والله أعلم.
 
* * * وقال الامام أحمد (1): حدثنا عبدالله بن مصعب بن عبدالله، هو الزبير، حدثنى أبى، عن فائد مولى عبادل، قال: خرجت مع إبراهيم بن عبدالرحمن بن سعد، حتى إذا كنا بالعرج أتى ابن سعد، وسعد وهو الذى دل رسول الله صلى الله عليه وسلم على طريق ركوبة (2) فقال إبراهيم: ما حدثك أبوك ؟ قال ابن سعد: حدثنى أبى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم ومعه أبو بكر، وكانت لابي بكر عندنا بنت
 
__________
 
(1) سقط هذا الخبر من (ا).
 
(2) الاصل ركونة.
 
وهو تحريف.
 
وهى ثنية بين مكة والمدينة عند العرج.
 
(*)
Page 2
مسترضعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد الاختصار في الطريق إلى المدينة، فقال له سعد: هذا الغامر من ركوبة، وبه لصان من أسلم يقال لهما المهانان.
 
فإن شئت أخذنا عليهما.
 
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " خذ بنا عليهما ".
 
قال سعد: فخرجنا حتى إذ أشرفنا إذا أحدهما يقول لصاحبه: هذا اليماني.
 
فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليهما الاسلام فأسلما، ثم سألهما عن أسمائهما فقالا: نحن المهانان.
 
فقال: " بل أنتما المكرمان " وأمرهما أن يقدما عليه المدينة، فخرجنا حتى إذا أتينا ظاهر قباء فتلقاه بنو عمرو بن عوف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أين أبو أمامة أسعد بن زرارة ؟ " فقال سعد بن خيثمة: إنه أصاب قبلى
 
يا رسول الله أفلا أخبره ذلك ؟ ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا طلع على النخل فإذا الشرب مملوء، فالتفت رسول الله إلى أبى بكر فقال: يا أبا بكر هذا المنزل.
 
رأيتنى أنزل إلى حياض كحياض بنى مدلج.
 
انفرد به أحمد.
 
فصل في دخوله عليه السلام المدينة، وأين استقر منزله بها وما يتعلق به قد تقدم فيما رواه البخاري، عن الزهري، عن عروة، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المدينة عند الظهيرة.
 
قلت: ولعل ذلك كان بعد الزوال، لما ثبت في الصحيحين من حديث إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن البراء بن عازب، عن أبى بكر في حديث الهجرة قال: فقدمنا ليلا فتنازعه القوم أيهم ينزل عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنزل على بنى النجار أخوال عبدالمطلب أكرمهم بذلك ".
 
وهذا والله أعلم إما أن يكون يوم قدومه إلى قباء، فيكون حال وصوله إلى قرب المدينة كان في حر الظهيرة وأقام تحت تلك النخلة، ثم سار بالمسلمين فنزل قباء وذلك ليلا، وأنه أطلق على ما بعد الزوال ليلا، فإن العشى من الزوال.
Page 3
وإما أن يكون المراد بذلك لما رحل من قباء، كما سيأتي، فسار فما انتهى إلى بنى النجار إلا عشاء.
 
كما سيأتي بيانه.
 
والله أعلم.
 
وذكر البخاري عن الزهري، عن عروة، أنه نزل في بنى عمرو بن عوف بقباء، وأقام فيهم بضع عشرة ليلة، وأسس مسجد قباء في تلك الايام.
 
ثم ركب ومعه الناس حتى بركت به راحلته في مكان مسجده، وكان مربدا
 
لغلامين يتيمين وهما سهل وسهيل، فابتاعه منهما واتخذه مسجدا.
 
وذلك في دار بنى النجار رضى الله عنهم.
 
* * * وقال محمد بن إسحاق، حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عبدالرحمن بن عويم بن ساعدة، قال: حدثنى رجال من قومي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: لما بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة وتوكفنا قدومه، كنا نخرج إذا صلينا الصبج إلى ظاهر حرتنا ننتظر النبي صلى الله عليه وسلم فو الله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال، فإذا لم نجد ظلا دخلنا، وذلك في أيام حارة.
 
حتى إذا كان اليوم الذى قدم فيه رسول الله جلسنا كما كنا نجلس، حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخلنا البيوت فكان أول من رآه رجل من اليهود، فصرخ بأعلى صوته: يا بنى قيلة هذا جدكم قد جاء.
 
فخرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ظل نخلة ومعه أبو بكر في مثل سنه، وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك، وركبه الناس، وما يعرفونه من أبى بكر، حتى زال الظل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام أبو بكر فأظله بردائه، فعرفناه عند ذلك.
 
وقد تقدم مثل ذلك في سياق البخاري، وكذ ذكر موسى بن عقبة في مغازيه.
 
وقال الامام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا سليمان، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: إنى لا سعى في الغلمان يقولون: جاء محمد.
 
فأسعى ولا أرى شيئا، ثم يقولون: جاء محمد.
Page 4
فأسعى ولا أرى شيئا.
 
قال: حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر، فكمنا في بعض خراب المدينة، ثم بعثا رجلا من أهل البادية يؤذن بهما الانصار فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الانصار حتى انتهوا إليهما، فقالت الانصار: انطلقا آمنين مطاعين.
 
فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه بين أظهرهم، فخرج أهل المدينة حتى إن العواتق لفوق البيوت يتراءينه يقلن: أيهم هو ؟ أيهم هو ؟ فما رأينا منظرا شبيها به.
 
قال أنس: فلقد رأيته يوم دخل علينا ويوم قبض فلم أر يومين شبيها بهما.
 
ورواه البيهقى عن الحاكم، عن الاصم، عن محمد بن إسحاق الصنعانى، عن أبى النضر هاشم بن القاسم، عن سليمان بى المغيرة، عن ثابت، عن أنس بنحوه، أو مثله.
 
وفى الصحيحين من طريق إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن البراء، عن أبى بكر في حديث الهجرة قال: وخرج الناس حين قدمنا المدينة في الطرق وعلى البيوت، والغلمان والخدم يقولون: الله أكبر جاء رسول الله، الله أكبر جاء محمد، الله أكبر جاء محمد، الله أكبر جاء رسول الله.
 
فلما أصبح انطلق وذهب حيث أمر.
 
وقال البيهقى: أخبرنا أبو عمرو الاديب، أخبرنا أبو بكر الاسماعيلي، سمعت أبا خليفة يقول: سمعت ابن عائشة يقول: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جعل النساء والصبيان يقلن: طلع البدر علينا * من ثنيات الوداع
 
وجب الشكر علينا * ما دعا لله داع * * * قال محمد بن إسحاق: فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما يذكرون يعنى حين نزل، بقباء على كلثوم بن الهدم أخى بنى عمرو بن عوف ثم أحد بنى عبيد، ويقال: بل نزل على سعد بن خيثمة.
 
ويقول من يذكر أنه نزل على كلثوم بن الهدم: إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من منزل كلثوم بن الهدم جلس للناس في بيت سعد بن خيثمة، وذلك أنه كان عزبا لا أهل له، وكان يقال لبيته بيت العزاب.
 
والله أعلم.
Page 5
ونزل أبو بكر رضى الله عنه على خبيب بن إساف، أحد بنى الحارث بن الخزرج بالسنح، وقيل: على خارجة بن زيد بن أبى زهير أخى بنى الحارث بن الخزرج.
 
قال ابن إسحاق: وأقام على بن أبى طالب بمكة ثلاث ليال وأيامها، حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التى كانت عنده.
 
ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل معه على كلثوم بن الهدم، فكأن على بن أبى طالب إنما كانت إقامته بقباء ليلة أو ليلتين.
 
يقول: كانت بقباء امرأة لا زوج لها مسلمة، فرأيت إنسانا يأتيها من جوف الليل فيضرب عليها بابها فتخرج إليه، فيعطيها شيئا معه فتأخذه، فاستربت بشأنه فقلت لها: يا أمة الله، من هذا الذى يضرب عليك بابك كل ليلة فتخرجين إليه فيعطيك شيئا لا أدرى ما هو، وأنت امرأة مسلمة لا زوج لك ؟.
 
قالت: هذا سهل بن حنيف، وقد عرف أنى امرأة لا أحد لى، فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسرها ثم جاءني بها فقال: احتطبي بهذا.
 
فكان على رضى الله عنه يأثر ذلك من شأن سهل بن حنيف حين هلك عنده بالعراق.
 
قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء في بنى عمرو بن عوف يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الاربعاء ويوم الخميس، وأسس مسجده.
 
ثم أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة، وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك.
 
وقال عبدالله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق قال: وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه عليه السلام أقام فيهم ثمانى عشرة ليلة.
 
قلت: وقد تقدم فيما رواه البخاري من طريق الزهري، عن عروة، أنه عليه السلام أقام فيهم بضع عشرة ليلة.
 
وحكى موسى بن عقبة عن مجمع بن يزيد بن حارثة أنه قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا، يعنى في بنى عمرو بن عوف بقباء، اثنتين وعشرين ليلة.
 
وقال الواقدي: ويقال أقام فيهم أربع عشرة ليلة
Page 6
* * * قال ابن إسحاق: فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة في بنى سالم بن عوف، فصلاها في المسجد الذى في بطن الوادي، وادى رانوناء، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة.
 
فأتاه عتبان بن مالك وعباس بن عبادة بن نضلة في رجال من بنى سالم، فقالوا: يا رسول الله أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة قال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة.
 
لناقته فخلوا سبيلها.
 
فانطلقت حتى إذا وازت دار بنى بياضة تلقاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو، رجال من بنى بياضة، فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة.
 
قال: " خلوا سبيلها فإنها مأمورة " فخلوا سبيلها.
 
فانطلقت حتى إذا مرت بدار بنى ساعدة اعترضه سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو، في رجال من بنى ساعدة، فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا في العدد والمنعة.
 
قال: " خلوا سبيلها فإنها مأمورة " فخلوا سبيلها.
 
فانطلقت حتى إذا وازت (1) دار بنى الحارث بن الخزرج اعترضه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة في رجال من بنى الحارث بن الخزرج فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة.
 
قال: " خلوا سبيلها فإنها مامورة " فخلوا سبيلها.
 
فانطلقت حتى إذا مرت بدار عدى بن النجار، وهم أخواله، دنيا، أم عبدالمطلب سلمى بنت عمرو إحدى نسائهم، اعترضه سليط بن قيس، وأبو سليط أسيرة بن [ أبى ] (2) خارجة في رجال من بنى عدى بن النجار فقالوا: يا رسول الله هلم إلى أخوالك إلى العدد والعدة والمنعة.
 
قال: " خلوا سبيلها فإنها مأمورة " فخلوا سبيلها.
 
فانطلقت، حتى إذا أتت دار بنى مالك بن النجار بركت على باب مسجده عليه السلام اليوم، وكان يومئذ مربدا لغلامين يتيمين من بنى مالك بن النجار، وهما سهل وسهيل ابنا عمرو، وكانا في حجر معاذ بن عفراء.
 
قلت: وقد تقدم في رواية البخاري من طريق الزهري، عن عروة أنهما كانا في حجر أسعد بن زرارة.
 
والله أعلم.
 
* * * وذكر موسى بن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في طريقه بعبد الله
 
__________
 
(1) ا: دارت وفى ابن هشام وازنت (2) من ابن هشام.
 
(*)
Page 7
ابن أبى بن سلول وهو في بيت، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر أن يدعوه إلى المنزل، وهو يومئذ سيد الخزرج في أنفسهم، فقال عبدالله: انظر الذين دعوك فانزل عليهم.
 
فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفر من الانصار، فقال سعد بن عبادة يعتذر عنه: لقد من الله علينا بك يا رسول الله وإنا نريد أن نعقد على رأسه التاج ونملكه علينا.
 
قال موسى بن عقبة: وكانت الانصار قد اجتمعوا قبل أن يركب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بنى عمرو بن عوف، فمشوا حول ناقته، لا يزال أحدهم ينازع صاحبه زمام الناقة شحا على كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيما له.
 
وكلما مر بدار من دور الانصار دعوه إلى المنزل فيقول صلى الله عليه وسلم: دعوها فإنها مأمورة، فإنما أنزل حيث أنزلنى الله.
 
فلما انتهت إلى دار أبى أيوب بركت به على الباب، فنزل فدخل بيت أبى أيوب حتى ابتنى مسجده ومساكنه.
 
قال ابن إسحاق: لما بركت الناقة برسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينزل عنها، حتى وثبت فسارت غير بعيد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت خلفها فرچعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه، ثم تحلحلت ورزمت ووضعت جرانها.
 
فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 
فاحتمل أبو أيوب خالد بن زيد، رحله فوضعه في بيته، ونزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 
وسأل عن المربد لمن هو ؟ فقال له معاذ بن عفراء: هو يا رسول الله لسهل وسهيل (18 - السيرة 2)
 
ابني عمرو وهما يتيمان لى، وسأرضيهما منه فاتخذه مسجدا.
 
فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبنى.
Page 8
ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار أبى ايوب حتى بنى مسجده ومساكنه فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من المهاجرين والانصار.
 
وستأتى قصة بناء المسجد قريبا إن شاء الله.
 
* * * وقال البيهقى في الدلائل: وقال أبو عبد الله: أخبرنا أبو الحسن على بن عمرو الحافظ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد الدوري، حدثنا محمد بن سليمان بن إسماعيل بن أبى الورد، حدثنا إبراهيم بن صرمة، حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسحاق بن عبدالله بن أبى طلحة، عن أنس، قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فلما دخلنا جاء الانصار برجالها ونسائها فقالوا: إلينا يا رسول الله.
 
فقال " دعوا الناقة فإنها مأمورة ".
 
فبركت على باب أبى أيوب فخرجت جوار من بنى النجار يضربن بالدفوف وهن يقلن.
 
نحن جوار من بنى النجار * يا حبذا محمد من جار فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " أتحبونني ؟ " فقالوا: إى والله يا رسول الله.
 
فقال: " وأنا والله أحبكم، وأنا والله أحبكم، وأنا والله أحبكم ".
 
هذا حديث غريب من هذا الوجه لم يروه أحد من أصحاب السنن، وقد خرجه الحاكم في مستدركه كما يروى.
 
ثم قال البيهقى: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمى، أخبرنا أبو القاسم عبدالرحمن بن سليمان النحاس المقرئ ببغداد، حدثنا عمر بن الحسن الحلبي، حدثنا أبو خيثمة المصيصى، حدثنا عيسى بن يونس، عن عوف الاعرابي، عن ثمامة، عن أنس.
 
قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بحى من بنى النجار، وإذا جوار يضربن بالدفوف يقلن: نحن جوار من بنى النجار * يا حبذا محمد من جار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يعلم الله أن قلبى يحبكم ".
 
ورواه ابن ماجه، عن هشام بن عمار، عن عيسى بن يونس به.
 
وفى صحيح البخاري عن معمر، عن عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم النساء والصبيان مقبلين، حسبت أنه قال من عرس، فقام النبي صلى الله عليه وسلم ممثلا فقال: " اللهم أنتم من أحب الناس إلى " قالها ثلاث مرات.
Page 9
* * * وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنى أبى، حدثنى عبد العزيز ابن صهيب، حدثنا أنس بن مالك.
 
قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف ورسول الله صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف.
 
قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الرجل الذى بين يديك ؟ فيقول: هذا الرجل يهدينى السبيل.
 
فيحسب الحاسب أنما يهديه الطريق، وإنما يعنى سبيل الخير.
 
فالتفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحقهم فقال: يا نبى الله هذا فارس قد لحق بنا، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " اللهم اصرعه " فصرعته فرسه ثم قامت تحمحم، ثم قال: مرنى يا نبى الله بما شئت.
 
فقال: " قف مكانك ولا تتركن أحدا يلحق بنا ".
 
قال: فكان أول النهار جاهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان آخر النهار مسلحة (1) له.
 
قال: فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم جانب الحرة، ثم بعث إلى الانصار فجاءوا فسلموا عليهما وقالوا: اركبا آمنين مطاعين.
 
فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وحفوا حولهما بالسلاح.
 
وقيل في المدينة: جاء نبى الله صلى الله عليه وسلم.
 
فاستشرفوا نبى الله ينظرون إليه ويقولون: جاء نبى الله.
 
قال: فأقبل يسير حتى نزل إلى جانب دار ابى أيوب.
 
قال: فإنه ليحدث أهله إذ سمع به عبدالله بن سلام، وهو في نخل لاهله يحترف.
 
لهم، فعجل أن يضع الذى يحترف فيها، فجاء وهى معه، وسمع من نبى الله صلى الله عليه وسلم ورجع إلى أهله.
 
وقال نبى الله: أي بيوت أهلنا أقرب ؟ فقال أبو أيوب: أنا يا نبى الله، هذه دارى وهذا بابى.
 
قال: فانطلق فهيى لنا مقيلا.
 
فذهب فهيأ ثم جاء.
Page 10
فقال: يا رسول الله قد هيأت مقيلا، قوما على بركة الله فقيلا.
 
فلما جاء نبى الله صلى الله عليه وسلم جاء عبدالله بن سلام فقال: أشهد أنك نبى الله حقا، وأنك جئت بحق ولقد علمت يهود أنى سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم فادعهم فسلهم.
 
فدخلوا عليه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا معشر اليهود، ويلكم اتقوا الله، فو الله الذى لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنى رسول الله حقا، وأنى جئت بحق أسلموا ".
 
__________
 
(1) المسلحة: قوم ذوو سلاح، وتطلق أيضا على الثغر والمرقب.
 
والمراد أنه كان مدافعا عن الرسول (*)
 
فقالوا: ما نعلمه، ثلاثا.
 
وكذا رواه البخاري منفردا به، عن محمد غير منسوب، عن عبد الصمد به.
 
* * * قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبى حبيب، عن مرثد بن عبدالله اليزنى، عن أبى رهم السماعي، حدثنى أبو أيوب، قال لما نزل على رسول الله صلى عليه وسلم في بيتى نزل في السفل، وأنا وأم أيوب في العلو، فقلت له: بأبى أنت وأمى يا رسول الله، إنى أكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي، فاظهر أنت فكن في العلو وننزل نحن فنكون في السفل.
 
فقال: " يا أبا أيوب إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن أكون في سفل البيت ".
 
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفله وكنا فوقه في المسكن.
 
فلقد انكسر حب لنا فيه ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها، ننشف بها الماء تخوفا أن يقطر على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شئ فيؤذيه.
 
قال: وكنا نصنع له العشاء ثم نبعث إليه، فإذا رد علينا فضلة تيممت أنا وأم أيوب موضع يده فأكلنا منه نبتغى بذلك البركة، حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه وقد جعلنا له فيه بصلا أو ثوما، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أر ليده فيه أثرا، قال: فجئته فزعا فقلت: يا رسول الله بأبى أنت وأمى رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك ؟ فقال " إنى وجدت فيه ريح هذه الشجرة، وأنا رجل أناجي، فأما أنتم فكلوه " قال: فأكلناه ولم نصنع له تلك الشجرة بعد.