سورة الفاتحة
«أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» أي ألتجئ إلى الله مستجيراً به من الشيطان المطرود من رحمة الله والخير، لئلا يضرني في شيء.
1 ـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} أي أبتدئ تلاوتي مستعيناً باسم الله وذاته، المتصف بالرحمة والإحسان وموصلهما إلى المنعم عليه، والرحمن أشد مبالغة من الرحيم، واسم الله يطلق على الذات والحقيقة والوجود.
2 ـ الثناء باللسان والقلب على جميل نعم الله، المعبود بحق، مربي العوالم كلها من الإنس والجن والملائكة والشياطين، ومالكهم ومدبر أمرهم، فهو المستحق لجميع المحامد بالقلب واللسان.
3 ـ واسع الرحمة ودائم الرحمة في الدنيا والآخرة.
4 ـ مالك الأمر كله في يوم الحساب والجزاء، والمتصرف فيه وحده.
5 ـ نخصك يا الله بالعبادة، وبالاستعانة، فلا نعبد غيرك، ولا نستعين إلا بك.
6 ـ وفقنا إلى الطريق القويم الواضح غير المعوج، وهو الإسلام والإيمان.
7 ـ طريق الذين أنعمت عليهم من الملائكة والنبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين، غير أولئك الذين غضبت عليهم، الحائدين كبراً عن طريق الحق والاستقامة، البعيدين جهلاً عن جادة الصواب، من أتباع المذاهب والملل الأخرى غير الإسلام، وأهل الفسق والنفاق.
ـ «آمين» اللهم استجب لنا.
فضل الفاتحة: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد بن المعلّى رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله : «ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟» فأخذ بيدي، فلما أردنا أن نخرج قلت: يا رسول الله، إنك قلت: لأعلمنّك أعظم سورة في القرآن، قال: «{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة 1/2] هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته».
وأخرج ابن حبان في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي في مَسِير، فنزل ونزل رجل إلى جانبه، فالتفت النبي ، فقال: «ألا أخبرك بأفضل القرآن؟» قال: بلى، فتلا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة 1/2].
سورة البقرة
فضل السورة: أخرج مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة». وأخرج مسلم عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أيضاً: أن رسول الله قال: «اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخْذَها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة»
أي السحرة.
1 ـ الم: هذه الأحرف وأمثالها من أوائل السور جيء بها بياناً لإعجاز القرآن، وإثبات كونه كلام الله، بتحدي العرب للإتيان بمثله أو بمثل أقصر سورة منه، وبيان عجزهم عن مجاراته، علماً بأنه مركب من الحروف العربية التي ينطقون بها، وينظمون بها كلامهم.
2 ـ هذا هو القرآن العظيم، الذي لا شك في أنه من عند الله تعالى، وأنه هداية وإرشاد للخير، يرشد الذين اتقوا ربهم بامتثال الأوامر الإلهية واجتناب النواهي وترك المعاصي، فهم المنتفعون به، وهي أوصاف ثلاثة للقرآن.
3 ـ أوصاف المتقين ستة: يصدّقون تصديقاً جازماً كاملاً بكل الغيبيات، كالملائكة والجن والبعث والنشور والحساب وغير ذلك من أهوال القيامة، ويؤدون الصلاة كاملة بأركانها وشرائطها، والخشوع فيها لله ويداومون عليها في أوقاتها، ويؤتون مما رزقهم الله حلالاً طيباً الزكاة المفروضة، والصدقات المندوبة في سبيل الله، والنفقات الواجبة على الأقارب وغيرهم.
4 ـ ويوقنون بما أوحي إليك أيها النبي من القرآن، وبما أوحي إلى الرسل من قبلك، من الكتب السابقة، ويصدّقون بالدار الآخرة وما فيها من بعث وجنة ونار وحساب وصراط وميزان، ويؤمنون بكل ذلك إيماناً لا شك فيه.
5 ـ أولئك المتصفون بالصفات المذكورة، وهم المتقون، المؤمنون بالغيب، المؤدون الفرائض، هم أهل الهداية والإرشاد، الفائزون بسعادة الدارين، الناجون من النار.
6 ـ إن الذين أصروا على كفرهم، وجحودهم وحدانية الله، وإنكار رسالتك يا محمد، لا يفيدهم شيئاً إنذارك، فسواء أحذرتهم وأخفتهم أم لم تحذرهم، لا يصدقون برسالتك، لاتباعهم أهواءهم.
7 ـ طبع الله على قلوبهم بكفرهم، فلا ينفذ إليها الإيمان، ولا يسمعون الحق، ولا يبصرون الهدى، ولا يعقلون، ولهم عذاب شديد مؤلم. وسبب نزول هاتين الآيتين ـ كما أخرج الطبري عن ابن عباس والكلبي ـ أنهما نزلتا في رؤساء اليهود، منهم حُيَي بن أخطب وكعب بن الأشرف ونظراؤهما.
8 ـ بعد أن ذكر الله صفات المؤمنين وصفات الكافرين، ذكر صفات المنافقين: وهم الذين يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، فهم غير مؤمنين، في الدرك الأسفل من النار.
9 ـ يخادعون من لا يُخدَع بإظهار غير ما في النفس للتمويه، فهم في الواقع خادعون لأنفسهم، والله يعلم بواطنهم.
10 ـ في قلوبهم فساد الاعتقاد، إما شكاً ونفاقاً، أو جحوداً وتكذيباً، فزادهم الله مرضاً آخر هو الحسد والحقد،
بسبب علو كلمة الله وتثبيت قواعد الإسلام، ونصر المؤمنين، ولهم عذاب موجع بسبب كذبهم وادعائهم الإيمان في الظاهر.
11 ـ وإذا قيل لهم: لا تفسدوا في الأرض بالنفاق وموالاة الكفار، وتفريق المؤمنين، ادعوا أنهم مصلحون.
12 ـ إنهم هم المفسدون حقاً، لمخالفتهم أوامر الله ولمعاصيهم، ولكنهم لا يدركون أنهم مفسدون حقيقة، لتمكن الفساد في قلوبهم.
13 ـ وإذا طلب منهم الإيمان، أبَوُا التشبه بالمؤمنين، ووصفوهم بالسفه: وهو الطيش وخفة العقل، وهم السفهاء في الواقع: الجهال السخفاء، من غير أن يعلموا حقيقة أمرهم.
14 ـ وإذا قابلوا المؤمنين أظهروا إيمانهم، وإذا خلوا إلى رؤسائهم في الكفر، قالوا: نحن ثابتون على الكفر، مستهزئون بالمسلمين بإظهار الموافقة لهم.
15 ـ الله يجازيهم على استهزائهم ويستخف بهم، ويملي لهم ويزيدهم في ضلالهم، ويترددون بين الكفر والإيمان تحيراً وقلقاً.
16 ـ أولئك الذين استبدلوا الضلالة بالهدى، واختاروا الكفر وتركوا الهداية، فما ربحوا في تجارتهم باتباعهم الكفر بدل الإيمان، وما كانوا مهتدين إلى الحق والصواب في شرائهم الكفر بالإيمان.
17 ـ مثل هؤلاء المنافقين في إعلانهم الإسلام، كمن أوقد ناراً ينتفع بها مع رفاقه، فلما أضاءت بهم النار، انطفأت، وأظلم ما حولهم، وأذهب الله نورهم، وتركهم يتخبطون في ظلمات الشك والنفاق، لا يبصرون طريق الحق، ولا يعرفون الخير من الشر.
18 ـ إنهم صُمٌّ عن الحق، لا يسمعون منادياً، خُرْسٌ لا يتكلمون، عُمْيٌ عن طريق الهدى لا يرونه، فلا يرجعون عن غيهم وضلالهم.
19 ـ ومثل هؤلاء المنافقين في تشبيه آخر كمثل أصحاب مطر غزير، تخلله رعد شديد وبرق خاطف، يتقون الصواعق: وهي الأصوات الشديدة المهلكة بما فيها من نار حارقة، خشية الموت، بما لا يقيهم منه، والله محيط بالكافرين في قبضته، لا يفلتون من قدرته وعقابه. وسبب نزول هذه الآيات ـ كما ذكر الطبري عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما ـ أن ناساً دخلوا في الإسلام بعد الهجرة، ثم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة، فأوقد ناراً، ثم انطفأت، وكمثل من تعرض لمطر شديد مصحوب بالرعد والصواعق والبرق فحاول اتقاءها من الخوف، ثم تركها وعاد لكفره، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر، وهكذا مثل المنافق كان في ظلمة الشرك، فأسلم، ثم عاد تائهاً. والمثل الأول لسرعة انكشاف أمرهم، والمثل الثاني لحيرتهم وقلقهم.
20 ـ المنافقون في انتهازيتهم كمثل المتعرض للبرق، يمشون في النور، ويقفون في الظلام، فإذا صلحت أحوالهم المادية واستفادوا من النعم، أعلنوا إيمانهم واستقاموا على الإسلام، وإذا أصابهم البلاء، توقفوا عن السير، وسخطوا وارتدوا كفاراً وأظهروا نفاقهم، والله قادر لا يعجزه شيء، فلو شاء لأذهب أسماعهم وأبصارهم.
21 ـ أيها الناس جميعاً اعبدوا الله وحده الذي أوجدكم، وأوجد من قبلكم من الأمم السابقة، لتتقوا عقابه، وتفوزوا برضائه.
22 ـ والله هو الذي جعل لكم الأرض وطاء للاستقرار عليها والحياة فيها، وجعل السماء محكمة البناء والنظام كالقبة أو السقف، فلا تقع على الأرض، وأنزل الماء من السحاب، فأخرج به مختلف الثمار وأنواع النبات للتمتع والطعام، فلا تتخذوا شركاء لله تعبدونهم كعبادته، وأنتم تعلمون أن الأنداد (الأمثال) لم يخلقوكم ولم يرزقوكم، وأن الله هو الخالق الرازق.
23 ـ وإن كنتم معشر قريش والعرب في شك من إنزال القرآن على محمد فأتوا بمثل أي سورة منه مهما صغرت، وادْعُوا أناساً يشهدون لكم أنكم على حق، إن كنتم صادقين في ادعائكم، وهذا تحدٍّ سافر من الله.
24 ـ فإن لم تستطيعوا، وعجزتم عن الإتيان بسورة من مثله، فاحذروا نار جهنم بالإيمان وأداء الفرائض واجتناب النواهي، تلك النار التي حَطَبُها الذي توقد به: الناس الكفار، والحجارة الأصنام المعبودة، وهيئت للجاحدين الكفرة.
25 ـ وبشر أيها النبي المؤمنين الذين عملوا الأعمال الصالحة المفروضة عليهم والمندوبة بالبساتين الخضراء، التي تجري الأنهار من تحت أشجارها ومساكنها، كلما رزقوا من ثمراتها اليانعة، قالوا: هذا مثل أرزاق الدنيا في الجودة والحسن، ولقد قدِّم لهم في وضع يشبه بعضه بعضاً في اللون والحجم والمنظر والطعم والرائحة، فإذا أكلوا وجدوه مخالفاً لطعم سابقه، ولهم في الجنة أزواج مطهرون من سائر الأدناس الحسية، والمعنوية كالفواحش، وهم مقيمون في نعيم دائم لا ينقطع.
26 ـ إن الله لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ونحوها صغراً وكبراً للعظة والعبرة، فالمؤمنون يعلمون أنه المثل الحق الثابت غير الباطل المنزل من الله، والكافرون يسخرون من هذا المثل ويستخِفّون بفائدته، والله يريد بهذا المثل إضلال قوم وهداية آخرين، ولكن الإضلال للفاسقين، أي الخارجين عن طاعة الله، إنهم فسقوا فأضلهم الله بفسقهم. نزلت هذه الآية ـ كما ذكر الطبري ـ لما طعن الكفار في كون القرآن من كلام الله قائلين: إن الله يستحي أن يضرب المثل بالشيء الحقير كالذباب والنمل والنحل والعنكبوت، فذلك لا يليق بكلام الفصحاء.
27 ـ الفاسقون: هم ناقضو العهد الذين يخالفون ما أمر الله به وعاهدهم عليه من الإيمان به، من بعد توثيق العهد وتأكيده على ألسنة الرسل جميعاً، ويقطعون الرحم والقرابة وموالاة المؤمنين، ويعملون في الأرض بالمعاصي وإعاقة الناس عن الإيمان برسالة محمد ، وأولئك هم أهل النار.
28 ـ كيف تجحدون وجود الله وقدرته ونعمه وتعبدون غيره؟! والله هو الذي أحياكم وخلقكم بعد أن كنتم معدومين، ثم يميتكم في الدنيا عند انتهاء آجالكم، ثم يحييكم بالبعث يوم القيامة، ثم تحشرون إلى الموقف بين يدي الله، فيجازيكم بأعمالكم.
29 ـ والله وحده هو الذي خلق لكم جميع ما في الأرض للانتفاع به من حيوان ونبات وجماد وغيرها، ثم استوى استواء يليق به، والاستواء: الارتفاع والعلو على الشيء، فعدَل وأتقن خلق سماوات سبع على أحسن وجه، فلا اعوجاج فيها، والسماوات: هي المرتفعات الشاهقات ذات الطبيعة المخالفة لطبيعة الأرض، والسماء: ما يقابل الأرض، والله عالم بجميع أموركم وأحوالكم، وبما خلق في الأرض وفي السماء. والآيات تدرجت من ذكر المبدأ والمنتهى، إلى بيان البرهان على البعث، إلى توجيه النفوس نحو الإيمان بسبب تفرد الله بالقدرة على الخلق والإعادة.
30 ـ واذكر أيها النبي لقومك حين قال ربك للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة هو آدم، استخلفته في عمارة الأرض وفي تنفيذ أحكامي، فسألوا ربهم: أتجعل فيها من يفسد فيها بالشرك وفعل المعاصي؟ وقد علموا ذلك بتعليم الله بوجه ما، ومرادهم أتجعل فيها من يريق الدماء المحرمة بالقتل والأذى والعدوان، ونحن شاكرون حامدون لك، وننزهك عما لا يليق بك؟ قال: أعلم ما لا تعلمون أنه سيكون من الخليقة أنبياء وصالحون.
31 ـ وعلّم الله تعالى آدم أسماء المسميات والمخلوقات كلّها، ثم سأل الملائكة عن تلك الأسماء التي تعلَّمها آدم ـ معبراً عنها بضمير العقلاء ـ فقال: أخبروني عنها إن كنتم صادقين في ادعائكم أنكم أحق بالخلافة من غيركم، فعجزوا.
32 ـ قالت الملائكة بعد إعلان عجزهم وقصورهم: يا رب، تنزيهاً لك، لا يعلم الغيب سواك، ولا علم لنا إلا بتعليمك، إنك أنت العليم بكل شيء، الحكيم بكل صنع.
33 ـ أمر الله آدم بإخبار الملائكة بأسماء المخلوقات التي عجزوا عن معرفة أسمائها، فلما أخبرهم بها، قال الله تعالى للملائكة: ألم أخبركم بأني أعلم ما غاب في السماوات والأرض عنكم، وما هو مشاهد لكم أيضاً، وأعلم ما تظهرون من أقوالكم، وما تخفون في نفوسكم.
34 ـ واذكر أيضاً أيها الرسول لقومك حين أمرنا الملائكة بالسجود لآدم سجود تحية وتكريم، لا سجود عبادة وتعظيم، فسجدوا جميعاً إلا إبليس الذي كان من الجن، فرفض السجود وتعاظم في نفسه، وكان في علم الله كافراً، لمخالفته أمر الله تعالى وتكبره عن السجود لآدم.
35 ـ واذكر كذلك أيها الرسول حين قلنا لآدم: اتخذ الجنة مسكناً مع زوجتك حواء، وكُلا منها أكلاً هنيئاً لا عناء فيه، من أي مكان ومن أي ثمرة، ولا تقربا هذه الشجرة: الكرمة أو التين أو الحنطة أو غيرها، فلا تأكلا منها، فتكونا من الظالمين لأنفسكم بالمعصية.
36 ـ فأوقعهما الشيطان في الزَّلة وهي الخطيئة، وأبعدهما عن الجنة، وأخرجهما مما كانا فيه من نعيم الجنة، بسبب إغوائه ووسوسته وادعائه أنها شجرة الخلد، فقلنا لآدم وحواء وإبليس: انزلوا إلى الأرض، يعادي بعضكم بعضاً، عداوة إيمان وكفر إلى يوم القيامة، ولكم في الأرض منزل استقرار، ومنفعة ومعاش وتمتع إلى أجل هو الموت في الدنيا.
37 ـ فألهم الله آدم كلمات قالها، هي {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف 7/23] فقبل الله توبتهما، إنه سبحانه كثير القبول للتوبة، الرحيم بعباده التائبين.
38 ـ قال تعالى للمخالفين أوامره: اهبطوا من الجنة،فإن أتاكم مني هدى: وهو كتاب الله، فمن قبل به وعمل، فلا خوف عليهم من العذاب في الآخرة، ولا هم يحزنون عما فاتهم في الدنيا.
39 ـ وأما الذين كفروا بالله، وجحدوا وحدانيته، وأعرضوا عن هدايته وكتبه المنزلة، وكذبوا بالقرآن، فأولئك هم أهل النار، مقيمون فيها، لا يخرجون منها إلى الأبد.
40 ـ يا أولاد يعقوب، اذكروا نعمتي عليكم وعلى آبائكم بإنقاذكم من الغرق ومن ظلم فرعون، وتظليل الغمام، وإنزال الكتاب، واصطفاء الرسل منكم وغير ذلك، وأوفوا بعهدي إليكم في التوراة باتباع محمد ، أحقق لكم ما ضمنت لكم من الجزاء الحسن والثواب الجزيل على الطاعة، وخافوني ولا تخافوا أحداً سواي.
41 ـ وصدّقوا بالقرآن الذي أنزلته على محمد المصدق للتوراة في التوحيد وأصول الاعتقاد والفضائل، ولا تكونوا أول من كفر، ولا تستبدلوا بآياتي الآمرة والناهية آيات أخرى محرَّفة، ولا تبيعوها بعرض قليل ورياسة زائفة، وثمن بخس من حطام الدنيا، وخافوني واحذروا عقابي، ولا تخافوا أحداً غيري.
42 ـ ولا تخلطوا الحق من الدين بالباطل من عندكم، والصدق بالكذب، ولا تخفوا حجج الله التي أوجب عليكم تبليغها، ومنها البشارة المدونة في كتابكم ببعثة النبي محمد وصفاته، وأنتم تعلمون أنه رسولي، والقرآن كتابي وكلامي.
43 ـ وأقيموا الصلاة المفروضة على المسلمين، وأدوا الزكاة الواجبة للمستحقين، واخضعوا لأوامر الله، وصلوا جماعة مع المصلين، وأتموا الركوع معهم؛ لأن اليهود لا ركوع في صلاتهم.
44 ـ يا أحبار اليهود، كيف تأمرون الناس بطاعة الله وكل ما فيه خير؛ وتتركون أنفسكم فلا تأمرونها بالبر والطاعة، وأنتم تقرؤون التوراة التي تحرم القول من غير فعل، أفلا تدركون تناقضكم وسوء فعلكم؟! وسبب النزول: قال السدي: كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر، ويخالفون، فعيَّرهم الله عز وجل.
45 ـ واستعينوا بالصبر على الطاعات ومنع النفس من الشهوات، وبالصلاة في أوقاتها مع الخشوع، لما فيهما من ضبط النفس وتحمل المشاق ونبذ الشر وفعل الخير، وإن كانت الصلاة لشاقة ثقيلة إلا على الخاضعين الذين ذلت نفوسهم لعظمة الله وخافت من عذابه.
46 ـ الذين يوقنون أنهم يلقون ربهم، فيجزيهم أجورهم ويزيدهم من فضله، وأنهم عائدون إلى الله للحساب والجزاء.
47 ـ يا بني يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم تذكروا نعمتي عليكم، فقوموا بحقها، وآمنوا برسولي، وتذكروا أني فضلتكم على العالمين في زمانكم.
48 ـ واتقوا عذاب يوم القيامة، الذي لا تغني فيه نفس عن نفس شيئاً، ولا تقبل فيه شفاعة الشفعاء عند الله لمن مات على كفره، ولا يقبل منها فدية بدل العذاب، ولا يجدون أحداً يعينهم ويمنع عنهم عذاب الله تعالى.
49 ـ واذكروا وقت أن أنجينا آباءكم ـ وذلك فضل على الأبناء ـ من جماعة فرعون: وهو لقب لمن ملك مصر قديماً قبل البطالسة، يذيقونكم أشد العذاب، ويذبحون أبناءكم، ويتركون نساءكم أحياء للخدمة والمهنة، لقول
بعض الكهنة لفرعون: إن مولوداً من بني إسرائىل، يكون هلاكك وذهاب ملكك على يده، وفي ذلك المذكور
من الشر والعذاب، والإنجاء من آل فرعون اختبار شديد لترجعوا إلى ربكم.
50 ـ واذكروا أيضاً نعمتنا عليكم حين شققنا لكم البحر الأحمر حتى صار يابساً تمشون على أرضه، فأنجيناكم من البحر، وأغرقنا فرعون وقومه، وأنتم تنظرون إليهم وهم يغرقون.
51 ـ واذكروا مواعدتنا لموسى، وهي وعد من الله وقبول من موسى، بأن يأتي إلى الطور بعد أربعين ليلة، ليكلمه الله ويوحي إليه، ويعطيه التوراة لتعملوا بها، ثم اتخذتم أيها الإسرائيليون العجل إلهاً، صاغه لكم السامري، فعبدتموه في غيبة موسى وذهابه إلى الطور لتلقي التوراة، وأنتم ظالمون لأنفسكم بعبادتكم العجل من دون الله تعالى.
52 ـ ثم محونا ذنوبكم وعفونا عنكم، من بعد عبادتكم العجل، لكي تشكروا فضل ربكم وعفوه عنكم.
53 ـ واذكروا حين آتينا موسى التوراة، وهو الكتاب الفارق بين الحق والباطل والحلال والحرام، لكي تهتدوا به، وتعملوا بما جاء فيه.
54 ـ واذكروا حين قال موسى لقومه عبدة العجل: إنكم ظلمتم أنفسكم بعبادة العجل، فتوبوا إلى خالقكم، بقتل بعضكم بعضاً، فذلك خير لكم عند خالقكم للنجاة من عذاب الآخرة، فتقاتَلوا حتى قتل منهم سبعون ألفاً، ثم أوقف القتال بأمر الله لموسى، وغفر الله لمن قُتل، وتاب على من بقي، إن الله كثير القبول للتوبة، رحيم بعباده التائبين.
55 ـ واذكروا حين قال السبعون الذين اختارهم موسى لمشاهدة الوحي وتلقي التوراة في الطور: لن نصدقك بما جئتنا به، حتى نرى الله عياناً بأبصارنا، فنزلت عليهم نار من السماء فأهلكتهم، وأنتم ترون ذلك معاينة. وسبب ذلك: طلبهم ما لم يأذن به الله من رؤيته في الدنيا، أما في الآخرة فإن العباد يرون ربهم، بدليل الأحاديث المتواترة القطعية الدلالة.
56 ـ ثم أحياكم الله بعد إماتتكم بالصاعقة، لكي تشكروه على نعمته وفضله عليكم بإحيائكم.
57 ـ وفي مدة التيه في الصحراء بين مصر والشام جعلنا عليكم الغمام (السحاب) كالمظلة يقيكم حرّ الشمس، لما امتنعوا من دخول مدينة الجبارين، وأنزلنا عليكم المن: مادة حلوة كالعسل تتشكل مع الندى (الطل) على الشجر ، والسلوى: هو الطير السُّمانى، يذبحونه ويأكلونه، كلوا من لذائذ الطعام في هذه الصحراء المقفرة، وما ظلمونا بعصيانهم أمرنا، وكفرهم نعمنا، ولكن ظلموا أنفسهم بتعريضها للعذاب.
58 ـ واذكروا أيضاً نعمتنا عليكم حين قلنا لآبائكم بعد خروجهم من التيه: ادخلوا بيت المقدس، وكلوا منها حيث أردتم أكلاً هنيئاً كثيراً واسعاً، وادخلوا باب بيت المقدس منحنين خاشعين تواضعاً لله تعالى، وهو نوع من سجدة الشكر، وقولوا: حطة، أي نطلب منك يا رب إسقاط خطايانا وغفرانها، وسنزيد المحسنين منكم بالشكر وطلب المغفرة إحساناً وثواباً وفضلاً.
59 ـ فبدّل الظالمون منهم كلامهم المقول لهم، وقالوا: «حنطة» أو «حبة في شعرة» بدل {حِطَّةٌ} [البقرة 2/58 والأعراف 7/161] ودخلوا يزحفون على أستاههم، فأنزلنا على الظالمين أنفسهم بمخالفتهم أمرنا عذاباً من
السماء بسبب عصيانهم وخروجهم عن الطاعة.
60 ـ واذكروا كذلك حين عطش آباؤكم في صحراء التيه، فطلب موسى لهم السقيا، فقلنا له: اضرب الحجر بعصاك، فضربه بها، فأخرج الله الماء من الصخر، آية من الله، ونعمةً عليهم، حينما فقدوا الماء، وخرج اثنتا عشرة عيناً من الماء بعدد الأسباط، لكل سبط عين لا يتعداها إلى غيرها، والأسباط: ذرية الاثني عشر من أولاد يعقوب، وقلنا لهم: كلوا المن والسلوى، واشربوا الماء المتفجر من الحجر، ولا تكثروا الفساد في الأرض.
61 ـ واذكروا أيها اليهود حين قال أسلافكم: يا موسى، لن نستطيع الصبر على طعام واحد من المن والسلوى، لتكررهما كل يوم، فاسأل لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من خضارها وبقولها كالنعناع والكرفس والخيار، وقمحها أو ثومها، وعدسها وبصلها المعروفين، قال: أتطلبون ما هو أخس وأحقر بدلاً مما هو أحسن وأفضل، وهو المن والسلوى اللذان هما ألذ وأطيب، ومن عند الله بغير واسطة أحد، ادخلوا بلداً زراعياً، ففيها تجدون ما طلبتم من البقل والثوم وغيرهما، وأصبحوا في ذلّ وفقر وحاجة، وإن كانوا أغنياء، ورجعوا مستحقين غضب الله، وذلك كله بسبب كفرهم بالله، وقتلهم الأنبياء ظلماً وعدواناً بغير حق، كشعيب وزكريا ويحيى، وهم يعلمون أنهم ظالمون بقتلهم، وذلك العقاب بسبب عصيانهم أوامر الله، واعتدائهم على أنبيائه.
62 ـ إن الذين صدقوا النبي وصاروا من أتباعه، والذين صاروا يهوداً، والنصارى الذين نصروا المسيح عليه السلام، والصابئين: وهم الذين تركوا اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة والنجوم، ومنهم جماعة في العراق، من آمن من هؤلاء الطوائف الأربع، إيماناً حقاً بالله واليوم الآخر، وعمل صالح الأعمال التي أمر الله بها، فلهم ثواب عملهم الصالح عند ربهم يوم القيامة، ولا خوف عليهم من أهوال القيامة، ولا يحزنون على ما فاتهم في الدنيا. نزلت هذه الآية في أصحاب سلمان الفارسي، أخرج الواحدي عن مجاهد قال: لما قص سلمان على رسول الله قصة أصحابه، قال: هم في النار، قال سلمان: فأظلمت علي الأرض، فنزلت: {إِنَّ الَّذِينَ...} قال: فكأنما كشف عني جبل.
63 ـ واذكروا يا بني إسرائيل حين أخذنا عليكم العهد المؤكد بالعمل بما في التوراة، ورفعنا فوقكم جبل الطور الذي ناجى موسى ربه عليه، وقلنا لكم: خذوا ما أمرناكم به في التوراة، بجِدّ واهتمام، وادرسوا ما جاء في التوراة واعملوا به، لكي تتقوا عذابي، وتفوزوا برضائي.
64 ـ ثم أعرضتم عن الميثاق المأخوذ عليكم، وتركتم العمل بما أمُرتم، من بعد قبول الميثاق ورفع الجبل فوق رؤوسكم كأنه ظلة عليكم، فلولا تدارككم بلطف الله ورحمته بكم، بتوفيقكم للتوبة وإعلانها، لكنتم من الهالكين في العذاب الأليم المهين.
65 ـ ولقد علمتم أيها اليهود شأن آبائكم وهم يهود أيلة في خليج العقبة (أو هي قرية ظاهرة على الساحل) الذين خالفوا أمر الله، فاصطادوا السمك يوم السبت، وكان محرماً فيه، لقصره على العبادة بتشريع موسى عليه السلام، محتالين على ذلك بإقامة الأحواض يوم الجمعة، لتقع الأسماك فيها بعملية المد البحري والجزر، فمسخوا قردة أو صاروا في حكم القردة وصُيِّروا أذلاء صاغرين مبعدين مطرودين.
66 ـ فجعلنا عقوبة قرية إيلات في العقبة المخالفة عبرة مانعة من ارتكاب مثلها، للقرى الموجودة أمامها وفي عصرها، ولما يأتي بعدها، وتذكرة للمؤمنين الأتقياء الذين يأتون بعدهم إلى يوم القيامة.
67 ـ واذكروا يا بني إسرائيل حين قال موسى لقومه: إن الله يأمركم بذبح بقرة، لمعرفة قاتل شخص غني عقيم ليس له إلا وارث وحيد، وهو ابن أخيه، قتله ليرثه، ثم ألقاه على باب رجل من اليهود، ثم أصبح يدعيه عليهم، كما روى ابن أبي حاتم عن عبيدة السلماني، فقالوا لموسى: أتهزأ بنا، وتسخر منا؟ فقال لهم: أستجير بالله أن أكون من السفهاء أهل الجهل الذين يكذبون على الله، فكيف أنسب إليه أمراً لم يأمر به؟!
68 ـ قالوا: اسأل ربك أن يبين لنا صفة هذه البقرة، قال: إنه يقول: إنها بقرة، لا مُسنّة ولا بِكْر صغيرة، متوسطة بين الاثنتين، فافعلوا ما تؤمرون لمعرفة القاتل، ولا تتشددوا.
قالوا لموسى مرة أخرى: اسأل ربك يبين لنا ما لونها؟ قال موسى: يقول الله تعالى: إنها بقرة صفراء اللون، شديدة الصفرة، تبهج الناظرين وتعجبهم في حسن منظرها ولونها.
70 ـ قالوا لموسى أخيراً: اسأل ربك يبين لنا حالة هذه البقرة، أسائمة أم عاملة؟ لأن جنس البقر تشابه علينا، لكثرة الأبقار الصفر المتوسطة السن، فلا ندري أي بقرة يريدها الله، ونحن مهتدون بمشيئة الله إلى البقرة المطلوبة إذا أخبرتنا.
71 ـ قال لهم موسى: إن الله تعالى يقول لكم: إنها بقرة غير مذللة بالعمل، فلا تحرث الأرض، ولا تستخدم في سقي الزرع، كالدواب النواضح الأخرى المستعملة لإخراج المياه من الآبار، بريئة من العيوب، خالصة الصفرة لا يخالطها لمعة أو بقعة من لون آخر، قالوا: الآن نطقت بالبيان أو الوصف التام، فوجدوها عند فتى بارّ بأمه، فشروها بثمن غال جداً، وذبحوها وما كادوا يفعلون، لغلاء ثمنها، ولو ذبحوا أي بقرة كانت قبل هذه الأسئلة، لأجزأتهم، ولكن شددوا، فشدّد الله عليهم، كما روى أبو هريرة.
72 ـ واذكروا حين قتل بعضكم نفساً، فتخاصمتم وتنازعتم فيمن هو القاتل؟ والله مظهر ما كتمتم من أمر القتل، لإخفائه على الحاكم.
73 ـ فقلنا: اضربوا القتيل بأحد أعضاء البقرة المذبوحة، فضربوه، فأحياه الله، فأخبرهم عن القاتل، وهكذا يحيي الله الأموات يوم القيامة كمثل هذا الإحياء، ويريكم علاماته الدالة على كمال قدرته، لكي تدركوا قدرة الله تعالى، وتتدبروا في أمر البعث.
74 ـ ثم صَلُبَتْ قلوبكم عن قبول الحق، ولم تذعن لآيات الله من بعد رؤية هذه الحادثة، فهي كالحجارة قسوة وصلابة، أو أشدّ قسوة منها، بل إن من الحجارة لألين من قلوبكم، فينبع من بعضها ماء الأنهار، وبعضها يتصدع، فتخرج منه العيون الصغيرة، وبعضها يهوي من خوف الله كسقوط الجبل أمام موسى، وقلوبكم لا تلين، والله حافظ لأعمالكم ومجازيكم عليها يوم القيامة.
75 ـ أتطمعون أيها المؤمنون أن يصدق اليهود برسالة نبيكم محمد ؟ وقد كان بعض أحبارهم يقرؤون كلام الله في التوراة، ثم يحرفونه بالزيادة أو النقص أو تبديل شيء بغيره، لتحريم الحلال، وتحليل الحرام بحسب أهوائهم، كتحريفهم صفة رسول الله بجعله طويلاً أسمر بدلاً من «متوسط الطول أبيض» وإسقاط الحدود عن أشرافهم، يحرّفونه من بعد ما فهموه بعقولهم، وهم يعلمون أنهم مبطلون كاذبون. ونزلت هذه الآية في الذين غيروا آية الرجم وصفة محمد ، كما ذكر الواحدي.
76 ـ وإذا لقي منافقو اليهود الذين آمنوا، قالوا: آمنا بأن محمداً رسول الله، وإذا اخْتَلَوْا مع بعضهم، قالوا لبعضهم الذي أفشى للمسلمين ما في التوراة من صفات رسول الله وكل ما يدل على صدقه، وأخبر بما عُذِّب به آباؤهم: كيف تحدثون أتباع محمد بما علَّمكم الله في كتابكم، وبما أنزل الله عليكم في التوراة وبدلالات صدقه، فيكون ذلك حجة لهم عليكم؟ أفلا تدركون أن ما تخبرون به هو حجة عليكم؟! قال ابن عباس: كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا أن صاحبكم رسول الله، ولكنه إليكم خاصة.
77 ـ أوَ لا يعلم هؤلاء اليهود أن الله يعلم ما يخفون من الكفر والتكذيب، وما يظهرون من النفاق، فسواء أعلنتم أم أسررتم، فإن الله سيجازيكم على أعمالكم.
78 ـ ومن اليهود أمّيون لا يقرؤون ولا يكتبون، لا يعرفون من التوراة إلا أمنيات وأكاذيب تلقوها عن أحبارهم، وما هم في هذه الادعاءات والأكاذيب إلا أصحاب ظنون موهومة، لا حقيقة لها ولا علم لهم بها.
79 ـ هلاك ودمار وعذاب للذين يحرّفون التوراة بأيديهم الأثيمة، فهم يعلمون أنه من عند أنفسهم، وهم يزعمون في المحافل أنه من عند الله، ويوهمون أنه من التوراة، ليقبضوا قيمة التحريف شيئاً خسيساً من الدنيا، فعذاب لهم على التحريف والتزوير، وعذاب لهم على الأموال المكتسبة ثمن التحريف لكلام الله. نزلت الآية كما قال العباس في أحبار اليهود الذين غيروا صفة النبي وبدلوا نعته.
80 ـ وقالت اليهود: لن تصيبنا النار إلا أياماً قليلة أربعين يوماً مدة عبادة آبائهم العجل، قل لهم أيها النبي: هل أخذتم من الله وعداً ألا يعذبكم إلا هذه المدة، وحينئذ لا يخلف الله وعده؟ بل في الواقع تفترون على الله الكذب. روى الطبري عن ابن عباس: أن اليهود قالوا: لن ندخل النار إلا تحلة القسم، الأيام التي عبدنا فيها العجل أربعين ليلة، فإذا انقضت، انقطع عنا العذاب، فنزلت الآية.
81 ـ ليس الأمر كما زعمتم أيها اليهود، بل سيدخل النار كل من كفر بالله وكذب رسله، وكل من أشرك وارتكب خطيئة ولم يتب منها، وأحاطت به سيئته ومات على كفره، فهم أهل النار، ماكثون فيها إلى الأبد.
82 ـ والذين آمنوا بالله وصدقوا برسالة رسوله، وعملوا الأعمال الصالحة التي أمر الله بها، هم أهل الجنة، مقيمون فيها على الدوام.
83 ـ واذكر أيها الرسول مضمون الميثاق المأخوذ على بني إسرائيل: وهو إفراد الله بالعبادة، والإحسان إلى الوالدين بالمعاشرة بالمعروف والتواضع لهما وامتثال أمرهما، والإحسان إلى القرابة بصلة الرحم وأداء الحقوق، والإحسان إلى الأيتام الذين فقدوا آباءهم في الصغر قبل البلوغ، وإلى المساكين الذين ليس لديهم ما ينفقون على حوائجهم، والقول الحسن للناس بالكلمة الطيبة والمعاملة الحسنة، وإقامة الصلاة في أوقاتها، وإيتاء الزكاة للمستحقين، ثم أعرضتم أيها اليهود عن هذا الميثاق، فلم تعملوا به إلا العدد القليل منكم كعبد الله بن سلام وأصحابه الذين نفذوا الميثاق، وأنتم معرضون عن تنفيذه كفراً وعناداً.
84 ـ واذكروا يا معشر اليهود حين أخذنا العهد المؤكد عليكم في كتابكم التوراة ألا يقتل بعضكم بعضاً، وألا يخرجه أو يطرده من داره كرهاً أو ظلماً، ثم اعترفتم وقبلتم بالميثاق المأخوذ عليكم، وأنتم تشهدون على أنفسكم بذلك، وتقرون بهذا العهد، وتعلمون أنه عهد الله في التوراة.
85 ـ ثم أنتم هؤلاء المشاهدون الحاضرون في عهد النبي تخالفون ما أخذه الله عليكم في التوراة، فيقتل بعضكم بعضاً، وتعينون المشركين على أبناء دينكم، بتعريضهم للقتل وطردهم من منازلهم، بلا سبب يحل به ذلك، وإنما بالمعصية والظلم، وإن أسر الأعداء أحداً منكم، وجاءكم يطلب الفداء لنفسه، أنقذتموه من الأسر بدفع الفدية، إيماناً بما في التوراة، أي لا تنفِّذون من تعاليم التوراة إلا فداء الأسرى فقط، علماً بأنه محرَّم عليكم إخراجهم من ديارهم، وهذا توبيخ على تناقضهم؛ لأن الأسر نتيجة الإخراج من الديار، فكيف تفعلون الشيء وتبطلون نتيجته؟! وكيف تصدقون ببعض التوراة الذي يوجب المفاداة، وتكفرون ببعضه الآخر الذي يحرِّم القتل والإخراج؟! وذلك بسبب تحالف بني قينقاع مع الخزرج، والنضير وقريظة مع الأوس، وإعانة كل فريق حلفاءه على إخوانه. فالجزاء على هذا التناقض خزي وذل في الدنيا، وأشد العذاب في الآخرة بسبب التلاعب بآيات الله، والله مطلع على أعمالكم ومجازيكم عليها.
86 ـ أولئك اليهود الذين استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة، وباعوا نعيم الآخرة الدائم بمتاع الدنيا الزائل، فلا يخفف عنهم عذاب القيامة، ولا ينصرهم أحد فيمنع عنهم العذاب.
87 ـ ولقد آتينا موسى التوراة، وأتبعناه ببعثة أنبياء بني إسرائيل من بعده، وآتينا عيسى ابن مريم المعجزات الدالة على صدقه في آية (49) من سورة آل عمران (3) وهي إحياء الموتى وخلق الطير بإذن الله، وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله، والإخبار بالمغيبات، وإنزال المائدة من السماء، وإنزال الإنجيل عليه، وقويناه بروح القدس أي الطاهر وهو جبريل، أفكلما جاءكم أيها اليهود رسول بغير ما يوافق ويلائم أنفسكم، استكبرتم عن إجابته، احتقاراً للرسل، فريقاً كذبتم كعيسى ومحمد، وفريقاً قتلتم كزكريا ويحيى؟!
88 ـ وقال اليهود للنبي لما دعاهم للإسلام: قلوبنا مغلقة ومغطاة بأغطية تمنعها من الاستجابة لدعوتك، وهذا دليل على أن الكفر عناد ومكابرة، لذا أبعدهم الله من رحمته بسبب كفرهم وعدم مبادرتهم إلى الإيمان، فلا يؤمنون إلا قليلاً، وهو الإيمان ببعض الكتاب، ولا يؤمن منهم إلا قليل.
89 ـ ولما جاءَ اليهودَ القرآنُ، مؤيداً لما معهم من التوراة والإنجيل، وكانوا قبل مجيئه يطلبون من الله النصر على أعدائهم بالنبي المبعوث آخر الزمان، الموصوف عندهم في التوراة، فلما جاءهم الرسول الذي عرفوا وصفه، كفروا به حسداً؛ لأنه ليس منهم، فاللعنة على الكافرين، أي الطرد من رحمة الله. وسبب النزول: ما أخرج ابن
إسحاق وابن أبي حاتم عن ابن عباس: أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله قبل مبعثه،
فلما بعثه الله من العرب، كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فنزلت الآية.
90 ـ بئس الشيء الذي باعوا به أنفسهم، فأوبقوا أنفسهم في نار جهنم، بسبب الكفر بما أنزل الله على رسوله من القرآن حسداً ومنافسة، على أن ينزل الله وحياً على نبي من غير بني إسرائيل؛ لأن محمداً كان من العرب، وليس منهم، فرجع اليهود بسخط عليهم من الله لكفرهم برسالة محمد، على سخط سابق لتحريفهم أحكام التوراة وكفرهم بعيسى، وللكفار عذاب ذو إهانة.
91 ـ وإذا قيل لليهود: صَدِّقوا بالقرآن، قالوا: نصدِّق بالتوراة المنزلة علينا، ويكفرون بما سواه من الكتب الأخرى، فوراءه أي غيره، والقرآن حق مؤيد للتوراة؛ لأن كتب الله يؤيد بعضها بعضاً، قل لهم أيها النبي: إن كنتم مؤمنين بما أنزل عليكم، فكيف تقتلون أنبياء الله الذين حرم الله عليكم قتلهم؟ والخطاب وإن كان للحاضرين زمن النبي فالمراد به أسلافهم، وصحّ خطابهم لرضاهم بما فعل أسلافهم، فكانوا مثلهم.
92 ـ ولقد جاءكم موسى بالمعجزات الدالة على صدقه، كفَرْق البحر وتظليل الغمام، وهي الآيات التسع [الإسراء 17/101] ثم عبدتم العجل الذي صنعه السامري، واتخذتموه إلهاً من بعد مجيء موسى بالبينات، وأنتم كافرون لعبادتكم ما لا يستحق العبادة.
93 ـ واذكروا أيها اليهود حين أخذنا عليكم العهد المؤكد على العمل بالتوراة، ورفعنا فوقكم جبل الطور (في الآية السابقة 63) وقلنا لكم: اعملوا بالتوراة بجدّ واجتهاد، وأطيعوا واقبلوا ما تؤمرون به، فقلتم: سمعنا قولك وعصينا أمرك، أي لا نقبل أمرك، وتمكّن في قلوبكم أو امتزج حب عبادة العجل بسبب كفركم، قل لهم أيها الرسول: بئسما يأمركم به إيمانكم الذي زعمتم، إن كنتم مؤمنين بما أنزل عليكم، وتكفرون بما وراءه.
94 ـ قل لهم أيها النبي: إن كانت لكم الجنة، خاصة بكم، من دون جميع الناس كما زعمتم، فتمنوا الموت لتفوزوا بالجنة؛ لأن من كان موقناً أنه من أهل الجنة، كان الموت أحب إليه من الحياة، إن كنتم صادقين في زعمكم. وسبب النزول: ما أخرج الطبري عن أبي العالية قال: قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، فنزلت الآية.
95 ـ ولن يتمنى اليهود الموت، بسبب ما فعلوه من الذنوب والآثام، كالتحريف والتكذيب؛ فهم غير آمنين من العذاب، بل ولا طامعين في دخول الجنة، والله عليم بالكافرين ومجازيهم.
96 ـ ولتجدن اليهود يا محمد أشد الناس حرصاً على حياة الدنيا، وأحرص من الذين أشركوا الذين لا يؤمنون بالبعث ولا بالآخرة والجزاء، يتمنى اليهودي، لو يطول عمره ألف سنة، وما التعمير بمزحزحه أو مبعده من عذاب الله، فمهما عاش، فلا بدّ له من الموت، والله بصير بعملهم في الدنيا، وسيجازيهم في الآخرة.
97 ـ قل أيها الرسول لليهود الذين عادَوْا جبريل لنزوله بالعذاب وإخبارهم بتخريب بيت المقدس على يد بختنصر أو غيره: من كان عدواً لجبريل، فإن جبريل نزَّل القرآن على قلبك بأمر الله، لا بأمر نفسه، موافقاً للكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل، وهدىً للناس من الضلال، وبشرى للمؤمنين بحسن العاقبة. قال الطبري: أجمع أهل العلم بالتأويل جميعاً أن هذه الآية نزلت جواباً لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم، وأن ميكائيل ولي لهم.
98 ـ من كان عدواً لله وملائكته، وجبريل وميكائيل، فقد كفر، والله عدو للكافرين، فمن عادى أولياء الله، فقد عادى الله تعالى، والله يعاديه ويؤاخذه. وخصّ جبريل وميكائيل بالذكر؛ لأنهما أشرف من بقية الملائكة.
99 ـ ولقد أنزلنا إليك أيها النبي علامات واضحات على نبوتك، ولشدة وضوحها لا يكفر بها إلا الفسقة الخارجون عن أمر الله. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أن عبد الله بن صوريا قال للنبي : يا محمد، ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة، فنزلت هذه الآية.
100 ـ أوَ كلما أعطى اليهود عهداً مؤكداً على العمل بالتوراة، طرحه ونقضه فريق (طائفة) منهم، بل أكثر هؤلاء اليهود لا يؤمنون بالله ورسله، فكيف يحترمون عهوده؟! وسبب النزول: أن مالك بن الصيف بعد البعثة النبوية قال: والله ما عهد إلينا في محمد، ولا أخذ علينا ميثاقاً، فنزلت الآية.
101 ـ ولما جاء اليهود رسول من عند الله هو محمد تتفق أوصافه بما جاء في كتبهم، موافق للتوراة، طرح ورفض فريق منهم وهم أحبار اليهود التوراة، ولم يعملوا بما جاء فيها، كأنهم لا يعلمون شيئاً من التوراة، فعملوا عمل من لا يعلم.
102 ـ واتبع اليهود ما تروي وتتقول شياطين أو خبثاء الإنس المشعوذون السحرة على عهد ملك سليمان، ظانين أنه ما سخر الريح والجن إلا بالسحر، وأنه كان يستجيزه، ولم يكفر سليمان بفعل السحر وتعلمه ولم يكن ساحراً؛ لأن السحر كفر، ولكن الشياطين المذكورين هم الذين كفروا بتعليم الناس السحر وفعله، بقصد إغوائهم وإضلالهم، ويعلّمونهم أيضاً ما أنزل على الملكَين: هاروت وماروت الموجودَيْن ببابل: بلد بالعراق، وكان هذان الملكان يعلّمان الناس السحر ليجتنبوه، وكانا في الأصل من الملائكة، وأهبطا إلى الأرض بطلبهما. وما يعلِّمان أحداً إلا قالا له: لا تفعلوا كذا ولا تكفروا، ونحن فتنة، أي ابتلاء واختبار من الله لعباده، ويتعلم الناس منهما ما يسبب التفريق بين الزوجين بزرع الكراهية والبغضاء بينهما، وللسحر حقيقة ثابتة عند الجمهور غير المعتزلة وأبي حنيفة، وله تأثير في القلوب في هذا المجال، ولكنه لا يضر إلا بما ىأذن الله به، ويتعلم الناس السحر الذي يضر في الدين، ولا ينفع في الدنيا، لأنه ضرر محض، ولقد علم اليهود أن من اختار السحر بدلاً عن كتاب الله، ليس له نصيب من الجنة، ولبئس ما باعوا به أنفسهم بالسحر عوضاً عن دينهم، وتركهم العمل بما علموا، لو علموا ما ينتظرهم من العذاب.
وسبب النزول: ما أخرجه محمد بن إسحاق والطبري وغيرهما: قال بعض أحبار اليهود: ألا تعجبون من محمد، يزعم أن سليمان كان نبياً؟ والله ما كان إلا ساحراً، فنزلت الآية.
103 ـ ولو أن متعلمي السحر آمنوا بالله ورسوله، واتقوا الله، فعملوا بأوامره، واجتنبوا نواهيه، وما وقعوا فيه من السحر والكفر، لكان لهم ثواب هو خير لهم من السحر ومكاسبه، ولو علموا ذلك لما أخذوا بالسحر، ولا تركوا الإيمان والتقوى.
104 ـ أيها المؤمنون، لا تقولوا: {رَاعِنَا} من المراعاة والاهتمام؛ لأن هذه كلمة سب قبيح عند اليهود، من الرعونة، وقولوا: {انْظُرْنَا} أي انظر إلينا وأقبل علينا لنفهم قولك، واسمعوا سماع قبول وطاعة للشرع والرسول. وللكفار الذين يؤذون الرسول عذاب مؤلم يوم القيامة. وسبب النزول: ما ذكره ابن عباس: أن اليهود استعملوا كلمة «راعنا» لسب النبي ، ففطن لذلك سعد بن معاذ، فهدد القائل بالقتل، فقالوا: ألستم تقولونها؟ فنزلت الآية.
105 ـ ما يتمنى كفار أهل الكتاب من اليهود وعبدة الأوثان، لشدة عداوتهم وبغضهم المسلمين أن ينزل أي خير من الوحي أو غيره على المؤمنين، ومنه القرآن، والله يختص بالنبوة والهداية من يشاء من العباد، والله صاحب الفضل العظيم الذي لا يتناهى. وسبب النزول: أن المسلمين كانوا إذا قالوا لحلفائهم من اليهود: آمنوا بمحمد قالوا: هذا الذي تدعوننا إليه، ليس بخير مما نحن عليه، ولوددنا لو كان خيراً، فأنزل الله تعالى تكذيباً لهم.
106 ـ ما نبدل أو نغير حكم آية، أو نمحها من الذاكرة فتنساها حتى لا تُقْرأ، إلا أتينا بما هو أنفع للناس منها عاجلاً أو آجلاً، أو بمثيل لها في النفع، سواء أكان الناسخ أخف من المنسوخ أم مثله أم أشد منه وأثقل وهو ذو ثواب أكثر، ألم تعلم أيها النبي أن الله قادر على كل شيء، ومنه نسخ الأحكام تحقيقاً لمصلحة العباد. وسبب النزول: أن المشركين حينما سمعوا بالنسخ، قالوا: ما في هذا القرآن إلا كلام محمد، يقوله من تلقاء نفسه، وهو كلام يناقض بعضه بعضاً، فنزلت الآية وآية النحل 16/101.
107 ـ ألم تعلم أيها النبي أن الله مالك السماوات والأرض، والمتصرف فيهما بالإيجاد والإعدام ونفوذ الأمر بمقتضى مصالح العباد، وليس لكم أيها الناس غير الله يتولى أموركم وينصركم على أعدائكم. نزلت هذه الآية في قريش حين قالوا: يا محمد، اجعل لنا الصفا ذهباً، ووسّع لنا أرض مكة، وفجّر الأنهار خلالها تفجيراً، نؤمن بك، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال المفسرون: نزلت رداً على اليهود والمشركين المطالبين بهذه المطالب، وهو الأولى.
108 ـ بل أتريدون سؤال رسولكم محمد أسئلة تعجيزية كالإتيان بالله والملائكة قبيلاً، مثلما سئل موسى من قبلُ أن يريهم الله جهرة؟ فتضلوا كما ضلوا، ومن يفضل الكفر على الإيمان، فقد حاد عن الطريق المستقيم أي طريق طاعة الله. أخرج الطبري عن مجاهد قال: سألت قريش محمداً أن يجعل لهم الصفا ذهباً، قال: نعم، وهو لكم كالمائدة لبني إسرائىل، إن كفرتم، فأبوا ورجعوا، فنزلت الآية.
109 ـ تمنى وأحب الكثير من اليهود لو يرجعونكم إلى الكفر، حسداً منهم على توفيق الله لكم وإرشادكم، من بعد تبينهم الحق أن محمداً رسول الله، فتجاوزوا عن سيئاتهم واصفحوا عما بدر منهم من عداوة، والعفو: ترك المؤاخذة بالذنب، والصفح: محو أثر الذنب، حتى يأذن الله بقتالهم أو إجلائهم أو فرض الجزية عليهم، والله تام القدرة على كل شيء. قال ابن عباس: نزلت في نفر من اليهود قالوا للمسلمين بعد وقعة أحد: ألم تروا إلى ما أصابكم ولو كنتم على الحق، ما هُزمتم، فارجعوا إلى ديننا، فهو خير لكم.
110 ـ وأدوا الصلاة كاملة الأركان والشروط، وادفعوا الزكاة المفروضة للمستحقين، وما تقدموا من أعمال الخير والطاعة في الدنيا، تجدوا ثوابه عند الله في الآخرة، والله لا يخفى عليه شيء قليل أو كثير.
111 ـ وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا اليهودي، وقالت النصارى: لن يدخلها إلا النصراني، تلك مجرد تمنيات وشهوات يتمنونها بغير حق، قل لهم أيها النبي: أحضروا دليلكم وحجتكم على زعمكم، إن صدقتم في مزاعمكم وأمانيكم ودعاويكم الباطلة.
112 ـ ليس الأمر كما تقولون، بل يدخل الجنة من أسلم ذاته لله، وأخلص دينه وعبادته لربه، وهو محسن عمله، فله ثواب إيمانه وعمله عند ربه يوم القيامة، ولا خوف عليهم من العذاب، ولا يحزنون على ما فاتهم في الدنيا، بل هم في طمأنينة ونعيم.
113 ـ اتهمت كل طائفة من اليهود والنصارى الأخرى بأنها ليست على شيء معتبر من الحق، مع أن كلاً يتلو في كتابه أنه مصدق للآخر، وكذلك قال الجهلاء من المشركين الذين لا علم عندهم ولا كتاب مثل هذا القول، فإنهم قالوا: ليس مدّعو الأديان على شيء والله يحكم يوم القيامة بين الناس فيما اختلفوا فيه من أمر الدين، وسيجازيهم بما هو مستحق عليهم. ونزلت الآية في يهود المدينة ونصارى نجران حين تناظروا، فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدين، وكفروا بعيسى والإنجيل، وقالت لهم النصارى: ما أنتم على شيء من الدين، فكفروا بموسى والتوراة، فنزلت الآية.
114 ـ لا أحد أظلم ممن منع عبادة الله في المساجد، وسعى في هدمها، أولئك الآثمون ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا المساجد إلا خائفين من عقاب الله، ولهم في الدنيا ذلّ وهوان، وفي الآخرة عذاب شديد في النار. قال ابن عباس: نزلت في مشركي أهل مكة الذين منعوا المسلمين من ذكر الله تعالى في المسجد الحرام، ومنعوا النبي من الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام.
115 ـ لله ملك المشرق والمغرب وما بينهما، فأي جهة تتجهون فيها في صلاتكم، فهناك الجهة أو القبلة التي يرضى بها الله، إن الله واسع الرحمة بعباده، عليم بما يصلحهم. نزلت كما ذكر الطبري قبل الأمر بالتوجه إلى استقبال الكعبة في الصلاة، وفيها إبطال ما كان يعتقده أرباب الملل السابقة من أن العبادة لا تصح إلا في الهياكل والمعابد.
116 ـ وقال الكفار: اتخذ الله ولداً، فقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، تنزّه الله تعالى عن اتخاذ الولد، بل لله جميع ما في السماوات والأرض ملكاً وخلقاً، الكل عباد الله، وكلهم خاضعون لسلطانه، فكيف يكون أحدهم ولداً لله؟ نزلت الآية في اليهود حين قالوا: عزير ابن الله، وفي نصارى نجران حيث قالوا: المسيح ابن الله، وفي مشركي العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله.
117 ـ الله مبدع السماوات والأرض، أي خالقهما على غير مثال سبق، وإذا أراد شيئاً خَلْقاً أو أمراً أو تدبيراً، قال للشيء الذي يريده: (كن) فيكون، أي فيوجد فوراً، لكمال قدرته.
118 ـ قال مشركو العرب للنبي: هلا يكلمنا الله كما كلم ملائكته ورسله، فيخبرنا بأنك رسوله، أو تأتينا معجزة أو علامة مادية مما اقترحوه في الآيات (90) وما بعدها من سورة الإسراء، تدل على صدق نبوتك، قال مثل ذلك كفار الأمم السابقة، اتفقت قلوب وأقوال المشركين مع من سبقهم على الكفر والتمرد والتكذيب، قد بيَّن الله الدلالات على نبوة محمد لقوم يعترفون بالحق. قال ابن عباس فيما أخرج الطبري: قال رافع بن خزيمة لرسول الله: إن كنت رسولاً من الله كما تقول، فقل لله فليكلمنا؛ حتى نسمع كلامه، فنزلت الآية.
119 ـ يؤكد الله أنه أرسل نبيه بالدين الحق مبشراً المؤمنين بالجنة، ومنذراً الكافرين بالنار، ولست مسؤولاً يا محمد عمن مات كافراً ولم يؤمن برسالتك. قال الإمام السيوطي: والذي يقطع به أن الآية في كفار أهل الكتاب كالآيات السابقة عليها والتالية لها، لافي أبويه .
120 ـ ولن ترضى عنك أيها النبي اليهود والنصارى حتى تتبع عقيدتهم، وتنصرف عن دينك إلى دينهم، وتتبع أهواءهم، قل أيها الرسول: إن الهدى القرآني هو الدين الحق والهدى الحقيقي، لا ما هم عليه من الشريعة المنسوخة، ولئن اتبعت أيها الرسول أهواء اليهود والنصارى والموجودة في كتبهم المحرفة، بعدما جاءك من وحي القرآن، ما لك وليّ غير الله يتولى أمرك ويحفظك، ولا ناصر ينصرك ويمنعك من عقابه. وسبب النزول: أن اليهود كانوا يسألون النبي الهدنة، ويُطْمعُوْنَهُ أنّهم إذا هادنهم وأمهلهم، اتبعوه ووافقوه، فنزلت هذه الآية.
121 ـ الذين أنزلنا عليهم القرآن يتبعونه حق الاتباع، ويعملون بما فيه، فيحلّون حلاله، ويحرمون حرامه، أولئك يصدِّقون تصديقاً تاماً بالكتاب المنزَّل، ومن يكفر بالقرآن، فهم الخاسرون لاستبدالهم الكفر بالإيمان.
122 ـ يا معشر بني إسرائىل، تذكّروا النعم التي أنعمت بها عليكم وعلى أسلافكم بشكري وطاعتي، وأني فضلت أصولكم على عالَمِي زمانهم. أعاد هذا التذكير بالنعم والتحذير من النقم لبيان الهدف الحقيقي من الإخبار بأفعال أسلافهم.
123 ـ وخافوا عذاب يوم لا تنوب فيه نفس عن نفس أخرى في المسؤولية، ولا يقبل منها فدية تنجو بها من النار، ولا تفيدها شفاعة شافع، ولا نصرة ناصر، يمنع عنها العذاب.
124 ـ واذكر يا محمد حين اختبر الله إبراهيم بأوامر ونواه، فقام بحق التكليف تماماً، وقال الله له: إني مصيّرك إماماً (قدوة) في الدين وأعمال الخير، قال إبراهيم: واجعل من ذريتي أيضاً أئمة، فأعلمه الله أن عهده بالإمامة والنبوة لا يشمل الظالمين والعصاة من ذريتك، فإنهم لا يصلحون قدوة للناس، لأن الإمام لا بدّ من أن يكون عادلاً عاملاً بالشرع، وإلا كان ظالماً.
125 ـ واذكر أننا جعلنا البيت الحرام (الكعبة) مرجعاً لعبادة الله وأداء المناسك فيه، والصلاة نحوه بعد التفرق عنه، ومأمناً من الظلم والمخاوف، واتخذوا أيها المسلمون من مقام إبراهيم حول الكعبة ( وهو الحجر المعروف) مكاناً للصلاة والعبادة تكرمة لإبراهيم، ووصينا وأمرنا إبراهيم وإسماعيل أن يطهِّرا البيت الحرام من الأوثان والكفار والنجاسات والخبائث، من أجل طواف الطائفين به، والمقيمين في المسجد للعبادة، والمصلين فيه راكعين ساجدين. قال عمر رضي الله عنه: قال النبي : هذا مقام إبراهيم، فقلت: يا رسول الله، أفلا نتخذه مصلى؟ فنزلت هذه الآية.
126ـ واذكر حين قال إبراهيم: رب اجعل مكة بلداً آمناً يأمن الناس فيه، وارزق أهله المؤمنين بالله واليوم الآخر من الثمار التي تجبى إليه من كل مكان، قال تعالى: وأرزق أيضاً من كفر، لأمتعه بالرزق قليلاً في الدنيا، ثم
ألجئه وأدفعه إلى عذاب النار، فلا يجد عنه مخلصاً، وبئس المرجع الذي يصير إليه في جهنم.
127 ـ واذكر أيها الرسول أيضاً حين كان إبراهيم وإسماعيل يرفعان أسس أو جدران البيت الحرام، قائلين: ربنا تقبل منا هذا العمل الحسن، إنك تسمع دعاءنا وتعلم نياتنا.
128 ـ ربنا اجعلنا ثابتين على الإسلام، خاضعين لطاعتك، واجعل من ذريتنا: أولادنا وأحفادنا جماعة مخلصة لك بالطاعة، وعرِّفنا مناسك الحج ومواضع الذبح، وتجاوز عن خطايانا، إنك أنت كثير التوبة على عبادك، رحيم بالتائبين تعفو وتغفر لهم. قال مجاهد: قال إبراهيم: رب أرنا مناسكنا، فأتاه جبريل، فأتى به البيت، فقال: ارفع القواعد، ثم دله على مواضع رمي الجمرات في منى، وعلى المشعر الحرام، وعلى عرفات، وأمره أن يؤذن فيه بالحج، فقال: يا أيها الناس أجيبوا ربكم، فأجاب العباد: لبّيك اللهم لبّيك، فمن أجاب إبراهيم حينئذ فهو حاج.
129 ـ ربنا وابعث في العرب ـ وهم ذرية إبراهيم وإسماعيل ـ رسولاً من العرب، وهو محمد يقرأ عليهم آياتك المنزلة، ويعلمهم القرآن، وأحكام الشريعة والفقه والفهم في الدين، وأسرار الأشياء، ويطهرهم من الشرك والمعاصي وسوء الأخلاق، إنك يا رب القوي الغالب، الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة.
130 ـ ولا يعدل عن شريعة إبراهيم وعقيدته التوحيدية إلا من جهل أمر نفسه، فلم يفكر فيها، واستخف بها وامتهنها، ولقد اخترناه رسولاً في الدنيا، وإنه في الآخرين لمن الفائزين برضوان الله. ونزلت الآية في شأن ابْنَيْ أخي عبد الله بن سلام حين دعاهما إلى الإيمان، فآمن سلمة وأبى مهاجر.
131 ـ واذكر أيها الرسول حين قال لإبراهيم ربه: تمسك بالإسلام ديناً، فقال: أخلصت العبادة والدين لرب العوالم كلها.
132 ـ ووصى إبراهيم بوصية الله بالتمسك بالإسلام أبناءه، وأوصى يعقوب (إسرائيل) بنيه بذلك، كما أوصى إبراهيم، قائلاً لهم: يا أبنائي، إن الله اختار لكم الملة التي يجيء بها محمد فهي صفوة الأديان، فالزموا الإسلام، ولا يأتيكم الموت إلا وأنتم على الإسلام.
133 ـ أبطل الله دعاوى اليهود والنصارى أن إبراهيم يهودي أو نصراني، قائلاً: بل أَشَهِدتُم أو حضرتم يعقوب؟ وعلمتم وصيته لأبنائه، حين حضره الموت، إذ قال لهم: ماذا تعبدون من بعد وفاتي؟ فقالوا: نعبد الإله الواحد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسحاق، وإسماعيل الذي كان عماً ليعقوب، وتسمي العرب العم أباً، ونحن له مخلصون العبادة، فأقروا بذلك، وشهد على إسلامهم. نزلت في اليهود حين قالوا للنبي : ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية.
134 ـ تلك أمة ـ وهي إبراهيم ويعقوب وأبناؤهما ـ جماعة مضت، لها ما عملت من العبادة والخير، ولكم ما عملتم من خير أو شر، ولا تؤاخذون بسيئاتهم، ولا تستفيدون من حسناتهم.
135 ـ وقالت اليهود والنصارى للمسلمين: كونوا يهوداً أو نصارى، واتركوا الإسلام، تكونوا على الحق والرشاد، قل لهم أيها النبي: لم تكن اليهودية ولا النصرانية طريق الهداية، بل نكون على ملة إبراهيم الحنيفية المائلة عن الأديان الباطلة إلى دين الحق، والحنيفية: هي دين الإسلام، ولم يكن إبراهيم من عبدة الأوثان أو مشركاً بالله، وهذا تعريض بهم، فكيف تدّعون أنه كان يهودياً أو نصرانياً؟! أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال ابن صُوريا للنبي : ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمد تهتد، وقالت النصارى مثل ذلك، فنزلت الآية.
136 ـ قولوا أيها المسلمون: آمنا بالله وحده لا شريك له وبالقرآن وبما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط: (أولاد يعقوب وهم اثنا عشر ولداً)، وبالتوراة المنزلة على موسى، وبالإنجيل المنزل على عيسى، وبكل ما أُنزل على الأنبياء من ربهم من الكتب، لا نفرِّق بين أحد منهم، وإنما نؤمن بهم جميعاً، ونحن لله تعالى منقادون خاضعون.
137 ـ فإن آمن أهل الكتاب وغيرهم بجميع ما آمن به المسلمون من كتب الله ورسله، وصدقوا مثل تصديقهم، فقد اهتدوا إلى الحق والصواب، وإن أعرضوا عن هذا الإيمان، فهم في مخالفة ومعاداة لدعوة الإسلام، ويكفيك الله أيها الرسول شرّ من عاند وخالف، وينصرك عليهم، والله هو السميع لأقوالهم، العليم بخفايا نفوسهم.
138 ـ الزموا أيها الناس دين الله الذي فطركم عليه وهو الإسلام، فلا هداية أفضل من هدايته، ونحن مطيعون لله تعالى. قال ابن عباس: إن النصارى كان إذا ولد لأحدهم ولد، فأتى عليه سبعة أيام، صبغوه في ماء لهم، يقال له: المعمودي، ليطهروه بذلك، ويقولون: هذا طهور، مكان الختان، فإذا فعلوا ذلك، صار نصرانياً حقاً، فأنزل الله هذه الآية.
139 ـ قل أيها النبي لأهل الكتاب: أتجادلوننا في شأن الله، ونحن وأنتم سواء في ربوبيته لنا، وعبوديتنا له، فكيف تدعون أو تريدون ألا يختار رسولاً إلا منكم؟ وسيجازي كل فريق منا بعمله، فلستم بأولى بالله منا، ونحن له مخلصون في طاعتنا وعبادتنا دونكم.
140 ـ بل أتقولون: إن هؤلاء الأنبياء على دينكم؟ وإنهم مع أولاد يعقوب (الأسباط) كانوا يهوداً أو نصارى، مع أنهم وجدوا قبل موسى وعيسى، وقل لهم أيها النبي: هل أنتم أعلم بدينهم أم الله الذي برَّأ إبراهيم من اليهودية والنصرانية، ومن أشد ظلماً ممن كتم شهادة عنده من الله بأن هؤلاء الأنبياء ما كانوا يهوداً ولا نصارى، بل كانوا مسلمين، والله لا يترك عقوبة هؤلاء المدّعين بسبب ظلمهم وتكذيبهم الرسل وكتمان الشهادة.
141 ـ تلك جماعة مضت، لها ثواب أعمالها ولكم ثواب أعمالكم الطيبة وجزاء أعمالكم السيئة، فلا ينفعكم انتسابكم إليهم إذا لم تفعلوا الخير، وأنتم مسؤولون عن أعمالكم يوم القيامة، لا عن أعمال غيركم ممن سبقكم أو يأتي بعدكم.
142 ـ سيقول الجهال ضعفاء العقول من اليهود والمشركين والمنافقين: ما سبب تحولهم وانصرافهم عن قبلة بيت المقدس التي كانوا يستقبلونها في صلاتهم، قل لهم أيها النبي: لله الجهات كلها مشرقها ومغربها، فله أن يأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء، يهدي من يريد من عباده إلى سلوك الطريق القويم في العبادة، فيكون التحول إلى الكعبة هداية. روى البخاري عن البراء قال: لما قدم رسول الله المدينة، فصلّى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله يحب أن يتوجه نحو الكعبة، فأنزل الله: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ} [البقرة 2/144] فقال السفهاء، وهم اليهود: {مَا ولاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} فقال الله تعالى: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ}.
143 ـ وكما هديناكم إلى الإسلام وإلى قبلة إبراهيم عليه السلام، جعلناكم أمة خياراً عدولاً وسطاء، لتشهدوا على الناس يوم القيامة أن أنبياءهم قد بلغوهم رسالة الله، ويكون الرسول محمد شاهداً يشهد عليكم بالتبليغ لكم وبالوسطية، وما جعلنا قبلة بيت المقدس التي كنت تصلي باتجاهها إلا امتحاناً لنعلم علم ظهور وتحقق فعلي المؤمن والمرتد عن دينه والمنافق، وإن كانت حادثة تحويل القبلة صعبة شاقة، يصعب الإيمان بها، إلا على الذين هداهم الله للحق، وما كان الله ليضيع صلاتكم إلى بيت المقدس، بل يتقبلها منكم، إن الله كثير الرأفة (وهي أشد الرحمة) بعباده، كثير الرحمة بهم. وقد نزلت فيمن مات وهو يصلي إلى بيت المقدس، جاء في الصحيحين عن البراء: مات على القبلة قبل أن تحوَّل رجال، فلم نَدْر ما نقول فيهم، فنزلت: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}.
144 ـ قد رأينا أيها النبي تطلعك إلى جهة السماء وترديد بصرك ورفعه، راجياً نزول الأمر بتحول القبلة نحو الكعبة، فلنوجهنك نحو قبلة تحبها وتتشوق إليها، فتوجه في صلاتك نحو المسجد الحرام، وأينما كنتم، فتوجَّهوا إلى الكعبة، وإن أهل الكتاب يعلمون أن توجهكم إلى الكعبة حق بأمر الله فرضه الله على عباده، وأنه موجود في كتبهم أن النبي المبشر به يصلي إلى قبلة أبيه إبراهيم، وما الله بغافل عن أعمالهم بإثارة الشبهات وترويج الفتن، وسيجازيهم على ذلك.
145 ـ ولئن أتيت أيها النبي أهل الكتاب بكل حجة وبرهان على أن تحويل القبلة حق بأمر الله، ما تبعوا قبلتك كفراً وعناداً، ولا تتبع أنت قبلتهم، وكل فريق يتبع قبلته، فاليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى تستقبل مطلع الشمس، ولئن وافقت أهواءهم بالتوجه إلى قبلتهم التي يدعونك إليها، من بعد العلم الذي جاءك من طريق الوحي، تكن من الظالمين لأنفسهم.
146 ـ يعرف اليهود نبوة محمد بأوصافه المذكورة في التوراة، كمعرفة أبنائهم تماماً، وإن فريقاً منهم ممن لم يسلموا، وهم علماؤهم الذين عرفوا تلك الصفات، ليخفون الحق الثابت الذي أرسلتَ به حسداً وعناداً، وهم يعلمون أن الله أوضحه في كتابهم.
147 ـ الحق الأبدي: ما أخبرك به ربك، لا ما يخبرك به أهل الكتاب، فلا تكن أيها السامع من الشاكين فيه.
148 ـ ولكل جماعة من أتباع الأديان قِبْلة هو مستقبلها في الصلاة، فتسابقوا في فعل الطاعات وعمل الخيرات واستقبال الكعبة، وأينما تكونوا في أي مكان في الأرض، يجمعكم الله للجزاء يوم القيامة، إن الله تام القدرة على بعثكم وجمعكم.
149 ـ وأينما اتجهتَ أيها المسلم في بَرّ أو بحر، وفي أي جهة كنت شرقاً أو غرباً، فتوجه في صلاتك جهة المسجد الحرام، وهذا التوجه هو الحق الثابت من الله الذي لا ريب فيه، وسيكافئك على اتباعه، ولا يغفل الله عما عملت من عمل، ولا يترك شيئاً.
150 ـ وأينما حللت، فتوجه نحو الكعبة، وأينما كنتم معشر المسلمين في أي مكان في العالم، فتوجهوا نحو الكعبة المشرفة، وتكرر الأمر بذلك ثلاث مرات لتأكيد الأمر بتحويل القبلة، لئلا يبقى لأحد من الناس محاججة أو مجال في المجادلة والمخاصمة حول التولي إلى غير القبلة، فتبطل حجة اليهود القائلين: ترك محمد ديننا واتبع قبلتنا، وحجة المشركين القائلين: إن محمداً يدّعي اتباع إبراهيم ويترك قبلته (الكعبة) فاتجاهكم نحو المسجد الحرام ينهي هذه الأقاويل، أما الظالمون أنفسهم منهم بالعناد والمكابرة، وهم مشركو العرب، فلا تخافوا من مطاعنهم أو جدالهم بالباطل، وخافوا عقابي إن خالفتم أوامري، ولكي أتم عليكم نعمتي عرَّفتكم قبلتي، وستفتحون مكة، وتدخلون البيت الحرام آمنين مطمئنين، ولكي تهتدوا إلى الحق والصواب والثبات عليه.
151 ـ وإتمام النعمة كإتمام الرسالة بإرسال محمد لتلاوة آيات القرآن الكريم، وتطهير نفوسكم من الشرك والوثنية وسوء الأخلاق، ولتعليم القرآن والكتابة ومحو الأمية، وفهم أحكام الشريعة ومعرفة أسرارها، وتعليمكم أمور الدنيا والآخرة، وما لم تعلموا به من قبل.
152 ـ فاذكروني أيها الناس بالطاعة، أذكركم بالثواب والمغفرة، واشكروا لي نعمي عليكم، والشكر: معرفة الإحسان والتحدث به، ولا تجحدوا نعمي عليكم فتستروها، والكفر هنا: ستر النعمة، فأسلبها منكم.
153 ـ يا أيها المؤمنون استعينوا بالصبر على تحمل التكاليف المشروعة كالصلاة والصيام والجهاد، وبالصلاة التي توثق الصلة مع الله، وتفرج الكروب، وتزيل الهموم، إن اللّه يعين الصابرين وينصرهم.
154 ـ ولا تصفوا شهداء القتال في سبيل الله بأنهم أموات، بل هم في الحقيقة أحياء في البرزخ، ولكن لا تشعرون بهذه الحياة عند مشاهدة أجسادهم وسلب أرواحهم. نزلت في قتلى بدر، وكانوا بضعة عشر رجلاً، ثمانية من الأنصار، وستة من المهاجرين، وكان الناس يقولون للرجل يقتل في سبيل الله: مات فلان، وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها، فأنزل الله هذه الآية.
155 ـ ولنعاملنكم معاملة المختبر لمعرفة قوي الإيمان وضعيفه بتسليط شيء من الخوف (الضرر من عدو أو غيره) أو الجوع (المجاعة والقحط) أو نقص الأموال التي تملكونها كالأنعام، وفقد الأنفس بالموت والقتل في الجهاد والمرض، ونقص الثمار بالآفات والجوائح، وبشّر أيها الرسول الصابرين بالفوز بالجنة والمغفرة والرحمة.
156 ـ والصابرون: هم الذين إذا تعرضوا لنكبة تؤذي الإنسان قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، أي إنا عبيد لله، وصائرون إليه بعد الموت.
157 ـ وعلى الصابرين مغفرة وثناء حسن من الله، ورحمة بعد رحمة، وإحسان، وأولئك هم المهتدون إلى الحق والصواب ورضوان الله تعالى.
158 ـ إن الصفا والمروة اللذين يتكـوَّنان من صخور مرتفعة في بداية المسعى ونهايته، من أعلام مناسك الحج أو مواضع العبادة التي خصصها الله أعلاماً للناس كالموقف والمسعى والمنحر، فمن قصد البيت الحرام حاجاً للفريضة، أو اعتمر بزيارته البيت الحرام، فلا إثم عليه أن يطَّوف بهما (يتطوف) بالسعي بينهما في الحج والعمرة، وهو فرض ونسك، بالرغم من أنه كان عليهما في الجاهلية صنمان: «إساف» على الصفا، و «نائلة» على المروة، ومن أكْثَر من الطاعة بالعمرة النافلة، فالله شاكر له طاعته. أخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه: أنه سئل عن الصفا والمروة، فقال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام، أمسكنا عنهما، فأنزل الله: {إِنَّ الصَّفَا}.
159 ـ إن الذين يُخفون عن الناس ـ وهم علماء اليهود ورهبان النصارى ـ ما أنزل الله من الآيات البيّنات الدالة على صدق رسالة محمد ، ومن بعد بيانه في التوراة، أولئك يطردهم الله من رحمته، ويلعنهم الملائكة والمؤمنون. نزلت في علماء أهل الكتاب وكتمانهم آية الرجم ونعت محمد .