eKtab
EN ع
السيرة النبوية لابن كثير الجزء الثاني
Read free sample

السيرة النبوية لابن كثير الجزء الثاني

by أبن كثير

Page 1
أبا عمرو تناوبني السهود * وراح النوم وانقطع الهجود وذكر مثله بطوله.
 
وقال أبو نعيم: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا إبراهيم بن على، حدثنا النضر بن سلمة حدثنا أبو غزية محمد بن موسى، عن العطاف بن خالد الوصابى، عن خالد بن سعيد، عن أبيه قال: سمعت تميما الدارى يقول: كنت بالشام حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم، فخرجت لبعض حاجتى فأدركني الليل.
 
فقلت: أنا في جوار عظيم هذا الوادي الليلة.
 
قال: فلما أخذت مضجعي إذا أنا بمنادي ينادى لا أراه: عذ بالله، فإن الجن لا تجير أحدا على الله.
 
فقلت أيم الله [ ما ] تقول ؟ فقال: قد خرج رسول الاميين رسول الله، وصلينا خلفه بالحجون.
 
فأسلمنا واتبعناه، وذهب كيد الجن ورميت بالشهب، فانطلق إلى محمد رسول رب العالمين فأسلم.
 
قال تميم: فلما أصبحت ذهبت إلى دير أيوب، فسألت راهبا وأخبرته الخبر.
 
فقال الراهب: قد صدقوك، يخرج من الحرم، ومهاجره الحرم، وهو خير الانبياء فلا تسبق إليه.
 
قال تميم: فتكلفت الشخوص حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلمت.
 
وقال حاتم بن إسماعيل، عن عبد الله بن يزيد الهذلى، عن عبد الله بن ساعدة الهذلى، عن أبيه قال: كنا عند صنمنا سواع، وقد جلبنا إليه غنما لنا مائتي شاة قد أصابها جرب، فأدنيناها منه لنطلب بركته، فسمعت مناديا من جوف الصنم ينادى: قد ذهب كيد الجن ورمينا بالشهب، لنبى اسمه أحمد.
 
قال فقلت غويت والله.
 
فصدفت وجه غنمي منجدا إلى أهلى فرأيت رجلا، فخبرني بظهور النبي صلى الله عليه وسلم.
 
ذكره أبو نعيم هكذا معلقا.
Page 2
ثم قال: حدثنا عمر بن محمد بن جعفر، حدثنا إبراهيم بن السندي، حدثنا النضر ابن سلمة، حدثنا محمد بن مسلمة المخزومى، حدثنا يحيى بن سليمان، عن حكيم بن عطاء الظفرى - من بنى سليم من ولد راشد بن عبد ربه - عن أبيه، عن جده، عن راشد بن عبد ربه قال: كان الصنم الذى يقال له سواع بالمعلاة من رهط تدين له هذيل وبنو ظفر بن سليم، فأرسلت بنو ظفر راشد بن عبد ربه بهدية من سليم إلى سواع.
 
قال راشد: فألقيت مع الفجر إلى صنم قبل صنم سواع، فإذا صارخ يصرخ من جوفه: العجب كل العجب من خروج نبى من بنى عبد المطلب، يحرم الزنا والربا والذبح للاصنام، وحرست السماء ورمينا بالشهب، العجب كل العجب.
 
ثم هتف صنم آخر من جوفه: ترك الضمار وكان يعبد، خرج النبي أحمد، يصلى الصلاة ويأمر بالزكاة والصيام، والبر والصلات للارحام.
 
ثم هتف من جوف صنم آخر هاتف يقول: إن الذى ورث النبوة والهدى * بعد ابن مريم من قريش مهتدى نبى أتى يخبر بما سبق، وبما يكون اليوم حقا أو غد.
 
قال راشد: فألفيت سواعا مع الفجر وثعلبان يلحسان ما حوله، ويأكلان ما يهدى له، ثم يعوجان عليه ببولهما، فعند ذلك يقول راشد بن عبد ربه: أرب يبول الثعلبان برأسه * لقد ذل من بالت عليه الثعالب وذلك عند مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ومهاجره إلى المدينة وتسامع الناس به،
 
فخرج راشد حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ومعه كلب له، واسم راشد يومئذ
 
ظالم، واسم كلبه راشد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ما اسمك ؟ " قال: ظالم.
 
قال: " فما اسم كلبك ؟ " قال: راشد، قال " اسمك راشد، واسم كلبك ظالم ! " وضحك النبي صلى الله عليه وسلم.
 
وبايع النبي صلى الله عليه وسلم وأقام بمكة معه، ثم طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم قطيعة بوهاط - ووصفها له - فأقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعلاة من وهاط شأو الفرس، ورميته ثلاث مرات بحجر، وأعطاه إداوة مملوءة من ماء وتفل فيها وقال له " فرغها في أعلا القطيعة ولا تمنع الناس فضلها " ففعل.
 
فجعل الماء معينا يجرى إلى اليوم، فغرس عليها النخل.
Page 3
ويقال إن وهاط كلها تشرب منه، فسماها الناس ماء الرسول صلى الله عليه وسلم.
 
وأهل وهاط يغتسلون بها.
 
وبلغت رمية راشد الركب الذى يقال له ركب الحجر، وغدا راشد على سواع فكسره.
 
وقال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا على بن إبراهيم الخزاعى الاهوازي، حدثنا أبو محمد عبد الله بن داود بن دلهاث بن إسماعيل بن مسرع بن ياسر ابن سويد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حدثنا أبى، عن أبيه دلهاث، عن أبيه إسماعيل، أن أباه عبد الله حدثه عن أبيه مسرع بن ياسر، أن أباه ياسر حدثه عن عمرو ابن مرة الجهنى، أنه كان يحدث قال: خرجت حاجا في جماعة من قومي في الجاهلية.
 
فرأيت في المنام وأنا بمكة نورا ساطعا من الكعبة حتى أضاء في جبل يثرب وأشعر جهينة (1).
 
فسمعت صوتا في النور وهو يقول: انقشعت الظلماء، وسطع الضياء، وبعث خاتم الانبياء.
 
__________
 
(1) أشعر جهينة: جبل ينحدر على ينبع من أعلاه.
 
معجم البلدان.
 
(*)
Page 4
ثم أضاء إضاءة أخرى حتى نظرت إلى قصور الحيرة وأبيض المدائن (1).
 
فسمعت صوتا في النور وهو يقول: ظهر الاسلام، وكسرت الاصنام،
 
ووصلت الارحام.
 
فانتبهت فزعا، فقلت لقومي: والله ليحدثن في هذا الحى من قريش حدث، وأخبرتهم بما رأيت.
 
فلما انتهينا إلى بلادنا جاءنا رجل فأخبرنا أن رجلا يقال له أحمد قد بعث، فأتيته فأخبرته بما رأيت فقال: " يا عمرو بن مرة، إنى المرسل إلى العباد كافة أدعوهم إلى الاسلام، وآمرهم بحقن الدماء وصلة الارحام، وعبادة الله ورفض الاصنام، وحج البيت، وصيام شهر من اثنى عشر شهرا وهو شهر رمضان، فمن أجاب فله الجنة.
 
ومن عصى فله النار، فآمن يا عمرو بن مرة يؤمنك الله من نار جهنم ".
 
فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، آمنت بكل ما جئت به من حلال وحرام، وإن أرغم ذلك كثيرا من الاقوام، ثم أنشدته أبياتا قلتها حين سمعت به، وكان لنا صنم وكان أبى سادنا له، فقمت إليه فكسرته ثم لحقت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أقول: شهدت بأن الله حق وأنني * لآلهة الاحجار أول تارك فشمرت عن ساقى إزار مهاجر * إليك أدب الغور بعد الدكادك (2) لاصحب خير الناس نفسا وولدا * رسول مليك الناس فوق الحبائك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " مرحبا بك يا عمرو بن مرة ".
 
فقلت: يا رسول بأبى أت وأمى، ابعث بى إلى قومي، لعل الله أن يمن بى عليهم كما من بك على.
 
__________
 
(1) أبيض المدائن: قصر كسرى.
 
(2) الوفا والخصائص: فشمرت عن ساقى الازار مهاجرا * إليك أجوب الدعث بعد الدكادك والدكادك: الارض المستوية.
 
(*)
Page 5
فبعثني إليهم وقال: " عليك بالقول السديد، ولا تكن فظا ولا متكبرا
 
ولا حسودا ".
 
فأتيت قومي فقلت لهم: يا بنى رفاعة ثم يا بنى جهينة، إنى رسول من رسول الله إليكم، أدعوكم إلى الجنة، وأحذركم النار، وآمركم بحقن الدماء، وصلة الارحام، وعبادة الله، ورفض الاصنام، وحج البيت، وصيام شهر رمضان، شهر من اثنى عشر شهرا.
 
فمن أجاب فله الجنة.
 
ومن عصى فله النار، يا معشر جهينة: إن الله، وله الحمد، جعلكم خيار من أنتم منه، وبغض إليكم في جاهليتكم ما حبب إلى غيركم من الرفث، لانهم كانوا يجمعون بين الاختين، ويخلف الرجل على امرأة أبيه، والترات في الشهر الحرام.
 
فأجيبوا هذا النبي المرسل صلى الله عليه وسلم من بنى لؤى بن غالب، تنالوا شرف الدنيا وكرامة الآخرة، سارعوا سارعوا في ذلك يكون لكم فضيلة عند الله.
 
فأجابوا إلا رجلا منهم قام فقال: يا عمرو بن مرة، أمر الله عليك عيشك !، أتأمرنا أن أن نرفض آلهتنا ونفرق جماعتنا بمخالفة دين آبائنا إلى ما يدعو هذا القرشى من أهل تهامة ؟ لا ولا مرحبا ولا كرامة، ثم أنشأ يقول: إن ا ؟ ن مرة قد أتى بمقالة * ليست مقالة من يريد صلاحا إنى لاحسب قوله وفعاله * يوما وإن طال الزمان رياحا أنسفه الاشياخ ممن قد مضى * من رام ذلك لا أصاب فلاحا فقال عمرو بن مرة: الكاذب منى ومنك أمر الله عيشه وأبكم لسانه، وأكمه بصره.
 
قال عمرو بن مرة: والله ما مات حتى سقط فوه، وكان لا يجد طعم الطعام، وعمى وخرس.
 
وخرج عمرو بن مرة ومن أسلم من قومه حتى أتو النبي صلى الله عليه وسلم، فرحب
 
بهم وحباهم، وكتب لهم كتابا هذه نسخته: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من
 
الله على لسان رسول الله بكتاب صادق، وحق ناطق، مع عمرو بن مرة الجهنى، لجهينة بن زيد: إن لكم بطون الارض وسهولها، وتلاع الاودية وظهورها، ترعون نباته وتشربون صافيه.
 
على أن تقروا بالخمس، وتصلوا الصلوات الخمس، وفى التبعة والصريمة شاتان إن اجتمعتا، وإن تفرقتا فشاة شاة.
 
ليس على أهل الميرة صدقة، ليس الوردة اللبقة ".
 
وشهد من حضرنا من المسلمين بكتاب قيس بن شماس رضى الله عنهم.
 
وذلك حين يقول عمرو بن مرة: ألم تر أن الله أظهر دينه * وبين برهان القران لعامر كتاب من الرحمن نور لجمعنا * وأخلافنا في كل باد وحاضر إلى خير من يمشى على الارض كلها * وأفضلها عند اعتكار الضرائر (1) أطعنا رسول الله لما تقطعت * بطون الاعادي بالظبى والخواطر فنحن قبيل قد بنى المجد حولنا * إذا اجتلبت في الحرب هام الاكابر بنو الجرب نقريها (2) يأيد طويلة * وبيض تلالا في أكف المغاور ترى حوله الانصار تحمى أميرهم (3) * بسمر العوالي والصفاح البواتر إذا الحرب دارت عند كل عظيمة * ودارت رحاها بالليوث الهواصر تبلج منه اللون وازداد وجهه * كمثل ضياء البدر بين الزواهر وقال أبو عثمان سعيد بن يحيى الاموى في مغازيه: حدثنا عبد الله، حدثنا بو عبد الله، حدثنا المجالد بن سعيد، والاجلح، عن الشعبى، حدثنى شيخ من جهينة
 
__________
 
(1) ط خ: الصرائر، وما أثبته عن الوفا (2) ط خ: نفريها، وما أثبته عن الوفا.
 
(3) الوفا: يحمون سربه.
 
(*)
Page 6
قال: مرض منا رجل مرضا شديدا فثقل حتى حفرنا له قبره وهيأنا أمره، فأغمى عليه
 
ثم فتح عينيه وأفاق فقال: أحفرتم لى ؟ قالوا: نعم، قال: فما فعل الفصل - وهو ابن عم له - قلنا: صالح مر آنفا يسأل عنك.
 
قال: أما إنه يوشك أن يجعل في حفرتي، إنه أتانى آت حين أغمى على فقال: ابك هبل، أما ترى حفرتك تنتثل، وأمك قد كادت تثكل ؟ أرأيتك إن حولناها عنك بالمحول، ثم ملاناها بالجندل، وقذفنا فيها الفصل، الذى مضى فأجزأك، وظن أن لن يفعل، أتشكر لربك وتصل، وتدع دين من أشرك وضل ؟ قال: قلت نعم.
 
قال: قم قد برئت.
 
قال: فبرئ الرجل.
 
ومات الفصل فجعل في حفرته.
 
قال الجهينى: فرأيت الجهينى بعد ذلك يصلى ويسب الاوثان ويقع فيها.
 
وقال الاموى: حدثنا عبد الله، قال: بينما عمر بن الخطاب رضى الله عنه في مجلس يتحدثون عن الجن، فقال خريم بن فاتك الاسدي: ألا أحدثك كيف كان إسلامى ؟ قال: بلى.
 
قال: إنى يوما في طلب ذود لى أنا منها على أثر تنصب وتصعد، حتى إذا كنت بأبرق العزاف (1) أنخت راحلتي وقلت: أعوذ بعظيم هذه البلدة، أعوذ برئيس هذا الوادي، فإذا بهاتف يهتف بى: ويحك، عذ بالله ذى الجلال * والمجد والعلياء والافضال ثم اتل آيات من الانفال * ووحد الله ولا تبالي قال: فذعرت ذعرا شديدا ثم رجعت إلى نفسي فقلت:
 
__________
 
(1) أبرق العزاف: ماء لبنى أسد في طريق القاصد إلى المدينة من البصرة.
 
وفى الاصل والمطبوعة: أبرق العراق وهو تحريف.
 
وما أثبته عن الدلائل ومعجم البلدان 1 / 84 أوربا.
 
(*)
Page 7
يا أيها الهاتف ما تقول * أرشد عندك أم تضليل ؟ * بين هداك الله ما الحويل (1) *
 
قال: فقال: هذا رسول الله ذو الخيرات * بيثرب يدعو إلى النجاة يأمر بالبر وبالصلاة * ويزع الناس عن الهنات قال قلت له: والله لا أبرح حتى آتيه وأومن به.
 
فنصبت رجلى غرز راحلتي وقلت: أرشدني أرشدني هديتا * لا جعت ما عشت ولا عريتا ولا برحت سيدا مقيتا * لو تؤثر الخير الذى أتيتا * على جميع الجن ما بقيتا * فقال: صاحبك الله وأدى رحلكا * وعظم الاجر وعافى نفسكا آمن به أفلج ربى حقكا * وانصره نصرا عزيزا نصركا قال: قلت: من أنت عافاك الله، حتى أخبره إذا قدمت عليه ؟ فقال أنا ملك بن ملك، وأنا نقيبه على جن نصيبين.
 
وكفيت إبلك حتى أضمها إلى أهلك إن شاء الله.
 
قال: فخرجت حتى أتيت المدينة يوم الجمعة والناس أرسال إلى المسجد، والنبى صلى الله عليه وسلم على المنبر كأنه البدر يخطب الناس، فقلت أنيخ على باب المسجد حتى يصلى وأدخل عليه فأسلم وأخبره عن إسلامى، فلما أنخت خرج إلى أبو ذر فقال: مرحبا وأهلا وسهلا قد بلغنا إسلامك، فادخل فصل.
 
ففعلت، ثم جئت إلى رسول الله صلى
 
__________
 
(1) الدلائل والوفا: بين هداك الله ما السبيل.
 
(*)
Page 8
الله عليه وسلم فأخبرني بإسلامى.
 
فقلت: الحمد لله.
 
قال: " أما إن صاحبك قد وفى لك وهو أهل ذلك، وأدى إبلك إلى أهلك ".
 
وقد رواه الطبراني (1) في ترجمة خريم بن فاتك من معجمه الكبير قائلا: حدثنا
 
الحسين بن إسحاق اليسيرى، حدثنا محمد بن إبراهيم الشامي، حدثنا عبد الله بن موسى الاسكندرى، حدثنا محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى، عن أبى هريرة قال: قال خريم بن فاتك لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين ألا أخبرك كيف كان بدء إسلامى ؟ قال: بلى.
 
فذكره، غير أنه قال: فخرج إلى أبو بكر الصديق فقال: ادخل، فقد بلغنا إسلامك، فقلت: لا أحسن الطهور.
 
فعلمني، فدخلت المسجد فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه البدر وهو يقول " ما من مسلم توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى صلاة يحفظها ويعقلها إلا دخل الجنة ".
 
فقال لى عمر: لتأتين على هذا ببينة أو لانكلن بك.
 
فشهد لى شيخ قريش عثمان بن عفان فأجاز شهادته.
 
ثم رواه عن محمد بن عثمان بن أبى شيبة، عن محمد بن تيم، عن محمد ابن خليفة، عن محمد بن الحسن، عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب لخريم بن فاتك: حدثنى بحديث يعجبنى.
 
فذكر مثل السياق الاول سواء.
 
وقال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أبو عبد الملك أحمد بن إبراهيم القرشى الدمشقي، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن أبى عمرو الشيباني، عن عبد الله بن الديلمى، قال: أتى رجل ابن عباس فقال: بلغنا أنك تذكر سطيحا، تزعم أن الله خلقه، لم يخلق من بنى آدم شيئا
 
__________
 
(1) هذه الرواية ليست في ا.
 
(*)
Page 9
يشبهه ؟ قال: قال: نعم إن الله خلق سطيحا الغساني لحما على وضم (1) ولم يكن فيه عظم ولا عصب إلا الجمجمة، والكفان.
 
وكان يطوى من رجليه إلى ترقوته كما يطوى الثوب، ولم يكن فيه شئ يتحرك إلا لسانه.
 
فلما أراد الخروج إلى مكة حمل على وضمة فأتى به مكة، فخرج إليه أربعة من قريش: عبد شمس، وهاشم ابنا عبد مناف بن قصى،
 
والاحوص بن فهر، وعقيل بن أبى وقاص، فانتموا إلى غير نسبهم وقالوا: نحن أناس من جمح أتيناك، بلغنا قدومك فرأينا أن إتياننا إياك حق لك واجب علينا.
 
وأهدى إليه عقيل صفيحة هندية، وصعدة ردينية، فوضعت على باب البيت الحرام، لينظروا أهل يراها سطيح أم لا.
 
فقال: يا عقيل: ناولنى يدك.
 
فناوله يده فقال: يا عقيل والعالم الخفية، والغافر الخطية، والذمة الوفية، والكعبة المبنية، إنك للجائى بالهدية، الصفيحة الهندية، والصعدة الردينية.
 
قالوا: صدقت يا سطيح.
 
فقال: والآتي بالفرح، وقوس قزح، وسائر الفرح، واللطيم المنبطح، والنخل والرطب والبلح، إن الغراب حيث مر سنح، فأخبر أن القوم ليسوا من جمح، وأن نسبهم من قريش ذى البطح، قالوا: صدقت يا سطيح نحن أهل البيت الحرام، أتيناك لنزورك لما بلغنا من علمك، فأخبرنا عما يكون في زماننا هذا وما يكون بعده، فلعل أن يكون عندك في ذلك علم.
 
قال: الآن صدقتم، خذوا منى ومن إلهام الله إياى، أنتم يا معشر العرب في زمان الهرم، سواء بصائركم وبصائر العجم، لا علم عندكم ولا فهم، وينشو من عقبكم ذوو فهم، يطلبون أنواع العلم، فيكسرون الصنم، ويبلغون الردم، ويقتلون العجم، يطلبون الغنم.
 
__________
 
(1) الوضم: شرائح من جريد النخل.
 
(*)
Page 10
قالوا: يا سطيح فمن يكون أولئك ؟ فقال لهم: والبيت ذى الاركان، والامن والسكان، لينشأن من عقبكم ولدان، يكسرون الاوثان، وينكرون عبادة الشيطان، ويوحدون الرحمن، وينشرون دين الديان، يشرفون البنيان، ويستفتون الفتيان.
 
قالوا: يا سطيح من نسل من يكون أولئك ؟ قال: وأشرف الاشراف، والمفضى للاشراف، والمزعزع الاحقاف، والمضعف
 
الاضعاف، لينشؤن الالاف من عبد شمس وعبد مناف، نشوءا يكون فيه اختلاف.
 
فالوا: يا سوأتاه يا سطيح مما تخبرنا من العلم بأمرهم، ومن أي بلد يخرج أولئك ؟ فقال: والباقى الابد، والبالغ الامد، ليخرجن من ذا البلد، فتى يهدى إلى الرشد، يرفض يغوث والفند، يبرأ من عبادة الضد، يعبد ربا انفرد، ثم يتوفاه الله محمودا، من الارض مفقودا، وفى السماء مشهودا.
 
ثم يلى أمره الصديق إذا قضى صدق، في رد الحقوق لا خرق ولا نزق، ثم يلى أمره الحنيف، مجرب غطريف، ويترك قول العنيف، قد ضاف المضيف، وأحكم التحنيف.
 
ثم يلى أمره داعيا لامره مجربا، فتجتمع له جموعا وعصبا، فيقتلونه نقمة عليه وغضبا، فيؤخذ الشيخ فيذبح إربا، فيقوم به رجال خطبا.
 
ثم يلى أمره الناصر، يخلط الرأى برأى المناكر، يظهر في الارض العساكر، ثم يلى بعده ابنه يأخذ جمعه ويقل حمده، ويأخذ المال ويأكل وحده، ويكثر المال بعقبه من بعده، ثم يلى من بعده عدة ملوك، لا شك الدم فيهم مسفوك، ثم بعدهم الصعلوك، يطويهم كطى الدرنوك (1).
 
ثم يلى من بعده عظهور (2) يقضى الحق ويدنى مصر، يفتتح الارض افتتاحا منكرا، ثم يلى قصير القامة، بظهره علامة، يموت موتا وسلامة.
 
ثم يلى قليلا باكر، يترك الملك بائر، يلى أخوه بسنته سائر، يختص بالاموال والمنابر ثم يلى من بعده أهوج،
 
__________
 
(1) الدرنوك: نوع من البسط له خمل.
 
(2) الموجود في المعاجم: عظير كإردب، وهو القوى الغليظ (*)