eKtab
EN ع
التائهون
Read free sample

التائهون

by أمين معلوف

Page 1
قبل يومين من وقوع المأساة، سيدوِّن آدم في مفكرته: أحمل في اسمي ولادة البشرية، غير أني أنتمي إلى بشرية تندثر.
لم أعرف أبداً لماذا اختار لي والداي هذا الاسم. في بلدي الأم، كان اسماً نادراً، لم يحمله قبلي أي فرد من أفراد أسرتي. أذكر أني طرحت يوماً على أبي هذا السؤال، فاكتفى بالقول: «إنه أبونا جميعاً!»، وكأن بوسعي أن أجهل ذلك. كنت في العاشرة من العمر، واكتفيت بهذا التوضيح. ربما كان يجدر بي أن أسأله، وهو على قيد الحياة، ما المقصود أو المرجو من هذا الاختيار.
يبدو لي أن الأمر كذلك. ففي ذهنه، كان يفترض بي أن أنتمي إلى جماعة المؤسسين. أما اليوم، وقد بلغت السابعة والأربعين، فلا بد لي من التسليم بأنني لن أنجز مهمتي. لن أكون أول سلالة، بل سأكون آخرها، آخر أهلي، والمؤتمن على أحزانهم المتراكمة، وخيباتهم، بل وعارهم وخزيهم. ولقد أنيطت بي المهمة المقيتة التي تقتضي التعرف على ملامح أحبتي، ثم الإيماء برأسي لرد الغطاء عليهم.
أنا المكلَّف بالاندثارات. وحين سيأتي دوري، سأتهاوى كما يتهاوى جذع شجرة، دون أن ينحني، مردداً لمن يشاء أن يسمعني: «لقد أصبتُ، وأخطأ التاريخ!».
تتردد تلك الصرخة المتعجرفة والسخيفة باستمرار في ذهني، لا بل بوسعها أن تكون عبارة منقوشة على هذا الحج غير المجدي الذي أقوم به منذ عشرة أيام.
لدى عودتي إلى أرضي الغريقة، ظننت أني سأنقذ بعض أطلال ماضي الشخصي وماضي أهلي. إلا أني لم أعد أتوقع شيئاً بهذا الشأن. فالذي يسعى لتأخير الغرق، يجازف بتعجيله... هذا، ولستُ نادماً على أنني قمت بهذه الرحلة. لا ريب أنني أعيد كل مساء اكتشاف السبب الذي دفع بي إلى الابتعاد عن وطني الأم؛ إلا أني أعيد أيضاً كل صباح اكتشاف سبب عدم انسلاخي عنه أبداً. وفرحتي العارمة أني وجدت، وسط المياه، جُزيرات من الكياسة المشرقية والمودة الصافية، مما يجدد حبي للحياة، في الوقت الحاضر على الأقل، ويمنحني أسباباً جديدة للمواجهة، بل وربما يمنحني ارتعاشة أمل.
وماذا في المدى الطويل؟
في المدى الطويل، كل أبناء آدم وحواء محكوم عليهم بالهلاك.
Page 2

اليوم الأول

1

يوم الخميس، حين خلد آدم للنوم، لم يخطر بباله أن الطائرة ستقله في اليوم التالي إلى الوطن، بعد سنوات من الاغتراب الطوعي، ولزيارة شخص كان قد أقسم ألا يكلمه بعد اليوم.
ولكن زوجة مراد عرفت أن تختار الكلمات المفحمة:
«صديقك يُحتضر، ويريد أن يراك».
رن الهاتف الساعة الخامسة فجراً. قبض آدم على هاتفه عشوائياً، وضغط على أحد الأزرار المضاءة، ورد قائلاً: «كلا، أؤكد لك، لم أكن نائماً»، أو تفوَّه بكذبة أخرى من هذا القبيل.
قالت له محدثته فيما بعد: «سيكلمك».
اضطر أن يحبس نَفَسَهُ للإصغاء إلى نَفَس المحتضر. وحتى في هذه الحالة، خمَّن كلامه أكثر مما سمعه بالفعل. كان الصوت النائي يلوح مثل حفيف أقمشة. اضطر آدم أن يردد مرتين أو ثلاث مرات: «بالتأكيد» و«أدري»، بدون أن يدري أو يتيقن على الإطلاق. وحين سكت الشخص على الطرف الآخر من الخط، قال له بحذر : «إلى اللقاء!»؛ أصاخ السمع لثوان معدودة أخرى متحققاً من أن زوجته لم تتناول منه السماعة؛ ثم أنهى المكالمة.
التفت إلى صديقته دولوريس التي أشعلت النور وجلست في الفراش، مستندة إلى الحائط. كان يبدو أنها تدرس الوضع، ولكنها قد حسمت رأيها.
«صديقك يحتضر، وهو يناديك، ليس بوسعك التردد، إذهب إليه».
«صديقي؟ أي صديق؟ لا أحد منا يكلم الآخر منذ عشرين عاماً!».
في الواقع، ومنذ سنوات عديدة، كلما ذكر أحدهم أمامه اسم مراد وسأله إذا كان يعرفه، أجاب على الدوام: «إنه صديق قديم». وغالباً ما ظن محدثوه أنه يريد القول:
«قديم العهد». ولكن آدم لم يكن يلقي الكلام على عواهنه. فقد كانا صديقين ثم افترق دربهما. ولذا، فعبارة «صديق قديم»، من وجهة نظره، كانت الصيغة الوحيدة الملائمة.
وعندما يستعملها أمام دولوريس عادة، تكتفي بابتسامة متعاطفة. ولكنها لم تبتسم في ذلك الصباح.
«لو تخاصمت غداً مع شقيقتي، هل ستصبح شقيقتي «القديمة»؟ وشقيقي، شقيقي «القديم»؟».
«الأمر مختلف مع الأهل، فنحن لا نملك الخيار...».
«وأنت كذلك لا تملك الخيار في هذه الحالة. إنه صديق الصبا، وأخ بالتبني. قد تكون نادماً على تبنيه إنما لم يعد بوسعك أن تتخلى عنه».
كان بوسع آدم أن يشرح لها مطولاً ما يجعل روابط الدم من طبيعة أخرى، ولكنه سيغامر بالخوض في أرض موحلة. فلا رابطة دم تربطه بصديقته في نهاية المطاف. فهل هذا يعني أن بوسع أحدهما، مهما توثقت بينهما عرى الإلفة، أن يصبح غريباً عن الآخر في يوم من الأيام؟ وأن يجابه بالرفض طلب أحدهما، وهو على فراش الموت، لحضور الآخر؟ إن مجرد التفكير بمثل هذا الاحتمال ينطوي على الكثير من الدناءة، فآثر أن يلزم الصمت.
في جميع الأحوال، لا فائدة من الجدال. فعاجلاً أم آجلاً، سيضطر إلى الإذعان. لا ريب أن لديه أسباباً كثيرة لإلقاء اللوم على مراد، والتخلي عن صداقته، بل، ومهما قالت صديقته، التخلي عنه بعد أن تبناه؛ ولكن كل هذه الأسباب لا تساوي شيئاً حين تقترب ساعة المنون. ولو رفض الذهاب لرؤية صديقه على فراش الموت، فسينهشه الندم حتى آخر يوم في حياته.
اتصل بمكتب السفريات للحجز على أول رحلة مباشرة، أي في اليوم نفسه، بعد الظهر، الساعة الخامسة والنصف؛ وسيصل إلى هناك الساعة الحادية عشرة ليلاً. كان يتعذر عليه أن يصل أسرع من ذلك.
Page 3

2

بعضهم لا يفكر إلا وهو يكتب، وآدم من ذلك الصنف، وهذه ميزة ونقيصة لديه على السواء.
فما دامت يداه في وضعية الراحة، كان عقله يسرح، عاجزاً عن كبح جماح أفكاره أو بناء تحليل متسلسل. ولا بد له من الشروع في الكتابة لكي ينتظم حبل أفكاره؛ فالتفكير عنده بمثابة نشاط يدوي.
كانت خلاياه العصبية، إذا جاز التعبير، مستقرة في أطراف أصابعه. ولحسن حظه، كانت هذه الأصابع متعددة المواهب، تنتقل دون أيما صعوبة من القلم إلى راقنة الحاسوب، ومن الورقة إلى الشاشة. ولذلك، فهو يحتفظ دوماً في جيبه بمفكرة سميكة طرية الغلاف، وبحاسوب محمول في محفظة الأستاذ. وحسب المكان الذي يجد نفسه فيه، وطبيعة ما ينوي كتابته، يفتح تلك أو ذاك.
في ذلك اليوم، كان دور المفكرة في مستهل الرحلة. فأخرجها، وبحث عن الصفحة البيضاء الأولى، ثم تريث لحين انطفاء الإشارة الضوئية قبل أن يفتح المنضدة الموضوعة أمامه.
الجمعة 20 نيسان
منذ أن أقلعت الطائرة، أتهيأ للمحنة التي تنتظرني، وأتخيل ما بوسع مراد أن يقوله لي لتبرير سلوكه، وكيف يجدر بي أن أرد عليه؛ ما كنت سأقوله له في الأوقات العادية وما بوسعي أن أقوله له في حالته؛ كيف أدعه يرحل عن هذا العالم بسلام دون الغلو في الكذب؛ كيف أهوِّن عليه دون أن أتنصل لأحكامي.
لست على يقين من وجوب الصفح عن جميع المحتضرين. فمن السهل للغاية، حين يقترب أجل أحدهم، أن نصفِّر العدادات، وأن نقيس بتسامح قساوة البعض وجشعهم، وشفقة الآخرين وتضحيتهم، بمقياس الخسائر والأرباح. أفيعني ذلك أن القتلة والضحايا، والطغاة والمقهورين، سيجدون أنفسهم أبرياء بالقدر نفسه ساعة يحين أجلهم؟ ليس عندي في أي حال. فالإفلات من العقاب، من وجهة نظري، لا يقل انحرافاً عن الظلم؛ والحق يقال إنهما وجهان لعملة واحدة.
يحكى أن الأشراف في القرون الأولى بعد الميلاد كانوا يتدبرون أمرهم، مع انتشار الدين الجديد في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية، لإرجاء اعتناقهم ما أمكن. ألم يقولوا لهم إن جميع آثامهم سوف تمحى لحظة العمادة؟ فاستمروا في حياة الفسق ولم يُعمَّدوا إلا على فراش الموت.
لا أدري ما هي قيمة هذه التوبات المتأخرة بنظر الدين. أما بنظري، فلا قيمة لها على الإطلاق. لا توبات الرومان القدامى، ولا توبات أبناء عصري.
بيد أن ساعة المنون تحتم اللياقة. وتلك اللحظة التي ينقلب فيها مصير الإنسان يجب أن تحافظ على المهابة لو شاء المرء أن يحافظ على إنسانيته، أياً كان حكمنا على المحتضر وأفعاله. أجل، ولو تعلق الأمر بأسوأ المجرمين.
وأسارع إلى القول إن تلك ليست حالة مراد. ألومه على أفعال كثيرة اقترفها، وبعضها عندي بمثابة الجرائم، إنما لا داعي للشطط في الكلام. فقد يحدث أن يقترف المرء جريمة دون أن يستحق لأجل ذلك أن ينعت بالمجرم. وبقدر ما أستنكر الإفلات من العقاب، أرفض أن أضع جميع السيئات في الخانة نفسها، متجاهلاً نيَّاتها أو جسامتها أو ظروفها. فبوسع هذه الظروف أن تكون «تخفيفية»، كما تنص القوانين، بدون أن تكون «تبريئية».
لا شك عندي ولو للحظة واحدة بأن سلوك صديقي القديم أثناء سنوات الحرب يمثل خيانة للقيم المشتركة التي كنا نؤمن بها، وأرجو ألا يسعى لإنكار ذلك. ولكن ألم يخن بسبب ولائه؟ فبدافع التعلق بالوطن، رفض الرحيل في بداية الأحداث؛ ولأنه قرر البقاء، اضطر لإيجاد بعض التسويات، والقبول، على مر الأحداث، ببعض التنازلات التي ستقوده إلى ارتكاب المحظور. لربما تصرفت مثله لو بقيت في البلد. فعن بعد، بوسعنا أن نرفض ونفلت من العقاب؛ أما عن قرب، فنحن لا نتمتع دوماً بتلك الحرية.
وخلاصة القول إن فضائله ضللته؛ وإن تخلفاتي أنقذتني. فللدفاع عن أهله، ولصون ما ورثه عن أجداده، حارب كالوحش الضاري. لم أفعل ذلك. ففي أسرة الفنانين التي ترعرعت في كنفها، لم أتشرب الفضائل نفسها، ولا تلك الشجاعة البدنية، ولا ذلك الإحساس بالواجب، ولا ذلك الولاء. فمنذ بداية أعمال القتل، رحلت، لذتُ بالفرار؛ ولم ألطخ يدي. ذلك امتيازي الرعديد بأني كنت فاراً شريفاً.
مع اقتراب موعد هبوط الطائرة، يتبين لي أن ذهني أكثر تشوشاً مما كان عليه ساعة إقلاعها. يتراءى لي مراد الآن مثل شخصية ثانوية وخائبة، مثيرة للشفقة، تائهة وسط مأساة تتجاوزها. لست مستعداً بعد لأن أسامحه على ما ارتكبه من أخطاء، غير أني ألوم بالقدر نفسه سائر العالم، وكذلك ألوم نفسي.
سأذهب إليه دون أن أبدي استياء، سأؤدي لاحقاً دوري إلى جانبه كمعرِّف علماني، وسأصغي إليه، وأحتضن يده، وأهمس له كلمات غفران لكي يسلم الروح مرتاح الضمير.
Page 4

3

لم يكن أحد ينتظره في المطار. ذلك التفصيل المزعج إنما السخيف الذي كان يجدر بآدم بالتأكيد أن يتوقعه لأنه لم يخطر أحداً بمجيئه أثار في نفسه فيضاً من الحزن وبلبلة ذهنية عابرة. اضطر إلى أن يبذل جهداً لكي يتذكر بأنه قد حط توّاً الرحال في مدينته الأم، في بلده.
20 نيسان، تتمة
اجتزت الجمارك، ناولت جوازي، استرجعته، وخرجت أجيل نظرة طفل تخلى عنه أهله وسط الناس. لا أحد. لا أحد يخاطبني، لا أحد ينتظرني. لا أحد يتعرف إلي. جئت للقاء شبح صديق، وها قد أصبحت بدوري شبحاً.
يعرض عليَّ سائق تاكسي خدماته. أوافق بنظرتي وأدعه يحمل حقيبتي إلى سيارته الدودج العتيقة المركونة بعيداً جداً عن الصف النظامي. من الواضح أنه تاكسي جوال، بدون لوحة حمراء أو عداد. لا أحتج. تزعجني تلك الممارسات عادة، ولكنها تنتزع مني ابتسامة هذا المساء. تعيد إلى ذاكرتي بيئة مألوفة، وردود فعل يمليها الحذر. أسمع نفسي أسأل الرجل بالعربية وباللهجة المحلية، كم ستكلفني التوصيلة، فقط لأتجنب عدم لياقة اعتباري من السواح.
في الطريق، كدتُ أتصل ببعض الأقارب والأصدقاء. كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل، أو قبيل ذلك بخمس دقائق تقريباً، ولكني أعرف أن بعضهم لن يمتعض، وسوف يصر على دعوتي للمبيت عنده. وفي نهاية المطاف، لم أتصل بأحد. اجتاحتني فجأة الرغبة بالبقاء لوحدي، لا يعرفني أحد، مثل المتسلل خفية.
بدأ هذا الإحساس الجديد يروق لي. الإحساس بالتخفي في بلدي، وسط أهلي، في المدينة التي ترعرعت فيها.
كانت غرفتي في الفندق فسيحة، والأغطية نظيفة، ولكن ضجيج الشارع يعلو حتى في تلك الساعة المتأخرة من الليل، وكذلك الخرير العنيد لمكيِّف لم أجرؤ أن أطفئه خوفاً من الاستيقاظ والعرق يتصبب مني. لا أظن أن الضجيج سيمنعني من النوم. فقد كان النهار طويلاً، ولن يلبث جسدي أن يتخدر، وكذلك ذهني.
جلست على السرير، ولا ضوء في الغرفة سوى ذلك المنبعث من المصباح الموجود جانباً، ومراد لا يفارق بالي. أحاول أن أتخيله كما من المفترض أن يكون الآن. في لقائنا الأخير، كان في الرابعة والعشرين، وأنا في الثانية والعشرين. أذكر أنه كان ميسور الحال، شرس الطباع، كثير الزعيق. ومن المؤكد أن المرض أوهنه منذ ذلك الحين. أتخيله الآن جالساً في بيت أسرته القديم، في الضيعة، في كرسي المقعدين، ممتقع السحنة، وعلى ركبتيه غطاء صوفي. ولعله في المستشفى، على سرير معدني، تحيط به أنابيب المصل، والأجهزة الوامضة، والضمادات؛ وبقربه الكرسي الذي سيدعوني للجلوس عليه.
غداً، سأعرف.
Page 5

اليوم الثاني

1

اتصلت زوجة مراد بآدم فجراً على هاتفه الخليوي. قالت له بجفاء ظناً منها أنه لا يزال في باريس، بدون مقدِّمات، بل بدون أن تمهد لكلامها بعبارة «آلو«:
«لم يستطع أن ينتظرك».
كانت العتمة لا تزال تلف الغرفة. أطلق آدم صفير شتيمة، ثم أبلغ محدثته بأنه قد وصل منذ البارحة وهرع، نزولاً عند طلبه، لرؤيته.
غير أنها رددت بالاندفاعة نفسها:
«لم يستطع أن ينتظرك».
الجملة نفسها، حرفياً، إنما بنبرة مختلفة، خالية من العتب هذه المرة، يشوبها الأسى والغضب وربما شيء من الامتنان لآدم. فتمتم عبارة معهودة.
وأعقبت ذلك، على هذا الطرف وذاك من الخط، ثوانٍ من الصمت. ثم قالت له الأرملة ببساطة: «شكراً!»، وكأنها ترد بتهذيب على تعزيته. ثم استفسرت عن المكان الذي يبيت فيه.
«سأرسل لك سيارة. لن تعرف أن تصل بمفردك».
لم يعترض آدم. كان يدرك أنه لم يعد يعرف أن يهتدي السبيل في هذه المدينة التي لا توجد في شوارعها لوحات بأسمائها، ولا أرقام، ولا أرصفة، وأحياؤها تحمل أسماء عمارات، والعمارات أسماء أصحابها...
السبت 21 نيسان
كانت تانيا قد لبست الحداد. وسُجي مراد بهدوء على ملاءات ليست فيها ثنية واحدة، وسُدَّ منخراه بالقطن. خُصِّص له جناح كامل – غرفتان متاخمتان، وصالون، وشرفة. المستشفى من رخام وكافور. المكان المناسب للموت كالكلب الأصيل.
أقف عند أسفل السرير ولا أبكي. أحني رأسي أمام الجثمان، وأغمض عيني، لا أحرك ساكناً، وأنتظر. يفترض بي أن أتأمل، ولكن في ذهني خواء. سأتأمل لاحقاً، سأستحضر ذكرياتي عن صداقتنا الراحلة، وفيما بعد سأحاول أن أتخيل مراد السابق. أما هنا، أمام الجثمان، فلا شيء يحضرني.
حالما أسمع خلفي وقع خطى، أنتهز الفرصة لأفسح المجال لغيري. أتوجه نحو تانيا، أعانقها باقتضاب، ثم أمضي للجلوس في الصالون الذي لم يكن صالوناً بكل معنى الكلمة. ثلاث أرائك جلدية، آلة لصنع القهوة، قناني مياه معدنية، وتلفاز مكتوم الصوت. ولكن ذلك من قبيل الترف في مستشفى. كانت أربع نساء متشحات بالسواد بالإضافة إلى رجل مسن لم يحلق ذقنه قد جلسوا قبلي. ألقي عليهم التحية بإيماءة من رأسي، وأتهاوى في المقعد الوحيد الشاغر. لا أتأمل بعد، لا أفكر في شيء. أحاول فقط أن أرسم على وجهي التعبير الملائم لهذه المناسبة.
ألمح أشخاصاً آخرين يصلون، كما في وفد، فأنهض وأقف مرة أخرى أمام الجثمان، وأقبل تانيا مجدداً وأهمس لها : «أراك لاحقاً!». أخرج من المستشفى أحث الخطى، وكأن زمرة من الكلاب تقتفي أثري.
حين أجد نفسي في الشارع، وحيداً وسط المارة، هادئاً وسط الضجيج، ترتد أفكاري أخيراً نحو ذاك الذي فارقته على فراش الموت.
أستحضر نتفاً من أحاديث، وضحكات، وصوراً. أفكر بأشياء كثيرة متبعثرة ولا أتوقف عند أي منها فيما أمضي قدماً. يعيدني بوق سيارة إلى أرض الواقع. أومئ برأسي، وأفتح الباب، وأذكر للسائق اسم الفندق الذي أنزل فيه. يخاطبني الرجل بالإنكليزية، فأبتسم وأتضايق في آن واحد. أجيبه بلغتي التي هي لغتي الأم، إنما بلكنة خفيفة دون شك. ولكي يعتذر لأنه جرح كبريائي كمغترب، يروح يشكو أحوال البلد وزعماءه، وينطلق في مدح استفزازي للأشخاص الذين تحلوا بما يكفي من الذكاء لكي يرحلوا.
اكتفى آدم بأن أومأ برأسه تهذيباً. في ظروف أخرى، كان سيشارك في الحديث، فالموضوع يعنيه. ولكنه كان مستعجلاً للاختلاء بنفسه، والانزواء في غرفته، والبقاء فيها على انفراد مع ذكرياته عن ذاك الذي لن ينطق بعد اليوم.
فور عودته إلى غرفته، تمدد على السرير وظل مستلقياً على ظهره وقتاً طويلاً. ثم نهض، وتناول مفكرته، وخربش فيها بضعة سطور، ثم قلبها، كما ليدشن، من الجهة الأخرى، مفكرة ثانية، جديدة.
على الصفحة البيضاء الجديدة، في أعلاها، في الموضع الذي يدوِّن فيه عادة التاريخ، كتب: «في ذكرى»، بمثابة نقش أو ربما بمثابة صلاة. ولم يكتب فيها شيئاً آخر. ثم انتقل إلى الصفحة التالية.
مراد، الصديق الذي تخليت عن صداقته.
فرقنا الموت قبل أن يصالحنا. والذنب ذنبي قليلاً، وذنبه قليلاً، وهو كذلك ذنب الموت. بالكاد بدأنا بوصل ما انقطع حين أخرسه فجأة.
ولكن المصالحة حصلت عملياً. لقد أعرب عن رغبته برؤيتي، فركبت أول طائرة، ولكن الموت سبقني. ولدى التفكير في الأمر، ربما من الأفضل أن الأمور جرت على هذا النحو. فللموت حكمته الخاصة، ولا بد في بعض الأحيان من تفويض أمرنا إليه عوضاً عن تفويضه لأنفسنا. ماذا كان سيقول لي صديقي القديم؟ أكاذيب، وحقائق زائفة. ولكنت تظاهرت بأني أصدقه وأغفر له لئلا أبدو عديم الشفقة مع شخص يُحتضر.
Page 6
ما القيمة التي كان سيكتسبها، في هذه الظروف، لقاؤنا المتأخر وغفراننا المتبادل؟ في الحقيقة، لا قيمة على الإطلاق. ويبدو لي ما جرى أكثر لياقة ومهابة. لقد شعر مراد، في ساعاته الأخيرة، بالحاجة لرؤيتي، فسارعت بالمجيء، وسارع هو بالرحيل. وفي ذلك شيء من اللباقة التي تشرِّف صداقتنا الغابرة، وهذه الخاتمة ترضيني.
ولاحقاً، إذا كانت هناك حياة ما بعد اللحد، فسيكون لدينا الوقت للمصارحة. أما إذا لم يكن هناك سوى العدم، فلن تعود لخصومات كائنين محكومين بالفناء، في جميع الأحوال، أهمية تذكر.
في ذلك اليوم الذي شهد وفاته، ماذا بوسعي أن أفعل من أجله؟ فقط ما تمليه عليّ اللياقة: أن أستحضر ذكراه بسكينة، فلا أدينه ولا أغفر له ذنوبه.
لم نكن صديقي طفولة. ترعرعنا في البلد نفسه، وفي الحي نفسه، إنما ليس في المحيط نفسه. تعارفنا فقط في الجامعة – إنما بسرعة فائقة، منذ مطلع السنة الأولى.
في بداية صداقتنا، كانت تلك السهرة. كنا، على ما أظن، حوالى خمسة عشر شخصاً، والشباب يفوقون البنات عدداً بقليل. لو طلب إلي أن أستحضر قائمة بأسمائهم، لنسيتُ بالتأكيد بعضهم. هو وأنا؛ وتانيا، بالطبع، تانيا التي لم تكن قد أصبحت زوجته بعد ولكنها سرعان ما ستصبح كذلك؛ وألبير، ونعيم، وبلال، وسمي الجميلة؛ ورمزي ورامز ، «الشريكان» و«المتلازمان»، أو بكل بساطة «الرمزان» كما كنا نلقبهما... كنا ندخل إلى الحياة الطلابية، بيدنا كأس، وفي قلوبنا تمرد، ونظن أننا ندخل إلى حياة الراشدين. كان أكبرنا سناً يشارف على الثالثة والعشرين؛ وبسبعة عشر عاماً ونصف العام، كنت الأصغر سناً؛ ومراد يكبرني بعامين.
كان ذلك في تشرين الأول 1971، على شرفة بيته، وهي شرفة فسيحة يرى منها المرء البحر في النهار، وأضواء المدينة التي تتلألأ في الليل. أذكر نظرته في ذلك المساء – نظرة منبهرة، مترعة. فذلك البيت ملك له، وكان من قبل ملكاً لأبيه وجده، وجد جده، بل جدوده، فقد شيِّد في مطلع القرن الثامن عشر.
وكانت أسرتي بدورها تملك فيما مضى منزلاً جميلاً في الجبل، ولكنه كان بيتاً عائلياً وبياناً معمارياً بالنسبة إلى أهلي، أما بالنسبة إلى أهله، فكان بيتهم وطناً. وقد شعر فيه مراد على الدوام بشيء من الامتلاء، بامتلاء الناس الذين يعرفون أن البلد ملك لهم.
أما أنا، فلطالما تملكني الشعور، منذ بلغتُ الثالثة عشرة، وأينما حللتُ، بأني ضيف. غالباً ما يستقبلني الآخرون على الرحب والسعة، وأحياناً بالكاد يتقبلونني، ولكني لا أقطن في أي مكان لأن ذلك من حقي. كنت على الدوام مختلفاً، غير متأقلم – اسمي، نظرتي، هيئتي، لهجتي، انتماءاتي الحقيقية أو المفترضة. غريباً كنت على نحو لا براء منه. على تراب الوطن، ولاحقاً، في أرض المنفى.
في تلك الأمسية، رفع مراد صوته، في لحظة من اللحظات، وهو يسرِّح نظره بعيداً.
«أنتم أعز أصدقائي. وهذا البيت بيتكم. إلى الأبد!».
علت بعض الدعابات، والضحكات، إنما فقط لإخفاء التأثر. ثم رفع كأسه، وأسمع رنين مكعبات الثلج فيها. فرددنا بدورنا: «إلى الأبد!». بعضنا بأعلى صوته، وبعضنا الآخر همساً. ثم ارتشفنا مشروبنا معاً.
رقرقت عيناي بالدموع. وحين أفكر بذلك اليوم، ترقرقان بالدموع من جديد، وما بيدي حيلة. تأثراً، وحنيناً، وحزناً، وغضباً. كانت لحظة الأخوة تلك الأجمل في حياتي. ومنذ ذلك الحين، مرت الحرب من هنا، ولم يسلم منها بيت أو تسلم منها ذكرى. لقد فَسَدَ كل شيء، الصداقة، والحب، والإخلاص، وصلات القربى، والإيمان، كما الوفاء. وكذلك الموت. أجل، اليوم، حتى الموت نفسه يبدو لي ملطَّخاً، مشوَّهاً.
لا أكف عن القول «تلك الأمسية»، على سبيل الإيجاز فحسب. فقد كانت هناك سهرات لا عد ولا حصر لها في الفترة التي تعارفنا فيها، تنحصر الآن في ذاكرتي بسهرة واحدة. ويبدو لي أحياناً أننا كنا دوماً متلازمين، مثل زمرة مشعثة الشعر، لا نعود إلى كنف أسرنا إلا لاستراحات وجيزة. لم تكن تلك هي الحال حقاً، ولكن ذلك هو الانطباع الذي خلفته لدي، لا ريب لأننا كنا نعيش معاً اللحظات المؤثرة والأحداث الكبرى، لنفرح بها، ونستنكرها، وبالأخص لنتشاجر بشأنها. يا الله كم كانت تحلو لنا المناقشة والمجادلة! كم كنا نزعق! كم كنا نتخاصم! ولكنها كانت مشادات نبيلة. كنا نعتقد بكل صدق أن بوسع أفكارنا تغيير مجرى الأحداث.
في الجامعة، وللتهكم من مجادلاتنا المتواصلة، أطلق علينا لقب: «البيزنطيون»، على سبيل الاستخفاف؛ وبغرض التباهي، اعتمدنا هذا اللقب، بل لقد خطر ببالنا أن نؤسس «أخوية» تحمل ذلك الاسم. ولكثرة ما طال نقاشنا للأمر، لم تبصر هذه الأخوية النور قطّ، وراحت، بالضبط، ضحية «بيزنطيتنا». كان بعضنا يحلم بأن تتحول شلتنا إلى مجمع أدبي؛ وبعضنا الآخر يفكر بحركة سياسية، تبدأ في صفوف الطلاب ثم تنتشر في المجتمع بأسره؛ وفريق ثالث كان يداعب تلك الفكرة الجذابة التي أوضحها بلزاك على طريقته في «قصة الرجال الثلاثة عشر»، ومفادها أن بعض الأصدقاء القلائل إنما المخلصين لقضايا مشتركة، والحاملين طموحاً مشتركاً، حفنة من الأصدقاء الشجعان والأكفاء، ولا سيما المتلاحمين التحاماً وثيقاً، بوسعهم أن يغيروا وجه العالم. وأنا بدوري، كنت أؤمن بذلك. وفي الحقيقة، يحدث لي أحياناً، حتى اليوم، أن أداعب وهم الطفولة ذاك. ولكن أين أجد مثل تلك الزمرة؟ عبثاً بحثت ونقبت، فلا شيء على هذا الكوكب سوى الخواء.
وفي نهاية المطاف، لم تتحول شلتنا، شلة الأصدقاء، لا إلى أخوية ولا إلى مجمع، ولا إلى حزب ولا إلى جمعية سرية. وظلت لقاءاتنا غير رسمية، ومفتوحة، عامرة بالشراب، عابقة بالدخان، صاخبة. لا تعرف التراتبية، وإن كنا نلتقي دوماً بمبادرة من مراد، وعادة، في بيته، في الضيعة، على شرفة بيته القديم.
من ذلك الموقع المعلق بين الساحل والجبل، سنشهد نهاية العالم. «العالم؟» عالمنا، على أي حال، نهاية بلدنا كما عرفناه. وأجرؤ على القول : نهاية حضارتنا. الحضارة المشرقية، وهو تعبير ينتزع ابتسامة من الجهلة وصرير أسنان من أنصار الهمجيات المنتصرة، وأتباع العشائر المتغطرسة التي تتناحر باسم الإله الواحد، والتي لا تعرف عدواً أسوأ من هوياتنا المعقدة.
كان أصدقائي ينتمون إلى جميع الطوائف، وكل واحد منهم يرى أن من واجبه، ومن قبيل الغنج والدلال، أن يسخر من طائفته – ثم بشكل لطيف، من طوائف الآخرين. كنا صورة تخطيطية للغد، ولكن الغد ظلَّ صورة تخطيطية. فسيترك كل منا نفسه يساق، تحت حراسة مشددة، إلى سجن عقيدته الإيمانية الملزمة. كنا ندعي بأننا أتباع فولتير وكامو وسارتر ونيتشه أو السورياليين، فرجعنا مسيحيين أو مسلمين أو يهوداً، وفق مذاهب محددة، وسجل يضم وفرة من القديسين، وما يرافق ذلك من ضغائن ورعة.
كنا شباباً، وكان ذلك فجر حياتنا، وكذلك غروبها. فالحرب تقترب، تزحف نحونا، مثل السحابة الإشعاعية؛ ولم يعد بوسعنا أن نوقفها؛ بل بوسعنا فقط أن نلوذ بالفرار. بعضنا لم يشأ قطّ أن يسميها باسمها، ولكنها كانت حرباً بالفعل، «حربنا»، تلك التي ستحمل اسمنا في كتب التاريخ. كانت مجرد نزاع محلي آخر بالنسبة إلى سائر العالم، وبمثابة الطوفان بالنسبة إلينا. كان بلدنا بآليته الهشة يغرق، وقد بدأ يصيبه الخلل؛ وسوف نكتشف، على مر الطوفانات، أن من الصعب إصلاحه.
ومن الآن فصاعداً، سترتبط السنوات في ذاكرتنا بالمآسي. وبالنسبة إلى حلقة أصدقائنا، برحيلنا الواحد تلو الآخر.
نعيم أول من رحل، مع جميع أهله، أبيه وأمه وشقيقتيه وجدته. لم يكونوا آخر اليهود في البلد، ولكنهم ينتمون إلى القلة القليلة منهم التي كانت حتى ذلك الحين تريد البقاء. ولقد شهدت الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين نزفاً صامتاً. فقطرة تلو الأخرى، وبدون ضجيج، اضمحلت هذه الطائفة. بعض أبنائها رحل إلى إسرائيل عبر باريس، أو اسطنبول، أو أثينا، أو نيقوسيا؛ وبعضهم الآخر اختار الاستقرار في كندا، أو الولايات المتحدة، أو إنكلترة، أو فرنسا. وقد اختار نعيم وأسرته الاستقرار في البرازيل، إنما في فترة متأخرة نسبياً، عام 1973.
Page 7
انتزع منه والداه وعداً بعدم الكشف عن مخططهما، ولا حتى لأصدقائه المقربين، وقد وفى بوعده، فلم يسرَّ بذلك إلى أحد ولم يلمِّح إليه حتى تلميحاً .
وعشية رحيله، اجتمعت شلتنا، كدأبها كل مساء تقريباً، عند مراد وتانيا، في الضيعة، لاحتساء النبيذ الساخن. حدث ذلك في أواخر كانون الثاني، أو مطلع شباط، كان البيت القديم بارداً، وقد التصق الواحد منا بالآخر حول موقد في الصالون الصغير.
أتخيل أننا تناقشنا في شتى المواضيع ، كما كنا نفعل كلما التقينا؛ تحدثنا عن الأشخاص الذين نحبهم أو لا نحبهم، وعن الأحداث السياسية، وبعض المتفرقات، وعن مخرج سينمائي أو أديب رحل مؤخراً... لا أذكر بالطبع ما كان يغذي نقاشاتنا، في ذلك المساء. وبالمقابل، أعلم علم اليقين، لأن المسألة استوقفتني حينذاك ولأني غالباً ما أمعنت فيها التفكير منذ ذلك الوقت، أن لا أحد منا ذكر في أي لحظة من اللحظات الهجرة، أو النزوح، أو الفراق. وفقط حين علمنا برحيل نعيم، مساء اليوم التالي، تراءى لنا، فيما بعد، بأن سهرتنا إنما كانت سهرة وداعية.
غير أن حادثة غريبة حصلت. كنا نتجاذب أطراف الحديث وإذ بتانيا تنفجر بالبكاء. لم يكن في حديثنا ما يبرر هذه الدموع؛ فشعرنا جميعاً، وكذلك شعر خطيبها مراد، بالارتباك. سألتها عما أصابها، فلم تقوَ على الرد لشدة ما كانت تنتحب. وعندما استعادت هدوءها، قالت: «لن نجتمع أبداً بعد اليوم». لماذا؟ لم تكن تعرف. «اجتاحني ذلك الإحساس على حين غرة مثل اليقين، فصرت أبكي».
اقترح مراد، لتهدئة روعها، وفكِّ السحر نوعاً ما، أن نجتمع كلنا في الغد، وفي الساعة نفسها والمكان عينه. لم يعترض أحد على هذا الاقتراح. لن أقسم أن الجميع قالوا، دون استثناء، «إلى الغد»، ولكن ذلك كان مفهوماً.
افترقنا مع طلوع الفجر. كنت قد اشتريت سيارتي الأولى، وهي خنفساء لونها بيج، ولقد أوصلت نعيم إلى بيته. لم يصارحني بمشاريعه. وحتى عندما كنا وحدنا، نمضي في طرقات قليلة الإنارة وخالية من المارة، لم يقل لي شيئاً.
ولاحقاً، بعد مرور سنوات عديدة، سيخبرني في رسالة أن والديه انتظرا عودته في تلك الليلة بقلق. كانا يخشيان أن يكون قد عدل عن مرافقتهما للبقاء مع شلة أصدقائه، ويتساءلان إذا كانا سيضطران للرحيل بدونه، أم سيؤجلان رحيلهما إلى موعد لاحق. وعندما عاد إلى البيت، لم يوجه إليه أي فرد من أفراد أسرته الكلام.
ولكنه رحل أخيراً مع أهله، وإلى الأبد. الهروب الأول في صفوفنا.
وبعده، كان دور بلال. ولكنه رحل بأسلوب آخر: الموت.
حين تتملكني الرغبة بصبِّ اللعنات على جميع الذين حملوا سلاحاً أستحضر ذكرى بلال، فتساورني الرغبة بأن أستثني من لعناتي شخصاً أو شخصين.
كان شخصاً نقياً.
لا أحد بوسعه أن يعلم علم اليقين ما يعتمل في نفس إنسان، ولكني عرفت بلال عن كثب، ولا أعتقد بأني أخطأت الظن بشأنه. كان كائناً مضطرباً، ولكنه نقي، أجل، وأبعد ما يكون عن الخسة.
جمعتنا الصداقة والمودة وجمعنا شيء من التواطؤ؛ بل لقد أصبح، لبضعة أشهر، أقرب الرفاق إلي – كانت فترة قصيرة ولكنها محتدمة، نلتقي فيها كل يوم، فإما يمر بي ويصطحبني، أو يواعدني في أحد المقاهي بوسط المدينة؛ ثم نمشي في الشوارع، لساعات طويلة، ونعيد بناء العالم.
كنا نتحدث عن فييتنام، والمقاومة البوليفية، وحرب إسبانيا، والمسيرة الطويلة؛ ونتحدث، بشيء من الحسد، عن الشعراء الملعونين، والشعراء المغتالين، عن غارثيا لوركا، والمتنبي، وبوشكين، وكذلك عن جيرار دو نرفال وماياكوفسكي، وإن كان هذان الأخيران قد انتحرا؛ وكنا نتحدث أيضاً عن غرامياتنا.
وفي أحد الأيام، باغتنا المطر أثناء سيرنا. للوهلة الأولى، وبدافع اللهو، والتباهي الطفولي، أردنا التظاهر باللامبالاة، ومواصلة السير بالوتيرة نفسها، منتصبي الرأس. إلا أننا تبللنا في ثوان معدودة. فهرعنا، وقد ضربنا بالخجل عرض الحائط، للاحتماء تحت شادر. وجلسنا على إفريز حجري. ذكر اسم فتاة في حديثنا – وهي صديقة مشتركة. تحدثنا عنها بتواطؤ وصراحة يثيران حتى اليوم اضطرابي فترتعش أصابعي. لزمنا الصمت لدقائق مديدة، وكأننا شئنا إخماد ما اعتمل في أحشائنا من هيجان. ثم سألني بلال:
«ألا تظن أننا ولدنا في الزمن الرديء؟».
«ومتى كنت تريد أن تولد؟».
«بعد قرن أو قرنين. البشرية تتحول، وأرغب بمعرفة ما سيؤول إليه مصيرها».
Page 8
شعرت أمام نزقه الصبياني بأنني شيخ حكيم.
«أتظن أن هناك خط وصول يمكنك أن تذهب وتنتظرنا عنده؟ لا تنخدع! ففي مسيرة الزمن، سيكون هناك دوماً، وأينما كنت، قبل وبعد، أشياء صارت خلفك، وأشياء سترتسم عند خط الأفق، ولن تأتي إليك إلا ببطء، يوماً بعد يوم. ليس بوسعك أن تشمل بنظرتك كل الأمور، إلا إذا كنت الله...».
قفز بلال من مكانه، عندما سمع هذه الكلمات، ثم ذهب ووقف مباشرة تحت وابل المطر، وهو يصرخ كالممسوس:
«الله! الله! يا لها من مهنة جميلة!».
وبعد ثمانية أيام على حديثنا، توارى عن الأنظار. لم يعد يتصل بي، وانقطعت أخباره عن جميع أصدقائنا. كنا جميعاً نعتقد أنه مع حبيبته.
صادفته مرة واحدة في مكتبة الجامعة. جاء لينسخ بعض الأوراق.
همست معاتباً: «ما عدنا نراك».
فوضع إصبعاً على شفتيه وقال: «صهْ! إنني أتدرب! فلو شاء المرء أن يكون الله، عليه أن يتخفى!».
وضحكنا معاً للمرة الأخيرة.
في ذلك اليوم، جاء لنسخ منشور أو ملصق. وحين اقتربت منه، أخفى كل شيء. لم ألح عليه. اقترحت عليه أن نخرج لشرب فنجان قهوة، ولكنه تهرَّب متذرعاً بحجة ما. ولن أراه حياً بعد ذلك اليوم.
وفي أحد الأيام، في أواخر تشرين الثاني، وكان الثلاثين أو التاسع والعشرين من ذلك الشهر، تلقيت اتصالاً هاتفياً من مراد، في ساعة مبكرة.
«لدى نبأ سيء، لا بل نبأ مشؤوم».
في اليوم السابق، حصل تبادل لإطلاق النار في أحد شوارع العاصمة بين مجموعتين مسلحتين. تكاثرت هذه الحوادث، فصرنا لا نعيرها أهمية تذكر، إلا حين يقع عدد كبير من الضحايا. وفي ذلك الحادث، جرح مقاتل واحد. وسمعت الخبر على الإذاعة، ولكنه لم يستوقفني. كان خبراً من بين أخبار أخرى.
توفي ذلك المقاتل متأثراً بجراحه، وكان بلال.
سألت مراد : «أكنت تعرف أنه حمل السلاح؟».
أجابني: «كلا. لم يخبر أحداً، ولكن الأمر لم يفاجئني. وأنت كذلك، على ما أظن...».
كان لا بد لي من الاعتراف بأني لم أعرف شيئاً، من جهتي، ولم أفطن إلى شيء، ولم ينبئني حدسي. فأن يكون أحد أصدقائي المقربين، وهو شاعر، ومثالي، وزير نساء، قد رغب بالانضمام إلى ميليشيات الليل، وبيده رشاش، لإطلاق النار على الحي المقابل، لا، صدقاً لم يخطر ذلك ببالي.
بعد ستة أشهر على موت بلال، سيحصل هروب آخر في صفوفنا: هروبي.
Page 9

2

كان آدم مستغرقاً في ذكرياته، حين رن الهاتف في غرفته. كان المتصل ابن أخ تانيا، يتصل به من طرفها ليسأله إذا كان يود أن يلقي كلمة في مأتم مراد، «باسم أصدقاء الطفولة».
أمام تردده، رأى الآخر أنه من المفيد تعداد أسماء الشخصيات التي ستتعاقب على المنصة للكلام. ولدى سماع كل اسم تقريباً، كانت ترتسم على وجه آدم تكشيرة، إنما لم يجد في نفسه وقاحة الرفض القاطع نظراً للظروف. كان يبحث عن الكلمات الملائمة حين أضاف الشاب: «سيكون الموعد يوم الأربعاء الساعة الحادية عشرة صباحاً!». فانقض آدم فوراً على هذا التوضيح العابر كخشبة خلاص وقال إنه يستحيل عليه للأسف البقاء في البلد حتى ذلك التاريخ نظراً إلى أنه مرتبط بامتحانات طلابه في ذلك اليوم بالذات.
وسيعترف في ذلك المساء في مفكرته: «إنها كذبة محضة. فمنذ شباط الماضي، أنا في نصف سنة سابعة ولست مرتبطاً بمحاضرات أو امتحانات قبل شهر تشرين الأول. غير أني لن ألقي كلمة تأبينية في مأتم مراد لقاء أي شيء.
لأي سبب؟ لم يكن بوسعي القول في لحظتها. فلقد باغتني الطلب، وبدر مني أول جواب تفوَّه به فمي.
أثق عادة باندفاعي لا لأنه لا يخطئ، بل لأني لاحظت، على مر السنين، أني كنت أخطئ في الأغلب حين أطيل التفكير، وأحاول أن آخذ المسببات والنتائج في الحسبان، أو الأسوأ من ذلك، حين كنت أستعرض في ذهني، في عمودين متناظرين، الحجج المؤيدة والحجج المعارضة.
ولذلك، أميز اليوم بين أسلوبين في التفكير. في الأسلوب الأول، رأسي يعمل مثل القدر؛ يحيط بكل العوامل في آن واحد، «يحتسبها» بدون علم مني، ثم يسلمني دفعة واحدة النتيجة النهائية. وفي الأسلوب الآخر، يعمل رأسي مثل أي سكين مطبخ عادي، ويعمد إلى تقطيع الواقع بواسطة مفاهيم تبسيطية مثل «المحاسن» و«المساوئ»، و«العاطفة» و«العقل»، فيزيدني فوق حيرتي حيرة.
كم من مرة اتخذت قرارات مفجعة لأسباب وجيهة! أو على العكس، أفضل القرارات رغم أنف المنطق السوي!
فتوصلت إلى القول إنه من الأفضل أن أقرر أولاً، في لمح البصر، ثم أخوض بأناة وروية في قرارة نفسي لأفهم هذا الخيار.
وفي ما يتعلق بالمأتم، لم يطل بي الأمر حتى أبرر، لنفسي على الأقل، رفضي العفوي، وبالتالي، تخفيف ندمي.
نظراً إلى سلوك مراد خلال السنوات الأخيرة، لا سبب لدي للمشاركة في ما سيقدم له من تكريم، ولو كان ذلك بعد رحيله. فتقديم التعازي كما تقتضي اللياقة لدى وفاة شخص عرفناه أمر مختلف عن الإيحاء بأن المرء قدم من باريس خصيصاً للكلام في مأتمه، وسط حلفائه السياسيين، وشركائه في أعماله التجارية، وعرابيه والمدينين له على السواء. فكل هؤلاء الأشخاص الذين لا بد أن صديقي السابق عاشرهم في حضيض الحرب أعرف حق المعرفة بأي أساليب أصبحوا من أصحاب النفوذ والأثرياء. ولا أريد أن أتبعهم أو أن أسبقهم في الكلام على المنصة، ولا أرغب حتى بمصافحتهم.
وإذا كنت قد رحلت عن البلد، فبالضبط لئلا أضطر لمصافحة تلك الأيادي!
بعد دقائق معدودة، اتصلت الأرملة بنفسها، لكي تلح عليه. ألا يستطيع إرجاء سفره حتى نهاية الأسبوع؟ فأكد رفضه، مكرراً الكذبة نفسها، بصورة قاطعة، بل وفظة بعض الشيء، تجنباً لأي ابتزاز عاطفي.
«آسف! أنا مضطر للسفر. فطلابي بانتظاري».
خيَّم صمت ثقيل. خانت تانيا الكلمات لإقناعه، وخانته الكلمات للاعتذار. وأخيراً، قالت، وقد سلَّمت بالأمر على ما يبدو: «أتفهَّم ذلك...وعلى أي حال، لن أنسى أبداً أنك ركبت في أول طائرة لكي تأتي وتراه».
وسرعان ما تأججت حرقة الندم لدى آدم بسبب هذا الموقف اللطيف، لا إلى حد إقناعه بالعدول عن رأيه، إنما بما يكفي ليشعر بالحاجة لتعويض غيابه عن المأتم بمبادرة ودية.
«أنوي الكتابة إلى أصدقائنا المشتركين لإخطارهم بما جرى. وأنا على ثقة أنهم سيرغبون بالتعبير لك عن مودتهم. ألبير، ونعيم، وغيرهم...».
فوافقت أرملة مراد: «أجل، أكتبْ لهم! انقطعت أخبارهم عني منذ سنوات. أعتقد أنهم سيحزنون حين يعرفون».
«بالتأكيد!».
«من المستحب أن يتسنى لنا جمع شمل جميع الأصدقاء القدامى إحياءً لذكراه. في نيسان المقبل مثلاً، بمناسبة الذكرى السنوية الأولى. أتظن أنهم سيأتون؟».
«ولم لا؟».
«بل بوسعنا أن ننظم هذا اللقاء في موعد أبكر. بمناسبة ذكرى الأربعين مثلاً».
وفقاً لتقليد قديم توارثته مختلف الطوائف المشرقية، يجري إحياء لذكرى الميت بعد أربعين يوماً على وفاته. تراءى لآدم أن الموعد يبدو قريباً للغاية لاستدعاء الأصدقاء، ولكنه لم يشأ معارضة الأرملة.
«إذا كانت هذه رغبتك، بوسعي أن أقترح عليهم ذلك».
«وأنت، هل ستعود عندئذ؟».
Page 10
«ستسنح لنا الفرصة بعد للتكلم في الموضوع».
«أنت تتهرب!».
«كلا، تانيا، لا أتهرب. ولكننا لن نقرر كل شيء في هذه اللحظة. أولاً، سأكتب إلى الأصدقاء لاستمزاجهم، ثم، نقرر ما سنفعل».
كررت على مسمعه: «أنت تتهرَّب! غداً، سترحل، وسيصبح المشروع في خبرٍ كان. كان بودِّ صديقك حقاً أن...».
واختنق صوتها.
«أقترح أن أمر بك هذا المساء، فنتحدث بهدوء عن جمع شملنا ليتسنى لي تقديم اقتراحات محددة للأصدقاء. أيناسبك ذلك؟».
لم يكن آدم يحاول فقط اختصار مكالمة تربكه. كان حريصاً بالفعل على رؤيتها قبل رحيله. يتملكه الإحساس بأنه لم يبق طويلا ًإلى جانبها. ففي نهاية المطاف، لقد قام بهذه الرحلة نزولاً عند طلب تانيا، وبالكاد كلَّمها. واكتفى بتلك الزيارة المقتضبة إلى المستشفى، وذلك العناق الصامت تقريباً. وقال لنفسه إنه يجدر به أن يمضي معها بعض الوقت، لا سيما إذا كان يعتزم السفر قبل المأتم.
«قولي لي متى تكونين لوحدك، في المساء! سآتي لرؤيتك».
خيَّم صمت طويل جداً. ولولا الأصوات التي كانت تنبعث في الخلفية، لخال المرء أن الخط انقطع.
وعندما ردَّت أرملة مراد أخيراً، استشف محدثها في صوتها بحة متهكمة.
«مسكين آدم، لقد أصبحت بالفعل مغترباً. تسألني متى أكون لوحدي؟ لوحدي، في هذا البلد، في مثل هذا اليوم؟ إعلمْ أنني في الضيعة، في البيت القديم، وأن من حولي نحو مئة شخص، بل لنقل مئتين، من الجيران والأقارب والمعارف، وكذلك أشخاصاً لم أرهم من قبل في حياتي. إنهم منتشرون في كل مكان، في الصالونات، وفي المطبخ، وفي الأروقة، وفي الغرف، وعلى الشرفة الكبيرة، وسوف يظلون هنا طوال الليل وفي الأيام القادمة. لوحدي؟ هل تظن أنني كنت سأبقى لوحدي؟ إذهبْ، سافرْ، بدون أن يعتريك الندم. إركبِ الطائرة، وعُدْ من حيث أتيت، عُدْ إلى باريس، وسنلتقى فيما بعد، في ظروف أخرى».
لم يكن بوسع آدم الرد على تانيا بالنبرة نفسها، في اليوم الذي فقدت فيه زوجها. فاكتفى بالقول مع أنه تضايق من كل هذه العدائية: «وهو كذلك! نلتقي لاحقاً. الله يخليك بصحتك!
قبل أن ينهي المكالمة.
لم أستحق هذا الهجوم!كنت أحاول أن أعرب لها عن مودتي واهتمامي. كنت أحاول أن أجاري ما تتمناه. لا شيء يبرر هجومها عليَّ بهذا الشكل.
لعلِّي أخطأت حين سألتها إذا كانت ستكون بمفردها. لا بد أنها استشفت في سؤالي استخفافاً أو شفقة. لم أقصد سوى القول إنني سأنتظر قبل زيارتها أن يغادر زوارها، وأن تكون لوحدها مع المقربين منها. ولكن ما قلته لها كان مجرد ذريعة لها. والسبب الحقيقي لغضبها أنني رفضت إلقاء كلمة في مأتم مراد، وربما، في الأصل ما شاب علاقتنا من خصام طويل كان بوسعي أن أضع له حداً نهائياً لو قبلت بالضبط إلقاء كلمة تأبينية عنه. ولكن لا أحد سيرغمني على القيام بذلك، لا بالتملق ولا بممارسة الضغط، فكيف بهذه النوبة من العدائية.
وعبثاً حاولت التفكير بتعقل، فلم أفلح في استعادة هدوئي! إنني أشعر بالإستياء!
أكثر ما جرحني في هجوم تانيا أنها طلبت إلي «العودة إلى بلدي». ربما أصبحت أعتبر باريس مثل «بلدي». ولكن ألا يجوز لي القول بأنني كذلك في بلدي في مدينتي الأم؟ لا شيء يجيز لشخص ما، أكان صديقاً أم لا، في حداد أم لا، أن يذكرني على هذا النحو بوضعي كغريب.
بما أن هناك رغبة بطردي ، فسأبقى! وأنا وحدي سأختار ، على راحتي ، موعد رحيلي.