eKtab
EN ع
التاج العظيم ( قصص تربوية للناشئة )
Read free sample

التاج العظيم ( قصص تربوية للناشئة )

by أيمن دراوشة

Page 1

المُقَدِّمَةُ

الحمدُ لله، والصلاةُ والسَّلام على سيدنا رسولِ الله – صلى الله عليه وسلم – وعلى آله وأصحابه أَجْمَعين، أَمَّا بعد...

عزيزي القارئ:

منْ أحسنِ أَيَّامِ المرءِ أَنْ يرى أَبناءَهُ وقدْ نبتوا مَنـــْـبَتاً حَسَناً فاسْتقامَ خــُـلُقُهمْ وَحَسُنَ أَدبُهم وَنــَـما عِلمُهم، وهذه المجموعةُ القصصيةُ التي أقدِّمها فَتــَـعْرِضُ لأَنــْـماطٍ شَتــَّـى مِنَ المواضيعِ والقضايا التي أَهْمَلَها أَدبُ الطِّفلِ في الوطنِ العربيِّ، وَغَزَتْ أسواقَنا القصصُ المُسْتوردَةُ والتجاريَّة البحتة، فلمْ نــَـعُدْ نفرِّقُ بَينَ الغـــَـثِّ وَالسَّمينِ.

ومنَ المؤسفِ حَقًّا أَنْ يبتعدَ المعنيونَ بأدبِ الطفلِ عن قضايانا العَصْريَّة، وَالخوضِ في قضايا لا تــَـمُتُّ لمجتمعاتنا العربية الإسلامية بأيةِ صِلَةٍ، مُستغلِّينَ مَا تـــَـطْرَحُهُ المَدَنيَّةُ الغربيةُ إلينا مِنْ مَوادٍ شَتــَّـتِ انتباهَ الطِّفل، وَأَنــْـهَكَتِ الآباءَ مادياً ومعنوياً فانــْـعَكَسَتْ سَلْباً على تفكيرِ أطفالنا، فأصبحوا يحملونَ أفكاراً ومعتقداتٍ شاذةً، فيما كان هَمَّ هؤلاء الذينَ بَهَرَتهم قضايا الغرب هو تحقيقُ الربحَ الماديَّ السريع، وبشتــَّـى الوسائلِ المسموعةِ والمقروءةِ والمرئية، حتى أصبحتِ المجلاتُ والقصصُ التي تشرَّبَتْ من أدب الغرب عبارةً عن مادة تجارية بحتة، حتى أولئك الذين يقدِّمونَ ما يفيدُ الطفلَ نــَـجدُهُم قدْ استغلُّوا أموراً كثيرةً للتحايلِ على أولي الأمرِ، وفي النهاية فإنَّ المادةَ هي الهدفُ الأولُ والأخيرُ، وما قدَّموهُ للطفلِ لمْ يحققِ الفائدةَ المَرْجوةَ منه، طالما وضعوا نصْبَ أعينِهم تحقيقَ الربحِ السريعِ بالترويجِ السريعِ بفضائياتهم ومجلاتِهم.

والسؤالُ الذي يطرحُ نفسَهُ أَيْنَ هؤلاء من قضايا البيئة؟ وأَيْنَ هؤلاء من قصص الخيال العلمي التي تتوافقُ مع عقولنا حسب تطورنا، وليس المقصودُ القصص المترجمة أو المنقولة...، وأَيْنَ هؤلاء دعاة التطور والحضارة من قضايا عصرنا المغموس بالحروب والقهر، وأَيْنَ هُم من القضايا الوطنية المعاصرة، كالتطرفِ والحروبِ الجائرةِ واغتصابِ الأوطانِ، والطاقةِ والمياهِ، وقضايا كثيرة ينبغي أن تــُـطْرَحَ في قصص الأطفال.

Page 2

في مجموعتي القصصية هذه، حاولتُ التــَّـمَرُّدَ على المألوف، وأََشغــَـلْتُ تفكيري شهوراً طوالاً من أجل الخروج بمجموعةٍ مبتكرةٍ غير تقليدية، واضعاً الأولوية للعنصر التشويقي قبل الهدف، فما فائدة أهداف من دون تشويق وهذا ما طمحنا إليه أولاً وأخيراً؟!!

وقد حاولتُ جاهداً الخوضَ بقضايا تكادُ تكونُ معدومةً في أدب الطفل العربي، ومن ذلك، قضايا البيئة، وقد كان لها النصيبُ الأكبر فتعرَّضْنا لقضية النظافة ممزوجةً بالجانب البيئي، كما تعرَّضنا لتناول نبتتين في البيئة القطرية والخليجية والدولية لم يتطرقْ لها أحدٌ من كتاب الطفل في وطننا العربي، وكان لقضايانا الوطنية المعاصرة جانباً كالحروب والشتات وأهمية أداء فريضة الزكاة، وكذلك قضية الفقر والجوع، أما الخيال العلمي فَعَُولجَ بطريقةٍ مبتكرةٍ فحقَّقَ أهدافاً غزيرةً، كما كان للجانب الرياضي جانباً، وقد كان للجانب التربوي حصةٌ في مجموعتنا لما يشكله هذا الجانب من مادة هامة لطفلنا العربي، وقد تناولناه بطريقة الحوار، أما القصة التراثية الأصيلة فلا بدَّ منها، لكن بقالبٍ جديدٍ وأسلوبٍ سهلٍ.

تنوعت قضايا المجموعة القصصية المركزية ما بين: الوطني- البيئي- التراثي- الخيال العلمي- الإسلامي- القيم التربوية، كالصدق والأمانة والإخلاص والنظافة والتفوق والتعاون والعطف على الفقير والقناعة ونبذ الطمع والنية الطيبة والبعد عن أذى الآخرين....

كُلُّ ذلك تناولناه بعيداً عن الابتذالِ والغموضِ حتى يكتسبَ منها التلميذُ دقةَ الملاحظةِ ومجالَ الفهم والتذوق للغته العربية الجميلة. وقد راعينا أيضاً التشكيلَ الكامل لكل الحروفِ مما كلفنا جهداً ووقتاً مُضَاعَفَيْنِ، وهدفْنا من وراء ذلك أن يقرأَ التلميذُ قراءةً صحيحة دقيقة خالية من الأخطاء..

وأخيراً لا بُدَّ لنا من الإشارة أَنَّ هذه القصص لَمْ توجه لعمرٍ محدَّدٍ، فقد راعينا أَنْ يكونَ لكلِّ عُمْرٍ نـــَـصيبٌ من هذه القصص، وهذا يعودُ للفروق الفردية، فربَّما طفلٌ في العاشرة يستطيعُ استيعابَ قصةَ اللقاءُ المنتظرُ أو قصة أَمَا آنَ لهذا الجرح أنْ يندملَ، فالصعودُ والهبوطُ بمستوى الطفل من أهم مبتكرات المجموعة والتي قلما نجدها في قصص الطفل العربي، أرجو من الله التوفيق، وأن يتحقق النفع لأطفالنا، ويزيدهم حبا وإتقانا للغتهم العربية، إنـــه سميعٌ مجيبُ الدعاء...

الْمُؤَلِّف

Page 3

القصة الأولى
الأولاد والشرير والبيت العتيق
كَانَ الأَوْلادُ - عَادِلٌ وَبَاسِمٌ وَطَارِقٌ- غَارقين في الْلَعِبِ وَالْمَرَحِ(1) حَوْلَ بَيْتِهِمْ الْعَتِيقِ(2), هَذَا البَيْتِ الَّذي يَقِفُ صَامِداً(3) بِأََقْوَاسِهِ الشَّامِخَةِ(4)، وَقُبَّتِهِ المنتفخةِ، كَانُوا يَحْلُمُونَ بِالثلْجِ الَّذِي غَطَّى بَيَاضُهُ النَّاصِعُ كُلَّ شَيْءٍ، وَيَحْلُمُونَ أيْضاً بِرُؤيَةِ قَوْسَ قُزَح مُمْتَدّاً في السَّمَاءِ، يَتَرَاكَضُونَ تَارَةً(5)، وَيَلْعَبُونَ لُعْبَةَ الشُرْطِيِّ وَالْلِصِّ تَارَةً أُخْرَى.
 

Page 4

وَبَيْنَمَا هُمْ مُنْهَمِكُونَ(6) في الْلَعِبِ وَالْمَرَحِ، اقْتَرَبَ مِنْهُمِ الرَّجُلُ الشِّرِّيرُ الْمَعْرُوفُ بِعَدَاوَتِهِ لأهْلِِ القَرْيَةِ، وَالَّذي يُرْغِمُ المُزَارِعِينَ عَلَى بَيْعِ أَرَاضِيهِمْ، قَالَ الرَّجُلُ الشِّرِّيرُ لِلأَوْلادِ وَهُوَ يَنْظُرُ إِليهِـم بِعَيْنَيْهِ البَغيضَتَيْن(7): (لَقَدْ حَذَّرْتُكُم مِنَ الْلَعِبِ حَوْلَ هَذَا الَبَيْتِ العَتيقِ، وَلَمْ تَسْمَعُوا كَلامِي) رَدَّ عَادِلٌ - وَهُوَ أَكْبَرُ الأَوْلادِ - (وَلكِنَّهُ بَيْتُنَا وَلَنْ نَتَخَلّى عَنْهُ أَبَداً).

قَالَ الشِّرِّيرُ بخبثٍ: (أَعْلَمُ هذا، وَلكنِّي أَخَافُ عَلَيْكمْ مِنْ ثُعْبَانٍ كَبيرٍ مُخُيفٍ، وَقَدْ رَأَيتُه بِأِمِّ عيني، وَهَو يَسْكُنُ دَاخِلَ تلك الشَّجَرةِ المُلْتَفَةِ حَوْلَ المَنْزِلِ). تَبَادَلَ الأوْلادُ النَّظَرَاتِ كأَنهم تَفَطَّنُوا إلى كَذْبَتِهِ الَّتِي يَقْصِدُ مِنْهَا تَخْويفَهُمْ وَإِبْعَادَهُمْ عَنْ هَذا البَيْتِ؛ كَيْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ كَمَا اسْتَوْلَى عَلَى غَيْرِه مِنْ بُيوتِ أَهْلِ القَّرْيَةِ بِالْمَكْرِ وَالدَّهَاءِ(8).

وَاسْتَمَرَّ الشِّرِّيرُ عَلَى دَبِّ الرُّعْبِ في قُلوبِ الأَوْلادِ بِقَوْلِهِ: (لِهَذَا الثُّعْبَانِ سَبْعَةُ قُرُونٍ, وَلِسَانُهُ يَبْلُغُ سَبْعَةُ أَمْتَارٍ، وَبإِمْكَانِـهِ ابْتِلاعِ إِنْسَاناً، وَلَمْ يُكْمِلِ الشِّرِّيرُ كَذْبَتَِه حَتَّى انْطَلَقَ الأَوْلادُ حَوْلَ البَيْتِ يَتَسَابَقُونَ كَأَنَّهُم خُيُولٌ تَصْهُلُ، وَاتَّجَهُوا نَحْوَ الشَّجَرَةِ التي يَزْعُمُ الشِّرِّيرُ بِوُجُودِ الثُّعْبَانِ في دَاخلِهَا، قَالَ طَارِقٌ - وَهُوَ أَصْغرُهُمْ -: (إِني أسْمَعُ فَحِيحَهُ)، وَقَالَ بَاسِمٌ: (سَأَقْطَعُ لِسَانَهُ)، وَبَيْنَمَا هُمْ مَشْغُولُونَ بهذا الأَمْرِ رَآهُمْ الشَّيْخُ عَبْدُ الصَّمَدِ حَيْثُ كَانَ في طَريقِهِ إلى أَدَاءِِ صَلاةَ المَغْرِبِ، هَذَا الشَّيْخُ الَّذِي جَاوَزَ الثَّمانينَ عَاماً، وَمَا يَزَالُ يَحْتَفِظُ بِحَيَوِيَتِهِ وَنَشَاطِهِ، وَمَا زَالََ مَحَطَّ تَقْديرٍ وَاعْتزازٍ مِنْ طَرَفِ الصِّغَارِ وَالكِبارِ في الْقَرْيَةِ.

Page 5

اقْتَرَبَ الشَّيْخُ مِنَ الأَوْلادِ فِيمَا الشِّرِّيرُ فَرَّ هَارِباً عنْدَمَا رَأَى الشَّيْخَ عَبْدَ الصَّمَدِ، نَادَى الشَّيْخُ الأَوْلادَ وَقَالَ لَهُمْ: (مَاذَا تَفْعَلُونَ يَا أَحِبَّائي؟).

قَالَ طَارِقٌ: (لَقَدْ أَخْبَرنَا الرَّجُلُ الشِّرِّيرُ أَنَّ ثُعْبَاناً كَبيراً يَسْكُنُ دَاخِلَ هذه الشَّجَرَةِ، وَلَهُ سَبْعَةُ قُرُونٍ، وَلسَانُه يَبْلُغُ سَبْعَةُ أَمْتَارٍ).

دَنَا(9) الشَّيْخُ مِنْ طَارِق ٍ، وَطَبَعَ قُبْلَةً عَلَى خَدِّهِ المُتَوَرِّدِ(10)، وَقَالَ:

(الْكَذِبُ عِنْدَ الأَشْرَارِ وَالأعْدَاءِ سَجِيَّةٌ، يَكْذِبُوَنَ عَلَى الصِّغَارِ لِيَنَالُوا مُرَادَهُمْ، ابْتَعِدُوا يَا أَوْلادي مِنْ هُنَا).

قَالَ طَاِرقٌ: (وَلكنِّي أَسْمَعُ فَحيحَهُ).

رَدَّ الشَّيْخُ عَبْدُ الصَّمَدِ مُبْتَسِماً: (إِنَّ مَا تَسْمَعَهُ يَا بُنَيّ هُوَ الصَوْتُ النَّاجِمُ عَنْ تَخَلِّلِ الهَوَاءِ بَيْنَ فُرُوع ِهَذِهِ الشَّجَرَةِ المُلْتَفَّةِ دُونَ فَائِدَةٍ مَرْجُوَةٍ مِنْهَا، وَلَو ذَهَبْتَ إِلى شَجَرةِ الزَّيْتُونِ المُبَارَكَةِ، وَأصْغَيْتَ إِلى صَوْتِ أَغْصَانِهَا فَإِنك لَنْ تَسْمَعَ صَوْتَ هَذَا الفَحِيح ِ).

قَالَ عَادِلٌ: (وَلِمَاذَا لا تَصْدُرُ الأَصْوَاتُ مِنْهَا؟!)

Page 6

قَالَ الشَيْخُ: (لأَنَّ أَغْصَانَ شَجَرَةِ الزَّيْتُونِ مُتَنَاسِقَةٌ(11)؛ وَلذلكَ حَاوَلَ الشِّرِّيرُ خِدَاعَكُمْ بِتِلْكَ الشَّجَرَةِ ذَاتَ الأَغْصَانِ المُلْتَفَةِ، وَشَجَرَةُ الزَّيْتُونِ يَا أَوْلادي مِنْ أَقَدَم ِالأشْجَارِ المَعْرُوفَةِ بالدُّنْيَا.

قَالَ طَارقٌ: (لَقَدْ أَقْسَمَ اللهُ تَعَالَى بها في سُورَةِ التِّينِ).

رَدَّ الشَّيْخُ باعْتزَازٍ: (أَحْسَنْتَ يَا صَغيري، وَعَلَيْكُمْ أَنْ لا تَسْتَمِعُوا بَعْدَ الآنِ لادِّعَاءاتِ ذَلك الشِّرِّيرِ الْكَاذِبِ، هَلْ تَعِدُوني بِذَلِكَ؟).

قَالَ الأَوْلادُ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ:

(نَعِدُكَ يَا شَيْخَنَا المُبَجَّلَ أَنْ نُحَافِظَ عَلَى بَيْتِنَا العَتيقِِ مِنَ الأشْرَارِ).

قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الصَّمَدِ: (إِذاً عَلَيْكُمْ أَنْ تَغْرُسُوا أَشْجَارَ الزَّيْتُونِ في كُلِّ مَكَانٍ).

Page 7

أسئلة حول القصة

1. ماذا كان يفعل الأولاد حول البيت؟

2. عدد أسماء الأولاد الثلاثة.

3. ماذا فعل الشرير ليبعد الأولاد عن البيت؟ ولماذا؟

4. مَنْ أتى وأنهى الموقف؟

5. ما العبرة من هذه القصة؟

Page 8

أسئلة حول بناء النص

1. عدد الشخصيات في القصة؟

2. المكان الذي جرت فيه الأحداث:

3. الزمان في القصة:

Page 9

القصة الثانية
الزهرة القرمزية(12)(من يوميات معلمه )
سِرْتُ بِجَوَارِ السُّورِ حَيْثُ تَنْتَظِرُني السَّيَّارَةُ الَّتي سَتَقِلِّنُي (13)إلى مَكَانِ الْعَمَلِ في مَدْرَسَةٍ ابْتِدَائِيَّةٍ، تَوَقَّفْتُ بِجَوَارِ زَهْرَةٍ صَغيرَةٍ ذَاتِ ألْوَانٍ بَرّاقَةٍ (14) تَنْدُرُ أَنْ تَرَاهَا عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الأَزْهار، هَذِهِ الزَّهرةُ تُسَمَّى العَاقُولُ(15)، وَبالقُرْبِ مِنْ هَذِهِ الزَّهْرَةِ كُتِبَتْ لافِتَةٌ(16) تقول:
“غُـرِسَتْ هَـذِهِ الـزَّهْـرَةُ تَخْلـيداً(17) لِـذِكْـرَى الْمَـكَانِ الـذي نَشَـأْتُ فِـيه”
 

Page 10

كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ نُورَةَ وَهِيَ طَاِلبَةٌ مِنْ طَالبَاتي المُجْتَهِدَاتِ كَانَتْ تَعْشَقُ زَهْرَةَ العَاقُولِ، وفي احْتفَالاتِنَا بالبيئة كَانَتْ تُشَارِكُ بِرُسُومَاتِهَا الجَّميلَةِ لِتُحِِيلَ زَهْرَةَ العَاقُولِ إلى تُحْفَةٍ فَنِيَّةٍ قَلَّ أَنْ تَجِدَ مَثيلاً لَهَا، كَمَا كَانَتْ تَغْرِسُ هَذِهِ الزَّهْرَةَ في أَمَاكِنَ عَدِيدَةٍ عَلَى أَطْرَافِ بَلَدِنَا الجَّميلِ، وَالآنَ فَقَدْ رَحَلَتْ نُورَةُ مِنْ بَيْتِهَا الصَّغيرِ، وَأَصْبَحَ أَطْلالاً(18) لأَسْبَابٍ مَجْهُولَةٍ لا أَعْلَمُهَا. لَقَدْ عَشِقَتْ نُورَةُ اثْنَيْنِ هُمَا: بَيْتَهَا الَّذي تَرَعْرَعَتْ فيه(19)، وَزَهْرَةَ الْعَاقُولِ، تِلْكَ الزَّهْرَةُ الحَمْرَاءُ ذَاتَ الجُّذُورِ الْمُتَشَعِّبَةِ(20) وَالتي تَنْتَشِرُ جُذُورُهَا في بَاطِنِ الأَرْضِ لمَسَافَاتٍ بَعِيدَةٍ.

شَعَرْتُ بِالأَسَى(21) وَبِرَغْبَةٍ في البُكَاءِ، فَنُورَةُ الجَّريحَةُ بِبُعْدِهَا عَنِ الْمَكَانِ لَمْ تَجِدْ سِوَى زَهْرَةِ الْعَاُقولِِِ الَّتي تَعْشْقُها بِمِقْدَارِ عِشْقِها لِبَيْتِهَا الْمَنْكُوبِ(22) لِتُعَبِّرَ عَنْ حُزْنِهَا؛ وَلْتَكُنْ ذِكْرَى خَالِدَةً عَلَى مَـرِّ السِّنِينِ. هَلْ هَدَأتْ نُورَةُ وَارْتَاحَتْ بَعْدَ غَرْسِ هَذِهِ الزَّهْرَةِ الجَّميلَةِ؟ كُنْتُ أمُرُّ في طَريقِي إلى مَدْرَسَتي كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ، وَأُتَابِعُ الزَّهْرَةَ الْوَرْدِيَّةَ الْمُتَحَمِّلَةَ لِقَسْوَةِ الطَّبيعَةِ بِمِقْدَارِ تَحَمِّلِ نُورَةِ لِقَسْوَةِ البُعْدِ عَنِ الْمَكَانِ كُنْتُ أَقْرَأ الَّلافِتَةَ مَرَّةً أخْرَى، وَقَدْ أخْبَرَنِي صَاحِبُ دُكَّانٍ قَريبٍ مِنَ الْمَكَانِ عِنْدَمَا وَجَدَني مُهْتَمَّةً بِالزَّهْرةِ:

إِنَّ نُورَةَ وَوَالِدَيْهَا, يَأْتُونَ كُلَّ صَبَاح ٍ لِرَيِّ الزَّهْرَةِ(23) وَالْعِنَاَيةِ بِهَا.