مقدمة الكتاب
صمم هذا الكتاب لمخاطبة اللاعبين والمدربين في مجال كرة القدم من مستوى الناشئين وحتى المستويات العليا، بهدف زيادة معارف اللاعبين ومعلوماتهم حول الجوانب العقلية المرتبطة بالأداء الرياضي وكيفية الاستفادة منها للارتقاء بمستوى الأداء بلعبة كرة القدم.
ويحاول هذا الكتاب ان يلقي الضوء على مجموعة من المعلومات المرتبطة بالجانب العقلي مثل الاستعادة العقلية والذكاء وغيرها من الموضوعات التي سوف يجد فيها اللاعب إجابة على الكثير من التساؤلات التي يبحث عنها.
وقد حرصنا في هذا الكتاب على تقديم معلومات مستمدة من واقع الجانب العملي التطبيقي في مجال لعبة كرة القدم ، وكذلك واقع نتائج الدراسات والبحوث وخاصة في المستويات الرياضية العليا ومن أهم الموضوعات المعاصرة في هذا الكتاب هو ان يقدم طريقة تمكن اللاعب والمدرب من وضع برنامج في التدريب العقلي في ضوء خطوات محددة وتوقعات موضوعة وفقا لرغبة اللاعب وقدراته الخاصة .
ويضم الكتاب ستة فصول تدور جميعها حول اللاعب والمدرب والجوانب العقلية المرتبطة بالمجال الرياضي والتي ستساهم في تعرف المزيد حول الشخصية الرياضية للاعبي كرة القدم.
إذ تناول الفصل الأول موضوعات مهمة وحيوية عن التحكم العصبي لحركة الإنسان والتي تشمل عمل القشرة الدماغية والتحكم المخيخي.
أما الفصل الثاني فيتناول التدريب العقلي وعلاقته بمفردات التدريب الرياضي والمعرفة الرياضية والناحية المعرفية.
وتناول الفصل الثالث فتناول التعلم وطرق أعداد وبناء شكل التمرين الرياضي.
بينما تناول الفصل الرابع فيتناول مفهوم التدريب العقلي وأنواعه وأهميته وشروطه ومبادئه، ومراحله ونظرياته ودوره في الأداء الحركي وخطواته وأقسامه واستخداماته في لعبة كرة القدم.
وتناول الفصل الخامس المهارات الحركية الأساسية بكرة القدم والى الخطة والحالات التابعة في كرة القدم.
أما الفصل السادس فتطرق إلى الدراسات ومجالات التدريب العقلي ونماذج لبرامج التدريب العقلي واختباراته في لعبة كرة القدم.
ونأمل لهذا الكتاب ان يقدم للاعبين والمدربين في العراق والوطن العربي احد أبعاد التدريب الرياضي الحديث ، وان يساهم ذلك في استثارة اللاعب والمدرب في لعبة كرة القدم على تخصيص الوقت وبذل الجهد في تدريب العقل كما يفعلان مع تدريب الجسم حتى تتكامل العملية التدريبية ومن ثم الوصول إلى أقصى تعلم وانجاز ممكن.
وندعو من الله سبحانه وتعالى ان نكون قد وفقنا فيما هدفنا إليه ، وان يلهمنا ويعطينا القوة لمواصلة تقديم ما فيه الخير للرياضة والرياضيين.
التحكم العصبي لحركة الإنسان
تعد حركة الإنسان مسألة معقد، فالحركات الاعتيادية تكون غاليا تلقائية في طبيعتها وهي تخضع للتحكم الإرادي فقط عند تغير الظروف كنتيجة للمرور بحالات أو تجارب جديدة، ان القابلية الوظيفية الوحيدة لدى الإنسان تتمثل في نوعية الحركة المنتجة من أنماط توافقية اعتيادية للحركة، وتنتج مثل هذه الأنماط على أساس المعلومات الحسية الاعتيادية، والتغذية الراجعة والنغمة الاعتيادية والاستثارة المتبادلة والتوازن الاعتيادي وردود الأفعال الخاصة بوضع الجسم (Davies, Todd 1986).
ومن الناحية التقليدية تم اعتبار التحكم بالحركة مرتبطة ضمن تسلسل هرمي بالمستوى القشري (أللحائي) الأعلى للتحكم والذي ينظم الحركة الإرادية المهارية، ولكن رغم هذا لا يوجد في الواقع فصل بين الحركات الإرادية والانعكاسات والاستجابات التلقائية التي تساعد الجسم على المحافظة على استقامته، ولهذا السبب قد تكون الأنظمة المتماثلة للتحكم مع اندماج جميع المستويات (بدلا منه تسلسل متتالي واحد فقط) هي الوصف الأكثر ملائمة هنا.
وتعد جميع مستويات التحكم من الحبل الشوكي إلى القشرة الدماغية ضرورية وهي تندمج لتزويدنا بأساس للاستقرار المحوري لغرض أداء المزيد من القابلية الحركية القصوى وحركات الأطراف التوافقية المهارية أو المتقنة (Kidd وآخرون 1992).
استعراض للتحكم بالحركة ووضع الجسم
كي تحدث أي وظيفة حركية لابد من وجود داخل من المعلومات الحسية (Input) في جميع مستويات الجهاز العصبي، وتندمج هذه المعلومات الحسية في جميع مستويات الجهاز العصبي وتؤدي استجابات حركية مناسبة، بمعنى:
? الحبل الشوكي: انعكاسات بسيطة (حركة انعكاسية تلقائية مقبولة) عند مستوى التنفيذ المحيطي للحركة.
? ساق الدماغ والعقدة الأساسية: استجابات أكثر تعقيداً (ردود أفعال التوازن ووضع الجسم) قادرة في التأثير على الحبل الشوكي لإخراج أو لتغيير حركة تلقائية معينة.
? المخ: استجابات يكون التحكم فيها هو الأكثر تعقيدا ( حركة إرادية كاملة للتغيير والتكيف، وتعتمد على البرامج المخزونة للحركات المتعلمة) وتبدأ المناطق الحركية.
? والحسية المشتركة بسلسلة من الايعازات لمعظم الحركات رغم انه بالإمكان بدئها أو تعديلها ضمن مستويات أوطأ من ذلك.
? المخيخ: تخطيط شامل وتوقيت ووظيفة تنبؤية لإخراج حركات مهارية وتوافقية سريعة.
تنظيم الحبل الشوكي لغرض التحكم بالحركة:
تعتبر المادة الرمادية(السنجابية) الخاصة بالحبل الشوكي منطقة لاندماج الانعكاسات الشوكية والوظائف الحركية التلقائية الأخرى، وباعتبارها منطقة للتنفيذ المحيطي للحركات فهي تحتوي أيضا على مجموعة من الدوائر (الكهربائية) اللازمة للمزيد من الحركات المعقدة أو المصقولة والمزيد من التعديلات في وضع الجسم.
وتدخل الإشارات الحسية إلى الحبل الشوكي عبر الجذور العصبية الجسمية ثم تنتقل إلى وجهتين منفصلتين وكالاتي:
- نفس القسم(أو الفص) أو الفصوص القريبة من الحبل الشوكي إذ تنتهي داخل المادة الرمادية وتعمل على تحفيز الاستجابات الفصية الموقعية( الاستثارة، التثبيط، الانعكاسات... الخ).
- المراكز الأعلى للجهاز العصبي المركزي، بمعنى الأعلى في الحبل الشوكي وقشور وساق الدماغ، إذ تجهزنا هذه المراكز بالمعلومات والتجارب الحسية الواعية وغير الواعية(أي من المخيخ).
ويمتلك كل قسم من أقسام الحبل الشوكي بضع ملايين من الخلايا العصبية داخل المادة الرمادية والتي تشمل على خلايا عصبية حسية، وخلايا عصبية حركية أمامية، خلايا عصبية رابطة (أي الخلية العصبية التي تقع بين خليتين عصبيتين).
وتتكون الخلايا العصبية البينية صغيرة وعالية الاستثارة وذات ترابطات داخلية عديدة أما بين الخلية والأخرى أو مع الخلايا العصبية الحركية، وهي تمتلك وظيفة دمج ومعالجة داخل الحبل الشوكي لبعض الإشارات الحسية القليلة المنتهية داخل الحبل الشوكي أو الإشارات القادمة من الدماغ مباشرة إلى داخل إحدى الخلايا العصبية الحركية الأمامية، ويعد ذلك ضروريا للتحكم بالوظيفة الحركية ويطلق على احد الأنواع المتخصصة للخلايا العصبية البينية اسم خلية ( رينشو Renshaw) والتي تقع في القرن الأمامي للحبل الشوكي، وبإمكان الفروع الخارجة من الخلايا العصبية الحركية ان تمر إلى خلايا ( رينشو Renshaw) المجاورة لها والتي ستنقل عندئذ إشارات تثبيط إلى الخلايا العصبية الحركية القريبة، ويطلق على هذه العملية مصطلح التثبيط الجانبي أو المرتد، وهذا يسمح للجهاز الحركي بتركيز أو زيادة حدة إشارته وذلك عن طريق السماح بالانتقال الجيد للإشارة المحيطة ومنع أي ميل لانتشار الإشارة إلى خلايا عصبية أخرى (Eccles 1977).
وبالإضافة إلى الخلايا العصبية البينية توجد أيضا ألياف شوكية ذاتية الحس تمتد بين قسم وآخر من أقسام الحبل الشوكي مما يجهزنا بمسالك لغرض الانعكاسات الفصية المتعددة، بمعنى تلك الانعكاسات المتزامنة التي تعمل على توافق الحركة في أطراف مختلفة في آن واحد.
المستقبلات العضلية ودورها في التحكم العضلي
لغرض التحكم بالوظيفة الحركية، تحتاج العضلات للتنشيط بواسطة استثارة الخلايا العصبية الحركية، وتوجد أيضا حاجة إلى تغذية راجعة مستمرة من كل عضلة إلى الجهاز العصبي المركزي الذي يعطي حالة أو وضع تلك العضلة، بمعنى طولها، والتوتر اللحظي، ومعدل تغير طولها، وتوترها، وتتحرى المغازل العضلية عن المعدل وعن التغيرات في طول العضلة في حين تتحرى أعضاء كولجي ذات النهايات الوترية عن درجة ومعدل تغيير التوتر، وتعمل الإشارات المرسلة من هذه المستقبلات الحسية ضمن مستوى دون الوعي تقريبا والذي ينقل المعلومات إلى داخل الحبل الشوكي والمخيخ والقشرة الدماغية حيث تساعد في التحكم والتقلص العضلي.
وللمغزل العضلي استجابتان، ثابتة وديناميكية، فالنهايات الأولية والثانوية تستجيب لطول المستقبل بحيث تتناسب الإشارات المنقولة مع درجة الاستطالة وتستمر بالانتقال طالما يبقى المستقبل مستطيلا، وإذا قصرت المستقبلات المغزلية سينخفض عندئذ معدل الاستثارة، وان النهايات الأولية هي فقط التي تستجيب للتغيرات المفاجئة في الطول من خلال الزيادة في معدل استثارتها، وفقط عندما يزداد الطول فعليا، وحالما تتوقف الزيادة في الطول سيعود شحن الإشارات إلى مستواه الأصلي رغم ان الاستجابة الثابتة تبقى فاعلة وناشطة، وإذا قصرت المستقبلات المغزلية سينخفض عندئذ معدل الإثارة.
ويكون التحكم بالاستجابة الثابتة والديناميكية بواسطة خلايا (كاما) العصبية الحركية، ويبعث المغزل العضلي عادة إشارات عصبية حسية مستمرة مع زيادة في المعدل كلما استطال المغزل أو انخفاض في المعدل كلما قصر المغزل، ويمكن لهذا السبب اعتبار الانعكاس الاستطالي أو اللمسي العضلي كونه:
? ديناميكيا: وهو عبارة عن انعكاس لحظي(فوري) وقوي يثار من النهايات الأولية فقط مع وظيفة لاعتراض التغيرات المفاجئة في طول العضلة عندما يتعرض التقلص العضلي للاستطالة.
? ثابتا: وهو عبارة عن انعكاس اضعف يثار من النهايات الأولية والثانوية والذي يستمر لفترة طويلة مع وظيفته بالاستمرار في إحداث التقلص العضلي طالما تحافظ العضلة على مستوى الطول الزائد.
ويمتلك انعكاس الاستطالة أيضا القابلية على منع بعض الأنواع من التقلبات والتذبذبات في حركات الجسم حتى وان كان الداخل من المعلومات (Input) متقلبا، بمعنى ان هذا الانعكاس يمتلك وظيفة الموازنة(Paiasaga 1990).
دور المغزل العضلي في النشاط الحركي الإرادي:
عندما تنقل القشرة الدماغية أو المناطق الأخرى في الدماغ الإشارات إلى الخلايا الحركية (لألفا) فان الخلايا العصبية الحركية(لكاما) ستثار في نفس الزمن وعلى الدوام تقريبا، بمعنى نشاط مشترك لكل من نظام (ألفا) و(كاما) بحيث تتقلص الألياف العضلية داخل وخارج المغزلية بنفس الوقت عادة، وهذا يوقف المغزل العضلي الذي يتعرض للتقلص العضلي ويحافظ على استجابة وموازنة مغزل ملائمتين للحمل بغض النظر عن التغير في طول العضلة، وإذا أثير نظامي (ألفا) و(كاما) في آن معا وتقلصت الألياف داخل المغزلية والألياف خارج المغزلية بالتساوي فلن تتغير عندئذ درجة استثارة المغزل العضلي، وإذا تقلصت الألياف خارج المغزلية بشكل اقل بسبب عملها ضد حمل عالي فان سوء التلاؤم سيؤدي إلى استطالة المغزل وان انعكاس الاستطالة الناتجة ستمد باستثارة إضافية للألياف داخل المغزلية لغرض التغلب على الحمل.
وتتم إثارة النظام الناقل أو المصدر(لكاما) والتحكم به بواسطة منطقة التسهيل المشتبكي البصلي لساق الدماغ بالإضافة لتأثيرات الإشارات المنقولة من المخيخ والعقد الأساسية والقشرة الدماغية إلى تلك المنطقة، وتعني منطقة التسهيل المشتبكي البصلي بالتقلصات العضلية المضادة للجاذبية( تمتلك العضلات المضادة للجاذبية كثافة أعلى من المغازل العضلية)، ولهذا السبب يلعب نظام (كاما) دورا هاما في التحكم بالتقلص العضلي في أوضاع مختلفة لأجزاء الجسم وكذلك دورا هاما في موازنة حركة الأجزاء المختلفة(Gauyton1991).
أعضاء كولجي ذات النهايات الوترية:
تتحرى أعضاء كولجي الوترية،بصفتها مستقبلات حسية، عن التوتر النسبي للعضلة، ولهذا السبب، هي قادرة على أمداد الجهاز العصبي المركزي بالمعلومات الفورية عن درجة التوتر في كل قسم صغير لكل خلية، وتثار أعضاء كولجي الوترية بواسطة التوتر المتزايد، وعندما تكون الزيادة في التوتر مفرطة جدا يتم تحفيز استجابة الانعكاس الوتري في نفس العضلة ويتم تثبيط هذه الاستجابة بالكامل ويأمر الدماغ بنقطة محددة من التوتر والتي يبدأ بعدها التثبيط التلقائي للتقلص العضلي بمنع أي توتر أضافي يحدث بعد هذه النقطة، وتتناوب الحالة فإذا انخفض التوتر أكثر من اللازم فسوف تستجيب أجسام كولجي الوترية لإعادة التوتر إلى مستوى أكثر اعتدالا، ويؤدي ذلك إلى فقدان التثبيط مما يسمح لخلية (ألفا نوع A) ان تكون أكثر نشاطا ومن ثم حصول زيادة في التوتر العضلي،وتمتلك المعلومات القادمة من أجسام كولجي تأثيرين، مباشر وغير مباشر، إذ تنتقل الإشارات إلى المناطق الموضعية للحبل الشوكي وتحفز خلية عصبية بينية مثبطة والتي ستثبط عندئذ ومباشرة الخلية العصبية الحركية (لألفا نوع A) لتلك العضلة المفردة فقط، وتنتشر عندئذ المعلومات أيضا إلى جميع المراكز الأعلى من خلال الوسائل الغير مباشرة (Gauyton1991).
وإذا أثير عضو كولجي الوتري بواسطة توتر متزايد، فان الإشارات المنقولة تتسبب في انعكاس استطالة معاكس في العضلة ذات العلاقة والتي ستثبط بالكامل وهذا يقوم بوظيفة التغذية الراجعة السلبية لمنع الازدياد المفرط في التوتر، وإذا كان التوتر متطرفا فان انعكاسة عضو كولجي الوتري ستحدث استرخاء مفاجئا للعضلة بكاملها وهو عبارة عن ردة فعل تمددية (استطالة)، وان هذه الآلية الوقائية تمنع تمزق العضلة أو تمزق الوتر.
يثار عضو كولجي الوتري كونه في سلسلة مع الألياف العضلية بواسطة الاستطالة السلبية والايجابية، فالاستطالة السلبية تمتلك استجابة بطيئة بينما تتبنى الألياف الأكثر مطاطية معظم الاستطالة في البدء، وهي تأخذ بالفعل تقلصا نشطا وقويا للعضلة لغرض أنتاج استرخاء للتثبيط المتوالية ذاتيا(Ganong1991)،
ومع انعكاس الاستطالة وعندما تثار العضلة المجهزة، فانه يتم تثبيط العضلة المعاكسة في نفس الوقت للسماح بحدوث الحركة ويطلق على هذه الظاهرة اسم التثبيط المتبادل(بعد المشتبك العصبي) ذو الآلية العصبية التي يطلق عليها الإمداد العصبي أو انعكاسة ثني، ومع انعكاس الاستطالة المعاكسة فان النتيجة المباشرة على العضلة المجهزة هو احد التثبيطات والاسترخاءات مع معلومات إضافية كونها ترسل إلى الخلايا العصبية الحركية التي تجهز العضلة المعاكسة مما يتسبب في إثارة المجموعة العضلية.
ساق الدماغ ومستوى العقد الأساسية للتحكم بوضع الجسم والحركة:
ان الدور الرئيس لساق الدماغ في التحكم بالوظيفة الحركية هو تجهيز تقلصات أساسية للجذع والرقبة والأجزاء الواقعة قرب محور الجسم للهيكل العضلي الطرفي لغرض إسناد الجسم ضد الجاذبية وتتحدد هذه الدرجة النسبية لتقلص العضلات المفردة المضادة للجاذبية بواسطة ألياف التوازن، مع ردود الأفعال كونها يتم التحكم بها بواسطة الجهاز الدهليزي الذي يرتبط مباشرة بمنطقة ساق الدماغ، ويصل ساق الدماغ الحبل الشوكي بالقشرة الدماغية، وهو يتألف من الدماغ الأوسط والقنطرة والنخاع المستطيل، ويشار إلى الوسط المركزي لهذه المنطقة غاليا باسم التكوين الشبكي، وتشتمل هذه المنطقة من الجهاز العصبي المركزي على جميع المسالك الرئيسة التي تصل الدماغ بالحبل الشوكي داخل حيز مضغوط ومحدود جدا، وهي أيضا نقطة خروج الأعصاب القحفية (الجمجمية) من الجهاز العصبي المركزي.
ويصل الدماغ الأوسط الدماغ بالقنطرة، وهو يتألف من بضعة ارتفاعات تحتوي على العديد من الألياف الصاعدة والنازلة خصوصا السمعية والبصرية والروابط الدهليزية بالإضافة إلى المادة السوداء والنواة الحمراء التي تعتبر محطات ترحيل من المخيخ إلى المخ، كما ويحتوي أيضا على حزمة من الألياف الحسية( اللفافة الإنسية) المتجهة إلى المهاد( Habbard & Mechan 1987).
أما القنطرة فهي عبارة عن جسر بين الدماغ الأوسط والنخاع وهي تقع أمام المخيخ، وتتألف من ألياف بيضاء مستعرضة وطويلة منتشرة في كل مكان مع نويات تمر من والى المخيخ والمخ والحبل الشوكي، ويتصل النخاع (الذي يقع تحت القنطرة) بالحبل الشوكي وهو بعد المنطقة الرئيسة لمعبر المسالك (الأهرامات) في الجهاز العصبي المركزي، ويقوم النخاع بوظيفته كمسلك توصيل للإشارات الحركية والحسية بين الدماغ والحبل الشوكي.
ويعد التكوين الشبكي الوسط المركزي لمنطقة ساق الدماغ، وهو عبارة عن صلة ربط للخلايا العصبية (الألياف العصبية...الخ التي تشكل المسالك الصاعدة والنازلة)، وما يتصل بالمخيخ والأجزاء الأخرى للدماغ، وصلة تربط الألياف العصبية المتناظرة، كذلك فهو منشأ لبعض المسالك، أضف إلى ذلك ان معظم الأعصاب القحفية تغادر الجهاز العصبي المركزي من هذه النقطة، ولهذا السبب تقوم هذه المنطقة بوظيفتها كمحطة ترحيل تعالج المعلومات الحسية وتنظم الناتج الحركي الخارج(output) (Gordon1990) .
وتتحد الخلايا سوية لتشكيل مراكز مثل المراكز القلبية الوعائية والتنفسية مع وظائف حيوية بل ومنفصلة وبمستوى تلقائي عام، ومن الأمثلة لهذه الأنواع والوظائف المرتبطة بهذه الخلايا( معدل ضربات القلب، ضغط الدم، التنفس، الوظيفة المعوية المعدية، التوازن، إسناد الجسم ضد الجاذبية، وحركات وضع الجسم الإجمالية) وان التكوين الشبكي الذي يتأثر بنظام النشاط الشبكي يتحكم بالانتباه أيضا(Ganong1991).
ومن خلال اندماج المعلومات الواصلة إلى التكوين الشبكي سيتم عندئذ التحكم بالحركات الإجمالية وبوضع الجسم المحوري، وان الداخل من المعلومات (Input) إلى التكوين الشبكي من مصادر عديدة هي المسالك الشبكية الشوكية، والأعصاب المتناظرة من المسالك المهادية الشوكية، والنوى الدهليزية، والمخيخ، والعقد الأساسية، والقشرة الدماغية، وتحت المهاد وتشكل الخلايا العصبية الأصغر صلات ربط متعددة داخل المنطقة في حين تمر الخلايا العصبية الأكبر عبرها باعتبارها ذات وظيفة حركية أساسا، وتعد النوى الدهليزية مهمة جدا للتحكم الوظيفي بحركات العين، والتوازن وإسناد الجسم ضد الجاذبية، وبالحركات الإجمالية للجسم، وان صلات الربط المباشرة بالجهاز الدهليزي للأذن الداخلية والمخيخ وكذلك القشرة الدماغية تمكننا من استخدام ردود أفعال موقعية أساسية معاد برمجتها لغرض المحافظة على التوازن ووضع الجسم، وعند العمل مع القسم الجسري(المتعلق بالجسر) للتكوين الشبكي، فأن النوى الدهليزية يتم إثارتها غريزيا، ولكن رغم هذا يتم إيقاف ذلك بواسطة الإشارات المثبطة القادمة من العقد الأساسية (Ganong1991).
وبشكل شامل فان الوظائف المرتبطة حركيا بساق الدماغ هي لإسناد الجسم ضد الجاذبية وتوليد حركات أجمالية مقبولة والمحافظة على التوازن ولهذا السبب فهي تعني وعلى الدوام بالتحكم في عضلات الطرف المحورية جسديا (حركات الجذع والحزام) ولا يجري ذلك بمعزل بل بمساعدة اندماج المعلومات القادمة من المخيخ والعقد الأساسية والمناطق الدماغية.
وتؤثر ساق الدماغ في التحكم الحركي مباشرة عبر المسالك النازلة للحبل الشوكي، وبشكل غير مباشر عبر المسالك الصاعدة للمراكز العليا حيث يكون دورها هو التحكم بالنشاط الكلي للدماغ وكذلك التحكم بالانتباه (Gordon1990)، وبالإمكان تقسيم المسالك الصاعدة( التي تساعد في التحكم بالحركات المحورية وحركات الحزام) إلى أجهزة أو أنظمة حركية إنسية ووحشية، وينزل النظام الحركي إلى داخل الأعمدة الأمامية الإنسية للحبل الشوكي والنهايات الشوكية ثم مباشرة (عبر الخلايا العصبية الرابطة البينية) إلى الخلايا العصبية الحركية الإنسية للقرن الأمامي الذي يؤثر على مجاميع عضلات الطرف المحور الجسدي ومناطق الجسم المحورية وعلى كلا الجانبين غالبا، ومن المهم جدا التنظيم والتحكم بحركات الجسم بكاملها والتي تحتاج بدورها إلى مجاميع من العضلات التي تعمل سوية وترتبط المسالك الشوكية الدهليزية وبشكل خاص بموقع حركات الرأس وتجعلهما مهمين في تنظيم حركات ووضع الجسم عند التحكم بالتوازن، وتؤثر المسالك الشوكية الشبكية على حركات وضع الجسم ضد الجاذبية بواسطة إثارة العضلات المضادة للجاذبية (Ganong1991)، مما يسهل إسناد الجسم ضد الجاذبية بواسطة إثارة العضلات المضادة للجاذبية وتربط المسالك الشوكية السطحية للدماغ المتوسط مع الحبل الشوكي للمنطقة العنقية والصدرية وهي مهمة أيضا لتنظيم وتوجيه حركات الرأس والرقبة.
أما الجهاز أو النظام الوحشي فينزل داخل الأعمدة الظهرية الوحشية للحبل الشوكي ويجهز مباشرة أو بشكل غير مباشر بالخلايا العصبية الحركية إلى العضلات البعيدة في الأطراف بمعنى يجهز للأفعال العضلية المنفصلة( غير المترابطة) أكثر مما يجهز للمجاميع العضلية التي تعنى بحركات الأطراف المهارية والرشيقة والمفردة (Kidd وآخرون 1992)، وتشكل منطقة العقد الأساسية جزءا من التركيبة الداخلية لنصف كرة الدماغ وهي تشتمل على تراكيب متنوعة مثل النواة المذيلة، والنواة عدسية الشكل والتي يبدو أنها تقوم بمهامها كعقد أو عرى جانبية للتغذية الراجعة للمعلومات بين القشرة الدماغية والمهاد من أعلى وبين ساق الدماغ ومنطقة الحبل الشوكي من الأسفل، ويعمل التحكم بالتغذية الراجعة على أشراك هذه المنطقة في التطبع لجميع أنواع الحركة (Gordon1990)، ويعتقد ان العقد الأساسية تلعب دورا جوهريا في البدء بمعظم نشاطات الجسم المرتبطة بالقشور الحسية، فالمعلومات عندئذ ستعاد إلى القشرة الحركية لغرض تكرار النشاط، ان عروة التغذية الراجعة السلبية هذه تعمل على تثبيط الحركات الغير مرغوب فيها مما يسمح بتحكم أو تنظيم جيدين للحركات المقصودة الإجمالية والتي تنفذ عادة دون الوعي، وعند العمل بالمصاحبة أو بالاشتراك مع منطقة ساق الدماغ فأن الكرة الشاحبة ستعمل كمحطة ترحيل حركية، وهي تساعد في التحكم بالحركات المحورية وحركات الحزام الطرفية، ولهذا فهي تمهد للحركات الموقفية الأساسية واستقرار الجسم والأجزاء المحور الجسدية للأطراف مما يسمح عندئذ بأداء الوظائف الحركية الأكثر انفصالية.
القشرة الدماغية والتحكم بالحركة
يتحكم ساق الدماغ والحبل الشوكي وبدون وعي في كل وضع الجسم والتوازن، ولكن رغم هذا تعد القشر الدماغية هي المركز الرئيس للتحكم بالحركة الإرادية، فهي تعمل مع المعلومات التي تستلمها من المخيخ والعقد الأساسية والمراكز الأخرى في الجهاز العصبي المركزي على إخضاع الحركات تحت التحكم الإرادي، فالقشرة الدماغية تمد بالوظائف الفكرية المتقدمة للإنسان، وهي تمتلك قابليات خزن في الذاكرة والاستدعاء بالإضافة إلى الوظائف الذهنية العليا الأخرى، ولهذا السبب فان القشرة الدماغية قادرة على أدراك وفهم وإدماج جميع الإحساسات المتنوعة ولكن مع هذا فان وظيفتها الأساسية هي التخطيط وتنفيذ العديد من النشاطات الحركية المعقدة خصوصا الحركات التي تحتاج إلى معالجة مهارية عالية باستخدام اليد(Newman & Gilman 1987).
وتحتل القشرة الحركية النصف الخلفي من الفصوص الجبهية، وهي منطقة واسعة من القشرة الدماغية تعنى باندماج الإحساسات القادمة من المناطق المشتركة مع التحكم بالحركات ووضع الجسم، وهي ترتبط وبشكل وثيق بالمناطق الحركية الأخرى وهي المنطقة الحركية الأولية والمنطقة المشتركة قبل الحركية أو الحركية.
تحتوي المنطقة الحركية الأولية على خلايا هرمية كبيرة جدا والتي ترسل الألياف مباشرة إلى الحبل الشوكي والى الخلايا القرنية الأمامية عن طريق المسالك القشرية الأمامية، وعلى العكس نمن ذلك تمتلك المنطقة قبل الحركية (أي الممهدة للحركة) القليل من الألياف التي تتصل مباشرة بالحبل الشوكي ألا أنها ترسل وبشكل رئيس إشارات داخل القشرة الحركية الأولية لإثارة المجاميع المتعددة من العضلات، بمعنى ان الإشارات المتولدة هنا تسبب في المزيد من الأفعال العضلية المعقدة والتي تشارك فيها عادة مجاميع العضلات التي تؤدي واجبات خاصة ومحددة أكثر مما تشرك العضلات المفردة، وتتصل هذه المنطقة بالمخيخ والعقد الأساسية الذين يرسل كليهما إشارات راجعة للخلف(عن طريق المهاد) إلى القشرة الحركية، وتسمح الألياف الناتئة والنامية من المناطق البصرية والسمعية عند مستوى القشرة للتأثير على نشاط المنطقة الحركية الأولية، وتنشط المنطقة قبل الحركية عند توطيد برنامج حركي جديد أو عند تغيير برنامج حركي وفقا للمعلومات الحسية المستلمة، أي البحث عن بيئة جديدة، ويعتقد ان المنطقة الحركية التكميلية هي موقع لمقارنة الداخل من المعلومات(Input) والايعازات مع الحاجة الداخلية ثم تسيرها لتسهيل صيانة أو برمجة إستراتيجية معينة للحركة الإرادية.
إذا وعلى وجه العموم فان القشرة الحركية والمناطق المرتبطة بالعقد الأساسية وكذلك المهاد والمخيخ تشكل جميعها نظاما شاملا ومعقدا للتحكم الإرادي بالنشاط العضلي(Bergman & Attiti 1986)، وتمتلك المنطقة الحركية الأولية صورة أو تمثيل طوبوغرافي (وصفي أو مرسوم) للجسم على سطح القشرة الدماغية، وهذا يوضح صلات ربط القشرة الدماغية للمناطق المختلفة للجسم مع حجم الصورة كونها تتناسب مع درجة الإمداد العصبي في تلك المنطقة، وتعد اليدين ذات حجم بالغ بحيث تحتاج الحركات المهارية المتقنة باليدين إلى المزيد من الإمداد العصبي لتحقيق ذلك المستوى من التحكم (Balastonga وآخرون 1990) ولكي تحدث الحركة الإرادية يتحتم وصول المعلومات إلى القشرة الحركية من الأجهزة الحسية البدنية بصورة رئيسة بالإضافة للمعلومات القادمة من المسالك البصرية والسمعية، وتتم معالجة المعلومات الحسية مع المعلومات القادمة من العقد الأساسية والمخيخ لغرض تحديد مجرى مناسب للفعل، كما ويمكن ان نلاحظ وجود العديد من المسالك ذات الاتجاهين بين المراكز المتنوعة للجهاز العصبي المركزي.
ويكون تنظيم القشرة الحركية داخل التنظيمات الشاقولية المؤلفة من أعمدة والتي تعمل كوحدات وظيفية، وتدخل المعلومات داخل العمود المعين من عدة مصادر ثم تضخم عند الحاجة لإنتاج تقلص عضلي ملائم، وتكون كل وحدة وظيفية مسؤولة عن توجيه مجموعة معينة من العضلات التي تعمل على مفصل مفرد، لذا فالحركات(وليست العضلة المفردة) يتم عرضها داخل القشرة الحركية، أما العضلات المفردة فيتم عرضها بشكل متكرر في تشكيلات مختلفة بين الأعمدة وان الخلايا العصبية للقشرة الحركية والتي يكون لها محاور داخل المسالك الشوكية الدماغية، تعمل وبشكل رئيس في التحكم بالعضلات البعيدة الطرف وتكون وظيفتها:
? تغيير معدل إثارتها لحركات الطرف وذلك لتسريع هذا المعدل.
? إحداث إثارة عند تردد معين يتناسب مع القوة المبذولة في حركة معينة ولكن لا يرتبط مع اتجاه الحركة( Gilman 1990).
وفي كل مرة تنقل فيها المسالك الشوكية القشرية المعلومات إلى الحبل الشوكي يتم استخدام نفس المعلومات من قبل العقد وساق الدماغ والمخيخ، وتتسبب الإشارات العصبية القادمة من القشرة الحركية في تقلص مجموعة عضلية معينة، وتعود الإشارات عندئذ من المنطقة المثارة للجسم إلى نفس الخلايا العصبية التي تسببت في التقلص مما يمد بتعزيز من التغذية الراجعة بشكل عام إذا نجحت الحركة ومن ثم يتم تسجيلها لغرض استخدامها في المستقبل، وفي قسم من أقسام الحبل الشوكي فان المسالك الحركية المتعددة تدخل وتنتهي داخل الحبل الشوكي قادمة من الدماغ أو المراكز الأعلى، وعموما تقع المسالك الشوكية القشرية والشوكية الاحمرارية داخل الأجزاء الظهرية للعمود الوحشي من الحبل الشوكي وتنتهي في الخلايا العصبية البينية عندما تتصل بمناطق الحبل الشوكي الخاصة بالجذع والرجل والذراع، ولكن رغم ذلك وعند الاتساع العنقي حيث يتم عرض أو تمثيل اليدين والأصابع فان الخلايا العصبية الحركية التي تجهز اليدين والأصابع تقع بالكامل تقريبا في الأجزاء الوحشية للقرون الأمامية، وينتهي في هذه المنطقة عدد كبير من الألياف الشوكية القشرية والشوكية الاحمرارية مباشرة على الخلايا القرنية الأمامية، بمعنى أنها تشكل مسلك أو طريق مباشر من الدماغ يتماشى والإبهام في القشرة الأولية الحركية( Ganong 1991).
وبمقدور الحبل الشوكي ان يمد بنمط انعكاسة خاصة لحركة معينة عند الاستجابة لتزامن عصبي حسي والذي يعد مهما عند إثارة الخلايا القرنية الأمامية من قبل الإشارات القادمة من الدماغ، بمعنى ان انعكاس الاستطالة هي وظيفة طول الوقت والتي تساعد في موازنة الحركات الحركية التي تبدأ من الدماغ، فعلى سبيل المثال عندما تثير إشارات الدماغ العضلات المشاركة فليس بالضرورة تثبيط العضلات المعاكسة في نفس الوقت لان الإمداد العصبي المتبادل سيحدث خلال انعكاسة الثني.
التحكم المخيخي بالوظائف الحركية
يعد المخيخ أساسيا لتحكم بالنشاطات العضلية السريعة جدا مثل الركض أو الكلام أو ممارسة بعض الفعاليات الرياضية أو العزف على آلة موسيقية، وان فقدان المخيخ يؤدي إلى عدم توافق هذه الحركات بحيث تبقى الأفعال موجودة إلا أنها سريعة وغير توافقية وذلك نتيجة لفقدان الوظيفة التخطيطية، ويراقب المخيخ ويقوم بالتعديلات التصحيحية في النشاطات الحركية التي تثيرها الأجزاء الأخرى للدماغ، فهو قادر على القيام بذلك طالما انه يستلم المعلومات وباستمرار من مناطق التحكم الحركية للمخيخ والخاصة بالبرمجة الحركية المرغوبة وكذلك تسلمه المعلومات المحيطية لتحديد حالة الجسم، وباستخدام أنظمة التغذية الراجعة يقارن المخيخ الحالة اللحظية الفعلية لكل جزء من أجزاء الجسم(وكما تصفها أو تصورها المعلومات المحيطية) مع الحالة التي يهدف إليها الجهاز الحركي، وبالإمكان عندئذ إرسال الإشارات التصحيحية إذا كانت ضرورية لتغيير مستويات النشاط(Gordon 1990).
ورغم ان المخيخ ينقسم من الناحية التشريحية إلى ثلاثة فصوص(الأمامي والخلفي والعقدي النديفي) ألا انه من الناحية الوظيفية فان الفصوص الأمامية والخلفية هي التي تتحكم بالحركات، وتنقسم طوليا إلى المنطقة الإنسية، والمنطقة المتوسطة، والمنطقة الوحشية، نسبة إلى نصف كرة الدماغ، إذ تتحكم المنطقة الإنسية بالوظيفة الحركية للأجزاء المحورية من الجسم (الرقبة، الجذع، وحزام الطرف) في حين تعنى المنطقة المتوسطة بالتحكم بالأقسام البعيدة للأطراف العليا والسفلة، أما المناطق الوحشية فهي تعمل على مسافات أكثر بعدا لغرض الإمداد بالتخطيط الشامل للحركات الحركية المتتالية مثل التوقيت والتوافق(Fehn & Ghez 1985).
ان الأنظمة المنتشرة لإدخال المعلومات(Input) وإخراج النتائج(output) تعمل إلى ومن المخيخ، فمسالك إدخال المعلومات إلى المخ القادمة من القشرة الدماغية حاملة المعلومات الحركية والحسية تمر عبر نوى متنوعة بساق الدماغ قبل ان تصل إلى النوى العميقة داخل المخيخ وعلى نفس الشاكلة، فان الخارج من الناتج(output) والقادم من المناطق الثلاثة للمخيخ سيخرج عن طريق النوى العميقة مع الألياف من المنطقة الوحشية مارا بالقشرة الدماغية للمساعدة في النشاط الحركي الإرادي التوافقي الذي يتم البدء به هناك، وتمر الألياف القادمة من المنطقة المتوسطة عادة إلى المهاد ثم إلى مناطق العقد الأساسية أو القشرة الدماغية أو ساق الدماغ للقيام بوظيفة وثيقة الصلة بجهاز التوازن للتحكم بالمواقف الخاصة بوضع الجسم، ويكون الناتج الخارج(Output) من النوى العميقة للمخيخ وباستمرار تحت تأثير كل المؤثرات المثيرة والمثبطة، فالمثيرة تأتي من الألياف الحسية التي تدخل المخيخ، والمثبطة تأتي من الوحدة الوظيفية للقشرة الدماغية وهي خلية بيركنجي(Purkinji) ويتم الحفاظ على نوع من الثبات النسبي في التوازن بين هذين المؤثرين مع مستوى مستمر من التحفيز القادم من كلا المصدرين، ولكن رغم ذلك وعند الحاجة لأداء حركات سريعة فان التوقيت المؤثرين في النوى العميقة سيكون بان تظهر الإثارة قبل التثبيط ويتم البدء بإشارة الاستثارة السريعة لغرض تعديل البرنامج الحركي الذي يتبع بإشارة مثبطة والتي تكون عبارة عن تغذية راجعة سلبية لها تأثير في موازن الحركة ومنع الأداء الزائد أو المفرط، ويمتلك المخيخ نظام بحث لإدخال المعلومات(Input) وإخراج النتائج(Output) دون الرجوع إلى داخل المسالك (Gordon 1990) ( Ganong 1991).
وظائف المخيخ في التحكم الحركي
لا يبدأ المخيخ النشاطات الحركية بل انه يلعب دور هام في التخطيط والتفكير والتصحيح والتوافق والتنبؤ للنشاطات الحركية خصوصا الحركات السريعة، وتعرض المنطقة الإنسية للمخيخ الأجزاء المحورية والحزامية للجسم مع وظيفة تنبؤية للتحكم بوضع الجسم والتوازن وتتحكم المنطقة الوسطى بالأجزاء البعيدة للأطراف والتي تنتج حركات أكثر اتقانا وأعلى مهارة وبطريقة انسيابية وتوافقية متحكم بها، فيما تتعهد المنطقة الوحشية بالتحكم الشامل للجسم بكامله مع وظيفة التخطيط والتوقيت الصحيح للحركات المتتالية وتعمل المنطقة الإنسية ذات الفص العقدي النديفي مع منطقتي الحبل الشوكي وساق الدماغ بالتحكم بحركات وضع الجسم والتوازن وهي تجهز بوظيفة تنبؤية للحركات السريعة، وتستخدم المعلومات القادمة من المغازل العضلية لتعزيز وإطالة فترة انعكاسه واستطالة الحبل الشوكي، وهكذا، فالمواقف الخاصة بوضع الجسم والتعديلات في الأجزاء المحورية والحزامية للجسم يمكن التحكم بها بمساعدة الجهاز الدهليزي، وفي أثناء الحركات السريعة فأن التغذية الراجعة المستمرة لحالة الجسم من قبل المخيخ ستمد بمعلومات حديثة وتنبؤية عن مواقع الجسم إلى الأجزاء الأخرى من الجهاز الحركي ويعتقد ان المعلومات التي يتم توصيلها بشكل سريع من الجهاز الدهليزي تستخدم داخل دائرة التحكم بالتغذية الراجعة لغرض الإمداد بهذا التصحيح الفوري للإشارات الحركية الخاصة بوضع الجسم عند الإعداد أو عند التوقع لحاجة الجسم (Fehn & Ghez 1985).
عند عمل المنطقة المتوسطة للمخيخ مع العقد الأساسية والمهاد فإنها تساعد في التحكم بالحركة الإرادية بواسطة الاستفادة من دوائر التغذية الراجعة القادمة من المناطق المحيطية والدماغ، ويتم التحكم بالأجزاء البعيدة للأطراف بواسطة المعلومات القادمة من القشرة الدماغية والقادمة من المناطق المحيطية وتندمج هذه المعلومات في المخيخ، وهذا يزودنا بحركات انسيابية وتوافقية للمجاميع العضلية العاملة والمعاكسة مما يسمح بأداء الحركات البالغة الدقة، وذات الأغراض الصعبة والمعقدة والتي نحتاجها بشكل خاص في الأجزاء البعيدة من الأطراف، ويتم تحقيق ذلك بواسطة مقارنة أهداف المراكز الأعلى للقشرة الحركية مع أداء أجزاء الجسم ذات العلاقة، وترسل القشرة الحركية بشكل عام معلومات أكثر من الحاجة وذلك ليتحتم على المخيخ تثبيط القشرة الحركية في زمن مناسب بعد بدء العضلات بالحركة، وهذا يمدنا بكل من وظيفة الموازنة والتحكم بالحركات المقذوفة والسريعة ذات الهدف الخاص، ويحدد المخيخ معدل الحركة وبحسب طول الزمن اللازم للوصول إلى نقطة الهدف، ثم ترسل عندئذ الإشارات المثبطة إلى القشرة الحركية لتثبط مجاميع العضلات العاملة وإثارة المجاميع العضلية المعاكسة وتستخدم الكابحات بحيث تتوقف الحركة عند الهدف، ولا يوجد وقت للتحكم بالتغذية الراجعة لحركات كهذه عالية المهارة ولهذا السبب يتحتم التخطيط لها أو تعلمها باستمرار، وتمنع وظيفة الموازنة الحركات المبالغ فيها والخاطئة والعمودية، ويعتمد تعاكس الإثارة هذا على معدل الحركة بالإضافة إلى المعرفة المتعلقة مسبقا عن الحركة، وبالنتيجة فان الحركات الإرادية لن تكون إرادية بحتة بل انه يتحتم التحكم بها أيضا عند مستوى دون الوعي، وبنفس الطريقة فان الحركات المقذوفة تحتاج للإثارة من المخيخ للحصول على سرعة حركة ثم إلى التثبيط لإيقاف الحركة، وتعنى المنطقة الوحشية للمخيخ بالتحكم الشامل لحركة الجسم بكامله وذلك بامتلاكها وظيفة تخطيطية وتوقيتية تعمل مع المناطق قبل الحركية والحسية المشتركة للقشرة الدماغية، ويعد التخطيط لسلسة من الحركات ضروريا للانتقال الانسيابي والمنظم من حركة إلى حركة أخرى تليها وتتسبب أو تغري المناطق الوحشية القابلية التنبؤية بالمخيخ في ان تتعرف على نمط الفعل، وكم المسافة التي ستتحركها الأجزاء المختلفة للجسم ضمن زمن محدود، ومن ثم ماهية الحركة التالية، وستحتاج لوظيفة التوقيت عندئذ للتنبؤ والتحكم بالانتقال من تسلسل إحدى الحركات إلى الأخرى بطريقة انسيابية ومتوافقة، ويعد ذلك ممكنا لوجود حركة المرور ذات الاتجاهين بين المناطق الحسية والمناطق قبل الحركية للقشرة الدماغية وبين المناطق الوحشية للمخيخ، وبهذا فان النوى العميقة للمخيخ وعبر المناطق الوحشية ستشترك للتو في نمط النشاط للحركة التالية في نفس الوقت الذي تحصل فيه الحركة(Gauyton1991)، أضف إلى ذلك ان الوظائف التنبؤية الحركية الإضافية من الأحاسيس الأخرى(السمعية والبصرية) سيتم تعديلها وفقا للعوامل البيئية بحيث تمدنا بتفاصيل إضافية، وتعد مثل هذه المعلومات مهمة في تفسير العلاقة المكانية- الزمانية والتعرف أو تحييد خصوصية الحركة، بمعنى ماهية السرعة التي يقترب بها الجسم من أداة معينة أو التي تقترب بها أداة معينة من الجسم، ويعد ذلك أساسيا لتفادي الاصطدامات، ويقوم المخيخ ويقوم المخيخ وبشكل شامل بوظيفته كجهاز لتصحيح الخطأ الذي يقع في الحركات ذات الهدف الموجه، فهو يستلم المعلومات عن موقع الجسم والحركات باستمرار ثم يحسبها ويوصل الإشارات الملائمة إلى مراكز العضو المستجيب لساق الدماغ لغرض تصحيح وضع لجسم وجعل الحركات أكثر انسيابية، ويعد المخيخ مهما في عملية التعلم واكتساب المهارات الحركية.
تحكم التغذية الراجعة الحسية للوظائف الحركية
عندما يتم تعلم الحركة يتم توطيد اثر حسي مخلف لها داخل القشرة الحسية ويستخدم كدليل للجهاز الحركي للدماغ لإنتاج نمط مشابه للحركة، وإذا لم يتطابق كل من الأثر المخلف ونمط الحركة فان الإشارات الحركية الإضافية ستحفز وبشكل تلقائي العضلات المناسبة لغرض أداء الواجب بشكل صحيح، ويتم تصميم الأثر الحسي المخلف وفقا لتسلسل زمني معين وان جهاز التحكم الحركي سيتتبع النمط تلقائيا من نقطة إلى الأخرى التي تليها، وهكذا فهو ليس جهاز تحكم بل هو بالأحرى عملية تتبع، وإذا فشل الجهاز الحركي في تتبع النمط فيتم تغذية ذلك تغذية راجعة إلى القشرة الحسية ويتم نقل الإشارات التصحيحية إلى العضلات المناسبة.
ان توطيد أنماط حركية سريعة والتي تكون سرعتها بالغة أو مفرطة بالنسبة للتغذية الراجعة الحسية تتأسس أو تبنى على الآثار الحركية المخلفة، وان حركات سريعة مثل الطباعة يتم تعلمها في البدء بشكل بطيء بحيث يوجد وقت للتغذية الراجعة كي توجه أو ترشد الحركة عبر كل خطوة، ويسفر الأداء الناجح لنشاط مهاري معين عن توطيد اثر مخلف لهذا النشاط كونه قد استقر في مناطق التحكم الحركي وفي الجهاز الحسي، ويتسبب الأثر الحسي المخلف في ان يجعل مجموعة دقيقة من العضلات تمضي عبر تسلسل خالي من الحكات لغرض أداء الواجب، وبالإمكان أداء النمط عندئذ دون تغذية راجعة حسية، ولكن الجهاز الحسي لا يزال هنا هو الذي يحدد فيما لو كان العمل يؤدى بشكل صحيح أم لا، أضف إلى ذلك يتم خزن أنماط متنوعة لغرض السماح لتنوع في الحركة ضروريا في مواقف مختلفة (Gauyton1991).