eKtab
EN ع
التفاحة النهرية
Read free sample

التفاحة النهرية

by محمد نفّاع

Page 1
الجرمق
 
ما نطيع اللي يجينا بالعناد ما تعوّدنا على بوس الأيادي
 
الوعرُ السنديانيّ المُتجهّم المُهيب يحتضنُ كلمات النشيد اللاهثة المُتدفّقة من الحناجر الجافّة المُضرّجة بالغضب. ورسمَ الغبارُ على جانبيّ الطريق الترابيّ دربا موشّحاً مقطّعاً كدربِ التبانات. وتكلّل الأفقُ الغربيّ في هذا اليوم التموزيّ الثقيل بحومات من غيم مُتعرّج بعيد صعب المنال.وفي الجو عذوبة وطراوة. على هذا الجبل الأشوَس المُطلّ على الكون بوقار راحت الطيورُ تتوغلُ في الأحراش وتُطلق ترنيمها المألوف وأغنيات الوداع قبل المبيت. وعلى مد النظر تطل البيوتُ المشدودة على التلال وصدور الجبال ترشق المكان بنظرات جانبية عطوفةٍ آمرة.
 
الزوال يحبو ويكسو الوعر والفجاج بغلالة سوداء، فقط حواف الغيوم البعيدة ظلّت تلمعُ قبالة الشمس الغاربة بلونٍ لهبيّ ناريّ سحيق.
 
لعالم الليل رهبة مُذهلة شعثاء، طيورٌ غير مرئية تحوم وتطلق صيحات حادة مبتورة. وبومٌ ينعقُ بعيداً بصوتٍ أجوف صافر له صدى متدحرج عميق، والخفاش يدور بطلعات قصيرة رخوة ، والصرصار يسقسقُ بنبرات رتيبةٍ خادشة.
 
تجهّمت الأودية والخلّات، واليراعُ وسراج الليل يشعُ بأنس وحبور. وارتشت صفحة السماء بنجوم غائرة عبر أصقاع لا نهائية جوفاء في الظلام الكبير.
 
_ إدملوا المسامير في الطريق وعاودوا . قال أحدهم لمجموعة من الشبان، وغابت الكلمات في جوف الليل الرهيب.
 
بعد نصف ساعة عادوا يلغطون بهمس، وخطواتهم ترنّ على حجارة الدرب بحذر.
 
تعبّأ الوعر بعشرات قليلة من الرجال بعد القول الفصل:
 
_ " النسوان تروّح، ولا واحدة تبقى هون" !!
 
روحت النساء الى البلد. رأينَ في طلب الرجال احتراماً لهنّ وحماية محبّبة مطمئنة فغادرن بتودد. وظلّت تُسمعُ أصوات تكسّر الأغصان اليابسة وتهيئة الأمكنة لقضاء الليل في قلب الوعر الأسود البارد، فعلى بعد مئات الأمتار وفي حجرة وحيدة وعتيقة يقع مقرهم، مقر المعتدين المتربصين بالأرض والطبيعة وحماتهم وكلابهم. وعلى الطريق الوعريّ أقيمَ في وجوههم حاجلزٌ صخريّ منيع.
 
خيّم السكونُ عدا ضحكات مخنوقةٍ وهمسات في هذه الحومة من الشباب أو تلك.
 
_ "بلاش دخان يا شباب!"
 
إلا أن اللفافات ظلّت تومض في أعماقِ الوعر. البلد بعيدة، تُقابل المكانَ بأنوارها من كل الجهات والحارات والمواقع، كلها تتطلّع بثقة وأمل.
 
_ "البلد كبرت" !
 
نسمات باردة تمسح الوجه وتنمّشه بنعومة. راح البعض يغط في في نوم عميق بعد تعب النهار، وتُسمع ضربات خافتة على الوجوه تطارد البرغش.
 
هذه المواقع لها أسماء وكيان وأيام، لكل منها سحنته وشكله وحجمه. أبو حجر، جباب القصب، الدرجة، الربيعة، جرانة العصافير، خلّة القاضي، جبل عين الشعير، الملعقة، خلة البير..
 
أخذتُ مكاني وحيداً منفرداً تحت شجرة سنديان مهيفة، أنصت بنهم إلى عالم الليل المجهول، السكون ثقيل له وهرة، ومن الجبال المقابلة تقطعُ الصمت أصوات غريبة لوحوش البرية تهيم في كونها الغامض.
Page 2
يبدو أن أحدهم يغرق في حلم، راح يتجاذب معه أطراف الحديث،كلمات ممطوطة وأحرف متآكلة ومقاطع شخير. وضحكات خافتة من الآخرين. وثانٍ يمضغُ وهو في عزّ النوم ويتلذّذ.
 
_ "يمكن بلا عشا"!
 
أنا لا أعرف النوم في مثل هذه الحالات.أقضي ساعات أتلقف روعة هذا العالم الليلي الغابيّ ومخاطره وما تقذفُ أشداقه من خشّاتٍ وحركات مجهولة رائعة الوقعِ. ومن خلال الأغصان مقطعا من درب التبانات والنجوم المؤنسة السحيقة والقمر المتأخر المتطوّر المتلاشي.
 
وهناك من جهة المعتدين صمتٌ مُطبقٌ وظلام ولهذا السكون رنين وصدى مُتموّجٌ متواصل، يندفع الى السمع بحدّةٍ وإصرار، قد يكون صوت الليل والنجوم وصحن السماء ودرب التبانات وزفير الأرض ولظى النهار وشهيق المغاور والكهوف وأنفاس الأودية وخفق البحر وغبار الحصاد ودموع العشّاق.
 
وللطبيعة بغمٌ مُطلسمٌ غزيرٌ في مجهوله ورهيب وأنا أنصت بإجلال الى الصدى والذكريات.. وسرح نظري هناك الى تلك الخلّة الصغيرة المعتمة القابعة في ذلك الموقع، بين أحضان الغابة السوداء.
 
مضت أيامٌ وأعوام على ذلك اليوم. كان الطقس ربيعيّاً مُشمسًا طريّاً، وقد أنبتتِ الأرض موسمًا عارمًا دافقًا من الزرع والعشب الزهريّ الفواح، وأنا أنتظر هناك والوقت يمشي على مهله..
 
هكذا أنتنَ يا معشر النساء، لا تأتي الواحدة في الميعاد إلا بعد طلوع الروح. عجيبة هذه الموهبة لديكنّ وهذا الدأبُ والسلاح. رحتُ أتلهّى بقضم القش وعدّ الحصى وحومات الغيم الأبيض الذي يُنمّر السماء عالياً بأشكال وأحجام مختلفة منوّعة في عُلوٍّ شاهق، وحدأة تطير هناك وتكاد تلامسه، غريب هذا الطير في وصوله وتجواله بين تلافيف وفجوات الغيم الأبيض الرفيع. وقبّرة تستحم في ذرى الجو وتلغط بحماس ونشوة كحديث الغطمس للوليد، يضحك ويتفعفل بيديه ورجليه ويصدح بتلك النبرات الهائلة الفتّانة ويخاطب شيئًا غامضًا مجهولًا غيرمرئيّ، وعيون الأم تُرغرغُ حُبّاً وسعادة.
 
البلدة بعيدة من هنا، مشيُ ساعة للمستعجل، نزلة الغدير وطلعة الزرب وعقبة الحمار والزابود، ثم لتطلّ على الزرعات وبعدها تأتي. وأنا بكّرتُ المجيء والانتظار هنا في خلّة الـ..
 
أرض متطاولة وسط الوعر، لها مدخل واحد ضيّق ومن بقيّة الجهات وعر زرْدٍ مُغلق.
 
الانتظار صعبٌ مقيت، وأنا أجد لها الأعذار، عملتُ صفارةً من قش الصياح الطويل الذي يظل يلوح ويخفق برؤوسه السنبيلّة المحنيّة جماعات كالنادبات. والوقت يمر والهدوء ثقيل.
 
تطايرت العصافير من تلك الجهة مزقزقةً وقفز أرنب هارب من هناك، وقف على قائمتيه الخلفيّتين ونظر برعب الى الناحية، وزعق شحرور بصخب، إن أحدا نكّر هذه الطيور، إنها هي، لكنها لا تزال بعيدة، عليها أن تقطع مسافة كافية حول الأرض الطويلة المغلقة. وعاد الهدوء، وأغصان الشجر ترتشفُ الدفء والنور بشهيّة، رائعة حيّة هذه اللحظات، وأنتَ تكادُ ترى القادم والآتي، سرى خدرٌ لذيذٌ في رأسي ، وألحان السكون المتموّجة تتدافعُ وتقتحمُ.تحرّكَ غصنٌ كبيرٌ هناكَ، ارتجف رجفاتٍ قصيرة عنوةً عن بقية الشجر الغارق في الصمت. ومرّة أخرى تلاه سكون صارم قاسٍ، إنها هناك، تتفحّص المكان قبل أن تلجَ في هذا الخليج الأرضيّ الرحب، إنها هناك تَقفرُ الدروب الوعرية والمسارب المتعرجة، فهي نكحةٌ هيّابةٌ بشكل رهيب كعصفور الدوري.غريب أمر هذا الطير، لا يأنس إلا بالناس، يعيش في العَمار ويتجنّب الخراب، يعشّشُ في السطوح والشجر قرب الدور، يسطو على الحبوب المنشورة ويتقاسم العلف مع الدجاج، ومع ذلك فهو نَكِحٌ صعبُ المنال، قلّما يُصطاد، رائع هذا الطير المُبكّل على عنقه بالسواد الأدغم الخفيف.
 
حطّ هدهدٌ وحيد. دائمًا تراه وحيداً على قلّته. مكث لحظات قصيرة ورشقَ المكان بحذر، ثم أطلق تغريدًا صافرًا أجوف وغادر المكان الى الشمال بطيرانه الهادئ المُتموّج المعروف، انفلتت أغصان السنديان الغامق من جديد.. وأطلّت ترقب الأرض الفجاج بمشية حذرة وجلة مستحيّة كمن تشاور عقلها هل تكمل المشوار؟
 
أطلقتُ صفرةً بالصياح وهي العلامة والإشارة، بدا عليها كمن جفلت وتضايقت، راوحت في مكانها ثم تقدّمت مسرعة واثقة.
 
- "طلّيت على الزرعات، القمح ملان عشب"!
 
قمحاوية مع حُمرة خفيفة دائمة على الخدّين. طويلة جسيمة بعض الشيء، وصوتها فيه نتفةٌ من الغلظة، بل "نتّوفة" فتّانة منها.
 
وقعدت بعيداً عنّي، وهذا مؤكّد مفروغ منه، والآن ندخل في فصل البدايات والمقدمات والمحاولات، هذه الأمور تضايقني، حقيقةً، لكنّ التمنّع غريزة وموهبة غامضة عامّة لديهنّ، فقط ألا يكون هنالك مبالغة وعتاب طويل طويل مديد.. عينان واسعتان حييّتان دائما، إعفوني من الولوج في وصف لونهما لئلا يفوح الخبر وتقع واقعة.
 
فستان زيتيّ أخضر كاشح عتيق، ولباس أسود طويل، وفوطة مدعوكة منسلّة معقودة على العنق، معرقة كزهر الطيون، مكثنا ساعة قصيرة، أسترق النظر وأعيش اللقاء الموشك، وأنسج خيالاً رحبًا، و"أتحلفص" وأزحف حذراً للتقرّب وأنا أراقب تبعة ذلك.
Page 3
- "شو بدّك منّي ؟!"
 
أما أنا فخرستُ عن الكلام المباح، بل أن هذا الصوت الواضح أجفلني وأوقف زحفي المستتر، أرسلتْ نظرها بعيداً الى الوعر وإالى القرنة الشرقية من الأفق المرئيّ من هنا.
 
وفي المواقع البعيدة يترامى نواح شُبّابة، تصلنا منه مشحات وموجات غائرة متقطّعة محزونة، تتكلفت في الوديان وتتعربش على الهضاب وتعشّش في حومات الشجر وتمسح وجه الصخور وتلثم خدود الأرض العطرة الشابّة وتتدلى على جبهة الجرمق كإكليل من الشبرق والخزامى..
 
إنعفي أيتها الأرض الطيبة الملقاحة من نشركِ المبارك وأنفاسك الغضّة وطيبكِ الهتون، وخيركِ المضمّخ بعرق الجهد والسُترة والعافية، وانبتي حجارة تحميكِ من العاديات، مُشرئبّة الى فوق بعزّة ونقاء، وغيّبي في جوفكِ تلك التي رنت على جبين حُماتكِ من بعض أبنائكِ المُتعاركين، تلك التي تعيش خجلى مُنكفئة مقهورة عليها دمٌ من دمك، واطلقي صرخة الوئام الجبّار كرمى لطهرك الوضّاء وعرضكِ المصون.
 
طويلٌ طويل هذا الشَعر الملقوح على الظهر في غدير ربيعيّ شذيٍّ مُنسكبٍ من الذرى الى المروج القمحية العبقة المروية بندى نيسان، يرنو اليه كفلُكِ المُهضّب كهضاب الجرمق الأرجة، كلّه لُجّة متموّجة خفّاقة بتحفّظ ووقار، واتركي لونه للذكريات خوفَ العواقب والعقوبات الدافئة في القيظ والباردة في الزمهرير.
 
بعد تجاهل وضيق وحياء مُفرط مُخضّب بالدلال تبسّمتْ بسمة عذبةً، ومسحتْ جبينها ووجهها بكُمّ الفستان المهلهل.
 
لمستُ يدها الحيّة الوافرة فشهقتْ وجفلت كالغزالة الجفراء. وانفلتتْ يدي المتآخذة لتلثم ساقها البيضاء النقيّة المستورة تحت السواد.
 
- "إيه !! شو بدّك تشوف؟ "
 
نطقت بلطف وصوت مرهوق متلعثم
 
- "خلقة الله !! بدي أشوف.."
 
وبلعتُ ريقي للمرّة الـ .. أبصر قدّيش.
 
خرس الكون، ومشى الوقت، ورحت أفرك العراقية الصفراء المشلوحة من موضعها بيديّ الاثنتين، لها عبق شبابيّ ربيعي طريّ نديّ. أنفاسها شذيّة كالبطم والريحان، تنطق بتسارع أهوج لجوج. وشفتاها مكتنزتان تخفقان كجناح عصفور التركمان على بيدر القمح المدروس.
 
- "وبعدين!!"
 
وجهها مُحمرقٌ حار، وفي عينيها بريقمرغرغ مُزغلل.
 
- "أعمل لك حاكورة هون.. على صدرك!! وعمل الحاكورة أن تعضّ في الجسد عضّة تترك أثراً. وصمّمتُ أن اقوم بهذا الواجب..
 
- "إوعك.. بذبحك"!! وغطّت صدرها بيديها لكنها لم تنجح، ظلّت أضمومتان من نهديها المقدّسيْن المشرئبّيْن بكبرياء وعظَمةٍ شاردتيْن من التطويق. وضحكت كتشحرورة مبحوحة.
 
- "على خدِّك"!!
 
_ "المرة... أحسن.. عزارة وعليها شهود، وشو بقولوا" ؟
 
_ " وين لكان؟!"
 
_ "لا كان ولا مكان.. أسكت..هيك وبس!"
 
كنا نجلس في عبّ شجرة سنديان متدلية، وسكتُّ عن المحظور واللامعقول، فأزاحت يديها عن صدرها الفواح كغمر النرجس الرياّن، وانغمر المكان بأنفاسها المتقطّعة وعتابها وعنادها، لها يدٌ مقاوِمةٌ تراها في كل مكان في قوامها الحيّ الفتيّ المتدفّق، راحت تُسدلُ جفونها، ورموشها تكاد تلتقي وتتعانق، وجبينها العُريفي مرغرغ..
Page 4
هبّ الجمع بانفعال وجلبة على هدير سيارات مقتحمة من صفحة الجبل، توتّر حبلُ الذكرى وانقطع، كيف هذا ؟ مرّ الوقتُ ، والفجرُ يُطلّ.
 
_"قوموا! وقعت.. وين النشاما ؟"
 
_ " اتصلوا في البلد".
 
عشرات السيارات العسكرية تحبو وتتمايل على الدرب الوعري مُثيرةً زوابع الغبار.
 
_ "طوّقوا الدرب من الجانبين، اروجوا !!"
 
كنا عشرات قليلة من أهل البلد، طار النوم بذهول، والحجارة والعصي باردةٌ رطبةٌ بالندى. وفي الجسم انقباض. يبدو أن دبّة الصوت تنطلق في البلد المتأهبة، شعّت الأنوار في بعض البيوت وتلتها العشرات والمئات. قامت البلد على حيلها في دغشة النهار. تقدّم المعتدون في رتل طويل عنيد، فتطايرت الحجارة في الهواء غبراء صيّاحة. كانت السيارات هدفاً جيدا للإصابة، فتهشّم الزجاج ورنّت مئات الحجارة القاسية على الحديد في رشقات متواصلة مِدرارة.
 
فظيعٌ هذا السلاح؛ الحجر، في هذا الوقت الحجري. تفرقعت إطارات وأطلقت عيارات في الجو، بعق أحدهم وولول آخر. ألقيتْ قنابل الغاز والدخان ليختلط بالغبار الفوار، ازداد ضرب "الجمش" المُزغرد في نافورة مُقوّسة محنيّة.
 
وعلى الدروب الآتية من البلد صخبٌ مُختلط مزوبع، سحب دخانية، غبار، جرارات وسيارات صافرة مزمجرة ومُشاة وهدير. قامت القيامة في البلد، والأنفاس كأنما تلامس الظهور وتعصف ببرودة الفجر اليمامي.
 
_ "وصل الفزيع !! ردّوهم، كونوا قدّها.."
 
اغتصبت هراوات الشرطة وانتقلت الى ايدي الناس، وظلّت التروس المعدنية تتلقى الضربات المتهافتة بأنين. سال دم غير قليل، وتشوّهت وجوه.
 
جاء الناس من كل الجهات، والدروب والأحراش تقذف وتدفع الرجال والنساء والشيوخ والأولاد بصراخ ومسبّات وهتاف نخوات:
 
بلدنا الأبيّة مين يعادي رجالها..
 
بالروح بالدم..
 
وين راحت النشاما !
 
قويّة وممشوقة هذه الكلمة: النشاما.
 
لاذ الرتل الغادر بخزيٍ وعار، واللغط والصياح يشق الجو المنور. حلّقتْ طائرة حوامة، تتمايل وتخفض غافّةً بصدرها الضيّق وذيلها الطويل، وهدير حاد مرنان، ووجه الطيار حاقد بارد، فانفجر نحوها بركان من الحجارة والشتائم والبصاق والحركات التي تليق بها.
 
هرب المعتدون وطوردوا حتى غابوا عن الأنظار، ليظلّ المكان نظيفاً منهم، مُهشّمًا موشّحًا مكلّلًا بالكدمات والمقاومة, معرض غريب مهيب من الناس والأدوات، صخور، عصيّ غشيمة من السنديان المبارك الغويان، سكاكين ومدقّات، مناجل وبلطات وسلاسل وقطع حديد ووجوه مُقنّعة ونقابات ملفوفة، ضحك ونخوات وقفشان وجرحى ودم وإسعاف وحديث، وعتاب وقصص وحكايات ومقاطعات وزغاريد وعرق وأهازيج ونظرات.
 
الأمهات يعانقن الأبناء. لو يقوم عالم هو عالم الأمهات، العالم الجبّار،عالم الحب والحنان والغضب، عالم الأمومة العالية الشمّاء، يعمل ويربّي ويرتّل ويدافع في تهليلة دافئة عذبة متواصلة كاسحة.
 
تجمهر الحشد في أنهار صاخبة مندفعة من فم الوعر والدروب الى البركة الجافة الرحبة المتشققة، سيارات وجرارات ودراجات وبهائم ومواقد نار وألوف الناس ومعهم الكثير من القرى المجاورة في موقع واحد وكتلة واحدة، وأوعية الماء والطعام. عرائس من خبز الصاج وشطائر، والناس يلوكون ويتحدثون ويتعارفون، والشيوخ يلاطفون الأولاد ودموع الأمل والحنان تترقرق في عيونهم الغائرة كالنجوم البعيدة.
 
وتحولت البركة الجافة وهذه الكتلة المشعّثة المترامية الهوجاء الى بسمة رابضة على وجه الجرمق الوقور.
 
نُصبت حلقات الدبكة على أنغام الشبّبة والأرغول والقهوة المُرّة تُدار على الأوادم.
 
ها هي تدير الماء والنقل على الناس. قمحيّة بخدود حمراء، عرِقة الجبهة عريضة الجبين، وعينين واسعتين حييّتيْن ولباس أسود طويل، وشعر شارد مشقوع مُتهافت على الأكتاف والظهر، وغزلت في مخيّلتي خيوط الذكريات.
 
_ "باين التقينا هون.. قلت باحترام وغيرة".
 
_ "معلوم.. على بالك تشرب ميّ ؟ تفضّل !!"
 
_ " أيوه على بالي.. نمت عشطان في عب شجرة السنديان.."
 
_ " خُذ إشرب واسكت..هسّ ولا كلمة!!"
 
وخيال بسمة يلوح على وجهها. وفي عينيها بريقٌ وكلام. كانت اليوم أجمل وأكمل، وهذا اللقاء أجمل لقاء.
Page 5
التفاحة النّهرية
 
أفقتُ دغشة الصبح على حديثهم: أبي خطَرَ على باب الله!! لهذه الكلمات وقعٌ هامٌ مُعتبر. فباب الله يجب أن يكون واسعًا ثقيلًا كبيرًا جديدًا ليس كباب بيتنا المهترئ الكاشح المُخلخل. هو نفسه- فكّرتُ- باب السد وراء جبل قاف في الصين ومن هناك يخرج العسكر الجراد بالعزّ والأنعام يا مرحبا يا مرحبا بقدومكم بعد الخبا يا إخوتي جانا النبا أن المظفّر قاما.." عسكريات تقال في ليالي العُشر قبل العيد الكبير الذي لم يصادَر كأخيه إبن أمّه وأبيه العيد الصغير. شعرتُ بحبّ جارف لأبي وهو في تلك النواحي البعيدة المجهولة. وكلّما مرّ الوقت في هذا النهار التشريني بغباره الثائر الملحاح وغيومه العكرة المشطحة ووجهه الكدر العبوس يزداد تعلّقي بأبي وعتبي عليه: لماذا لم يأخذني معه الى تلك الأمكنة وراءالباب والسدّ والجبل!!
 
_ "الحجارة هناك جواهر".
 
فتدخّلتُ وتساءلتُ:
 
_ "وإن صارت طوشة بين الحارتين في إيش يضربوا ؟!"
 
من وين "الجَمَشْ"؟!
 
_ " والتراب تبر"
 
في بيتنا قلادة "ذهب قطّة"، ذهب كذّاب بتعريفه!! أية أشياء مهمة في آخر الدنيا هناك!
 
_ "الفيلة تأكل الرز واللحم ومن عيون السمك يعملون طوايل للخيل! ويشربون من نهر العسل!"
 
وخلق سبب آخر لعتبي وقهري يتعلّق بالرز واللحم الذي نسمع به ولا نراه، أطباقنا عامرة بالمجدّرة والملفلفة والشلباطة وكبّة البطاطا والأقراص الناشفة وكل أنواع السليقة، عِلت ودردار وقُرصعنّة وكُرّات وصعلوك وزعتر وتنتول وكف العروس وشحيمة وذوينة الجدي وخبيزة وشومر وحفحاف والكثير من هذه العائلة العريقة. ونتقاتل على عِرق البطيخة إذا انوجدت وشقّحت وننظّف الحزوز حتى نرميها رقيقة شفافة بيضاء بعد أن نقضي قضاء مبرماً على اللون الأحمر وراقة من الأبيض، بينما هناك الفيل يأكل الرز واللحم.
 
كبر الليل وفتح فمه الأسود الأشدق، وبدت الجبال البعيدة جهمة عابسة مهددة تسرح فيها الغيلان والأشباح وعفاريت الجن، والرياح تجوح بموجات صافرة مولولة والنجوم غائرة، والرعود تقصف وتُدبدب زاحفة مزمجرة أكثر من ألف بقرة سما، والدنيا تزفر متوعدة تنهيدات رهيبة من جوفها السحيق وأبي لوحده في الدروب الموحشة في قلب الغيم والعتم والريح.
 
_ "ريح صرصر"!
 
لماذا لم يأخذني معه ؟ أو ليأخذ أخي رفيق الأكبر مني ؟ شابٌ مثل التفاحة!!
 
_ "سقطت يافا!! أم البرتقال اليافاوي".
 
لكن ومع صيحة الديك وجه النهار عاد أبي من مشواره البعيد وخطرته الكبيرة.
 
وخلقت عودته حدثًا ضخمًا في البيت والحارة والبلد وخارجها. تبيّن أنه كان في بلد اسمها "النهر"!، وراح يلغط بأسماء البلاد لم أسمع بها من قبل. وانخذلتُ من مشوار أبي الهزيل المبتذل وانقبضتُ:
 
_ "في النهر!! وأنا حسبته في باب الله وجبل قاف".
 
ثم أعجبتني أسماء الغابسيّة وكويكات وعمقا والمنشية وطربخيا والكابري والبصّة وكلها ليست في منطقة صفد، فهذه نعرفها ونسمع بها لأنها على وجهنا وطريق أرضنا في الخيط المالكية وميرون وقديتا ودلاتا وطيطبا وبرعم.. كونٌ عامر وبلاد كثيرة ولكل بلد اسمها وموسمها.
 
_ "كل المناكيش والمناجل والصاجات من ترشيحاكميّة"!
 
قدّمت أمي هذه المعلومة وارتفعت مكانتها في نظري.
Page 6
سقطتْ حيفا ومار الياس الحيفاوي!!
 
عاد أبي ومعه عجيبة من العجايب، يروي قصّتها متروّيًا بوقار وهيبة على غير عادة، ويترنّم على وقع حديثه الذي يقول وعُمر السامعين يطول:
 
كنتُ في باب الله التقيت مع زلمة معه دابة عليها حِملٌ مغطى، هيئة الأدمنة على وجه الزلمة. السلام عليكم عليكم السلام، وأعطاني حبة التفاح.
 
_" من شان البرَكة. ادعي لنا بالتسهيل، جاي أبيع حِمل التفاح كانت التفاحة حمراء مخددة مدورة بحجم كوز الرمان اللفّاني، وفي الحال يخيّم سكون خاشع ثقيل مذهول وهم ينظرون الى التفاحة الكبيرة، في بلدنا شجرات تفاح ثمرها مثل زاقول العفص نسرقها كل موسم وندق الورق حنّاء جميلة، وللحنّا مكانة محترمة عندنا،أسمعنا نغني ونردد:
 
جفرا ويا هالربع من هون لعنّا
 
وجمال بنت العرب ومحمّلة حِنّا
 
أو: يا بواب سارة افتح للعذارى
 
حِنّا للمنتظر لحدّ الإسوارة.
 
وفي كل عرس نحنّي إيدينا ويجيء أحد المناحيس من الكبار ويسأل:
 
_ "وين حنّوك؟"
 
فنطلق ذلك الرد وتلك الكلمة اياها تُحمرقُ لها وجوه النساء.
 
ويتناول الناس التفاحة برهبة وتردّد، يقلّبونها بمهابة.
 
_ "عجيبة علم الله"!!
 
_" قدرته عظيمة!! يُطعم على جمرويحرم على نهر".
 
_ "إن قلنا من ثمار الجنة... نكفر- حاشا".
 
صارت حديث الناس، جاءت البلدة تنظر الى هذه العجيبة من حق وحقيق.أصبحت التفاحة من مفاخر بيتنا وحارتنا وبلدنا. لم يكن من السهل عليّ النوم مع التفاحة تحت سقف البيت.
 
لكن لها رهبتها واحترامها. جاء معلّم المدرسة والأولاد، فوقفت أنا بمنتهى المسؤولية والفخر والوقار بجانب أبي والتفاحة. وتمّ الرأي على إخفائها عن عيون الحبالى المتوحّمات، فأخذت على عاتقي نقل هذا الأمر لكل أنثى في البلد من العجوز حتى البنت الشلفوحة.
 
_" إذا حبلى ممنوع تشوفيها !!"
 
البعض يضحك والبعض ينهر ويستحي، ووقفتُ حارسًا أمينًا ضد الأولاد وضد الخطر الداهم منهم، فأنا أعرفهم واحدًا واحدًا. وزيادة في الحيطة والحذر كان أبي يسترها في البيت، يخبئها بين ملابس الخَطرة وكتاب الدين وكيس الوصايا وكواشين الأرض ونُصّية الراحة وعلبة السكّر شُقف.ومفتاح السبت في زنار أمي، وأخي رفيق يضع ملابسه في السبت عند التفاحة ورائحتها الشذيّة ودائما في جيبه قصفة حبق او طبوق بنفسج وورقة مسك.
 
وفي المدرسة يسألني الأولاد إن كنا أكلنا التفاحة ؟
Page 7
_ " تنسو!! كيف ؟"
 
يتمشى على شاطئ البحر ونام هناك ليفيق في الليل ويج شط البحر منيرًا مشعًّا بالكثير من الجواهر الكبيرة فحمد الله وملأ جرابه منها فاتسع لست جواهر عضيمة جاء ونعفها أمام الملك الذي أعجب أشد العجب وقال للعابد ستتزوج ابنتي، فأنت رجل أغنى مني.
 
رفض العابد هذا الطلب، فكشّرتُ أنا ولُمتُ سيدنا ابراهيم بن أدهم أشد اللوم على رفض هضه النعمة أن بنات الملوك والسلاطين شلبيات.
 
وبعد أن دبّ في التفاحة التجعّد والنشاف قررنا أن نشقحها ونأكلها ليلة العيد. وكان على العيد أن يأتي بعد غياب طويل.
 
سمعت الغاغة فجأة كالعاصفة، والريح الشرقية تزمجر بعنف وقسوة، ومن جوف الليل اندفعت طلقات بارود، كثير من النار في البعد الغربي. هبّ أبي من الفراش. وأمي مسكت رأسها واستنجدت بكل الأنبياء والصالحين، أخي رفيق هناك برا البيت والبلد وصار للطلقات دوي مخيف تردده الوعور والجبال السوداء والأودية المعتمة. أصوات متدحرجة ممطوطة وأخرى قصيرة مبتورة. خفتُ من الف مجهول، من الريح والليل والنار.
 
أحضروا أخي ملفوفًا في حرام، وخصلة من شعره ملتصقة بالجبين، أمي تشهق وتغفّ عليه ودموعها على عرض وجهها. والشباب يبكون ويندبون وينتخون بالبواريد.
 
_ "استشهد عند البحر امبارح".
 
غسلوا أخي رفيق ومددوه على الفراش، وارتفعت موجه عالية من البكاء والنخوات بالبنادق حوله. كانت بارودته على جنبه، على فراش الموت. شهقت أمي وأنا أطول حبّة التفاح المنكمشة الحمراء وأضعها بجانب خد أخي رفيق المصفرّ لتروح معه.
 
_ "كان يستحلي ريحتها يا يمّه !!
 
في رأسي دوار، وأنفاسي تضيق، وأحسّ أن بارودة أخي رفيق تتحرك نحوي، وأنا...