eKtab
EN ع
التدابير الحدودية لحماية الملكية الفكرية
Read free sample

التدابير الحدودية لحماية الملكية الفكرية

by شيروان هادي اسماعيل

Page 1

المــقدمـة

في ظل التغيرات والتحولات والتطورات الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية والثقافية والعلمية والقانونية والاجتماعية التي شهدها العالم في القرون الأخيرة، برز موضوع الملكية الفكرية وهي الملكية التي ترد على أشياء غير مادية هي ناتج العقل والإبداع والتفكير والابتكار.

لقد ازداد الاهتمام وطنياً ودولياً بالملكية الفكرية في العقود الأخيرة وخاصة بعد إنشاء منظمة التجارة العالمية (WTO) ووجود اتفاقية دولية تنظم المسائل التجارية من الملكية الفكرية والتي تدعى باتفاقية (تريبس) تحت مظلة المنظمة العالمية (WTO).

وقد أثرت هذه الاتفاقية في التشريعات الوطنية لأغلب الدول الأعضاء في الاتفاقية أو التي ترغب في الانضمام إليها، إذ دفعتها إلى تشديد حماية الملكية الفكرية والاهتمام بها، وكذلك تطوير الحماية المدنية والجنائية وتنظيم أنواع جديدة من الحماية كالحماية الإجرائية الوقتية والتحفظية والحماية الحدودية.

إن التدابير الحدودية لحماية الملكية الفكرية (الحماية الحدودية) هي الإجراءات والقرارات التي تتخذ لدى السلطات الجمركية والسلطات القضائية المختصة. وبموجب تلك التدابير يتعين على الدول الأعضاء في الاتفاقية تمكين صاحب الحق في الملكية الفكرية الذي توجد لديه أسباب معقولة للشك في إمكانية حدوث استيراد أو تصدير لبضائع متعدية على حقوقه الفكرية ومنعها من الدخول إلى القنوات والأسواق التجارية.

إضافة إلى حقه في أن يطلب من السلطات المختصة اتخاذ بعض الإجراءات الأخرى لحماية حقوقه الفكرية ومنها، الأمر بإتلاف البضائع المتعدية أو التخلص منها أو الأمر بتعويض صاحب الحق عن الأضرار التي لحقته نتيجة الاعتداء على حقوقه. وفي الجانب المقابل، فانه سيكون لتلك السلطات أن تأمر طالب وقف الإفراج بأن يدفع للمستورد وللمرسل إليه ولمالكها تعويضاً مناسباً على أي ضرر سببه الوقف الخاطئ للبضائع المستوردة أو المصدرة.

لقد أدى انفتاح الحدود بين الدول وتحرير التجارة الدولية من القيود الجمركية وغير الجمركية، وتيسير حركة وانتقال البضائع أو السلع أو الخدمات المنطوية على حقوق الملكية الفكرية وازدياد الأهمية الاقتصادية لتلك الحقوق، إلى ضرورة حماية الحقوق الفكرية على الحدود بغية السيطرة على البضائع أو السلع أو الخدمات المتعدية على تلك الحقوق قبل دخولها إلى الأسواق التجارية، لأنه بعد ذلك تصعب السيطرة عليها أو احتوائها.

وبعد سقوط نظام الحكم السابق في العراق وتغيير الأوضاع السياسية والتجارية فيه، تطلع المشرع إلى تشجيع الاستثمارات الأجنبية وتشجيع العقول على الابتكار والإبداع والإنتاج عن طريق حماية حقوق الملكية الفكرية حماية فعالة. إذ تم تعديل قانون حماية حق المؤلف العراقي وقانون براءات الاختراع والنماذج الصناعية وقانون العلامات التجارية، ومن ثم تنظيم فروع جديدة من الملكية الفكرية لم ينظمها المشرع من قبل كالمؤشرات الجغرافية وعلامات الخدمة والمعلومات غير المفصح عنها والتصميمات التخطيطية للدوائر المتكاملة والأصناف النباتية.

ومن خلال استقراء ومتابعة تلك القوانين وقانون الجمارك العراقي، تبين لنا أن المشرع لم ينظم أحكام حماية حقوق الملكية الفكرية على المعابر والمنافذ الحدودية، هذا من جانب.

ومن جانب آخر نرى إن انضمام العراق إلى منظمة التجارة العالمية أصبح مجرد مسألة وقت، إذ لابد للعراق أن ينخرط مجدداً في المجتمع الدولي وتنظم تجارته دولياً من خلال المنظمة المذكورة.

Page 2

ولذلك إرتأينا ان نعالج التدابير الحدودية لحماية الملكية الفكرية بالنظر إلى كونها أحد المتطلبات الرئيسة التي جاءت بها اتفاقية تريبس، كما وإن الاتفاقية تلزم الدول الأعضاء بحماية الحقوق الفكرية في المنافذ والمعابر الحدودية.

لذا فان على المشرع العراقي وقبل الانضمام إلى تلك المنظمة تحسين الأوضاع القانونية والتجارية ليكون قادراً على الوفاء بمتطلبات الاتفاقيات التي تديرها المنظمة ومن ضمنها اتفاقية تريبس.

وتهدف هذا الكتاب إلى معالجة الفراغ القانوني في مجال التدابير الحدودية للملكية الفكرية وإيجاد حلول مناسبة له ومحاولة توجيه بعض التوصيات، التي نراها ضرورية، للمشرع العراقي فيما يتعلق بتنظيم تلك الحماية وذلك بعد إن نقارن بين قوانين بعض الدول المنظمة لهذا النوع من الحماية.

لا شك ان هناك صعوبات تواجه الباحث في كتابة أي موضوع، ومن هذا المنطلق فإننا قد واجهتنا صعوبات كثيرة في مرحلة الكتابة. لعل أهمها تتمثل في المصادر، حيث ان جميع المصادر المتوفرة لدينا في هذا الخصوص اقتصرت فقط على سرد نصوص اتفاقية تريبس المنظمة للحماية الحدودية دون الدخول في تفاصيل وجزئيات الموضوع. لذلك كان لزاماً علينا بهذا الخصوص الاعتماد وبشكل أساس على نصوص الاتفاقية ونصوص بعض القوانين المنظمة لأحكام الحماية الحدودية وتحليلها ومقارنتها، وصولا إلى مضامين أحكامها لأغراض هذه الدراسة.

كما ويخلو دراستنا من القرارات والأحكام القضائية ويرجع السبب في ذلك إلى حداثة الموضوع وعدم تنظيمه من قبل المشرع في العراق وفي أغلب الدول العربية. ومن أبرز الصعوبات التي واجهتنا في مرحلة الكتابة، عدم حصولنا على الآراء والمواقف الفقهية المعالجة لموضوع دراستنا.

يدور موضوع دراستنا حول كيفية حماية حقوق الملكية الفكرية في المنافذ والمعابر الحدودية وفقاً لأحكام اتفاقية تريبس، إذ نتناول أهم الإجراءات والقرارات التي تتخذ من قبل السلطات الإدارية والقضائية المختصة في هذا الصدد في بعض الدول الأعضاء في الاتفاقية والمنظمة لأحكام الحماية الحدودية للملكية الفكرية.

وبينّا دور الدوائر والمراكز الجمركية في حماية حقوق الملكية الفكرية، أي دورها في تنفيذ القرارات الصادرة من قبل السلطات المختصة والمتعلقة بوقف إجراءات الإفراج عن البضائع التي يشتبه بأنها متعدية على الملكية الفكرية، ودورها في اتخاذ الإجراءات الضرورية التي تنص عليها القوانين المنظمة للحماية الحدودية، آخذين بعين الاعتبار عدم الخوض في تفاصيل القواعد العامة إلا بقدر تعلقها بمواضيع هذه الدراسة.

لم نعتمد في دراستنا هذا على منهج واحد بل حاولنا، لغرض الإحاطة بالموضوع من جوانبه بشكل عام، ان نعتمد على أكثر من منهج في الدراسة، فاعتمدنا المنهج التحليلي، وذلك من خلال تحليل نصوص اتفاقية تريبس ونصوص بعض القوانين المنظمة لموضوع الدراسة بغية صياغة الحلول والمعالجات المناسبة فيما يتعلق بالتدابير الحدودية لحماية الملكية الفكرية.

كما ونعتمد أيضاً على المنهج المقارن، حيث نقوم بإجراء المقارنة بين مواقف القوانين المختلفة بصدد مسألة حماية الملكية الفكرية على الحدود. وقد أنصبت المقارنة بين نصوص اتفاقية تريبس ونصوص القانون الأردني والتونسي والصيني. كما وقد نشير إلى موقف بعض الاتفاقيات الأخرى وإلى موقف القانون العراقي والمصري وغيرها بحسب الحاجة.

سوف نقسم الدراسة إلى ثلاثة فصول، نخصص الفصل الأول للبحث عن ماهية الملكية الفكرية وحمايتها، وفي الفصل الثاني نتناول التعريف بالحماية الحدودية ونطاق سريانها، وقد تم تخصيص الفصل الثالث لدراسة متطلبات الحماية الحدودية، وننهي دراستنا هذه بخاتمة نوضح فيها ما نتوصل إليه من استنتاجات، كما نثبت فيها أهم المقترحات والتوصيات التي نراها ضرورية لمعالجة النقص الموجود في قوانين الملكية الفكرية العراقي بصدد موضوع هذا الكتاب.

Page 3

الفصل الأول : ماهية الملكية الفكرية وحمايتها؟

أدى التطور التجاري والصناعي والاقتصادي والعلمي الذي شهده العالم في العقود الأخيرة إلى حدوث تغيرات عديدة في جميع الجوانب القانونية ذات العلاقة، الأمر الذي استدعى ظهور قوانين جديدة تتناغم وتنسجم مع هذه التغيرات والتطورات الهائلة والسريعة. ولعل خير مثال على صحة ما تقدم القوانين المتعلقة بحقوق الملكية الأدبية والفنية (حقوق المؤلف والحقوق المجاورة له) وحقوق الملكية التجارية والملكية الصناعية والتي تندرج جميعها تحت سقف ما اصطلح على تسميته بحقوق الملكية الفكرية([1]).

ولأن الملكية الفكرية مازالت مصطلح حديث الولادة، فإنها تعد تربة خصبة وساحة جذب لأقلام الباحثين والمهتمين بالعملية القانونية والاقتصادية على حد سواء، ومن هذا المنطلق يأتي اختيارنا لموضوع دراستنا. ولأجل معالجة أدق لهذا المضوع نرى من الضروري التعرض لبيان مفهوم الملكية الفكرية وعلى مفرداتها ومن ثم التعرف على الطرق والوسائل الممكنة والمتوفرة لحماية تلك الحقوق.

وعليه سوف نقسم هذا الفصل إلى مبحثين، نخصص الأول للحديث عن ماهية حقوق الملكية الفكرية، نشأتها وتطورها وأهميتها ونطاقها وطبيعتها القانونية وذلك لنتعرف أكثر على تلك الحقوق. أما في المبحث الثاني نتولى الحديث عن مفهوم الحماية وبيان الطرق التي تتم من خلالها حماية تلك الحقوق.

Page 4

المبحث الأول : ماهية الملكـية الفكريـة

نتناول في هذا المبحث بيان ماهية الملكية الفكرية ابتداء من تأريخ نشوئها ومروراً بالحضارات القديمة إلى أن نصل إلى المراحل التي تطورت فيها هذه الملكية وتم تنظيمها في تشريعات الدول المختلفة وزاد الاهتمام بها وقد تم تنظيم الملكية الفكرية إقليمياً ودولياً من خلال المعاهدات والاتفاقيات وأصبحت موضع اهتمام المنظمات الدولية والإقليمية المتخصصة. ومن ثم نتطرق إلى أهمية الملكية الفكرية من الناحية الاقتصادية والعلمية والسياسية والاجتماعية والقانونية والفنية والثقافية.

وبعد ذلك نبين الحقوق المختلفة التي تجتمع في أسرة الملكية الفكرية وبيان نطاقها والمفردات التي تندرج تحتها، ومن ثم نحاول تحديد طبيعة الحق الفكري لمعرفة موقعه بين مختلف الحقوق الأخرى، لذا نقسم هذا المبحث الى مطلبين، في المطلب الأول نتعرض إلى نشأة الملكية الفكرية وتطورها التاريخي وأهميتها، ثم بعد ذلك نبين نطاقها وطبيعتها القانونية في المطلب الثاني.

Page 5

المطلب الأول : نشأة الملكية الفكرية و تطورها التاريخي وأهميتها

نقسم هذا المطلب إلى فرعين، نتناول في الفرع الأول النشأة التاريخية للملكية الفكرية وتطورها، ونخصص الفرع الثاني لأهميتها وتأثيراتها على نواحي الحياة المختلفة.

الفرع الأول: نشأة الملكية الفكرية وتطورها التاريخي

في هذا الفرع نتناول نشأة الملكية الفكرية في بعض الحضارات القديمة، والتي نشأت فيها الملكية الفكرية عبر التاريخ، ومن ثم نتعرض الى تطورها والى تنظيمها في قوانين بعض الدول وفي بعض الاتفاقيات الدولية، وذلك في الفقرات التالية.

أولاً: نشأة الملكية الفكرية

لم يتوقف العقل عن الإبداع منذ أن خلق الله آدم وحباه بنعمة العلم وعلَّمه ما لم يعلم، حيث قال تعالى في كتابه الكريم (وعلم آدم الأسماء كلها)([2]). وسعى الإنسان قديماً إلى توظيف الطبيعة لتوفير حاجاته الضرورية من مأكل وملبس ومسكن، والتي كانت بدائية وبسيطة في الأصل، حيث كان الإنسان يعتمد في صنع حاجاته من الآلات والأدوات على الحجارة والخشب والقرون والأصداف والعظام، إلا ان الإنسان استطاع تطويرها بالممارسة والتجربة، وكان ينقل أمتعته بنفسه ثم أخذ يستخدم الحيوانات في سبيل ذلك إلى أن استطاع صناعة العربة التي تجرها الحيوانات. وأستمر في الإنجاز والإبداع، وصنع ما يلزمه في مسيرة حياته وأخذ ذلك يتطور شيئاً فشيئاً الى أن وصل إلى ما هو عليه من تقدم ورفاهية([3]).

تعد الحضارة السومرية من أقدم الحضارات التي عرفها التأريخ البشري، ويعد السومريون من أقدم الشعوب العريقة حيث ابتدعوا الكتابة بأشكالها المختلفة كالكتابة الصورية والمسمارية، ويعد اختراع الكتابة قبل خمسة آلاف سنة بداية لما يعرف بالعصور التاريخية([4]). والكتابة هي أهم محصلة حضارية حققها الإنسان، إذ كان لها الدور في تدوين تأريخ البشرية ولولاها لما استطاع الإنسان نقل علومه وتراثه من السلف إلى الخلف([5]). كما وان الآثار المتبقية تدل على ان هذه الحضارة اشتهرت بفنون أخرى مثل فن الرسوم الجدارية الملونة وفن النحت على الصخور وعلى الأواني المصنوعة من الفخار والمرمر وفن العمارة([6]).

كما تدل الحفريات الأثرية على ان الحضارة الفرعونية قد اشتهرت أيضاًًًًًًًً بأنواع مختلفة من الفنون كالرسم والنحت والعمارة، حيث ان آثارها تدل على وجود فنانين مبدعين كانوا يعبرون من خلال رسومهم ونحوتهم وأبنيتهم عن مظاهر حضارتهم القديمة وحياتهم السياسية والاجتماعية والدينية والقانونية([7]). وان تمثال (أبي الهول) أكثر الأمثلة حضوراً في الأذهان والذي يدل على مواهب إبداعية أصيلة لدى صانعه([8]).

وان الحضارة الصينية العريقة عرفت صناعة الورق والذي يعتبر حدثاً هاماً في حياة الصينيين وكان له أثر كبير في نشر الإنتاج الفكري. كما ان الصينيين هم أول من عرفوا بعض طرق الطباعة في عصور مبكرة واستعملوا قوالب الحروف الخشبية لغرض الطباعة في القرنين السابع والثامن، ولم يقفوا عند هذا الحد بل قاموا بتطوير فن الطباعة في الفترة مابين (1048-1401) بابتكار الحروف المتحركة والطباعة بالحروف الملونة([9]).

Page 6

أما في اليونان، فقد كان هناك نظام خاص لحماية الملكية الفكرية، حيث يدل تأريخ الطباعة على أن اليونانيين القدماء أنشأوا مكتبة وطنية لحماية حقوق المؤلفين لقاء إيداع عدد من نسخ إنتاجهم فيها، وكان يودع في المكتبة نسخ رسمية من مسرحيات كبار الكتاب المسرحيين اليونان، وذلك لمنع تسرب نصوص هذه المسرحيات خارج البلاد. وهكذا عرف اليونانيون في أثينا أقدم مثل على مكتبة عامة كانت مركزاً لإيداع المصنفات بهدف حمايتها وحفظها والاستفادة منها([10]).

وفي روما القديمة وجد بعض صور الاستنساخ والتقليد وتزوير المصنفات الفنية كاللوحات والتماثيل ووجدت في الوقت ذاته بعض الوسائل التي يمكن للمؤلف الاعتماد عليها لدفع الاعتداء الواقع على مصنفه، وان هذا النوع من الاعتداء على المصنفات الفنية تعد من أكثر صور الاعتداء على المصنفات قدماً([11]).

ويكشف لنا التأريخ أن بعض شعراء العرب كانوا يتعرضون للسرقات الشعرية عن طريق انتحال واقتباس بعض الأبيات أو الجمل الشعرية من الطارئين في مجال الشعر وإلقائها علناً دون ذكر قائلها الأصلي، وهذا يدل على ان العرب قديماً قد عرفوا ما يسمى بجريمة الانتحال الأدبي في مجال الشعر والنثر([12]).

وفي الشريعة الإسلامية، يمكننا القول بأن الإسلام عرف بعض صور الملكية الفكرية وعرف فقهاء الشريعة وعلماؤها بعض المفاهيم والمفردات المتعلقة بها ووضعوا لها القواعد والضوابط التي تحكمها وتوفّر الوسائل اللازمة لحمايتها والاعتداء عليها. ويذهب رأي([13]) إلى ان الابتكار الذهني والحث على العلم والانتفاع به واستنساخ المصنفات والحق المالي للمؤلف والحق الأدبي، من أهم المفاهيم والمفردات التي عرفها فقهاء الشريعة وعلمائها في مجال الملكية الفكرية. كما وأن فقهاء الشريعة الإسلامية اعتبروا الابتكار شرطاً أساسيا للإبداع الذهني والذي يجب توفره في العالم أو المؤلف أو الأديب([14]).

وأن للمؤلف مكانة رفيعة وتقديراً كبيراً في نظر الشريعة وأطلقت عليه لفظ العالم حيث قال عز وجل (إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء)([15])، وعلا الله من قيمة العلم والعلماء بقوله تبارك وتعالى (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)([16]). وحث الإسلام الناس على العلم وأوجب عليهم التعلم وطلب العلم، فقد جاء في الحديث الشريف (من سلك طريقاً يطلب فيه علماًً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة)([17])، ويبدو من ظاهر هذا الحديث ان الرسول ساوى بين طلب العلم والتقوى.

أما في مجال استنساخ المصنفات، فان النسخ قبل ظهور المطابع كان يعد الوسيلة الوحيدة بيد العلماء والمؤلفين لإبراز مؤلفاتهم، وأصبح النسخ حرفة رائجة وسوقاً نافعة، وقد عرف الكثير من علماء المسلمين استنساخ الكتب وتصحيحها وتجليدها والاتجار بها([18]).

وفي مجال الحق المالي، فان الدولة الإسلامية كانت تقوم بشراء الحقوق المادية للمؤلف من خلال تكليفها له بالكتابة في موضوع معين تحدده الدولة مع التزام الأخير بعدم المساس بحقوقهم الخاصة، وهذا يدل على ان للمؤلف حقاً فيما ألَّف وله أخذ عوض مقابل إنتاجه وإبداعه الفكري([19]). كما جاء في قرار مجمع فقهاء المسلمين بأن حقوق التأليف مصونة شرعاً ولأصحابها حق التصرف فيها ولا يجوز الاعتداء عليها([20]). ويدل هذا القرار على أن الشريعة الإسلامية تحمي، إلى جانب الحق المالي، الحق الأدبي للمؤلف من العبث والاعتداء، وان من أهم مظاهر حماية الحق الأدبي هو الأمانة العلمية، والتي تعد جوهر الحماية للإنتاج الفكري.

وخلاصة القول، ان المسلمين عرفوا بعض مفاهيم ومفردات الملكية الفكرية ووفروا لها الحماية الكفيلة بعدم المساس بها، مع ملاحظة كون الحماية المقررة عند المسلمين لم تتخذ شكل التشريع بل كانت على شكل أعراف([21])، وبالتالي فان الأعراف الإسلامية عرفت مفردات الملكية الفكرية.

ثانياً: التطور التأريخي لتنظيم حقوق الملكية الفكرية

لا يوجد تاريخ ثابت لتنظيم حقوق الملكية الفكرية في تشريعات الدول، نظراً لاختلاف الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الموجودة في كل منها، ثم ان بعض الحقوق حظيت بالاهتمام والتنظيم من قبل المشرع في بعض الدول قبل الدول الأخرى مثلا إنجلترا سبقت الدول في تنظيم وحماية حق المؤلف، بينما العلامة التجارية تم تنظيمها لأول مرة في فرنسا، وهكذا فان المشرع في أغلب الدول قام بتنظيم حق أو أكثر من الحقوق الفكرية، ثم بعد ذلك دعت الحاجة الى تنظيم هذه الحقوق دولياً.

بدأت حقوق الملكية الفكرية تنظم بشكل بسيط في تشريعات بعض الدول، حيث عرف بعض جمهوريات إيطاليا الشمالية نظام حماية المنتجات في نهاية عام 1400 في عصر ازدهرت فيه الحرف اليدوية، وأصبحت منتجات الحرفيين تجد أسواقا في كل مكان. وبعدها صدر أول قانون متعلق بالملكية الفكرية في البندقية في 19/ 3/1474([22]).

وتعاقبت الدول في تشريع القوانين المتعلقة بتنظيم مفردات الملكية الفكرية وشهدت فترة ما بعد القرن السادس عشر حركة تشريعية واسعة في أغلب بلدان أوروبا وأمريكا. حيث صدر قانون البراءات البريطاني والذي يسمى بـ(قانون الاحتكارات) عام 1624 وينظر إلى هذا القانون على أنه وضع أسس قانون البراءات، مع ملاحظة أن جذور قوانين البراءات ترجع إلى مدينة البندقية، ويعد أول تشريع من حيث تحديده لإجراءات ومستلزمات منح البراءة([23]). ثم صدر القانون الفرنسي عام1791، والقانون السويدي عام 1819، والقانون الأمريكي عام 1836، والقانون الألماني عام 1877، والقانون النرويجي عام 1885. وفي الدول العربية، فان تونس تعد من أوائل الدول العربية التي صدر فيها قانون براءات الاختراع عام 1888، ومن ثم لبنان عام 1924، وإمارة شرق الأردن عام 1935 وسوريا عام 1946، ومصر عام 1949([24])، والعراق عام 1970.

وفي مجال حقوق المؤلف، يذهب رأي([25])، إلى أن نواة قانون حماية المؤلف ترجع إلى العصور الوسطى في أوروبا، حيث استخدمت الأنظمة الدكتاتورية قوانين حق المؤلف لغرض السيطرة على المؤلفات والرقابة على المنشورات، لذلك فقد أوجدت السلطات الحاكمة أنظمة تدعم سيطرتها على المنشورات والمؤلفات وأهمها نظام الامتيازات والذي كان بمفهومه آنذاك يتضمن منح الناشرين ودور النشر الموالية للسلطة رخصاً من السلطة لنشر المؤلفات.

و يربط الكثير من الباحثين بين نشأة حق المؤلف وبين اختراع الطباعة في أوروبا في القرن الخامس عشر، وينظرون إلى اختراع الطباعة بأنها نقطة تحول في تأريخ الملكية الفكرية وحمايتها([26])، ولكن تقنية الطباعة كانت موجودة في الصين قبل أن يخترعها الأوروبيون بعدة قرون.

وبعيداً عن الجدل الدائر حول نشأة حق المؤلف، نعرض فيما يلي تأريخ صدور بعض قوانين حق المؤلف في بعض الدول، حيث صدر أول قانون خاص بحماية حق المؤلف في إنجلترا في 10 أبريل 1710 المعروف باسم قانون (الملكة آن) وأعترف فيه لأول مرة بوجود حق فردي (استئثاري) في حماية العمل المنشور([27]). وفي فرنسا أصدر الملك لويس السادس عشر المراسيم الستة عام 1777، ثم بعد الثورة الفرنسية شهدت فرنسا حركة تشريعية واسعة وصدر عام 1791 أول مرسوم خاص بحقوق المؤلف وتوالى إصدار المراسيم إلى عام 1957، وهو العام الذي صدر فيه القانون الخاص بحماية الملكية الأدبية والفنية وحل محل المراسيم السابقة، وفي الولايات المتحدة الأميركية صدر أول قانون فدرالي لحماية حقوق المؤلف عام1790، وفي روسيا عام 1837([28]).

Page 7

أما بالنسبة للدول العربية، فقد صدر أول قانون لحماية المؤلفات الأدبية و الفنية في المغرب وذلك في عام 1916، ثم في لبنان عام 1924، ومصر عام 1954، والجزائر عام 1973، والأردن عام 1992، والسودان عام 1996، والكويت عام 1999([29]). وفي العراق كان القانون المعمول به هو قانون حق التأليف العثماني الصادر في 8/5/1912 والذي تم إلغاؤه بصدور قانون حماية حق المؤلف العراقي عام 1971.

ويلاحظ ان المشرع العراقي قد تأخر عقدين من الزمن في إصدار هذا القانون، حيث ان القانون المدني العراقي لسنة 1951 قد اعترف بحقوق المؤلفين وأرشد المواطن إلى أحكام القانون الخاص بحق المؤلف المزمع إصداره آنذاك([30]).

وفيما يتعلق بالعلامات التجارية، فان الاهتمام بها يعود إلى عصر الرومان حيث استخدمت من قبل الصناع والتجار لتمييز منتجاتهم ولمنع سرقتها. ثم استخدمت بشكل إلزامي في القرون الوسطى وخاصة في فرنسا، وإيطاليا التي كان يسود فيها نظام الطوائف، وذلك لتمييز منتجات كل طائفة عن الأخرى، فكانت المنتجات تختم بختم الطائفة المنتجة لها([31]).

وعلى الصعيد التشريعي، فقد صدر أول قانون خاص بالعلامات التجارية في فرنسا عام 1857، وفي إيطاليا عام 1868، وفي إنجلترا عام 1879، وفي إسبانيا عام 1929، وفي الولايات المتحدة عام 1946([32]). وفي الدول العربية، صدر أول قانون خاص بالعلامات التجارية في تونس عام 1889، ومن ثم توالى سن مثل هذه التشريعات، إذ صدر في المغرب عام 1916، ولبنان عام 1924، وفي الأردن عام 1930، وفي مصر عام 1939، وفي سوريا عام 1946([33]). وفي العراق عام 1957.

وفي القرن التاسع عشر وعندما أدركت الدول الصناعية أهمية حقوق الملكية الفكرية في النمو الاقتصادي وتأثيرها في توطيد وتعزيز العلاقات الدولية والتجارة الدولية وازدياد حركة المبادلات التجارية بين الدول، أخذت الدول الصناعية بترويج فكرة تدويل الحماية، مدعية ان القوانين الوطنية وحدها من شأنها ان تجعل الحماية في وضع غير مستقر وغير ثابت، وان توفير الحماية على صعيد دولي من شأنه ان يكون له مردود هائل على الاقتصاد العالمي بما سوف ينتج عنه من تشجيع للصناعات المختلفة وفتح باب التنافس بين مختلف الدول على نحو يضمن مزيداً من الإنتاج والإبداع. ولم يستغرق البحث عن آليات تضمن بها الدول المتقدمة توفير الحماية لحقوق الملكية الفكرية جهداً، فقد وجدت هذه الدول فكرة الاتفاقيات الدولية لتوحيد النظام القانوني للقواعد الموضوعية التي تحكم الملكية الفكرية([34])، وكانت نتيجة تلك الفكرة أبرام اتفاقية باريس في 20 آذار 1883 وهي أول اتفاقية متعددة الأطراف لحماية حقوق الملكية الصناعية، ثم اتفاقية برن لحماية المصنفات الأدبية والفنية والتي أبرمت بسويسرا في 19 أيلول 1886([35]).

ونذكر بعض الأمثلة للاتفاقيات والمعاهدات الدولية والإقليمية الحديثة بشأن الملكية الفكرية، منها اتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية (TRIPS)([36]) عام 1994. ومعاهدة براءات الاختراع الأوروبية (EPC)([37]) عام 1973، واتفاقية التجارة الحرة بين دول أمريكا الشمالية (NAFTA)([38]) عام 1993. ومن المنظمات الدولية، المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO)([39]) والتي نشأت في ستوكهولم في 14 تموز 1967، ومنظمة التجارة العالمية (WTO)([40]) والتي أسست في مراكش في 15 نيسان 1994.

Page 8

الفرع الثاني: أهمية الملكية الفكرية

عند بحثنا في التطور التشريعي لتنظيم حقوق الملكية الفكرية، اتضح لنا ان هذه الحقوق قد حظيت باهتمام واسع على نطاق دول العالم، حيث تم وضع قوانين محلية في أغلب الدول لحماية هذه الحقوق، كما وان الكثير من دساتير دول العالم كفلت حماية حقوق المؤلفين والمخترعين وتوفير الفرص لهم لتنمية قدراتهم العلمية والإبداعية والفنية([41]). ونظراً للأهمية المتزايدة للحقوق الفكرية وتأثيراتها على النواحي الاقتصادية والعلمية والسياسية والاجتماعية والقانونية والثقافية والفنية، فقد تم تنظيم تلك الحقوق دولياً من خلال الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، وان الكثير من المواثيق والمعاهدات الدولية والإقليمية([42])، أكدت على حماية المصالح المعنوية والمادية للمؤلفين والمخترعين والمبتكرين في إنتاجهم العلمي والفكري.

فقد كان غنى الدول الى زمن ليس ببعيد يقاس بما يملكه من الثروات الطبيعية من المعادن والمواد الخام، أما الآن فان اقتصاد الدولة يقاس بمقدار ما تمتلكها الدولة من الحقوق الفكرية والثروات البشرية. إذ لا يمكن لأي مجتمع أن يتطور ويتقدم في أي مجال كان، دون تنمية موارده البشرية وطاقاته المبدعة، فان الموارد الطبيعية مهما كانت أنواعها لا يمكن استغلالها والاستفادة منها دون وجود الطاقات البشرية، إذ ان تلك الطاقات هي التي تتولى مهمة تحويل الموارد الطبيعية من المعادن والمواد الأخرى من شكلها الخام الى شكلها المصنوع([43]).

لذلك نجد اليوم أن هناك بعض الدول تمتلك موارد وثروات طبيعية متواضعة إلا انها تعد من الدول الصناعية الغنية لأنها تمتلك قدراً كبيراً من العقول والحقوق الفكرية، في حين هناك دول تتمتع بوجود حصة كبيرة من الثروات والموارد الطبيعية فيها لكنها تعد من الدول المتخلفة صناعياً لأنها لا تمتلك من الحقوق الفكرية والثروات البشرية إلا الشيء اليسير، وان رصيدها من الثروات الطبيعية يتناقص باستمرار وذلك بعكس الدول المتقدمة والتي تضيف كل يوم شيئا جديدا الى رصيدها من الإنتاج الفكري والاختراع والابتكار، وهذا يؤكد على ان الملكية الفكرية أصبحت المقياس الذي يحدد ثراء الدول من عدمه([44])، وان الموارد الطبيعية وحدها لا تكفي لبناء دولة منتجة قوية قادرة على التنافس في المحافل الدولية.

إن هذا الاختلاف بين الدول في امتلاكها للحقوق الفكرية أدى إلى تقسيم دول العالم إلى ثلاث مجموعات، الدول المتقدمة، والتي تمتلك معظم عناصر التكنولوجيا، ودول تسعى نحو التطور، وهي التي تمتلك بعض عناصر التكنولوجيا وتسعى نحو امتلاك المزيد منها، أما المجموعة الثالثة والتي تمثل الغالبية، فهي دول متخلفة، تنعدم فيها مظاهر التطور والتقدم وتفتقر إلى عناصر التكنولوجيا والاختراعات الحديثة([45]). فالاختلاف بين الدول في امتلاك هذه الحقوق، يؤدي أيضاً إلى اختلاف كبير في درجة الإنتاج وجودته ومستوى الدخل القومي.

أن أهمية الملكية الفكرية تبرز أيضاً في مجال الاستثمارات المختلفة، حيث ان الحماية القوية لحقوق الملكية الفكرية قد تخدم مصالح الدولة عن طريق جذب الاستثمارات الأجنبية ورؤوس الأموال إليها، فالدولة التي تحترم تلك الحقوق يزداد ميل المستثمرين إليها لممارسة نشاطاتهم الاستثمارية فيها في مختلف المجالات الصناعية والتجارية والزراعية والخدمية.

والكثير من هذه الاستثمارات تحوي شكلاً أو أكثر من أشكال الملكية الفكرية والأسرار التجارية، وبالتالي فان العلاقة بين حماية الملكية الفكرية والاستثمار علاقة هامة، لأنه إذا كان نظام الحماية معدوماً أو ضعيفا، فان ذلك سيؤدي إلى زيادة التعدي على حقوق الملكية الفكرية مما يجعل الدولة أقل جاذبية للاستثمار، أما إذا كان نظام الحماية قوياً وفعالاً، فان ذلك يشجع الاستثمار الأجنبي في الدولة([46]).

أما من الناحية العلمية، فان أية دولة إذا أرادت أن تتقدم وأن تشجع الطاقات البشرية على إطلاق الإبداعات الفكرية، عليها أن تدعم مناهج التعليم في المؤسسات التربوية والتعليمية ومراكز البحث والتطوير وتقوية البنية التحتية في مجال البحث والاختراع والفن والعلوم. إذ لا يوجد تقدم تكنولوجي بدون تقدم فكري ومن دون ضمان الحريات واحترام حقوق الإنسان والعملية الديمقراطية وسيادة القانون وإرادة الشعب، كما وان احترام الفكر الإنساني وما يبدعه وما يضيفه من ابتكارات هو حجر الزاوية في دفع عجلة التطور في أي مجتمع.

إن الصراع العالمي في الوقت الحاضر، وان أخذ أبعاداً سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، هو سباق نحو التقدم العلمي، فجوهر كل صراع هو صراع علمي، وان الدول الصناعية التي تقدمت في مختلف المجالات، جاء تقدمها من باب العلم، فالقدرة على الاختراع والاكتشاف والتأليف لدى تلك الدول إنما جاءت نتيجة لانتشار العلم والمعرفة لديهم([47]).

وقد تؤدي الحماية الفعالة لحقوق الملكية الفكرية إلى تحقق المزيد من الإنجازات التكنولوجية، وإلى تنشيط حركة البحث والاستقصاء لدى المبتكرين، وإلى دفع عجلة التقدم العلمي في كافة المجالات الصناعية والتجارية والزراعية، ولذلك تعد الحماية الفعالة لتلك الحقوق أحد أبرز المقومات الرئيسية لتعزيز القدرات والكفاءات وتشجيع الابتكارات والاختراعات([48]).

لا أحد ينكر أهمية الملكية الفكرية في تشجيع المبدعين والمبتكرين وديمومة نشاطهم في البحث والتطوير وذلك بمكافئتهم عن طريق خلق قوة احتكارية مؤقتة تسمح لهم بتقاضي أثمان منتجاتهم التي ابتكروها([49]). إلّا ان الربط بين الحماية القوية للملكية الفكرية وبين التطور العلمي والنمو الاقتصادي، فهو أمر غير محتوم ولم تثبت صحته، حيث هناك دول كانت حماية الملكية الفكرية فيها ضعيفة، ومع ذلك استطاعت أن تبني لنفسها قدرة تكنولوجية محلية كبيرة، مثل الصين وهونغ كونغ وتركيا والبرازيل([50]). كما وان الكثير من الدول الصناعية اعتمدت في بادئ الأمر على فن التقليد في تطوير قدراتهم العلمية والتكنولوجية([51]).

ولا تقتصر أهمية الملكية الفكرية على النواحي الاقتصادية والعلمية، بل تتعداها لتشمل الناحية السياسية أيضا، إذ ان امتلاك الحقوق الفكرية واحتكارها من قبل الدول المتقدمة، كان ولا يزال السبب الرئيس في تمتع تلك الدول بالمكانة الرفيعة التي تحظى بها بين دول العالم، إضافة إلى النفوذ السياسي الذي تملكه تلك الدول في مواجهة الدول الأخرى([52])، حيث أصبحت الحقوق الفكرية والتكنولوجيا الحديثة سلاحاً بيد الدول المتقدمة، يحتفظون بها ولا يسمحون بنقلها إلى الدول الأخرى إلا بالقدر اليسير وبشروط تعسفية، وذلك حتى يبقى لهم دور الريادة في مجال التكنولوجيا وتضمن صدارة التقدم والتفوق السياسي والاقتصادي في الساحة الدولية، هذا من جهة، وتضمن تبعية الدول الأخرى غير المتقدمة لهم من جهة أخرى.

وتترتب على منح حقوق الملكية الفكرية آثار اقتصادية واجتماعية قد تؤثر على مدى تمتع الإنسان بحقوقه، وتنعكس أهمية الملكية الفكرية في هذا العصر، بالنسبة لحقوق الإنسان، في جانبين، يتمثل أولهما في اتساع المجالات التي تغطيها أنظمة الملكية الفكرية والتي أصبحت تشمل على سبيل المثال، تسجيل الاختراعات المتعلقة بالكيانات البيولوجية، كالنباتات والحيوانات المعدلة وراثياً، وهذا ماجعل من قواعد الملكية الفكرية محاصراً بالمبادئ الأخلاقية، ويتمثل التطور الثاني في ظهور اتفاقية دولية تضم قواعد عالمية تخص الملكية الفكرية وهي اتفاقية (تريبس)، حيث تهدف هذه الاتفاقية إلى توحيد قواعد حماية الملكية الفكرية في العالم، وهذا التوحيد قد يؤدي إلى ظهور أشكال من الحماية للملكية الفكرية لا تتناسب مع الأهداف الاجتماعية لها، أي تحقيق رفاهية المجتمع عن طريق الحماية وتوفير حوافز الابتكار والاختراع([53])، لأن نظام الملكية الفكرية الملائمة لدولة نامية يختلف عن النظام الذي قد يصلح لدولة صناعية متقدمة والتي تسعى دائماً إلى احتكار هذه الحقوق وحمايتها حماية قوية وفعالة.

ولذلك، فان المبالغة في حماية حقوق الملكية الفكرية أو عدم وجود الحماية تؤدي إلى إعاقة الإبداع واعتراض سبيله وتؤثر بالتالي على تمتع الإنسان بحقوقه، لذلك، ولتحقيق الرفاهية، فان التوازن ضروري بين حماية مصالح المجتمع وبين المصالح الخاصة لأصحاب حقوق الملكية الفكرية، أي التوازن بين حق كل فرد بالتمتع بمزايا التقدم العلمي وتطبيقاته، وحق كل فرد في حماية مصالحه المعنوية والمادية الناجمة عن أي اثر علمي أو أدبي أو فني من صنعه([54]).

إن قوانين الملكية الفكرية تعد من أحدث المواضيع القانونية، كونها تنظم وتعالج الحديث والجديد من العلوم والفنون والتكنولوجيا. لذلك فان طبيعة قوانين الملكية الفكرية تختلف عن القوانين الأخرى، كونها تتضمن جوانب قانونية وتقنية تؤثر وتتأثر بالتكنولوجيا والعلوم الحديثة([55]). ويعني هذا ان قوانين الملكية الفكرية في أزمة دائمة، إذ إنها محاصرة بوجود ممارسات الثورة التقنية الرقمية (Digital) والتقنية الحيوية([56])، وظهور مصطلحات قانونية جديدة كالجرائم الالكترونية أو القرصنة الإلكترونية.

وهذه المسائل جميعها تمثل تحدياً جديداً أمام الملكية الفكرية كونها تعد الشكل القانوني لعصر المعلومات، ولذلك عليها استيعاب المستجدات التي أفرزتها الثورة التقنية والتكنولوجية، إما عن طريق تكييف القوانين الحالية للملكية الفكرية بشكل يمكنها تنظيم هذه الحقوق والمستجدات، أو عن طريق تعديل قوانين الملكية الفكرية أو إحداث الجديد منها بحيث تغطي التقنية الحديثة([57]).

ومن الناحية الثقافية فان حماية الإنتاج الفكري هي إحدى الوسائل الهامة لدعم وإثراء ونشر التراث الثقافي([58])، وذلك لأن دعم وإثراء الثقافة الوطنية لأي شعب يعتمد على مستوى الحماية التي تتوفر للإبداع والابتكار الذهني، إذ قد يؤدي احترام حقوق المؤلفين وتوفير المناخ الملائم لهم إلى تحفيزهم وتشجيعهم على الإبداع والابتكار.

كما وان لحقوق الملكية الفكرية أهمية كبيرة من الناحية الفنية والأدبية، حيث إن انتهاك هذه الحقوق أو سرقتها أو تحويرها تضر بالفنانين والأدباء، ونجد ان بعض الفنانين يتعرضون للعديد من الانتهاكات، ومن هذه الانتهاكات إعادة توزيع الألحان وإعادة طبع المصنفات دون إذن من المؤلفين أو اقتباس بعض الأسطر من مؤلفاتهم دون ذكر أسمائهم([59])، وهذه الانتهاكات للحقوق الفكرية قد يضر أيضاً بالمسيرة الأدبية والفنية للدولة التي ينتمي إليها الفنان أو الأديب.

Page 9

المطلب الثاني : نطاق الملكية الفكرية و طبيعتها القانونية

بعد أن تطرقنا في المطلب الأول إلى نشأة الملكية الفكرية وتطورها التأريخي وأهميتها، نبحث في هذا المطلب عن نطاق حقوق الملكية الفكرية وطبيعتها القانونية، ولذلك نقسم هذا المطلب إلى فرعين، نخصص الأول منهما لنطاق تلك الحقوق ونتطرق فيه إلى حقوق الملكية الصناعية أولاً والملكية التجارية ثانياً وحقوق الملكية الأدبية والفنية ثالثاً. أما الفرع الثاني من هذا المطلب فنخصصه للطبيعة القانونية لحقوق الملكية الفكرية والنظريات التي قيلت بهذا الصدد.

الفرع الأول: نطاق الملكية الفكرية

إن البحث في حماية الملكية الفكرية يتطلب معرفة نطاقها والمفردات التي تشكل حقولها، إذ قد تختلف الحماية أو إجراءاتها من حق إلى آخر. لذلك لابد من التطرق ولو بشكل مختصر إلى تلك الحقوق التي تدخل ضمن كل حقل من حقول الملكية الفكرية.

لقد توسع نطاق الملكية الفكرية منذ نشوئها إلى الآن توسعاً تدريجياً، وخلال العقود الأخيرة اتسع نطاقها ومداها بسرعة لم يسبق لها مثيل، بحيث يتضمن الآن التقنية الحيوية وتقنية المعلومات، لذلك فأن معظم قوانين الملكية الفكرية والاتفاقيات الدولية، تذكر المفردات والفروع التي تدخل في نطاق الملكية الفكرية على سبيل المثال لا الحصر، إذ فسح المجال أمام إضافة مفردات أخرى ناتجة عن أي تطور في مجالات الحياة المختلفة وذلك عن طريق قياسها بالحقوق المحمية الأخرى([60]).

وبالنسبة لأنواع حقوق الملكية الفكرية، فهناك تقسيمان، التقسيم الثنائي والذي أخذ به اتفاقيتا باريس وتريبس([61])، والتقسيم الثلاثي والذي نادى به أغلب الفقهاء([62])، ووفقاً للأخير تقسم الحقوق الفكرية إلى حقوق الملكية الصناعية وحقوق الملكية التجارية وحقوق الملكية الأدبية والفنية وسوف نتناول كل نوع من هذه الحقوق تباعاً:

أولاً: الملكية الصناعية

تعّرف الملكية الصناعية بأنها سلطة مباشرة يمنحها القانون للشخص بحيث تعطيه مكنة الاستئثار بكل ما ينتج عن فكره من مردود مالي يتعلق بنشاطه الصناعي([63]) ومن أهم أنواع الملكية الصناعية براءات الاختراع والرسوم والنماذج الصناعية.

والاختراع هو كل اكتشاف أو ابتكار جديد قابل للاستغلال الصناعي سواء تعلق ذلك الاكتشاف أو الابتكار بالمنتج النهائي أو بوسائل وطرق إنتاجها([64]). كما ويعرفه قانون براءات الاختراع العراقي بأنه أي فكرة إبداعية يتوصل إليها المخترع في أي من مجالات التقنية وتتعلق بمنتج أو طريقة صنع تؤدي عملياً إلى حل مشكلة معينة في أي من هذه المجالات([65]). أما براءة الاختراع فهي الشهادة الدالة على تسجيل الاختراع([66]). وهذه الشهادة تمنحها الجهة المختصة، والتي يحددها القانون، لمن يدعي توصله إلى أي إختراع سواء أكان منتجاً أو عملية صناعية وفي كافة مجالات التكنلوجيا بشرط أن يكون جديداً ومبتكراً، أي تنطوي على خطوة إبداعية، وأن يكون قابلاً للاستخدام الصناعي([67]).

أما الرسم أو التصميم الصناعي فهو أي تركيب أم تنسيق للخطوط، يضفي على المنتج رونقاً أو يكسبه شكلاً خاصاً سواء تم ذلك باستخدام الآلة أو بطريقة يدوية بما في ذلك تصاميم المنتوجات([68]). ويتضح من هذا التعريف أن كل ترتيب للخطوط بطريقة فنية مبتكرة تكسب السلع أو المنتجات رونقا جميلاً أو شكلاً جذاباً يشد إنتباه المستهلك ويميزها عن السلع أو المنتجات المتماثلة يعد رسماً صناعياً كالرسوم الخاصة على الأواني الخزفية والنقش على قطع الأثاث([69]). أما النموذج الصناعي فهو مظهر أو شكل جديد لسلعة معينة يستخدم في إنتاجها الصناعي أو الحرفي ويكون مجسما أو على شكل ترتيب للخطوط والألوان لرسوم ثنائية الأبعاد([70])، فالنموذج الصناعي هو أي شكل مجسم يعطي السلعة أو المنتج هيكلاً معيناً يميزها عن غيرها من السلع والمنتوجات، أي ان النموذج الصناعي هو القالب الخارجي الذي تظهر فيه المنتجات أو السلع، مثل هيكل السيارة أو شكل زجاجات العطور([71]).

Page 10

ثانياً: الملكية التجارية

إن الملكية التجارية هي كل ما يبتكره الإنسان لإقامة نشاطه التجاري واستمراره وتمييزه عن الأنشطة الأخرى، وبالتالي فان الملكية التجارية تتكون من مجموعة من العناصر المعنوية والمادية المبتكرة والمخصصة لممارسة مهنة تجارية معينة([72]). ومن أهم أنواعها العلامات التجارية والمؤشرات الجغرافية والمعلومات غير المفصح عنها.

ويقصد بالعلامة التجارية الإشارة التي يتخذها الصانع أو التاجر أو مقدم الخدمة لتمييز منتجاته أو بضائعه أو خدماته عن منتجات أو بضائع أو خدمات أخرى([73]). إن هذا التعريف يتفق مع تعريف اتفاقية تريبس للعلامة التجارية والتي ذهب إلى إعتبار أي علامة أو مجموعة علامات، تسمح بتمييز السلع والخدمات التي تنتجها منشأة ما عن تلك التي تنتجها المنشآت الأخرى، صالحة لأن تكون علامة تجارية([74])، ويتفق موقف القانون الأردني والمصري مع الاتفاقية المذكورة، فيما يتعلق بتعريفها للعلامة التجارية بأنها أي إشارة تستخدم لتمييز السلع والخدمات عن مثيلاتها([75]).

أما قانون العلامات والبيانات التجارية العراقي رقم 21 لسنة 1957، فقد عرف في المادة الأولى منه العلامات التجارية بأنها علامات تستخدم لتمييز البضائع عن بضائع أخرى، أي دون استخدام العلامة لتمييز الخدمات عن بعضها، وبذلك حصر المشرع العراقي العلامات التجارية على البضائع دون الخدمات، وهذا النقص تم معالجته بموجب الأمر رقم 80 لسنة 2004 الصادر من سلطة الائتلاف المؤقت (المنحلة)([76]) لتعديل قانون العلامات والبيانات التجارية، حيث تم إضافة علامات الخدمة، إلى جانب العلامة التجارية، إلى المادة الأولى من القانون المذكور، وعلامات الخدمة بموجب هذا التعديل هي أي إشارة أو مجموعة من الإشارات يستخدمها الشخص لتعريف وتمييز خدمات شخص بضمنها الخدمات الفريدة، عن خدمات الآخرين. ومن هذه الإشارات التي من الممكن أن تستخدم كعلامة تجارية، الأسماء المتخذة شكلاً مميزاً والحروف والأرقام والأشكال الرمزية والألوان والإمضاءات، وكذلك أي خليط من هذه الإشارات يمكن تسجيله كعلامة تجارية([77]).

كما ويقصد بالمؤشرات الجغرافية المؤشرات التي تحدد منشأ سلعة ما في إقليم دولة أو منطقة أو مكان ما في ذلك الإقليم متى كانت نوعية أو سمعة أو الخواص الأخرى للسلعة تعزى بصورة أساسية إلى منشأها الجغرافي([78]). ونظراً لأهمية المؤشرات الجغرافية في تحديد نوعية المنتج وشهرته وسمعته وسماته الأخرى، فقد عالجتها اتفاقية تريبس وخصص لها قسماً مستقلاً([79]).

ويقصد بالمعلومات غير المفصح عنها([80])، المعلومات التي توصل إليها صاحبها نتيجة لجهود كبيرة واحتفظ بسريتها، وتكون لها قيمة تجارية تنشأ عن هذه السرية، وأنها خضعت لمراحل أو تدابير رصينة للحفاظ على سريتها ولا يسهل الحصول عليها إلا عن طريق حائزها([81]). ومن هذه المعلومات أي تصميم أو أسلوب أو طريقة أو معلومات تقنية أو برنامج معين يتضمن معلومات فنية لها قيمة تجارية أو اقتصادية وأي معلومة تتعلق بالنشاط التجاري بمفهومه الواسع مثل أسرار التعامل مع العملاء وطرق معاملتهم مالياً والخطط المستقبلية للمشروعات التجارية([82]).

ثالثاً: الملكية الأدبية والفنية (حق المؤلف والحقوق المجاورة له)

إن معظم قوانين حق المؤلف ومن ضمنها القانون العراقي لم يتطرق لتعريف حق المؤلف، إنما قام المشرع بتعداد المصنفات المشمولة بالحماية والداخلة في إطار حق المؤلف على سبيل المثال لا الحصر، وبذلك ترك المجال أمام دخول مصنفات أخرى ناتجة عن أي تطور في مجالات الحياة المختلفة.

ويشمل حق المؤلف كل المصنفات التي تنتج عن الفكر والعقل ويكون أساسه قدر من الابتكار والجدة في حقول الآداب والفنون والعلوم، وأيا كان نوع هذه المصنفات أو أهميتها والغرض من إنتاجها أو طريقة التعبير عنها([83])، سواء أكان عن طريق الكتابة أم الصوت أم الرسم أم التصوير أم الحركة([84]). ومن هذه الحقوق المصنفات المكتوبة كالكتب والكتيبات وبرامج الكمبيوتر سواء بلغة الآلة أم المصدر، والمصنفات الشفوية كالمحاضرات والدروس والخطب والمواعظ، وأعمال الرسم والتصوير والنحت والعمارة والفنون التطبيقية والزخرفية والمصنفات المسرحية والمسرحيات الموسيقية والغنائية والتمثيل الإيمائي، والمصنفات الموسيقية سواء إقترن أم لم يقترن بالكلمات، والمصنفات الفوتوغرافية (الصور)، والمصنفات المعدة للإذاعة والتلفزيون، والصور التوضيحية والخرائط والتصميمات والمخططات والأعمال المجسمة المتعلقة بالجغرافية والخرائط السطحية للأرض([85])، وعنوان المصنف إذا كان متميزاً بالأصالة ولم يكن دالاً على موضوع المصنف([86])، ومجموعات المصنفات الأدبية والفنية كالموسوعات ومختارات الشعر والموسيقى ومجموعات المصنفات التي آلت إلى النفع العام([87]).

وهذه المصنفات السالفة الذكر تعد من المصنفات الأصلية، إذ تشمل حقوق المؤلف مصنفات أخرى تسمى بالمصنفات المشتقة، وهي التي تستمد أصلها من مصنفات سابقة([88])، ومنها المصنفات المترجمة إلى لغة أخرى أو المصنفات المحولة من لون من ألوان الآداب والفنون والعلوم إلى لون آخر، وتشمل أيضاً الشرح أو التعديل أو التعليق على المصنف الأصلي، أو غير ذلك من التعديلات أو التحويرات مع عدم الإخلال بحقوق صاحب المصنف الأصلي([89]).

ويشمل نطاق الملكية الأدبية والفنية أيضاً، مجموعة من الحقوق تمنح لأشخاص لا بصفتهم مؤلفين بل بسبب دورهم في نشر أعمال المؤلفين وتوصيلها إلى الجمهور وتسمى هذه الحقوق بالحقوق المجاورة لحق المؤلف. وهؤلاء الأشخاص هم، المؤدون، كالممثل والمغني أو أي شخص آخر يقوم بغناء أو تمثيل مصنفات أدبية أو فنية، ومنتجو التسجيلات الصوتية، وهم الأشخاص الذين يقومون بعملية تثبيت الأصوات على أشرطة الكاسيت والاسطوانات، وهيئات الإذاعة والتلفزيون التي تقوم ببث المصنف لاسلكياً إلى الجمهور عن طريق الإذاعة والتلفاز([90]).

الفرع الثاني: التكييف القانوني لحقوق الملكية الفكرية

إن الحقوق المالية من الناحية التقليدية تنقسم إلى الحق العيني والحق الشخصي([91])، والحق العيني هو سلطة يعطيها القانون لشخص معين على شيء معين([92])، وعليه فان الحق العيني يتكون من عنصرين وهما صاحب الحق ومحل الحق، أي لا يظهر في الحق العيني إلا صاحب الحق والشيء الذي يرد عليه الحق([93]). أما الحق الشخصي فهو رابطة قانونية مابين طرفين دائن ومدين، يخول الدائن بموجبها مطالبة المدين القيام بعمل أو بالامتناع عن عمل([94])، والحق الشخصي يتكون من عناصر ثلاثة، الدائن والمدين وموضوع الحق، وان محل الحق ليس شيئاً من الأشياء كالحق العيني، بل انَّ محله دائماً يكون عملاً معين أو الامتناع عن عمل معين([95]).

وبعد التطورات المتلاحقة في كافة مجالات الحياة، برز نوع جديد من الحقوق المالية وبدأ القانون بتنظيمه، ويتمثل في حقوق الملكية الفكرية ويسمى أيضاً بالحقوق الذهنية أو الحقوق الأدبية والفنية([96])، كحق المؤلف على أفكاره وحق الموسيقي على لحنه وحق المخترع على إختراعه وحق التاجر على شهرته التجارية وحق الرسام على رسوماته ولوحاته وحق المصمم على نموذجه، وهذه الحقوق جديدة نسبياً مقارنة بالحقوق التقليدية الأخرى، ونظراً للطبيعة المختلفة لهذه الحقوق، أثار تكييف طبيعتها القانونية جدلاً كبيراً بين فقهاء القانون([97])، حيث تعددت النظريات واختلفت الآراء والاتجاهات في تحديد طبيعة هذه الحقوق، ولم يستقر الفقه منذ نشأة هذه الحقوق حتى يومنا هذا على تكييف واحد لحقوق الملكية الفكرية، ولعل من الأسباب التي أدت إلى ظهور هذا الجدل الفقهي، عدم تحديد أغلب القوانين الوضعية والاتفاقيات الدولية لطبيعة هذا الحق بصفة قاطعة، إذ تركوا الأمر للفقهاء واجتهادات القضاء، كما ان هذا الحق يحتوي على عنصرين وهما العنصر المادي والعنصر المعنوي ولكل منهما طبيعة خاصة تختلف عن الأخرى([98]).

ونتيجة لهذا الخلاف والجدل الفقهي، فقد ظهرت ثلاث نظريات لتحديد طبيعة حقوق الملكية الفكرية، حيث ذهب أنصار النظرية الأولى وهي نظرية (الحق العيني)، إلى القول بأن حقوق الملكية الفكرية، أي الحقوق التي ترد على أشياء معنوية، من الحقوق العينية، أما أنصار النظرية الثانية وهي (نظرية الحق الشخصي)، فقد عدّوا حقوق الملكية الفكرية من الحقوق الشخصية([99]).

ولكثرة الانتقادات الموجهة إلى النظريتين السابقتين([100])، فقد ظهرت نظرية ثالثة لتحديد طبيعة الحقوق الفكرية وهي نظرية الطبيعة المزدوجة لحقوق الملكية الفكرية، حيث إتجه أغلب الفقه([101])، الى عدِّ هذه الحقوق حقوق ملكية ذات طبيعة مختلطة ترد على أشياء غير مادية وغير محسوسة، ويرى أصحاب هذه النظرية ومؤيدوها بأن حقوق الملكية الفكرية تنطوي على جانبين، الجانب الأول وهو الحق المادي ويعطي هذا الحق لصاحبه مصلحة مادية عن طريق احتكاره لنتاج عقله واستغلاله مالياً، إذ لصاحب الحق سلطة الاستعمال والاستغلال والتصرف بالشيء محل الحق. والجانب الثاني وهو الحق المعنوي (الحق الأدبي) والذي يمكِّن صاحبه من حماية إنتاجه الفكري من الغير ومنازعته له، كما وان هذا الحق لصيق بصاحبه ويمكِّنه من ارتباط إنتاجه الفكري بشخصه.

ويستخلص مما تقدم، بأن الحقوق الفكرية هي حقوق ملكية ذات طبيعة خاصة تحتوي على جانب مادي وآخر معنوي، كما أكدت على هذا اتفاقية تريبس، حيث نصت على ان (حقوق الملكية هي حقوق خاصة)([102])، وبذلك ميزها عن الحق الشخصي والحق العيني، وكذلك فان القانون المدني العراقي عدّ الحقوق الفكرية من الأموال المعنوية والتي من الممكن أن تكون محلاً للملكية([103]).

إن أغلب قوانين الملكية الفكرية، كما ذكرنا سابقاً، لم تتطرق إلى مسألة التكييف القانوني للحقوق الفكرية بشكل صريح، ومنها قانون حماية حق المؤلف العراقي والأردني وقانون حماية الملكية الفكرية المصري، ولكنه ميز مابين الحق الأدبي والحق المالي للمؤلف، وهذا يعني ان المشرع العراقي([104]) والمصري([105]) والأردني([106]) أخذوا بالطبيعة المزدوجة لحقوق المؤلف.

ويتضح من كل ما تقدم، ان حقل الملكية الفكرية واسع جداً يشمل كل ما ينتج عن العقل من أفكار، أي جميع صور الإبداع الفكري في المجالات العلمية والفنية والأدبية والصناعية والتجارية والذي يتضمن صفة الجدة والابتكار والحداثة، وبذلك يشمل جميع الحقوق التي ترد على أشياء غير مادية والتي يمكن التعبير عنها في صورة خلق مادي([107]). ويمكن عدّ الملكية الفكرية من أسمى صور الملكية ويتجلى هذه السمو من درجة اتصال موضوع هذا الحقوق بأغلى ما يملكه الإنسان وهو العقل في إبداعاته وتجلياته الفكرية دائماً([108]).