المقدمة وتحليل المصادر
يُشكل هذا البحث محاولة شاملة أولى لكتابة تاريخ الامتيازات النفطية في إيران، في حقبة زاخرة بالأحداث ابتدأ من العام 1901 وانتهت في العام 1951. فقد أضحت إيران في النصف الأول من القرن العشرين، ساحة لتطورات مهمة تمثلت باكتشاف أهم مصادر الطاقة فيها عام 1908، وشكلت السنوات التي تلت ذلك، مرحلة ذات خصوصية وسمات منفردة، لما أظهرت هذه المادة من أهمية على الصعيد العالمي ولاسيما إثر اندلاع الحرب العالمية الأولى.
إن أهمية الكتابة عن النفط في إيران لا تكتسب حيويتها من كونها تهتم بأهم مادة للطاقة، بل لدور هذه المادة في صنع الأحداث على الصعيد الداخلي ورسم سياسة البلاد وعلاقاتها الخارجية مع الدول الأجنبية الكبرى. فضلاً عن ذلك نجد، أن دراسة التاريخ السياسي لامتيازات النفط في إيران يُعد ضرورة لا غنى عنها لتلافي النقص الذي تعانيه دراساتنا في هذا المجال، لأن معظم الدراسات الأكاديمية، ركّزت على الجانب السياسي في إيران في حين أهملت موضوع النفط، دراسة مستقلة، الذي كان وراء أغلب الأحداث السياسية والتطورات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها إيران. ولاشك أن فهم ودراسة التطورات الداخلية الإيرانية يبقى فهماً قاصراً دون دراسة قضية النفط وعليه، فأن الغرض الأساس لهذه الدراسة، كانت متابعة وتحليل التاريخ السياسي لامتيازات النفط في إيران، منذ أن منحت الحكومة القاجارية أول امتياز نفطي في الشرق الأوسط لـ " وليم نوكس دراسي" عام 1901، حتى مجىء مصدق للحكم وتأميم الصناعة النفطية الوطنية عام 1951.
ومن هذا المنطلق، كان إختيار " التاريخ السياسي لامتيازات النفط في إيران 1901-1951" موضوعاً لدراستي، برغم من اتساعه وطول الفترة الزمنية التي يتناولها، ألاّ أنه يؤلف إطاراً قائماً بذاته بالإمكان دراسته في أطروحة مستقلة، فضلاً عن ذلك، فأن الدراسة تُعد إضافة متواضعة للدراسات الأكاديمية المتخصصة بتاريخ إيران، التي صدرت في قطرنا، خاصة الرسائل العلمية الصادرة عن جامعة بغداد والتي أُنجزت تحت إشراف جهابذة قسم التاريخ في كلية الآداب. كما أنها تُعد خطوة مكملة لتخصصي في موضوع إيران، حيث تناولت رسالتي لنيل شهادة الماجستير دراسة العلاقات الإيرانية السوفياتية 1962-1988.
اقتضت طبيعة البحث تقسيمه الى مقدمة وأربعة فصول وخاتمة.
خُصص الفصل الأول من الأطروحة والمعنون "امتياز دراسي وتطوراته حتى قيام الحكم البهلوي 1901-1925"، لدراسة الامتيازات الأجنبية في إيران حتى مطلع القرن العشرين خلفية تاريخية للموضوع، ثم تناولنا الدوافع والأسباب التي دفعت بالحكومة القاجارية الى منح وليم نوكس دراسي امتيازاً نفطياً، في الثامن والعشرين من مايس 1901، مع ذكر أهم الصعوبات والعقبات التي واجهت صاحب الامتياز في البحث والتنقيب عن النفط قبل اكتشافها. وتناولنا فيه، أهم الدوافع لشراء أسهم شركة النفط الأنلكو- فارسية، من قبل الحكومة البريطانية في العام 1914. ونلحظ في هذا الفصل، أن تزايد أهمية النفط ابان الحرب العالمية الأولى وبعدها، قد شجعت الشركات النفطية الأجنبية، ولاسيما الأمريكية، أن تدخل في المناقسة من أجل الحصول على امتياز نفطي في إيران، ومنُحت بعض الشركات الأمريكية امتيازات نفطية في الأقاليم الشمالية من البلاد، إلا أن الصعوبات التي واجهت الشركات النفطية الأمريكية حالت دون نجاحها في تلك المساعي.
واحتوى الفصل الثاني الموسوم "تطورات قضية النفط خلال حكم رضا بهلوي: 1926-1941"، على دراسة تطورات قضية النفط ابان حكم رضا شاه، بعد تتويجه شاهاً على إيران عام 1926 حتى تنازله عن العرش عام 1941. حيث تناولنا فيه الأسباب التي دفعت رضا شاه إلى إلغاء امتياز دراسي عام 1932، وعقد اتفاقية جديدة مع شركة النفط الأنكلو-فارسية بعد رفع النزاع الى عصبة الأمم. وأشار الفصل إلى ظهور التنافس بين الشركات النفطية الأجنبية، في النصف الثاني من العقد الرابع، بعد أن قُلصت مساحة امتياز شركة النفط الأنكلو- إيرانية، مما فسح المجال أمام الشركات النفطية الدولية، بأن تدخل في منافسة من أجل الحصول على امتياز نفطي في المناطق الأخرى من إيران. ولتزايد أهمية النفط بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، فقد تناول الفصل أيضاً، الأسباب التي دفعت الحلفاء الى غزو إيران، التي كان من بينها حماية حقول النفط فيها من خطر العمليات العسكرية لدول المحور.
ونظراً لعدم وجود أية منافسة أجنبية من قبل الشركات النفطية، بغد غزو إيران من قبل الحلفاء، بسبب ظروف الحرب، وعدم ظهور أي متغير في مجال النفط، فقد ارتأينا في الفصل الثالث، الذي يحمل عنوان " التنافس الأجنبي على نفط ايران في أواخر الحرب العالمية الثانية"، إن نتناول فيه نشاط الشركات النفطية الأجنبية بعد أن ظهرت منافستها في أواخر الحرب العالمية الثانية، عندما توضحت الرؤية لديها بانتصار الحلفاء على المحور، وهذه المنافسة الشديدة بين الشركات النفطية والمساعي السوفيتية، للحصول على امتياز نفطي في الأقاليم الشمالية من إيران، هي التي دفعت الأخيرة الى اصدار قانون في كانون الأول 1944، منعت الحكومة بموجبه منح الامتيازات النفطية لأية جهة أجنبية.
أما الفصل الرابع الموسوم " تصاعد المد الوطني والمطالبة بتأميم النفط 1946-1951"، فقد خصص لمعالجة واحد من أهم مواضيع الأطروحة، يتعلق بتصاعد المد الوطني والمطلبة بتأميم الصناعة النفطية الوطنية، في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية، عندما طالبت الحكومة السوفيتية بامتياز نفطي في الشمال مقابل انسحاب قواتها من تلك المناطق، وبعد فشل الجهود السوفيتية في هذا المسعى، نتيجة لقرار المجلس الإيراني في تشرين الثاني 1947، بعدم المصادقة على الاتفاق النفطي المشترك بين الاتحاد السوفيتي وإيران، قرر المجلس بموجب قراره المذكور، أن تدخل الحكومة الإيرانية في مفاوضات مع شركة النفط الأنلكو- إيرانية لاستعادة حقوق إيران، فتوصلا الى اتفاقية "كاس- كلشائيان" في تموز 1947، إلا أن المجلس الإيراني رفض المصادقة على هذه الاتفاقية أيضاً، وطالب بتأميم الصناعة النفطية، وأصدر قراراً بهذا الخصوص في آذار 1951، وتمت المصادقة عليه عند استلام الدكتور محمد مصدق للحكم.
إعتمدت الدراسة على مصادر متنوعة، وكانت غايتنا أن تحتل المصادر الأصلية مكاناً واسعاً من الأطروحة، لذلك أخذت الوثائق العراقية غير المنشورة والمحفوظة في دار الكتب والوثائق ببغداد، حيزاً متميزاً بين مصادر الأطروحة، فقد ساعدت المعلومات الواردة فيها في كشف بعض الجوانب الدقيقة التي تتعلق بالموضوع، وإغناء فصول الأطروحة بمعلومات تفصيلية لا غنى عنها، ولا سيما في الفصلين الثاني والرابع.
وكان لوثائق الخارجية البريطانية غير المنشورة والمحفوظة في دائرة السجلات البريطانية العامة بلندن- Public Record Office دور كبير في توضيح جوانب محددة ضمن الفصلين الثالث والرابع. وشكلت الوثائق الأمريكية غير المنشورة والمحفوظة في مكتبة معهد الدراسات القومية والاشتراكية " معهد القائد المؤسس"، مصدراً مهماً في توضيح ما غمض من خفايا الأمور، وساعدت الى حد كبير في حل التناقض في المعلومات الواردة في المصادر المختلفة، ولاسيما في الفصل الثاني، كما أسهمت الوثائق الأجنبية المنشورة في توضيح ما يتعلق بموضوع النفط، لاسيما الوثائق الأمريكية المنشورة- Foreign Relation Of The States Diplomatic paper التي رفدت الفصل الثالث بمعلومات أساسية.
أما الكتب الوثائقية التي زودت موضوع البحث بنصوص الاتفاقيات والمعاهدات التي عقدت بين إيران والدول الأجنبية، فكان في مقدمتها مؤلفات:
J.C. Hurewitz, Diplomacy in the Near and Middle East, =ADocumentary Record 1535-1914, Vol. I; Diplomacy in the Near and Middle East, ADocumentary Record 1914-1956,Vol. II; =The Middle East and North Africa in World Politics, Vol.2.
وأسهمت المصادر الأجنبية وخاصة الإنكليزية، في إعانة الموضوع بمعلومات وتحليلات في غاية الأهمية، يأتي في مقدمتها كتاب
Charles Issawi, Economic History of Iran: 1800-1914; Stephen H. Longrigg, Oil in the Middle East; Georeg W. Stocking, Middle East Oil: A Study in Political and Economic Controversy; Benjamin Shawadran, The Midlle East, Oil and The Great Power.
ولا يمكن للباحث في تاريخ إيران الحديث والمعاصر الاستغناء عن كُتب المؤرخ الإيراني روح الله رمضاني، ولا سيما مؤلفه:
The Foregin Policy of Iran 1500-1941,
وكتابة المترجم " سياسة إيران الخارجية 1941-1973".
وعلى الرغم من اطلاعنا على مصادر فارسية محدودة، يأتي في مقدمتها مؤلف حسن آيت، درسهايى أز: تاريخ سياسي إيران. وكتاب حسين كي استوان، سياست موازنه منفى در مجلس جهاردهم، إلا أننا تمكّنا من الاطلاع على العديد من المصادر الإنكليزية لكّتاب إيرانيين على سبيل المثال:
Ervand Abrahamian, Iran Two Revolutions.
الذي يحتوى على تحليل علمي دقيق لمعظم الأحداث الداخلية في إيران، خلال المدة الممتدة من الثورة الدستورية حتى قيام الثورة الإسلامية.
وتناول ال. بي. ساتن في مؤلفه،
Persian Oil: Astudy in Power Politics.
صراع القوى الأجنبية وتنافس الشركات النفطية على نفط إيران بشكل مفصل ودقيق، ساعدنا في توضيح الكثير من خفايا الأمور المتعلقة بهذه المادة.
أما الكاتب الإيراني Fereidun Fesharaki فقد تصدّى في مؤلفه، Development of the Iranian Oil Industry. لموضوع النفط من خلال الاعتماد على عدد غير قليل من الجداول والإحصائيات، كانت في غاية الأهمية بما احتوتها من أرقام ومعلومات.
وأسهمت الدراسات السوفيتية الجادة في إلقاء الضوء على بعض الجوانب الغامضة في الأطروحة، ووفرت لنا معلومات في غاية الأهمية والدقة، يأتي في المقدمة منها كتاب:
A.K.Lavrentev, Imperilistichskays Politica SSHA T Anglii v Iran, الذي تُستخدم معلوماته في الأطروحة لأول مرة ولولاها لظهر نقص واضح في البحث، لاسيما في الفصلين الثالث والرابع. وكذلك كتاب:
M.S. Ivanov, Ochirk Istorii Irana.
ساعدت المعلومات الواردة في المصادر العربية على فهم أفضل لبعض الجوانب التي تخص موضوع البحث، ويأتي مؤلف الأستاذ الدكتور مال مظهر أحمد " دراسات في تاريخ إيران الحديث والمعاصر" في المقدمة منها، بالإضافة إلى مؤلف الدكتور راشد البراوي " حرب البترول في الشرق الأوسط".
وكان لنتاجات زملائي العلمية في الدراسات الإيرانية الأثر الواضح في رسم إطار هذه الأطروحة، شكّل بعضها مرجعاً مفيداً في توثيق المعلومات الأساسية الواردة في متن الأطروحة، ويأتي في المقدمة منها أطروحة السيد طاهر خلف البكاء "التطورات الداخلية في إيران 1941-1951"، وعبد الإله بدر علي الأسدي " العلاقات البريطانية الإيرانية 1918-1933"، وفوزية صابر محمد " إيران بين الحربين العالميتين: تطور السياسة الداخلية 1918-1939". الى جانب كل ما ذكر اعتمدنا على عدد غير قليل من البحوث والمقالات المنشورة في المجلات والصحف العربية.
وأذا كان لا بد من ذكر الصعوبات التي واجهتنا أثناء أعداد هذه الأطروحة وكتابتها، فأن الصعوبة الأولى تمثلت بقلة المصادر العربية التي تتناول جوانب من هذا الموضوع، باستثناء بعض الدراسات الأكاديمية التي ظهرت في السنوات الأخيرة، مما دفعنا للاستعانة بالمصادر الأجنبية المختلفة، فضلاً عن صعوبات أخرى غير قليلة، منها تباين المعلومات والآراء بل وحتى التواريخ مما عقد مهمتنا الى حد كبير، ودفعنا الى توضيح هذه الاختلافات في بعض هوامش الأطروحة.
وفي الختام أرجو أن أكون قد وفيّت البحث حقه، بعد أن بذلت أقصى جهدي، وأن تجد هذه الأطروحة مكاناً لها في مكتبتنا التاريخية، آمل أن يلقى هذا الجهد العلمي المتواضع قبول ورضى الباحثين والمعنيين.
الفصل الأول
امتياز دراسي وتطوراته حتى قيام الحكم البهلوي
1901-1925
* الامتيازات الأجنبية في ايران حتى مطلع القرن العشرين ( خلفية تاريخية).
* امتياز وليم نوكس دارسي وتطوراته حتى إندلاع الحرب العالمية الأولى1901-1914ْْ.
* تزايد أهمية النفط الإيراني ابان الحرب العالمية الأولى وبعدها حتى قيام "انقلاب حوت" شباط 1921.
* تطورات قضية النفط بعد انقلاب شباط 1921 حتى قيام الحكم البهلوي شباط 1921-تشرين الأول 1925.
الامتيازات الأجنبية في إيران حتى مطلع القرن العشرين
كانت إيران ([1]) بحكم مجموعة من العوامل والمتغيرات، أهمها موقعها الجغرافي التسراتيجي ومواردها وحاجات الدول الكبرى لها، وما أصابها من انحلال في تاريخها الحديث، منطقة مؤهلة لتغلغل الدول الأجنبية حسب اهتماماتها في ظروف دولية مختلفة([2]).
جاء اهتمام روسيا وبريطانيا بإيران أكثر من الدول الأوروبية الأخرى([3]). إذ أن أهمية الموقع القاري لإيران، حيث تقع جنوب روسيا ولها حدود مشتركة طويلة معها، بالإضافة الى خصوصية الموقع المائي لإيران بالنسبة لروسيا، حيث تملك إيران ساحلاً طويلاً على الخليج العربي إضافة الى ساحلها على المحيط الهندي، أما روسيا فمحاطة ببحار تكون متجمّدة في معظم شهور السنة([4])، كل ذلك جعل من ايران محط أنظار القياصرة الروس الساعين للوصول الى سواحل البحار الدافئة([5]).
أما السياسة البريطانية التقليدية، فقد ركّزت على سلامة مستعمراتها وممتلكاتها في الشرق، وتأمين مواصلاتها البرية والبحرية إليها وخاصة الهند. فمنذ السنوات الأولى من القرن التاسع عشر، دخلت إيران في حسابات بريطانيا دولة حاجزة بين روسيا القيصرية والهند، لقربها ووقوعها في طريقها، لذلك قاومت بريطانيا ظهور أية قوة دولية يمكنها مزاحمتها في هذه المنطقة لديمومة سياستها واستمرار بقاؤها([6]).
اتخذ التنافس البريطاني الروسي، في النصف الأول من القرن التاسع عشر، طابعاً سياسياً واستراتيجياً ثم تحول الى طابع اقتصادي أيضاً في النصف الثاني من ذلك القرن، عندما سعى الجانبان الى الحصول على امتيازات اقتصادية في إيران([7])، لأن المصالح الاقتصادية في هذه المرحلة بدأت تلعب دوراً أكبر كعامل محرك للصراع الدولي الدائر حول إيران([8]). فقد ترتب على اندماج الأخيرة بالسوق الخارجية، في هذه المدة، جملة من التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الكبيرة التي تركت بصماتها على الواقع الإيراني. ونظراً لتحول الإنتاج الإيراني من الإطار الطبيعي الى الإطار البضائعي، ومن أجل السوق الخارجية بالتحديد([9])، أصبح المنتجون الأوربيون، نتيجة للثورة الصناعية، قادرين على انتاج البضائع بشكل أوسع وأرخص، مما جعل التوسع في البحث عن الأسواق أمراً حتمياً سواء في الهند أو الدولة العثمانية أو في إيران([10]).
أصبحت إيران، بعد سلسلة من الامتيازات والاتفاقيات التي حصلت عليها الدول الرأسمالية([11])، تؤلف محوراً أساسياً من محاور الصراع الدولي، اقتصرت أطرافه في البداية على روسيا وبريطانيا، ومن ثم توسعت حلقاته بسرعة لتشمل ليس الدول الكبرى حسب، وإنما امتد ذلك ليشمل دولاً أخرى، لم تكن بلجيكا الدولة الصغيرة والبعيدة عن إيرن الاّ واحدة منها([12]). وللاستدلال على هذه المسألة نشير إلى أن دولة بعيدة مثل الولايات المتحدة الأمريكية، بدأت تحد طريقها الى ايران منذ العقود الأولى من القرن التاسع عشر([13])، من خلال نشاط البعثات التبشيرية([14]). وسرعان ما تعدت العلاقات الإيرانية- الأمريكية حدود النشاط التبشيري، عندما سعت الحكومة الإيرانية الى إيجاد حليف لها من بين القوى الأجنبية، أملاً منها في تحقيق سياسة "القوة الثالثة"، لإيجاد نوع من التوازن بين مصالحها من ناحية، ومصالح كل من روسيا وبريطانيا من ناحية أخرى([15]). ووقّع البلدان في التاسع عشر من تشرين الأول 1851 معاهدة صداقة وتجارة وملاحة([16])، دشنت بداية جديدة للاهتمام السياسي والاقتصادي الأمريكي بإيران، إذ لم يمر عليها سوى مدة قصيرة حتى جرى التوقيع على اتفاقية سياسية واقتصادية بينهما في الثالث عشر من كانون الأول 1856([17]).
لم تكن الولايات المتحدة الدولة المرشحة الوحيدة لأداء دور "القوة الثالثة" والاعتماد عليها من أجل الموازنة بين التنافس البريطاني الروسي، وكانت الدولة الأخرى المرشحة لذلك في نظر الأوساط السياسية الحاكمة هي ألمانيا، التي بدأت ترنو بدورها الى ايران([18]). وفي هذا الإطار وقعّ البلدان على "معاهدة باريس" في الخامس والعشرين من حزيران 1857([19])، حيث دُشن بداية الاهتمام الألماني الجدّي بإيران، من خلال شعارها "الاندفاع نحو الشرق- Drang Nach Osten" الذي ظهر في الربع الأخير من القرن التاسع عشر([20]). ومع بداية هذا القرن اتسعت الأطماع الألمانية في إيران، وذلك بحكم كونها جزءاً من الشرق وامتداداً مهماً للامبراطورية العثمانية التي أصبح لألمانيا موطىء قدم ثابت فيها. كما تحوّل مشروع سكة حديد بغداد الى عامل إضافي قوي دفع برلين الى الاهتمام أكثر بكل ما يتعلق بإيران([21]).
هكذا إزداد تنافس الدول الكبرى عليها، بحكم موقعها الجغرافي وثرواتها الطبيعية وتخلفها الاقتصادي وتحويلها الى سوق لمنتوجاتها، فضلاً عن سياسة ملوك القاجار الفاسدة وحاجتهم الى المال لتغطية سفراتهم الى أوروبا، في أن تحصل معظم الدول الأوروبية خاصة بريطانيا وروسيا على مجموعة من الامتيازات المهمة لاستغلال ثروات البلاد الطبيعية وفي مختلف المجالات الاقتصادية([22]).
ولأهمية إيران الكبيرة للمصالح البريطانية وشعور الإخيرة بالحاجة الماسة لاتصالات تلغرافية مع الهند، لاسيما بعد اشتداد نشاطات المعارضة فيها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، رغبت بريطانيا إشراك إيران بشبكة خطوطها([23])، حيث تم إنشاء بعض الخطوط الهاتفية عام 1862 بين طهران ورشت وتبريز. وتم التوقيع على اتفاقيات بين الطرفين خلال أعوام 1863 و 1865 و 1868([24])، حصل البريطانيون على امتيازات في إيران تمنحهم مد خطوط التلغراف يربط بغداد بميناء بوشهر على الخيلج العربي ماراً بهمدان وكرمان ثم يتصل بخط كراتشي البحري في الهند([25]). وفي عام 1870 حصل البريطانيون على خط آخر من لندن الى تبريز عن طريق الكسندروفسك وأوديسا وتفليس، يربط بالخط الأول([26]). وأخذت إيران تعتمد على بريطانيا دون روسيا في مجال التحديث وإنجاز المشاريع، وكان ذلك بعض المبررات الاقتصادية والسياسية، لن بريطانيا بتقدمها المتميز قد جلبت أنظار دول المنطقة أكثر من غيرها. كما أن تجارب الماضي القريب ولدت حساسية مفرطة لدى الساسة الإيرانيين تجاه روسيا التي تفاقم خطرها بالنسبة لإيران، بعد ان احتل الروس طشقند عام 1865، وسمرقند عام 1868، ومناطق أخرى في آسيا الوسطى([27]) وغيرها بعد ذلك التاريخ([28]).
يمثل عام 1872 ذروة اعتماد ايران على بريطانيا، فقد منح ناصر الدين شاه أحد رعايا الأخيرة وهو البارون "جوليوس دي رويتر- Julius de Reuter([29]) امتيازاً في الخامس والعشرين من تموز 1872([30])، لإنشاء عدد من المشاريع في إيران لمدة سبعين عاماً، لقاء مبلغ 40 ألف جنيه([31]). وحصل أيضاً، بموجب هذا الامتياز، على حق احتكار الخطوط الحديدة بين بحر قزوين والخليج العربي،وتأسيس خط تراموي في طهران، وإقامة مشاريع الري، وحق البحث عن المناجم، بضمنها النفط، عدا مناجم الذهب والفضة والأحجار الكريمة لأنها من حقوق الشاه([32]).
ولعل الأنكى من ذلك، أنه منح أيضاً حرية التصرف بمنح ذلك الامتياز لأية شركة أخرى يرتئيها، كما أخذ وعداً بأن تكون له الأفضلية على أي شخص أو مؤسسة تتقدم في المستقبل لنيل امتياز لتأسيس المصارف أو المشاريع الصناعية أو أي مشروع آخر في إيران([33]). وقد وصف المؤرخ الإيراني " إبراهيم تيمورى" هذا الامتياز بأنه:
"سند أسر إيران"([34]).
ووصف المرحلة بأنها:
"عصر الغفلة"([35]).
بينما وصفه اللورد كرزون([36])، بأنه أعجب امتياز في التاريخ بقوله"
"لم يسبق أن عرف التاريخ عقداً كهذا العقد تسلم مملكة بكامل ثرواتها تسليماً كاملاً الى أيدي أجنبية"([37]).
إن معارضة روسيا للامتياز، وعدم تحمس الحكومة البريطانية([38])، وضخامة رأس المال الذي يتطلبه تفوق إمكانية رويتر المالية، ومقاومة الفئة الحاكمة في طهران بتحريض من روسيا، أدت جميعها الى إلغاء الامتياز في الحادي عشر من تشرين الثاني 1873([39])، ومصادرة الأربعين ألف جنيه العائد الى رويتر([40]). رغم ذلك، أصبح الامتياز سابقة خطيرة حاولت الدول المتنافسة استغلالها، فاستغلته روسيا، فحصلت على امتياز مد سكة حديد من الحدود الى مدينة تبريز([41]). كما حصلت في حزيران 1876 على حق صيد الأسماك داخل المياه الإقليمية الإيرانية في بحر قزوين([42]).
امتد النفوذ الأجنبي في إيران ليشمل الجوانب العسكرية أيضاً، فنتيجة للامتياز الذي وقعّه ناصر الدين شاه مع روسيا في العام 1879، تم إنشاء فرقة عسكرية إيرانية على غرار فُرق القوزاق الروسية سمّيت بـ "فرقة القوزاق" وعهدت قيادتها الى ضباط روس([43]). وكانت مهمتها الرئيسة حماية البلاط ومصالح الروس، وقدّر لها أن تقوم بدور خطير في إحداث إيران فيما بعد، فقد:
"نسيت مهمتها الأكثر أهمية في حماية القصور الملكية عندما هوجمت من جانب الشعب الثائر خلال الاحتجاجات على امتياز التنباك"([44]) عام 1819-1892.
وقد عدّ بعض المؤرخين، إنشاء هذه الفرقة من قبل الشاه، واحداً من الأخطاء التي ارتكبها بحق وطنه، ويصف إبراهيم تيموري هذه الفرقة بأنها:
"واحداً من البلايا والمصائب التي أورثت ثماراً مُرة من شجرة خبيثة زرعها ناصر الدين شاه في إيران"([45]).
واستخدمت لصالح الروس في تأييد امتيازاتهم وتأكيد سيطرتهم على إيران، وقوة تنفيذية للمفوضية الروسية وقناصلها([46]). فعندما حاولت بريطانيا عام 1887 الحصول على امتياز لمد سكة حديد من طهران الى الخليج العربي([47])، تمكنت روسيا من إبرام اتفاقية مع إيران، تعهدت الأخيرة بموجبها عدم منح أي امتياز لمد سكة حديد لأية دولة أجنبية، خلال عشر سنوات، إلا بعد استشارة روسيا([48]). وبذلت روسيا جهوداً حثيثة من أجل الحصول على ميناء في الخليج العربي، لجعله نهاية لسكة حديد كان من المؤمل أن تنشئها عبر الأراضي الإيرانية من الشمال مروراً بالمحمرة وبوشهر الى بندر عباس([49]). إلاّ أن صعوبة الإجراءات الأمنية للمشروع، وعدم وجود نقاط مساندة بحرية روسية في الخليج العربي، منعت الأخيرة من القيام بإنجاز هذا المشروع([50]).
استمرت بريطانيا في جهودها من اجل الحصول على امتيازات خاصة بها، فقد حصل "الاخوان لينج" على امتياز من ناصر الدين شاه، في الثلاثين من تشرين الأول 1888، بحق الملاحة للبواخر الإنكليزية في نهر كارون([51])، الذي كان يهدف الى سيطرة بريطانيا السياسية والاقتصادية على عربستان، ومن الناحية العسكرية أيضاً، يسهل عمليات إرسال قوات عسكرية الى المنطقة، إذا ما قامت حرب مع روسيا([52]). أما من الناحية التجارية، فهو يهدف الى تخفيف السيطرة الروسية على التجارة الإيرانية، وإفساج المجال أمام التجارة الإنكليزية للحصول على بعض الامتيازات الخاصة. ولكي يتجنب الشاه التعقيدات، أطلق على المشروع تسمية " اللوائح التنظيمية Regulations" بدلاً من كلمة "الامتياز- Concession"([53]).
إن هذا الامتياز لم يكن الأخير في حياة ناصر الدين شاه، فتعويضاً للمواطن البريطاني "جوليوس دي رويتر" عن إلغاء امتيازه مع الحكومة الإيرانية 1872، منح الشاه نجله "جورج دي رويتر" امتيازاً في الثلاثين من كانون الثاني 1889([54])، بإنشاء البنك الفارسي الشاهينشاهي "Imperial Bank of Persia"([55])، برأسمال بريطاني مقداره مليون جنيه لمدة ستين عاماً، مع الحق بإصدار العملة الورقية([56]). وقد أصدر البنك المذكور عملة نقدية تختلف عن مدينة إلى أخرى([57]). والأسوأ من كل ذلك، أن إيران منحت البنك، بموجب المادة الحادية عشرة من الاميتاز، حق استخراج الثروات الطبيعية في جميع أنحاء البلاد([58])، بما في ذلك النفط([59])، لقاء دفع 16% من نسبة الأرباح للحكومة الإيرانية([60]). وامتاز البنك الفارسي الشاهينشاهي([61])، بتفوقه على البنك الخصم الروسي، الذي تأسس عام 1890، والذي كان له أربعة عشر فرعاً في المدن الإيرانية الكبيرة([62]).
استمر الشاه في منح الامتيازات للشركات الأجنبية، ففي الثامن من آذار 1890، منح ناصر الدين شاه امتيازاً لشركة التبغ الامبراطورية([63]) "Imperial Tobacco Corporation" of Persia([64])، بعد محادثات سرية بينه وبين المدعو "جيرالد. ف. تالبوت-F. Gerald Talbot"، وبمساعي الوزير المفوض البريطاني في طهران، خوّل الشاه الشركة حق احتكار وإنتاج التبغ وبيعه وتصديره لمدة خمسين عاماً، مقابل مبلغ سنوي قدره 15 ألف جنيه تدفع للحكومة الإيرانية، بالإضافة الى أكثر من ربع الأرباح السنوية بعد دفع النفقات، و 5% حصة من رأس مال الشركة([65]) الذي بلغ عند تأسيسه 650 ألف جنيه([66]). وهو ما دعي فيما بعد بـ "التغلغل السلمي" في إيران([67]).
خلقت مسألة منح وبيع الامتيازات للأجانب، تحت ذريعة التطور، نزاعاً قوياً من الشاه الذي يعوزه المال لسفراته خارج إيران والشعب الذي يعاني من البطالة([68])، مما أدى الى استياء عام بقيام معارضة منظمة وفعّالة عام 1891-1892([69])، فاضطر الشاه، نتيجة لهذه المقاومة المنظمة التي تُسمى بـ "به ست"([70])، على الرضوخ بالغاء الامتياز في السادس والعشرين من كانون الثاني 1892، ودفع تعويض للشركة البريطانية صاحبة الامتياز الملغي تعويضاً مقداره نصف مليون جنيه([71])، اقترضته من البنك الفارسي الشاهينشاهي في طهران، وكان ذلك بداية الديون الأجنبية على الحكومة الإيرانية([72]).
وارضاء لروسيا التي عارضت امتياز ريجي([73])، منحها الشاه امتيازاً في الثالث من آيار 1890 لتأسيس بنك في طهران ولمدة 75 عاماً، وذلك في إطار مناورة سياسية استهدف منها الشاه، التخفيف من آثار استياء الروس بسبب منحه الإنكليز امتيازات كثيرة دونهم. وقد تحاشت الحكومة الإيرانية أن تُسميّه بنكاً، فأطلقت عليه اسم الجمعية([74])، ثم تغيّر الاسم الى بنك الرهون والسلف([75]).
من أهم النتائج التي تلت الاستياء الشعبي لامتياز التبغ- ريجي"، هو التغيير النسبي في مواقع كل من بريطانيا وروسيا في إيران، وذلك بزيادة واضحة في مكانة الأخيرة، وتراجع لمكانة الأولى([76]). حيث حصلت روسيا عام 1893، وضمن اهتمامها بموضوع النفط الإيراني، على امتياز لكشف المعادن والنفط في المقاطعات الشمالية منها([77]).
بعد تزايد النفوذ الروسي داخل البلاط الإيراني([78])، بدأت الحكومة البريطانية تخطط لوضع حد لهذا النفوذ، وحصل ما أرادت عندما اُغتيل الشاه رمياً بالرصاص في الأول من أيار 1896، من قبل المدعو "ميرزا محمد رضا الكرماني"([79]).
وحينما جاء أبنه مظفر الدين شاه (1896-1907) الى الحكم، ترك أمور الدولة لغيره وتفرغ لسفراته الى الخارج، ولأجل أن يصرف على رحلاته الى أوروبا للعلاج ومواجهة نفقات الحكومة استدان الشاه من البنوك الأوروبية، أغلبها روسية، فدفع بلاده أكثر فأكثر للارتماء في أحضان روسيا والدول الأجنبية الأخرى([80]). فقد جعا مظفر الدين شاه خبراء من بلجيكا عام 1898([81]) لإصلاح الكمارك الإيرانية والعمل على زيادة إيراداتها، ولإقناع الروس بمنحه القروض تكون ضمانة ردها إيرادات الكمارك التي أشرف عليها خبراء البلجيك، وكان الدافع لهذا الإجراء هو حاجة الشاه للقروض الروسية، وهذا ما حصل فعلاً([82]) بعد أن امتنعت بريطانيا تقديم أي قرض له([83]).
أراد مظفر الدين شاه، جعل الكمارك الإيرانية تحت الإدارة البلجيكية، لتحقيق عدة أهداف، منها تهديد الأفضلية البريطانية في المنطقة، وتصديع مركز الشيخ خزعل في عربستان([84]). ولم يكن الحصول على القروض الأوربية ممكناً بدون ضمانات محسوسة، والضمان الوحيد الذي كان في وسع إيران أن توجده هو الكمارك ولكن بإدارة كفوءة([85]).
بدأ الروس، في مطلع عام 1900، العمل في معاينة تنفيذ مشروع خط حديدي يمتد جنون إيران الى عدة مواقع على ساحل الخليج العربي، وقد أرسل الروس فريق عمل برئاسة "ساخانسكي"([86]) لدراسة هذا الموضوع.
نظرت بريطانيا باهتمام بالغ الى ازدياد النفوذ الروسي في جنوب إيران، واحتمال اكتساب الأخيرة ميناءاً بحرياً على سواحل الخليج العربي([87]). ولكن في مذكرة الى القيصر الروسي في كانون الثاني 1900 ذكر وزير الخارجية الروسية م.ن. مورافيوف.M.N. Muravieff، بأن حكومته قررت نسيان الخطط حول حصولها على ميناء الخليج العربي لأسباب سياسية واقتصادية، لأن هذه الخطط ستفتح شمال إيران أمام التجارة البريطانية، وأن ذلك سيدفع الإنكليز الى بناء خط سكة حديد من جنوب إيران الى شمالها([88]). أما حول مسألة الحيازة على ميناء في الخليج العربي، فقد ذكر مورافيوف بأنه لا يوجد سبب لاحتلال الموانىء التي لا يمكن حمايتها بشكل كامل وهي مكلفة ومثقلة بالتضحيات المادية([89]). وبالمقابل ذكر اللورد لاندسداون وزير الخارجية البريطانية في الخامس من آذار 1900 قائلاً:
"سوف أُعارض أية حيلة يتبعها الشاه في المحمرة لأجل السيطرة عليها أو السماح للروس بذلك"([90]).
هكذا فأن اتساع مساحة حجم الامتيازات الأجنبية، وخاصة الامتيازات البريطانية، وتمتع التجار البريطانيون بالأعفاء الضريبي، قد دفعت بأعداد كبيرة من التجار الإيرانيين للتجنس بجنسيات أجنبية([91])، بل وجعلت من إيران محوراً للصراع والتنافس الدولي، وحلقة مهمة من الحلقات التي حاول كل الأطراف، خاصة بريطاناي وروسيا، مما دفع البعض الباحثين الى القول بأن: "المنافسة المريرة بين بريطانيا وروسيا هي وحدها التي أنقذت البلاد من أن تبتلع من أحداهما"([92]).
لم يقتصر الطموح الاقتصادي البريطاني على نمو تجارتها عبر الامتيازات التي منحها ملوك القاجار لمواطنيها، بل أولى البريطانيون النفط الإيراني جانباً كبيراً من اهتمامهم ونشاطهم، منذ أواخر القرن التاسع عشر،وخاصة بعد أن لفت انتباه المراقبين الغربيين وجود كميات كبيرة من النفط في المنطقة الجنوبية والغربية من إيران([93]).
ومما سبق يبدو واضحاً، ان امتياز رويتر لعام 1872 الذي احتوى أحد بنوده استغلال الثروات الطبيعية، بضمنها النفط، وكذلك امتياز رويتر الثاني لعام 1889 لإنشاء البنك الفارسي الشاهينشاهي، الذي منحه حق استخراج الثروات الطبيعية وتم بموجبه تأسيس شركة للتنقيب عن النفط، خير دليل على هذا الطموح البريطاني في مجال النفط، بل شكّل استمرارية في مساعيها نحو حصول امتياز خاص في هذا المجال. وعندما فشل البنك الفارسي- البريطاني، من خلال الشركة المخصصة لذلك، في اكتشاف النفط عبر التنقيبات التي استمرت حتى عام 1893، تنازل صاحب الامتياز عن البند الحادي عشر من الامتياز، والخاص بالتنقيب عن النفط، الى مواطن بريطاني آخر يدعى " وليم نوكس دارسي- W.N.Darcy" بموجب امتياز خاص منحته الحكومة الإيرانية عام 1901.
متياز وليم نوكس دارسي وتطوراته
حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى: 1901-1914
تعود بدايات البحث عن البترول في إيران الى بداية الثمانينات من القرن التاسع عشر، عندما أُسست شركة خاصة للتنقيب عن النفط بموجب امتياز رويتر لعام 1889، من قبل البنك الفارسي الشاهينشاهي. وعلى الرغم من أن الشركة فشلت في جهودها بالعثور على حقول نفطية تجارية، إلاّ أن البريطانيين أولوا النفط الإيراني جانباً كبيراً من اهتمامهم خاصة وأنه بدأ يلفت انتباه المراقبين الغربيين بعد أن تأكد لديهم وجوج كميات كبيرة منها في الأجزاء الجنوبية والغربية من إيران([94])، عندما كتب عالم الآثار الفرنسي "جاكيوس دي مورجان "Jacques de Morgan- بحثاً جيولوجياً عام 1892 عن إقليم الشرق الأوسط، مؤكداً فيه توافر النفط بكميات كبيرة في غرب إيران، تحديداً في الأراضي القريبة من الحدود الفاصلة بينها والعراق([95]).
فاتح مورجان مواطنه "أدوارد كوتي- Edouard Cotte"، وأشرك الأثنان جنرالاً فارسياً يدعى "انطوان كيتابجي- Antoine Ketabji" رئيس الكمارك الإيرانية، واستقر رأي الثلاثة على وجوب استغلال هذه الثروة الكامنة، لكن وقفت أمامهم عقبة عدم توافر المال اللازم ليحصلوا على الامتياز، بالإضافة الى أن عمليات التنقيب تتطلب نفقات باهضة([96]) اتصل كوتي وكيتابجي بالسير "هنري دروموند وولف- "Henry Drummond Wolf، السفير البريطاني السابق في طهران، ليوضحا له القضية([97])، فاتصل بدوره بـ " وليم نوكس دارسي "William Knox D'Arcy-"([98])، الذي يعدّ "أب صناعة البترول بأسرها في الشرق الأوسط". ولولاه لتأخر استغلال حقول النفط في إيران جيلاً، ولتغير اتجاه السياسة البريطانية كثيراً، مع أنه لم يطأ أرض إيران([99]).
أرسل دارسي في آذار 1901 ممثلة الفريد ماريوت A.L. Marriot الى طهران، ومعه كل من الجنرال كتيابجي وكوتي للتفاوض مع الحكومة الإيرانية حول الامتياز([100]). واستطاع ماريوت أن يحقق نجاحاً كبيراً في هذاالميدان، بعد مساعدة كل من البارون دي رويتر صاحب امتياز الثروات الطبيعية في إيران، الذي تنازل له عن جزء من ذلك الحق الخاص بالتنقيب عن النفط، ومساعدة كيتابجي بإقناع مظفر الدين شاه لمنح دارسي امتيازاً شاملاً للبحث عن النفط([101])، بعد إرشاد الشاه ورئيس وزرائه أتابك أعظم وموظفين من ذوي المناصب العليا، وبتوسط المفوض البريطاني في طهران([102]).
بعد تعقيدات كثيرة تم التوصل الى اتفاق وقعّه مظفر الدين شاه في الثامن والعشرين من آيار 1901، منح بموجبه دارسي امتيازاً مطلقاً مدته ستون عاماً لاستخراج النفط من معظم أنحاء إيران([103]). واحتوى الامتياز([104]) على مواد شتى، تأتي في طليعتها الديباجة([105]) التي أُضيفت الى نص الامتياز في حزيران 1901 جاءت فيها:
"خوّلنا تحت ضماننا للمذكور وأيضاً أقربائه ونسله وأصدقائه ووارثيه مطلق الحرية والحق في البحث والتنقيب والحفر في أعماق أرض فارس حسب ما يريده لمدة ستين عاماً وحق الاستيلاء وامتلاك كل ما يستخرجه لهذا البحث من إنتاج دون منازعة أو طعن أو اعتراض"([106]).
ونصت المادة الأولى، أن يمنح صاحبه حق التنقيب عن النفط والغاز الطبيعي والأسفلت والأوزوكريت، وكذلك الحق في استغلال هذه المواد، والتوسع في إنتاجها وتصديرها وبيعها في جميع أنحاء البلاد([107]).
أما من الناحية الجغرافية، فقد شمل الامتياز أربعة أخماس مساحة البلاد، بمساحة 500 ألف ميل مربع، أو ما يعادل 1.295.000 كلم2([108])، وتشكل 78.6% من مساحة إيران([109]). أما النسبة المتبقية من المساحة الكلية، فكانت تمثل أراضي خمس ولايات تقع في شمال إيران على الحدود الروسية، وهي مقاطعات "أذربيجان وكيلان ومازندران وخراسان واستراباد"، وقد استثناها الشاه، بموجب المادة السادسة من الامتياز، بسبب المعارضة الروسية لشمولية الامتياز([110]).
إلاّ ان الامتياز منح صاحبه الحق، بموجب المادة الثانية، في مد أنابيب النفط في أرجاء البلاد بما في ذلك المقاطعات الخمس المشار إليها، الى الساحل الجنوبي([111]) بل وافقت الحكومة الإيرانية على أن تضع تحت تصرفه بلا مقابل، بموجب المادة الثالثة، الأراضي الحكومية اللازمة، وغيرها من الأراضي التي تمتلكها الحكومة أو الأفراد بأجور معتدلة([112]).
بل إعفاء أراضي شركة النفط، ومنتجاتها من الضرائب والرسوم، وإعفاء الآت التنقيب والاستكشاف والاستخراج ومد أنابيب النفط من جميع الرسوم الكمركية([113]).
مقابل هذه الأعفاءات، يدفع الى الحكومة الإيرانية نسبة 16% من أرباحه الصافية حصة سنوية([114])، وعلى الحكومة أن تتخذ الإجراءات اللازمة كافة لضمان تنفيذ نصوص الامتياز، وصيانة المنشآت والأجهزة التي تقام لهذا الغرض، وحماية ممثلي الشركة ووكلائها وخدمها([115]).
ونص الامتياز في إحدى مواده، على أن يكون عمال الشركة أو الشركات التابعة لها، باستثناء الفنييّن منهم، من المواطنين الإيرانيين([116]).
أما بخصوص الخلافات بين الطرفين، فقد نصت المادة السابعة عشرة من الامتياز، على أنه في حالة نشوء أي خلاف أو اختلاف بين الطرفين، الحكومة والشركات، بشأن تفسير بنود الامتياز، أو حقوق ومسؤوليات أي من الطرفين المتعاقدين، يُحال الأمر على حكمين بطهران يختار كل طرف واحداً منهما، ويُعيّن هذان الحكمان ثالثاً لهما قبل البدء في التحكيم، ويكون حُكم المحكمين أو حكم العضو الثالث في حالة اختلافها نهائياً([117]).
إن نظرة سريعة الى نصوص الامتياز، يُبين مدى الغبن الذي وقع على الحكومة الإيرانية ومواطنيها، وهي كافية لتوضح لنا بأنه اول امتياز نفطي من نوعه في الشرق الأوسط([118])، بل غرابة نصوصه حملت أحد الكتّاب المحايدين، وهو "انطوان موهر" على أن يصف الامتياز بأنه:
" أغرب امتياز من نوعه في تاريخ الأزمنة الحديثة"([119]).
وهناك من وصفه بأنه أشبه ما يكون بتنازل مظفر الدين شاه عن عرشه لدراسي([120]). فقد أقدم الشاه على أن يمنح احتكاراً كاملاً وشاملاً لشركة أجنبية لعهد طويل، لقاء مبلغ تافه لا يستيطع أن يعالج به الأزمة المالية لبلده التي تفاقمت آنذاك، لدرجة أن خزينة الدولة عجزت عن دفع رواتب الموظفين([121]). وتوقع الشاه بأنه أتم أحسن صفقة رابحة في حياته نظير توقيع هذا الامتياز، وتناسى أنه شل يد الدولة عن استغلال هذا المورد الخطير مستقبلاً، وحال دون الاستفادة من عامل المنافسة بين الشركات الدولةي المتخصصة باستخراج النفط([122]). فضلاً عن أن الامتياز لم ينص على رفع نسبة حصة الحكومة من الأرباح طيلة مدة العقد، وهي مدة طويلة([123]). كما أهمل الامتياز العنصر الإيراني في إدارة الشركة ونشاطاتها أو الرقابة على أعمالها([124])، وقد أكد الشاه محمد رضا بهلوي في مذكراته، قائلاً:
" أن الإيرانيين الذين يعملون في الشركة لم يكونوا أكثر من عمال عاديين"([125]).
بينما هناك من يرى بأن الامتياز لم يكن غريباً، ولم يكن تنازلاً عن العرش لصاحب الامتياز، بل يبرر كل ذلك بأن النظام القانوني للبلد كان، على وجه العموم، ناقص التكوين. ولم يكن هذا بسبب ضعف عام في الشريعة الإسلامية، بل كانت نتيجة كون هذه الصناعة جديدة برمتها سواء احتياجاتها أو بأساليبها الخاصة بالمنطقة، ودون الاستناد الى أي مصدر قانوني أو شرعي، بل من خلال وضع افتراض عام، بأن ما تحمله الأرض في بطنها من نفط يعود للدولة وليس لمالك السطح. ولم يكن هناك أية أحكام أو سوابق في الفقه الإسلامي تنطبق بصورة خاصة على الامتياز الجديد الذي منح لدارسي([126]).
ليس من شك، أن ذلك الاحتكار الضخم، من خلال هذا ا لامتياز، جعل للامبراطورية البريطانية مصلحة اقتصادية وعسكرية كبيرة في إيران. أما من الناحية العملية، فأصبحت الأخيرة عملياً تحت الوصاية البريطانية، الأمر الذي ترك آثارً عميقة جداً على تاريخ إيران الاقتصادي والسياسي، ومهد الطريق لعقد اتفاقية آب عام 1907([127]) بين روسيا وبريطانية لمعالجة الخلافات الإقليمية بينها([128])، والتي كان من نتائجه، أن أقرت روسيا امتياز دارسي، وكفت عن تطلعاتها المستمرة لإنشاء مناطق نفوذ في حوض نهر الكارون([129]).
مهما يكن من أمر الامتياز بكونه صفقة خاسرة لإيران، فان دارسي قام بتأسيس شركته المعروفة "First Exploration Co."، في الحادي والعشرين من أيار 1903([130])، لتمويل امتيازه برأسمال قدره 600 ألف جنيه، موزعة على 600 ألف سهم، اكتتبها دارسي باسمه([131]). وكان عليه أن يدفع نقداً الى الحكومة الإيرانية مبلغ 20 ألف جنيه، والتخلي عن أسهم بمبلغ مماثل لها، في الشهر الذي يلي إنشاء الشركة التي يناط بها استغلال الامتياز([132])، وهذا ما نصت عليه المادة العاشرة.
باشرت الشركة عملها، تحت اشراف المهندس "G.B.Reynolds" بالبحث والتنقيب عن النفط في المنطقة الجبلية في غرب وجنوب إيران، غير أنها ركزت على المناطق الغربية منها، وخاصة في منطقتي قصر شيرين وشياه سورخ أو نفط شاه([133]) القريبة من الأراضي العراقية([134])، لأن زيت النفط كان معروفاً من قبل في هذه المنطقة، ويستعمله بعض الأهالي بوسائل بسيطة([135]).
لم تأت البحوث والتنقيبات الأولية خلال السنوات الثلاث الأولى من بدء الامتياز بأي ثمار([136]). وبعد جهد كبير تيسر الوصول الى اكتشاف حقول نفطية في تشرين الثاني 1904، بيد أن كمياته لم تكن كافية لتغيطة النفقات([137])، التي بلغت 300 ألف جنيه([138]) وهو مبلغ كبير بالنسبة الى شركة بدأت برأسمال قدره 600 ألف جنيه. وبدا كأن مواصلة العمل في غير مستطاع الشركة، بسبب الصعوبات المالية والطبيعية الكثيرة([139]). فضلاً عن الصعوبات التي تقوم في وجه عمليات النقل من هذه المنطقة الجبلية الى الأسواق الخارجية([140]).
أمام هذه الصعوبات، ما كانت بريطانيا ولا البحرية البريطانية بصورة خاصة، لتستصغر أو تهمل مثل هذا الموضوع. فقد أدركت البرحية البريطانية وعلى رأسها الأميوال فيشر Fisher، أمير البحر الأول The First Sea Lord (1904-1911)، أهمية الثورة التي يمثلها وقود النفط وأثره البالغ على مستقبلها، وراح يوّجه اهتمام حكومته الى ضرورة استخدام النفط في تسيير الأسطول([141])، وشكّل لجنة للبحث عن مورد مضمون لتزويد الأسطول بحاجته من النفط، فأوصت اللجنة بضرورة تدخل وزارة البحرية البريطانية لدعم دارسي، الذي أوشك على الإفلاس بسبب التحريات الواسعة التي أجراها([142]). وكان دارسي قد اضطر الى مفاوضة شركة ستاندرد أويل الأمريكية، إلاّ أنه قبل أن تصل هذه المفاوضات الى صيغة تفاق تدخلت الحكومة البريطانية معترضة على إدخال شركة أمريكية في منطقة نفوذها([143])، فأوصت الوزارة شركة نفط بورما([144]) البريطانية بالاتفاق مع دارسي للحيلولة دون وقوع الامتياز بأيدي أجنبية([145]). وكان هذا أول تدخل بريطاني رسمي في شؤون النفط ايراني لكنه لم يكن الأخير([146]).
تدخلت شركة بورما للنفط، برئاسة اللورد ستراثكونا Lord Strathcona والسر جون. ت. كارجيل Sir Jhon T.Cargiel لانقاذ صاحب الامتياز([147]). ففي الخامس من أيار 1905، قامت الشركة المذكورة بتأسيس " شركة الامتيازات المحدودة Concessions Sandicate Ltd.Co. The"، التي أصبح دارسي مديراً فيها، لأجل تقديم المال المطلوب والخبرة اللازمة لمواصلة العمل، لأنه كان من الواجب عليه أن يجد بصورة مستعجلة مصدراً لتمويل الأعمال التي بدأها([148]).
أزاح الاتفاق مع شركة نفط بورما عقبة الأموال اللازمة، إلاّ أن ذلك لم ينهِ العقبات الأخرى، منها تزايد عداء القبائل الإيرانية التي أخذت تخرب المعدات وتسرق المؤن. ثم أن شاه إيران اعترض على أي تغيير في شروط الامتياز، وعلى تكوين شركة جديدة. واتصلت الشركة الجديدة بالحكومة البريطانية طالبة تأييدها في حالة إلغاء الامتياز، فكان جواب الحكومة انها مستعدة دائماً لحماية رعاياها. وأرسلت كتيبة من الجيش الهندي بقيادة ارنولد ولسن لحماية الشركة وعملياتها ولم تخبر الحكومة البريطانية الشاه بذلك إلاّ بعد وصول الكتيبة الى إيران، وقالت له أن الاعتراض على وجودها على أرضه سيكون حماقة([149]).
وأزاء هذا التغثر الذي مُني به دارسي وشركاؤه، اضطر أن ينقل أدوات التنقيب ومعداته الى منطقة "ميدان" أو سهل النفط([150]) على مقربة من "مسجد سليمان"([151]) في المنطقة البختيارية([152]) مستهدفاً التنقيب واستغلال الحقول في هذه المنطقة القريبة من سواحل الخليج العربي، والسبب على ما يبدو في هذا الانتقال كان رامياً الى تخفيض أجور نقل النفط المحتمل الظهور([153]).
وبعد خسارة مالية كبيرة وجهود مضنية، وحالات القلق واليأس وتفكير دارسي بالتخلي عن هذا المجهود الفاشل، عثر على النفط بشكل مفاجىء، وعلى عمق 1180 قدماً في السادس والعشرين من أيار 1908([154]) في " مسجد سليمان"، وأتضح أنه من أكبر الحقول النفطية المكتشفة في العالم حتى ذلك الحين([155]) والحقل يبعد عن سواحل الخليج العربي بـ (150)كم، وأن تفجره في إيران قد تم قبل غيرها من الإمارات العربية على الخليج العربي([156]).
بدأت تلوح مظاهر النجاح، وحفرت آبار إضافية في هذه المنطقة وأصبح نفط إيران محط أنظار الدول الكبرى([157])، وجلب للبلاد مشاكل جديدة لم يكن النظام القاجاري قادراً على مواجتها. كما أن البلاد كانت غير مهيأة لمثل هذا النشاط، إذ كان على الشركة أن توفر مستلزمات الإنتاج والتسويق والميناء الخاص بنقل النفط والبواخر غيرها. غير أن توفير ذلك كان أكبر من إمكانيات صاحب الامتياز([158]). فالنفط باعتباره أهم موارد الطاقة في العالم من حيث الأهمية والقيمة، يتطلب وسائل تقنية متقدمة للتنقيب والحفر والإنتاج والتكرير كما يتطلب استثمار رؤوس أموال ضخمة، وهذا المستوى العالي من التقنية والصناعة المتقدمة يتطلب وجود شركة متخصصة ذات رأس مال كبير. وعليه اقترحت وزارة البحرية البريطانية وتحت أشرافها([159])، تأسيس شركة متخصصة لهذا الغرض تقوم بجميع مستلزمات الإنتاج والتصدير. فتم تشكيل شركة لاستثمار النفط في الرابع عشر من نيسان 1909، باسم "شركة النفط الأنكلو-فارسية "Anglo-Persian Oil Company"([160])، بعد شرائها أسهم شركتي "Bahktiaria Oil Ltd." و "First Exploration Co." اللتين كان دارسي قد أسسهما([161]).
وُضع للشركة الجديدة، وهي شركة مساهمة، رأس مال قدره مليوني جنيه، ووقع اختيار الشركة على اللورد ستراثكونا، رئيس شركة بورما للنفط، رئيساً لمجلس إدارتها ([162]).
بينما حصل دارسي على تعويض قدره 203 ألف جنيه، وما يعادل 900 ألف جنيه عبارة عن أسهم في الشركة الجديدة([163]).
ذكر جون. ت. كارجيل، رئيس شركة بورما للنفط، في جلسة افتتاح شركة الأنكلو- فارسية، أن هذا العمل لا يقتصر على استحواذ شركة بورما للنفط على أغنى آبار النفط في العالم، بل أنه:
"ضمَّن للامبراطورية البريطانية مورداً طبيعياً يشعرون أن الأيام ستثبت إنه ذو أهمية عظمى للشعب، وفي الوقت نفسه حال هذا العمل دون وقوع هذاالمنبع الطبيعي للثروة في أيدي أجنبية غير بريطانية"([164]).
كما وقع الاختيار على عبادان لتكون موقعاً ملائماً للتكرير، وإنشاء أنابيب النفط بقوة إجمالية معدلها 400 ألف طن([165]) من النفط سنوياً([166])، بعد أ، اضطر الإنكليز الى فتح باب المفاوضات مع الشيخ خزعل([167]) أمير عربستان، حيث أجرى السير برسي كوكس، الوكيل البريطاني في بخارى والمتولي شؤون المناطق المحيطة بالخليج، في المحمرة مفاوضاته مع الشيخ خزعل لعقد اتفاقية بشأن جزيرة عبادان للبدء بإنشاء معمل للتكرير فيها. كما اتصل بالشيخ خزعل السير أرنولد ولسن، سكرتير الوفد البريطاني المفاوض، ومدير شركة النفط الأنكلو-فارسية بعد الحرب العالمية الأولى، للاتفاق معه على ربط خط للأنابيب بين الحقول ومرفأ النفط في عبادان بطول 130 ميل. فتوصل الطرفان في السادس عشر من تموز 1909 الى أتفاق، يقضي بدفع 650 جنيهاً سنوياً لمدة عشر سنوات الى الشيخ خزعل، كايجار لموقع معمل التكرير ومرور أنابيب النفط عبر أراضيه، الى جانب تأييد أستقلاله ضد إدعاء الحكومة المركزية. ووعد بمساعدة إذا ما تعرض لأي أعتداء([168])، ويذكر السير أرنولد ولسن ذلك الوعد بأنه:
"دون أعطاء تلك الوعود وضمان الحماية له لبسط نفوذه على المنطقة لم يكن هناك أي أمل في الوصول معه الى أتفاق حول مد الأنابيب"([169]).
وبموجب هذا الاتفاق،باع الشيخ خزعل للشركة الأراضي المطلوبة، على أن تُرد إليه بانتهاء مدة العقد، ومدت الأنابيب من منطقة الإنتاج الى ميناء عبادان، وتم تصدير أول شحنة نفط من الميناء المذكور عام 1912([170]).
بتأسيس شركة النفط الأنكلو-فارسية وتزايد حاجة الأسطول البحري البريطاني الى النفط، رمت الحكومة البريطانية بثقلها وراء الشركة الجديدة وعملت لتهيئة مستلزمات نجاحها، فطلبت من الشركة المذكورة أن تمدها بمقادير كبيرة من النفط، وخاصة عندما قررت وزارة البحرية البريطانية عام 1913، التي يرأسها "ونستون تشرشل" (1912-1915)، والذي تبنى أفكار "فيشر" أن تستخدم وقود النفط بدلاً من الفحم([171])، وأعلم الأخير مجلس العموم في السابع عشر من تموز 1913، أن وزارة البحرية تحاول أن تسيطر على بعض ميادين النفط لتؤمن ما يحتاج إليه الأسطول من هذه المادة([172])، ولأسباب أخرى ذكرها قائلاً:
"أن البحرية يجب أن تكون المالكة الحرة والمنتجة للوقود السائل الذي تحتاج إليه. ويستلزم ذلك أولاً بناء خزان بهذه الدولة لضمان سلامتنا في وقت الحرب، ولتمكننا من التغلب على تقلبات الأسعار في وقت السلم. وثانياً أن تكون لنا سلطة المعالمة في الزيت الخام عند وصوله، بمعنى أن تكون البحرية قادرة على أن تقوم بعمليات تصفيته وتكريره بالدرجة التي تتلاءم ومطالب الأسطول. وثالثاً أن نكون المالكين، أو على الأقل المسيطرين على نسبة من موارد الزيت الخام الذي نحتاج إليه"([173]).
أرسلت وزارة البحرية بعثة، تتكون من الأدمير ال سلاد E.J.W. Slade وجون كادمن John Cadman والدكتور باسكو E.H.Pascoe وجي. سي. كلارك J.C. Clarke، لدارسة ميادين النفط في إيران، وتقديم تقرير عن إمكانية اعتماد الأسطول البريطاني عليها، فجاء في تقرير اللجنة، بعد عودتها في الخامس والعشرين من كانون الثاني 1914، ما يرضي وزارة ونستون تشرشل([174]).
وبناء على إلحاح الأميرال فيشر وتشرشل. وخشية انقطاع مورد النفط عن بريطانيا في حالة حرب ضد ألمانيا([175])، أشير باشتراك الحكومة البريطانية في شؤون الشركة من خلال شراء أسهمها. قوبل هذا الأمر، في البداية، بمعارضة مجلس العموم البريطاني، غير أن الضرورات العسكرية والاعتبارات السياسية، دفعت أعضاء المجلس بأغلبية (245) صوتاً ضد (18) صوتاً([176])، بأن تشتري الحكومة البريطانية حصة الأغلبية من أسهم شركة النفط. فدفعت الحكومة البريطانية مبلغاً قدره 2.200.000 جنيه للشركة، في العشرين من أيار 1914([177])، ولما هاجمت المعارضة تشرشل، أجاب ببساطة، بأنه لا يمكن لاية مؤسسة أن تكون تجارية وسياسية في وقت واحد، وأن هذه الصفقة قد عقدت لغرض سياسي بالغ الأهمية، بل وصف ونستون تشرشل، بأنها تساوي في أهميتها شراء"Disraeli" لحصص قناة السوس([178]). اقتنعت المعارضة بأهمية هذا الهدف، ووافقت على مضاعفة المبلغ المشترك به في الشركة حتى ارتفع خلال شهر واحد الى 5.200.000 جنيه([179]). ولأجله تم الاتفاق على أن أي موظف أداري في شركة النفط الأنكلو-فارسية، يجب أن يكون من الرعايا الإنكليز، وأن المجلس العام للشركة ينبغي أن يكون مقره في بريطانيا([180]). وأن يكون فيه إثنان من الأدميرالية([181])، لهم الحق المطلق في اتخاذ حق الفيتو في المسائل السياسية والبحرية([182])، على قرارات الأربعة عشر مديراً المنتخبين من قبل أصحاب الأسهم الباقين. بينما تركت القرارات ذات الصفة التجارية الصرفة خارج نطاق سلطتهم وأصبحت 52.55%([183]) من أسهم الشركة بيد الحكومة البريطانية([184]).
أما حصة شركة نفط بورما فكانت 25%([185])، أما الباقي، 22.5% فكانت أسهم الأفراد([186]).
احتجت الحكومة الروسية حول عملية شراء وزارة البحرية البريطانية هذه الأسهم، لأنها أعطت الحكومة البريطانية إمكنية استخراج النفط، ليس في منطقة النفوذ الإنكليزي والمنطقة المحايدة، بل حتى في منطقة النفوذ الروسي، بالإضافة الى أن ذلك يوّجه ضربة قوية لصادرات النفط الروسية الى ايران. وكتبت صحيفة "Riack" الروسية مقالة بعنوان "روسيا وإنكلترا في بلاد فارس"، أكدت خطورة شراء بريطانيا لأسهم الشركة، بقولها:
"أن تحوّل أسهم شركة النفط الأنكلو-فارسية الى ممتلكات حكومية انكليزية ربما تكون شبيهة بمسألة شراء إنكلترا لأسهم شركة قناة السوس عام 1875 التي بواسطتها احتلت إنكلترا مصر عام 1882"([187]).
وأصر سيرغي سازانوف، وزير خارجية روسيا 1909-1917، على وجوب الحصول على تعهد قاطع من الحكومة البريطانية، بأن عملية الاستثمارات النفطية سوف لا تشمل المنطقة المحايدة ولا منطقة النفوذ الروسي. ولم يقف سازانوف عند هذا الحد، بل اقترح على الحكومة البريطانية الاتفاق مع حكومته، للقيام بمشروع مشترك لاستثمار النفط في المنطقة المحايدة([188]).
وتحت ضغط الدبلوماسية الروسية، ألقى أدوارد غراي، وزير خارجية إنكلترا 1905-1916، خطاباً مطولاً في مجلس العموم البريطاني، أكد فيه أن العملية الجديدة للاستثمارات النفطية ستم في المناطق الواقعة بالقرب من سواحل الخليج العربي ضمن منطقة النفوذ البريطاني([189]). وفي الثالث من تموز 1914 أخبر أدوارد غراي السفير البريطاني في بتروغراد" بيوكينين":
"طالما أن سازانوف يطلب من الحكومة البريطانية إصدار تصريح ملائم للأجل تهدئة الصحافة الروسية والرأي العام الروسي حول عملية شراء الحكومة البريطانية أسهم شركة النفط الإنكليزية- الفارسية فيمكنك أن تخبره بأنني لا أعد مسألة شراء الحكومة البريطانية قسماً من أسهم الشركة المذكورة يحتم علينا العمل في المنطقة المحايدة رغم أننا نرى أن بوسع أية شركة تجارية أن تقوم بذلك"([190]).
بعد إقرار البرلمان الإنكليزي بشراء الحكومة نصف أسهم الشركة المذكورة، فأن هذا العمل كان إيجابياً للطرفين، الحكومة والشركة، أمّن حاجة البحرية البريطانية من النفط، كما أن الشركة أصبحت وثيقة الصلة بالحكومة البريطانية وتعتمد على تأييدها ومعونتها في الحالات كافة. وأصبح أي خلاف أو اختلاف بين الشركة والحكومة الإيرانية وكأنه نزاع بين الحكومتين، الإيرانية والبريطانية([191]).
ان امتلاك الحكومة البريطانية هذا القدر الكبير من الأسهم، في شركة مجال نشاطها جميع أنحاء إيران، معناه أن هذا الامتياز أصبح إنكليزياً فعلاً، وكان طبيعياً أن تُقدم امتيازات خاصة الى القبائل الجنوبية، التي كان يجري في مناطقها أعمال ابحث والتنقيب والإنتاج. ولهذا فقد أغرت أمراء البختيارية على الدخول في الشركة، ووعدوا بإعطائهم فوائد قدرها 3% من جميع الأرباح المنتظرة([192])، على أن تقوم أفراد القبيلة المذكورة، بتوفير الحماية لحقول وأنابيب النفط ومنشآت الشركة، لقاء مبلغ قدره (15) ألف دولار([193]).
وجرى التفاهم أيضاً مع القبائل القشقائية في جنوب البلاد، وقد تم كل ذلك دون علم الحكومة الإيرانية. والغريب في الأمر أن الشركة استقطعت ما دفعته لزعماء القبائل في الجنوب من حصة الحكومة الإيرانية([194]).
اكتسبت حقول نفط الجنوب اهتماماً خاصاً باعتبارها مصدراً رئيساً لتزويد الأمبراطورية البريطانية بالنفط، حيث بلغ إنتاجها عام 1913 1.857.000 برميل([195])، أو ما يقارب 80 ألف طن([196]). ووصل عام 1914 نحو 270 ألف طن. حيث زودت هذه الحقول أسطول البحرية البريطانية ما بين أيلول 1913 حتى نهاية حزيران 1914، كمية بلغت 30 ألف طن من النفط الخام([197]). وبذلك استطاعت الحكومة البريطانية، أن توفر إمدادات وقود مضمونة لأسطولها في المحيط الهندي، الأمر الذي قوّى من أطماعه ليس في إيران فحسب بل في الأراضي العراقية، لأن قسماً من الأراضي الإيرانية الغربية والواقعة ضمن نطاق امتياز دارسي، مثل منطقة نفط خانه، قد دخل في أرض العراق بعد تسويات الحدود بموجب بروتوكول القسطنطينية([198])، الذي وقعّ في استانبول بين الحكومة الإيرانية والدولة العثمانية، في السابع عشر من تشرين الثاني 1913([199]).
هكذا أصبح للإنكليز في إيران، قبيل الحرب العالمية الأولى، شركة نفطية كبرى، تسيطر عليها الحكومة البريطانية سيطرة كاملة، بموجب أسهمها التي تفوق النصف، مضافاً إليها الثلث الباقي التي تمتلكه شركة بورما، لكونها خاضعة للإشراف المباشر للبحرية البريطانية. وبهذا فإن بريطانيا دخلت الحرب العالمية الأولى، وهي تمتلك أكثر من ثلثي أسهم شركة النفط الأنكلو-فارسية.
تزايد أهمية النفط الإيراني ابان الحرب
ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، ارتفع إنتاج الخط النفط الإيراني بشكل مذهل([207])، وأصبح يشكل هدفاً للأطراف المتنازعة في الحرب، فقد كان العثمانيون يرون أن من صالحهم تدمير حقول النفط وتعطيلها عن العمل لأنها تخدم آلة الحرب البريطانية. وخشيت بريطانيا من أن تقوم القوات العثمانية بأعمال انتقامية ضد مصالحها النفطية في منطقة عربستان، وبالتالي تقضي على نفوذها، فكان لزاماً على بريطانيا والحالة هذه، العمل بكل ما في وسعها لاستمرار تسيير أعمال شركة النفط الأنكلو-فارسية([208]).
هكذا أصبح جانباً كبيراً من أراضي إيران مسرحاً للعمليات العسكرية بين الأطراف المتحاربة، على الرغم من عدم اشتراكها في الحرب بأعلان حيادها([209]). فقد أرسلت المانيا بعثة عسكرية لعرقلة المجهود الحربي للحلفاء في إيران، ونجحت في إثارة قوات الدرك الإيرانية التي كان يقودها ضباط سويديين، ثم بعثت ألمانيا مجموعة عناصر استخبارية بقيادة "فاسموس-Wassmuss"، لينظموا حرباً غير رسمية ضد الإنكليز في مناطق النفط، والقضاء على النفوذ البريطاني في جنوب إيران([210]). وللحيلولة دون انتشار هذا الخطر، انتدبت حكومة الهند السير "بيرسي سايكس-Sir Percy"، من الهند الى بندر عباس، ليقوم بجمع قوة من المتطوعين بقيادة ضباط بريطانيين تدعمها قوة بريطانية وهندية، لتوطيد الأمن في جنوب إيران، وقد عرفت هذه القوة، التي كان قوامها خسمة آلاف مسلح، باسم "فرقة بنادق جنوب فارس- "Sauth Persia Rifles"([211])، الاّ أن هذه الفرقة لم تستطع أن تحمي المصالح النفطية البريطانية في جنوب إيران. فقد تمكنت القوات العثمانية من اجتياز الحدود الغربية لإيران، وعقدت العزم على إنهاء النفوذ البريطاني فيها وتهديد جميع مصالحها في المنطقة. فاشتركت، مع ألمانيا، في تحريض قبائل المنطقة للثورة بوجه القات البريطانية ومصالحها([212])، ونجحوا في قطع أنابيب النفط بعد تعرضها الى أعمال تخريبية على أيدي القبائل القشقائية([213]) والعربية الموجودة في لورستان وعربستان، التي تأثرت بالدعاية العثمانية الهادفة الى مقاتلة الإنكليز والوقوف الى جانب العثمانيين ومؤازرة إخوانهم للدفاع عن الإسلام. ([214]) فقد تمكن المتطوعون العرب بمساندة القوات العثمانية إنزال خسائر غير متوقعة بالقوات البريطانية في منتصف شباط عام 1914، واستطاع فريق من الثوار نسف أنابيب النفط في مسجد سليمان، وأشعلوا فيها النيران، الأمر الذي أوقف ضخ النفط الى عبادان، ولكنهم أخفقوا في الوصول الى مصافي عبادان حيث كانت الحماية عليها مُحكمة. غير أن الشركة بحماية القوات البريطانية، اتخذت التدابير اللازمة لإصلاح أنابيب النفط وصيانتها ([215])، فاستؤنف تدفق النفط الى عبادان في الثالث عشر من حزيران 1915، بعد توقف دام خمسة أشهر([216]).
لجأت الشركة الى إجراءات غريبة، بعد أعمال التخريب، للضغط على الحكومة الإيرانية، منها امتناع الشركة عن الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه إيران، وتخفيض مدفوعاتها، بل طالبت بدفع تعويض قدره (402887) جنيهاً عما لحقها من أضرار، و (211.602) جنيهاً آخر عن خسائر انخفاض الإنتاج([217]) واستخدمت الشركة شتى الوسائل لتقليل حصة إيران من أرباح نفطها، فعلى سبيل المثال، كانت تستقطع نسبة من الأرباح الصافية باسم الاندثار، وتخصم من أرباح الحكومة الإيرانية ما كانت تمنحه لأسهم الشركات التابعة لها، علماً بأنها كانت غير مشمولة بأرباح تلك الشركات([218]). فضلاً عن ذلك، كانت تستقطع من حصة إيران (10) آلاف جنيه سنوياً بصورة تعسفية بحجة تعويض إصلاح الأنابيب. كما كانت تستقطع منها أيضاً، المبالغ التي كانت تدفعها لرؤساء العشائر لقاء حمايتهم لمناطق استخراج النفط الواقعة ضمن ديار عشائرهم. وكانت الشركة الاستثمارية الأولى تتحايل لتخفيض مداخيلها المعلنة " الى ما يقارب الصفر"، لتحرم بذلك إيران، التي كانت شريكة فيها، من أرباح الشركة. وقد مارست الشركة من أجل ذلك وسيلتين([219]):
الأولى: بيع حصتها من النفط بأسعار مخفضة الى "شركة نفط يختياري " لتبيعها بدورها الى شركة النفط الأنكلو-فارسية.
أما الوسيلة الثانية، فأنها كانت غريبة في بابها، فقد كانت شركة النفط الأنكلو-فارسية تنفذ العديد من أعمالها على حساب الشركة الاستثمارية الأولى.
كان هَمُ الإنكليز المحافظة على العلاقة بين الشيخ خزعل وبين زعماء البختيارية، حفاظاً على سير العمل في شركة النفط الأنكلو- فارسية، والمعروف عن قبائل البختيارية، أنها كانت على خلاف مستديم مع الشركة والشيخ خزعل، ولم تتوان في انتهاز الفرص لخلق المشاكل ضدهما معاً، في هذا الوقت الذي كان معظم أفرادها يعملون في حقول الشركة([220]). ويذكر أرنولد ولسن، مدير شركة النفط الأنكلو-فارسية ما بعد الحرب العالمية الأولى، أن أعمال الشركة كانت تسير سيراً طبيعياً في عربستان بفضل نفوذ أميرها، في الوقت الذي لم يكن هذا العمل ممكناً في أية منطقة أخرى من إيران([221]).