إهداء
إلى أخي حسن
شكر
«لجامعة دمشق التي احتضنتني طالب علم، وعضو هيئة تدريس، وعميداً لكلية الآداب والعلوم الإنسانية.
لجامعة قطر وكلية الآداب والعلوم وقسم العلوم الاجتماعية فيها. التي أتاحت لي الوقت لإنجاز هذا العمل.
للأستاذ الدكتور خضر زكريا الذي قرأ هذا العمل وقدم له.
للإدارة والزميلات والزملاء في القسم الذين أحاطوني بالرعاية والجو الحميم».
تقديم
أحسست بسعادة غامرة عندما طلب مني الأستاذ الدكتور سمير حسن كتابة مقدمة لكتابه الأول (الثقافة والمجتمع)، فلقد عرفته منذ كان طالباً في قسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية في جامعة دمشق، وكنت أستاذاً في ذلك القسم. أدركت أنه متميز منذ المحاضرات الأولى. كان شديد الاهتمام والانتباه، يشارك في المناقشات بآرائه الخاصة التي تدل على شغفه بالقراءة والتعرف على كل جديد، يطرح الأسئلة الجريئة في المسائل الحساسة، يدلل على وجهات نظره بمقاطع من قصة أو رواية أو قصيدة. من يومها كان شديد الولع بالأدب وبالثقافة بوجه عام.
في موضوع رسالته للماجستير (الاندماج الاجتماعي للمهاجرين الريفيين في الحياة الحضرية) وهو بحث يعتمد على دراسة ميدانية بالدرجة الأولى كان يولي العوامل الثقافية الاهتمام الأكبر. وما أزال أذكر المناقشات العديدة والحادة أحياناً، بيني وبينه حول مدى أهمية العوامل الثقافية، إذ كنت ألح على العوامل الاجتماعية- الاقتصادية في مسألة اندماج المهاجرين الريفيين في حياة المدينة، بينما يصر هو على أهمية البعد الثقافي في دراسة الاندماج.
لكنه في رسالته للدكتوراه اختار موضوعه المفضل (الثقافة والتحولات الاجتماعية في الوطن العربي- دراسة سوسيولوجية للنتاج الفكري العربي 1967/ 1990م). عندها "أخذ حريته" في معالجة المسألة الثقافية وعلاقتها بما يجري من تغيرات اجتماعية، والتأثيرات المتبادلة بين ما هو ثقافي وما هو اجتماعي- اقتصادي أو اجتماعي- سياسي. ومن يومها (1991م) مازال هذا الموضوع يشكل شغله الشاغل في بحوثه ودراساته اللاحقة، إلى أن فاجأني اليوم بمخطوط كتابه هذا، الذي يمثل خلاصة ما توصل إليه في تلك البحوث والدراسات، أو يمثل بالأحرى جماع القول فيها.
يبدأ الكتاب بالبحث في مفهوم الثقافة، وهذه ليست مهمة سهلة كما قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى، فهناك عشرات، وربما مئات التعاريف للثقافة، وهناك العلاقة، بل الالتباس بين مفهومي الثقافة والحضارة، والعلاقة بين الثقافة والمعرفة والعلم، وهناك ثورة المعلومات والاتصالات وما تركته من آثار على مقاربة مفهوم الثقافة... والمؤلف يعالج كل هذه المسائل بأناة وصبر من جهة وبكثير من الدينامية من جهة أخرى. فمفهوم الثقافة متعلق بمفاهيم أخرى عديدة، فعندما نتحدث عن ثقافة الأمة مثلاً لابد وأن نعالج مسألة الأنا والآخر، ومسألة الخصوصية في إطار ما هو عام، وهناك على سبيل المثال مفهوم إسلامي للثقافة ومفهوم غربي، مفهوم قديم تقليدي وآخر حديث، ويمكن الحديث عن مفهوم عام للثقافة (كل تغيير يدخله الإنسان على الطبيعة) ومفهوم خاص لها (الأدب والفن والعلم..). وهنا، عند الحديث عن الثقافة بالمعنى الخاص، يظهر المؤلف قدرته على التقاط أهم ما في الأمر- الثقافة بمعنى الاطلاع والمعرفة خارج المهنة أو التخصص الضيق - توسع آفاق المرء، وتجعله أكثر تمكناً من قدراته الذاتية، وأكثر قدرة على الاستيعاب والإبداع، وهي توسع خيارات الفرد، وتجعله أكثر حرية وأكثر قدرة على الاختيار، وأقرب إلى فهم الآخر والتواصل معه، وأقل تعصباً وانغلاقاً...
ويعالج المؤلف التغيرات التي تطرأ على ثقافة الشعوب والأمم مبيناً بطء تلك التغيرات في الماضي، وسرعتها اليوم مع التقدم العلمي والتكنولوجي. وهو هنا يبين ما يمكن عده سلبياً أو إيجابياً في التغيرات الراهنة. لكنه يوضح رؤيته العصرية المنفتحة والمتفائلة لمستقبل الثقافة الإنسانية رغم كل المخاوف والسلبيات المحتملة.
ثم يبحث فيما يسمى (الثقافة التقليدية) التي ترتكز بصورة أساسية إلى التقاليد والعادات المستمرة في حياة جماعة ما بما يصاحبها من نظم القيم والأخلاق والتصورات والمفاهيم... فيبين بعض سلبيات تلك الثقافة مثل بطء تغيرها، ومقاومتها للتجديد مما قد يوحي بالسلبية والتخلف الاجتماعي وبالانغلاق وعدم التفاعل مع العصر... ولكنه لا ينسى ما تتضمنه من أبعاد إيجابية كحماية مبتكرات الشعب التقليدية من النسيان والاندثار خشية الانقطاع عن العمق التاريخي للثقافة وجذور الهوية..إلخ
ويتوقف المؤلف بوجه خاص عند ما يطلق عليه (الثقافة الجماهيرية) التي تنتشر كثيراً هذه الأيام في العالم كله وفي بلداننا العربية بوجه خاص. هل ما يقدم اليوم في وسائل الإعلام - وبخاصة في المحطات التلفزيونية الفضائية - من أغان ورقصات وأزياء وأنماط سلوك... مجرد نزعة تجارية ترافق العولمة الثقافية أم إن لها أغراضاً سياسية وأيديولوجية؟ هل نقبل بما يرغب به الناس (الجماهير) أم إن الثقافة شأن (النخبة) التي تنتج ثقافة راقية وتفهم تلك الثقافة؟ هل على وسائل إنتاج الثقافة أن تلبي رغبات أكثرية الناس أم عليها الارتقاء بذائقتهم الثقافية وعدم تقديم إلا ما يساعد على ذلك الارتقاء؟ تلك أسئلة قديمة حديثة طرحت من أيام أفلاطون والغزالي وابن رشد وبحث فيها لينين وغرامشي ولوكاتش وأدورنو وهابرماس وموران ومهدي عامل والطاهر لبيب وغيرهم وغيرهم... ولكن الثقافة الجماهيرية كما يرى سمير حسن "تغذ السير في اتجاهها الصاعد" غير عابئة بكل ذلك، ترسم "مرحلة تاريخية جديدة من المعرفة والاتصال الثقافي" كما فعلت ذلك قبلها الكتابة ثم الطباعة والكتاب.
ولا ينتهي الفصل الأول قبل التعرض لمسائل مثل "البيئة الثقافية"، "التخطيط الثقافي"، "التثاقف"، حيث يعرض المؤلف آراءه في صدام الحضارات وحوارها وفي قضايا التبعية الثقافية والعولمة الثقافية وغيرها من قضايا العصر الثقافية الهامة.
في الفصل الثاني يبحث الكتاب في علم اجتماع الثقافة موضوعاته، وأطره النظرية، وإشكالياته، وعلاقته ببعض فروع علم الاجتماع الأخرى، وتساؤلاته الرئيسية، وأهم رواده، كما يبحث في التوظيف العملي (التطبيقي) لهذا العلم مقدماًً نماذج جميلة للدراسة السوسيولوجية للرواية والقصة والشعر تدل على سعة اطلاع المؤلف، وذوقه الأدبي الرفيع، وقدرته على التحليل الاجتماعي للأدب، بإيضاح العلاقة بين العمل الأدبي والواقع الاجتماعي الذي يعبر عنه.
"ما العلاقة بين أساليب الفكر وأنماط الحياة الاجتماعية؟ هل الصراع الاجتماعي بين الفئات والطبقات الاجتماعية هو الذي يؤدي إلى اختلاف الأفكار والإيديولوجيات، أم إن الإيديولوجيات هي التي تؤدي إلى الصراع الاجتماعي؟ وما العلاقة بين تغير الثقافة ومنظومات القيم وتنوع أشكالها وتطور الأبنية والأنظمة الاجتماعية وتنوعها؟..." هكذا يحدد المؤلف السؤال الأساسي لعلم اجتماع الثقافة، هذا السؤال الذي تنبثق عنه أسئلة فرعية عديدة تتناول تفاصيل تلك العلاقة بين حياة الناس المادية وحياتهم الثقافية، مطبقاً ذلك على الثقافة العربية وأسئلتها الكبرى، مثل "ما لتفسير الاجتماعي الممكن لاهتمام الفكر العربي في العقد الأخير بمسائل الديمقراطية والليبرالية والمجتمع المدني؟".
وفي بحثه العلاقة بين الثقافة والإيديولوجيا والسياسة يطور النقاش حول العلاقة بين "المثقف والأمير" إلى آفاق جديدة، مبيناً أهمية الدراسة السوسيولوجية لهذا الترابط الجدلي بين النظري والتطبيقي على هذا الصعيد. "وإلا فماذا يمكن أن يعني تراجع أهمية الكتاب مثلاً لصالح الوسائل السمعية والبصرية وقوة إيحاءات الصورة في زماننا؟ أم لعله الانحياز الفكري النخبوي، ما يجعلنا نرجع أهمية الكتاب والأفكار النظرية التجريدية، وامتياز المثقف على السياسي؟". وفي هذا الإطار يبين المؤلف أهمية علم اجتماع الثقافة في العلاقات الدولية مما صارت تأخذه أقسام الشؤون الدولية في الجامعات بعين الاعتبار أكثر فأكثر. فالتحليل العلمي الاجتماعي للمنظومة الثقافية لأمة من الأمم يمكّن من تحديد الطابع الاجتماعي الحضاري لشخصية الشعب وفهمه، مما يسهل التعامل السياسي والاقتصادي في العلاقات بين الدول.
ويعالج المؤلف في الفصل الثالث العلاقة بين الثقافة والتنشئة الاجتماعية، حيث يبحث في مفهوم التنشئة الاجتماعية ومراحلها وأهدافها ودور الدين والأسرة والمؤسسات الاجتماعية الأخرى فيها، كما يبين دينامية التنشئة الاجتماعية خلال عملية التغير الاجتماعي ودورها في التنمية، ويتعرض للعلاقات بين الأجيال، فيبين عوامل صراعها وإمكانيات تكاملها... إلى غير ذلك من المسائل الهامة في هذا السياق. وهو في كل هذا لا يكتفي بما قيل أو كتب حول الموضوع بل يدلي بدلوه دائماً موضحاً آراءه الخاصة.
فهو يشير مثلاً إلى أهمية التربية الدينية، ولكنه يحذر في الوقت نفسه من "الجهل بتعاليم الدين وتحوله إلى المحافظة والتعصب ورفض الآخر وإعاقة التجديد". وفي موضوع صراع الأجيال يرى أن بالإمكان توجيه هذا الصراع بالعمل على مستويين: " المستوى الأول هو مجال التنشئة الاجتماعية في التربية والتعليم والإعلام والسياسة والثقافة، وإعادة النظر بفلسفتها ومفاهيمها وأهدافها المعرفية والسلوكية، والتنسيق بين وسائلها (الأسرة، المدرسة، المنظمات، التلفاز..) بحيث تستوعب الأفكار والمفاهيم الجديدة بشكل بناء... والمستوى الثاني يتصل بضرورة استيعاب طاقات الأجيال الجديدة وتوجهاتها وميولها من خلال زجها في أعمال مسؤولة مادياً وفكرياً وسياسياً...إلخ ومشاركتها في صنع القرارات بدءاً من قرارات الأسرة ومؤسسة العمل وانتهاءً بالقرارات الاجتماعية الكبيرة. ومشاركة الشباب في إنتاج المعرفة والثقافة وبناء علاقة إيجابية فعالة ومبادرة لهم في ثقافة المجتمع وعدم عدِّهم مجرد موضوع عمل وتلقي".
والواقع أن الكتاب يذخر بمثل هذه النصوص التي تدل على شخصية المؤلف المستقلة وآرائه التقدمية المستنيرة. "لقد تغيرنا عن آبائنا ولم تحدث الكارثة، بل وتقدم المجتمع أكثر، وسيتغير أبناؤنا عنا مهما كانت معاندتنا وتمسكنا بتقاليد اعتدنا عليها، فهذه التقاليد ليست أزلية، بل لابد من أن تتغير وتتعدل، لتتوافق مع تقدم الحياة ومتطلباتها التي لم نألفها نحن الآباء. وليست معارضة الأجيال القديمة للأجيال الجديدة سوى معاندة للتاريخ وللتغيير الذي حدث وسيحدث وهو يحدث مع الأجيال الجديدة وبواسطتها..".
ويعرض المؤلف في نهاية الفصل نتائج دراسة ميدانية لأساليب التنشئة الاجتماعية عند أسر إحدى المناطق الريفية السورية. وقد لا يُعد عرض النتائج بمثل هذا التفصيل (الجداول والأشكال) في كتاب عن الثقافة والمجتمع أمراً شائعاً، ولكنني وجدتها وسيلة مناسبة (مباشرة وعملية) لإيصال فكرة المؤلف حول العلاقة بين الثقافة والتنشئة الاجتماعية.
أما أهم فصول الكتاب وأكثرها ارتباطاً بالواقع الاجتماعي للبلدان العربية فهو الفصل الرابع الذي يبحث في العلاقة بين الثقافة والتنمية. هنا يتعرض المؤلف لعدد من القضايا الثقافية المؤثرة في عمليات التنمية مثل ثقافة العمل، وثقافة المواطنة، والثقافة المؤسساتية، وثقافة الحرية والديمقراطية.
ففي موضوع ثقافة العمل يحلل المؤلف النزعة الاستهلاكية السائدة في مجتمعاتنا، ويبين السلبيات المترتبة على الاعتماد الزائد على الدولة في ثقافة العمل في بلداننا، داعياً إلى ثقافة جديدة للعمل تدفع الفرد لاحترام كل أنواع العمل، وللاعتماد على الذات، والحد من الهدر...
وترتبط بهذا ثقافة المواطنة التي تقوم على أولوية الانتماء للوطن (الدولة، الأمة) على جميع الانتماءات الأخرى (العائلية والعشائرية والقبلية والمذهبية والطائفية وغيرها) . والمواطنة "علاقة اجتماعية تقوم بين الأفراد والمجتمع السياسي (الدولة)، بحيث تقدم الدولة الحماية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للأفراد، عن طريق القانون والدستور الذي يساوي بين الأفراد بوصفها كيانات بشرية طبيعية، ويقدم الأفراد الولاء للدولة ويلجؤون إلى قانونها لحماية مصالحهم والحصول على حقوقهم". إن المواطنة بهذا المعنى هي التي يجب أن تكون أساس ثقافة المجتمع الحديث. أما عندما لا تتحقق شروط المواطنة فيتساءل المؤلف:
- ماذا يفعل المواطن الذي يتقدم لمسابقة انتقاء عمال أو موظفين حين يقبل الأقل كفاءة؟ بماذا سيشعر؟ وبمن يحتمي؟ وإلى من يلجأ؟
- ماذا يفعل أبناء المنطقة الإقليمية من الوطن عندما يشعرون بالغبن من الخدمات المقدمة لهم مقارنة بمناطق أخرى؟
- ما شعور المهاجرين إلى ضواحي المدن الكبرى وأطواق الفقر عندما لا يجدون العمل ولا يتمتعون بالخدمات التي يتمتع بها مواطنوهم من المدينة نفسها؟
- بماذا سيشعر المثقف الحر النابه الناقد المتوقد الذهن الواسع الأفق عندما يرى المدعين وأنصاف المثقفين ـ أنصاف الجهلة ـ هم الأعلون؟
إلى غير ذلك من التساؤلات التي تشير إلى معاناة المواطنين في معظم بلداننا العربية من غياب ثقافة المواطنة سواء عند المسؤولين في الدولة أو عند المواطنين أنفسهم.
وثقافة المواطنة بالمعنى الحديث ترتبط أيضاً بالثقافة المؤسساتية التي تشير إلى مجموعة من المفاهيم والقيم والاتجاهات والحقوق والواجبات التي يتعامل بها العاملون في مؤسسة محددة بما يشكل منظومة معيارية يسترشد بها العاملون، فتحدد قواعد سلوكهم الوظيفي وكيفية تعاملهم في البيئة الداخلية للمؤسسة ومع المتعاملين معها من المواطنين. وثقافة المؤسسة سابقة في وجودها على الأفراد الذين ينتمون إليها وتفرض نفسها عليهم وتبقى بعدهم.
ولا شك في أن الثقافة المؤسساتية تشكل أحد أهم روافع التنمية والتحديث والتقدم. ولعل الإلحاح على ذلك في البلدان العربية ناجم عن تفاقم الانحراف والفساد الإداري الناجم عن عدم الالتزام بالمعايير والأهداف التنموية التي تضعها مؤسسة أو حكومة لنفسها. لكن نشر الثقافة المؤسساتية لا يعني، في نظر المؤلف، "إعلان الحرب على العلاقات التقليدية، بل استيعابها وتطويعها لمقتضيات العمل التاريخي الاقتصادي والسياسي المعاصر..." كما لا يعني " انقطاع الصلة بين التكوينات الثقافية للمجتمع التقليدي وتلك التي للمجتمع الحديث... وعلى الأخص في مجتمعنا العربي الذي يملك إرثاً حضارياً متميزاً". إذ من السهل إدخال مؤسسات جديدة على مجتمع ما ولكن من الصعب تغيير بنى المجتمع التقليدية العميقة الجذور، فتحول البنيات والمعتقدات والسلوكات والقيم والاتجاهات يقتضي نفساً طويلاً.
والخطر على المؤسسة لا يأتي بالدرجة الأولى مما هو تقليدي بل "عندما يعتقد المدير التكنوقراطي أو المستشار المختص أن عليه لكي يحافظ على وظيفته وحظوته لدى السياسي أن يقدم له ما يناسب مزاجه أو ما يرغب أن يكون". وهنا يفرد المؤلف فقرة خاصة حول العلاقة بين التنظيم المؤسسي والبيروقراطية، مبيناً المقاربات المختلفة للبيروقراطية من حيث إنها ضرورية للتنظيم المؤسسي من جهة، وتشكل خطراً على التجديد والإبداع فيها من جهة ثانية.
وفي نهاية هذه الفقرة يقترح المؤلف منهجية علمية لدراسات ميدانية لابد منها كخطوة أولى لتفعيل عمل المؤسسات، وتطوير الفكر المؤسساتي، وترسيخ السلوك المنسجم مع هذا الفكر، حيث يتم رصد المكونات البشرية والتنظيمية والمادية للمؤسسات، ورصد أشكال التفاعل بين تلك المكونات وتحليلها، ومدى اتفاق ذلك التفاعل مع أهداف المؤسسة، وتأثيره على أدائها لوظائفها، وعلى آليات اتخاذ القرار فيها، وكذلك دراسة أخلاقيات العاملين وميولهم العملية والاجتماعية، ومدى شعورهم بالانتماء للمؤسسة، والتزامهم برسالتها وأهدافها وخططها المستقبلية...
الفقرة الأخيرة في هذا الفصل الهام تتعلق بثقافة الحرية والديمقراطية ، حيث يبحث المؤلف في مفهوم الحرية ومضمونها وأشكال تجلياتها في الأمكنة والأزمنة المختلفة، ويرى أن ثقافة الديمقراطية تعد تجسيداً لمبدأ الحرية، ولكن لا يمكن في رأيه "تطبيق نموذج جاهز وناجز للديمقراطية، فالديمقراطية حالة بناء تدريجي، وموضوع عمل اجتماعي اقتصادي وسياسي وثقافي وتربوي مستمر". وهو يربط إمكانية تحقيق الديمقراطية بالخيارات الحرة "للمواطن الواعي الحر"، وهو "المواطن المتحرر من الفقر والجهل والمرض والاستغلال والخوف والتعصب العرقي أو الطائفي".
هنا لابد من الإشارة إلى أن هذا الشعار قد يستغل ،وقد استغل فعلاً، لتبرير الاستبداد وقمع الحريات. وقد تكون الديمقراطية شرطاً أساسياً من شروط التحرر من الفقر والجهل والاستغلال...إلخ. والواقع أن المؤلف يشير إلى مثل هذا التحفظ في بعض المواضع، لكنه يعود للتأكيد على أن "الميدان الفعال للعمل الديمقراطي هو الشغل على تهيئة هذه الشروط الموضوعية أولاً (يقصد التركيز على المتطلبات والحقوق الاقتصادية والاجتماعية كحق التعليم والصحة والعمل والعيش الكريم...) والتي بدورها تخلق العوامل الذاتية المتمثلة في الارتقاء بوعي الأفراد والجماعات وقدرتهم على وعي مصالحهم والاختيار الحر على أساسها". والسؤال هنا: لماذا أولاً؟ أليست قدرة الأفراد والجماعات على وعي مصالحها والمشاركة في صنع مصائرها بحرية أحد أهم شروط تحقيق تلك المصالح، أي الحصول على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية؟ أليس غياب الديمقراطية أحد أهم عوامل الفساد، وتهريب الأموال للخارج، وعقد الصفقات المشبوهة، والإثراء الأسطوري السريع لقلة قليلة، وبالتالي حرمان الناس من التمتع بثروات أوطانها والعيش فيها "عيشاً كريماً"؟.
ويتصل بهذا الموقف حديث المؤلف عن "مطلب الاستقرار السياسي والتماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية والأمن الاجتماعي" الذي يشكل هاجساً عميقاً لدى الأنظمة السياسية التي ظلت معتمدة على مركزية الدولة فترة طويلة، وعائقاً أمام تطبيق الأفكار الداعية إلى الديمقراطية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان...إلخ . وتشي تساؤلاته (التي يطرحها على لسان الأنظمة السياسية المذكورة) بخشيته من أن الاستجابة لمطالب وضروراته المجتمع المدني الحر المستقل عن سلطة الدولة، قد تؤدي إلى توليد العصبيات والانقسامات، وأن يكون لذلك عواقب ضارة على الاندماج الاجتماعي والوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي للدولة والمجتمع... لكنه يتحفظ بعد ذلك قائلاً إن مثل هذه التساؤلات والإشكالات "يمكن، أو هي قيد الاستخدام مبررات للتملص من التغيير الضروري والاستجابة السريعة لمتطلبات الحرية والديمقراطية، رغم كل ما قد يكتنف ذلك من إشكالات".
تطبيق الديمقراطية، والعمل على تطوير المجتمع المدني، ومراعاة حقوق الإنسان... لا يولد - في رأيي - العصبيات والانقسامات وغيرها. هو قد يرفع الغطاء عنها ، لكنه لا يولدها. على العكس من ذلك، أعتقد أن المجتمع المدني الحر المستقل عن سلطة الدولة، والحياة الديمقراطية القائمة على المشاركة الفعلية في صنع القرار، والتعددية الفكرية والسياسية، والتداول السلمي للسلطة، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان...هي التي تؤدي - وإن في نهاية المطاف، وإن عبر الصعوبات والإشكالات التي ذكرت - إلى الوحدة الوطنية الحقيقية والاستقرار السياسي المنشود والأمن الاجتماعي المؤسس لا على القمع والخوف، بل على القبول الحر بالنظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي يشارك الجميع في إعداده.
الفصل الخامس يبحث في مسألة التراث في الفكر العربي المعاصر، فيتناول قضايا الأصالة والمعاصرة وعلاقتها بالتاريخ والتراث، شارحاً هذه المفاهيم من وجهات نظر متعددة، ومتوقفاً عند فهمه الخاص لكل منها.
فالتراث هو "ما يستمر من قيم وأفكار ومفاهيم وتقاليد وعادات الماضي في توجيه سلوك وعلاقات الناس في الحاضر". والأصالة تعني الهوية الثقافية المستقلة التي تميزنا عن الآخرين. ولكن "لما كان التراث وفهمنا له متعلقاً بانتماءاتنا واتجاهاتنا السياسية بالدرجة الأولى، فإن فهمنا لأصالتنا يتعلق هو الآخر بمصالحنا وأيديولوجياتنا. فأنت إن سألت إسلامياً عن هويته فقد يجيبك: أنا مسلم. وإن سألت قومياً فسوف يجيبك: أنا عربي ... أما الماركسي فقد يعلن هويته الطبقية قبل كل شيء".
لكن الهوية متغيرة بتغير الأزمان، متأثرة بوقائع التاريخ. "لذلك فالأصالة يجب أن تعني القدرة على الاستمرار والتجدد الدائم والحوار النقدي الإيجابي مع المتغيرات الجديدة، لأن الأصالة بغير ذلك جثة هامدة". والنزعات الأصولية التزمتية " تحصر الأصالة والهوية، بل والإسلام نفسه، في وضع جيتوي منغلق، وتعزله ليس عن العالم فحسب، بل وعن التاريخ، حين تجمده في نموذج بنيوي ثابت لا يتغير، وهي تسيء إلى الإسلام تحديداً، حين تقلص آفاقه وإمكاناته بوضعه في معارضة سيرورة التاريخ المتجددة". وحين تكون الأصالة هي الهوية الثقافية القادرة على التجدد والاستمرار، فإنها تصبح صلة الوصل بين التراث والمعاصرة.
فماذا يعني المؤلف بالمعاصرة؟ "هي التفاعل الإيجابي مع الحضارة الراهنة ومنجزاتها ومعاييرها العلمية والتكنولوجية والفكرية والفلسفية والأخلاقية والسياسية، وعدّها إرثاً عالمياً عاماً للبشرية، وبإمكان جميع الشعوب نظرياً الاستفادة من هذه الحضارة بما يتناسب مع حاجاتها، ويتلاءم مع اختياراتها القومية". والحضارة الراهنة، حضارة العصر السائدة، هي دون ريب الحضارة الغربية. فالمعاصرة إذن تقترن بالغرب. لكن صورة الغرب ترتبط بخبرات مؤلمة في الذاكرة العربية، من الحروب الصليبية إلى الاستعمار وتبني الصهيونية "ونهب البلاد والعباد". إضافة إلى ما يسوقه البعض عن تلك الحضارة من اختلالات أخلاقية وإباحية مما يخلق مشكلة وجدانية في علاقتنا مع الغرب.
لكن المؤلف يرى أن الحضارة الغربية ليست شراً كلها، وأن فيها من العوامل والتطورات الإيجابية ما لا يمكن إنكاره حتى من قبل أشد الناس تحجراً. ثم يستنتج ما يلي: "أن نكون أصيلين، أو أن تكون ثقافتنا أصيلة، يعني أن نتمثل هذه العناصر الإيجابية في الحضارة المعاصرة، أي أن نكون عصريين دون تردد. وهكذا نصل تراثنا بالعصر بقوة وثقة ونبرهن على قدرتنا على الاستمرار وتحقيق المعنى الحقيقي للأصالة، وهو القدرة على التجدد والاستمرار، بدل التقوقع والتقهقر".
ويستفيض في مناقشة العلاقة بين التراث والصراع الأيديولوجي والسياسي ليبين أن المواقف من التراث، والتي يمكن نمذجتها نظرياً (سلفي، توفيقي، عصري) أو (تقليدي، عصري)، هي في الواقع متداخلة ومتموجة، بحيث يكون الواقع متصلاً يتراوح بين أقصى أشكال الرؤى سلفية وأصولية وأكثرها عصرية. والمؤلف هنا يرفض النزعة التوفيقية (نأخذ ما يناسبنا ونترك ما لا يعجبنا)، سواء فيما يتعلق بالتراث أو بالثقافة الغربية المعاصرة. إذ لا يمكن على سبيل المثال "أخذ العناصر والنتائج المادية للحضارة الغربية دون مصاحباتها الثقافية والخلقية والسلوكية" كما اقترح مفكرو عصر النهضة العربية.
وفي النهاية يصوغ المؤلف موقفه من المسألة المطروحة على النحو التالي: "فمواجهة مشكلة العلاقة بين التراث والمعاصرة، كما الموقف من كل من التراث والمعاصرة، يتعلق في الواقع بمسألة اختيارنا لمشروعنا السياسي والاقتصادي، وبطابع فهمنا للملابسات والخصوصيات القومية الثقافية والسياسية في كل مرحلة، بما يتيح استقطاب الجماهير وإقناعها بهذا المشروع. ذلك أن الإمكانية العملية لنجاح أي مشروع تغيير اقتصادي وسياسي وثقافي تقدمي عصري، تكمن في كيفية أو في إمكانية تحويل إيمان الجماهير بعقائد أو تقاليد محددة، وتحويل عفوية هذا الإيمان إلى فعل سياسي تقدمي عصري واع".
في الفصل السادس والأخير «الهوية الثقافية والأمن الثقافي العربي» يتحدث المؤلف عن تغلغل الثقافة الغربية في معظم مناحي حياتنا من الزي والطعام والسلوك اليومي، إلى التربية والتعليم والقانون والفن، إلى أحدث النظريات الفلسفية والفكرية في العالم. ويبين بلغة بليغة واضحة أن ذلك التغلغل يجري "بغض النظر عما إذا كان مرغوباً أو غير مرغوب فيه".."وحتى أكثر النساك زهداً في الحياة الدنيا سيجد نفسه معرضاً لوسوسة شيطان المعارف والتكنولوجيا الجديدة والسلع الاستهلاكية الأمريكية المبهرة والمغرية". ولا يمكن بالطبع الاكتفاء بالتكنولوجيا والسلع المادية إذ لابد لهذه أن تجلب معها القيم وأنماط السلوك وأشكال التفكير الملائمة لها.
لكن المؤلف يؤكد أن مشكلتنا تكمن في التأخر والتبعية والتخلف في الواقع الاجتماعي الاقتصادي والسياسي قبل أن تكون في الثقافة. "فالتحديات الأساسية التي يواجهها العرب ليست ثقافية فكرية مجردة، بل هي تحديات اجتماعية اقتصادية وسياسية ملموسة تتعلق بهدر الإمكانيات، بالفقر والبطالة وتدني الإنتاجية ومستوى الإنجاز والأمية والتصحر وتدني مكانة المرأة وعدم إنجاز مهمات التحرر الوطني والقومي". وبالتالي فإن التحدي الثقافي ليس موجوداً لذاته وإنما مصاحباً أو بعداً من أبعاد مشروع اقتصادي وسياسي.
وإذ يبين أن فهم الهوية الثقافية لا يمكن أن يكون خارج التاريخ، وأن هذا المفهوم خاضع للتغير والتطور، يشير المؤلف إلى أن الحضارة العربية الإسلامية حاورت، إبان صعودها، الحضارات الأخرى دون خوف على هويتها، ومنحت الكثير للحضارة الأوربية الحديثة... ليستنتج ضرورة الحوار اليوم مع الحضارة الغربية، بما فيها الأمريكية، حواراً نقدياً إيجابياً، دون الخوف على هويتنا الثقافية. محذراً من أن شعار حماية الهوية الثقافية ومقاومة الذوبان في الحضارة الغربية قد يحمل في طياته "محاربة كل المفاهيم التقدمية الحديثة والمعاصرة كالعلمانية والعقلانية والديمقراطية والتحديث بعدِّها مؤامرة مبيتة على العروبة والإسلام، وفي أحسن الأحوال أفكاراً مستوردة وغزواً ثقافياً".
ويحذر المؤلف في نهاية الفصل من أن المفهوم التقليدي للأمن الثقافي في الحجب والمنع وتقنين الوصول إلى المعرفة يصبح عديم الجدوى، مؤكداً أن ما يضمن أمننا الثقافي هو "قدرتنا الدائمة على التجدد والعطاء والتقدم من خلال الانخراط في العالم والانفتاح على العصر والحضارة المعاصرة لا بالانعزال عنهما".
إن سمير حسن في كتابه "دراسات في الثقافة والمجتمع" صاحب رسالة تنويرية تغييرية تحديثية، ولكنه ليس واعظاً بل هو عالم اجتماع ، يرى الواقع، ويستخلص منه عناصر التقدم أو التخلف، الإيجاب أو السلب، ليشير إلى إمكانات التغيير التقدمي ووتائره وآلياته. وهو يعتمد في دراساته على أهم المصادر والمراجع، ويعرض لمختلف الآراء موثقاً كل نص يستشهد به أو فكرة ليست له. إضافة إلى تلك "الإطارات" الجميلة التي يعرض فيها نصوصاً تناسب المقام لعدد من أشهر وأهم المفكرين والمتخصصين في القضايا التي يطرحها.
"دراسات في الثقافة والمجتمع" كتاب هام للمتخصص وللطالب - ولكل قارئ حصيف .
الدوحة في 3/6/2006
خضر زكريا
مقدمة
"حق الثقافة" مطلب إنساني ذكر لأول مرة كحق أساسي من حقوق الإنسان في "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" عام 1948 حيث يرد في المادة 27 (1): " لكل شخص حق المشاركة الحرة في حياة المجتمع الثقافية، وفى الاستمتاع بالفنون، والإسهام في التقدم العلمي وفى الفوائد التي تنجم عنه". فما الثقافة؟
ليست الثقافة مفهوماً بسيطاً، كما قد يبدو لأول وهلة من كثرة استخدامنا لهذه الكلمة، فهي ليست من نوع المفاهيم الثابتة والواضحة كتلك التي يمكن أن نحصل عليها من الحاسوب، نضغط زراً فتأتينا الإجابة الجاهزة، بل هي مفهوم متعدد ومتشابك العناصر والأبعاد. لذلك، وفي كل مرة نحاول التفكير في الثقافة وعلاقاتها، لابد من أن نعيد تحديد المقصود.
ولعل أفضل طريقة للبدء بالتعرف على الثقافة هي استبعاد ما هو سائد عنها ونفي ما لا تقتصر عليه. فهي ليست كتلة من العلم، أو قمة من المعارف، أو تربية مرهفة، أو تأهيلاً كاملاً، أو اختصاصاً عالياً وحزلقة للعلماء والأدباء، أو سمو الفكر، أو مجالاً مخصصاً للمتميزين، أو التعبير عن الوعي أو الوجدان الطبقي أو الجماهيري.
إن الثقافة أكثر من مجموع كل ذلك، إنها الوجه الثاني لكينونة البشر، فهي الناس في مقابل الطبيعة، وهي أهم ما يميز المجتمع الإنساني عن غيره من التجمعات الحيوانية[1]، فعادات الجماعة ومفاهيمها وقيمها تنتقل تراثاً اجتماعياً إلى الأجيال المتعاقبة، واللغة هي الأداة الرئيسية لنقل الثقافة والتواصل بين أفراد الجماعة، وإن كانت بعض مكونات الثقافة تنتقل أو تتشكل بوسائل أخرى غير اللغة كما هي اليوم حال الصورة وإيحاءاتها في الإعلام والإعلان والفنون البصرية، أو كما هو الحال في أدوات وتكنولوجية الاستعمال الفردي والجماعي والسلع الاستهلاكية المختلفة التي تحمل بذاتها شحنات ثقافية وقيمية.
وتبرز أهمية الثقافة من خلال الدور الأساسي والحاسم الذي تؤديه في حياة الفرد والمجتمع والذي يمكن إجماله في النواحي التالية:
1- توفر الثقافة للفرد، صور السلوك والتفكير والمشاعر، التي ينبغي أن يكون عليها، ولاسيما في مراحله الأولى، بحيث ينشأ على قيم وعادات تؤثر في حياته، بحسب طبيعة ثقافته التي عاش فيها.
2- توفر الثقافة للأفراد، تفسيرات جاهزة عن الطبيعة والكون، وأصل الإنسان ودورة الحياة.
3- توفر الثقافة للفرد المعاني والمعايير التي يستطيع أن يميز في ضوئها ما هو صحيح من الأمور، وما هو خاطئ.
4- تنمي الثقافة الضمير الحي عند الأفراد، بحيث يصبح هذا الضمير فيما بعد الرقيب القوي على سلوكاتهم ومواقفهم، فهي تجاوز للذات، وحاجة للمشاركة وضرورة للذوق والخلق.
5- تنمي الثقافة المشتركة في الفرد، شعوراً بالانتماء والولاء، فتربطه بالآخرين في جماعته بشعور واحد، وتميزهم من الجماعات الأخرى.
6- وأخيراً، تكسب الثقافة الفرد، الاتجاهات السليمة لسلوكه العام، في إطار السلوك المعترف به من قبل الجماعة.
ولكن في الواقع إننا غالباً ما نتحدث عن الثقافة وكأنها بداهة، بينما نحن في معظم الأحيان نعني أموراً مختلفة، وننظر من زوايا نظر مختلفة، ولعل من الصعب أن نضع جردة كاملة بكل الاستخدامات التي عرفها مفهوم الثقافة، ولقد كان الدارسون في بداية خمسينيات القرن الماضي قد أحصوا أكثر من مئة وستين تعريفاً مختلفاً للثقافة[2]، ولا شك أنها اليوم تربو على المئتي تعريف، أما ما تم اكتشافه من الثقافات في العالم فهو يزيد على ثلاثة آلاف ثقافة، تتميز كل منها بخصائص وسمات معينة، كما ذكر أحد الدارسين في ستينيات القرن الماضي[3]. فما الثقافة حقاً؟ وما هي مكوناتها وعناصرها وتجلياتها؟
1- ما الثقافة؟
لم يكتب أحد عن مفهوم الثقافة إلا أشار إلى تعقيد المفهوم وصعوبة الإحاطة الشاملة به من خلال تعريف واف، ونظراً لتعدد تعريفات الثقافة وتنوعها، فإننا سنحاول تقسيمها من حيث التعميم إلى قسمين: الثقافة بالمعنى العام، والثقافة بالمعنى الخاص.
1- الثقافة بالمعنى العام
وهي تلك التي نجدها في التعريفات اللغوية، أو تلك التي تنظر إلى الثقافة ظاهرة إنسانية اجتماعية شاملة، ولا تتعلق بجماعة محددة، ففي اللغة العربية نجد ثقف بمعنى ظرف وصار حازقاً، والثقاف ما تسوى به الرماح، وهذا المعنى لم يعد له قيمة منهجية في الدراسة العلمية للثقافة أو فهمها اليوم إلا إذا أخذناه بمعنى التشبيه والاستعارة في اللغة. وتعني الثقافة الحذاقة، وفهم الكلام بسرعة، والتمكن من الفنون والعلوم والآداب كما يرد في المنجد. ويعرفها مجمع اللغة العربية بأنها كل ما فيه استفادة للذهن وتهذيب للذوق وتنمية لملكة النقد والحكم لدى الفرد والمجتمع.
في أوربة لم تأخذ الكلمة معناها الحالي حتى فترة متأخرة، حيث يشير عالم الاجتماع الكندي "غي روشاي" إلى أن الثقافة بالفرنسية كانت تعني الطقوس الدينية في القرون الوسطى، ثم أصبحت تعبر عن فلاحة الأرض في القرن السابع عشر، وعبرت عن التكوين الفكري في القرن الثامن عشر، وفي ألمانية أشارت الكلمة إلى التقدم الفكري بينما عنت الحضارة الجانب المادي.
في الواقع إن مفهوم أو كلمة "مثقف" لم تظهر في الأدبيات والفكر حتى أواخر القرن التاسع عشر، وكان ذلك في فرنسة بصدد قضية دريفوس الشهيرة حين صدرت مقالة للروائي الفرنسي إميل زولا[4] تحت عنوان "إني متهم" عام 1898م، يدافع فيها عن الضابط اليهودي الفرنسي دريفوس[5] المتهم بقضية تجسس تبين فيما بعد أنه بريء منها ، وعندما وقع حوالي ألف من المفكرين وأساتذة الجامعات والثانويات عريضة في الاتجاه نفسه، سميت حينئذ "تعبئة عامة للمثقفين". ثم عرف فيما بعد في الأدبيات بـ "بيان المثقفين". عندئذ ظهرت كلمة ومفهوم المثقف لأول مرة.
إن مفهوم الثقافة كما نتداوله اليوم في العلوم الاجتماعية هو مفهوم حديث لا يرقى لأبعد من القرن الثامن عشر، فمنشؤه ومرجعيته هو الفكر الغربي الحديث، ولذلك هناك من يعترض على إدراج المفهوم بمرجعيته الغربية في نسيج اجتماعي مغاير كالمجتمع العربي الإسلامي (الإطار 1).
ولكن الاستخدام الاصطلاحي لكلمة ثقافة في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا لا يقتصر على التهذيب أو تقدم المعرفة، كما لا يقتصر على الأدباء والمفكرين وما يطلق عليه اسم «المثقفين» باعتبارهم حاملي الثقافة أو منتجيها، كما في "بيان المثقفين" الشهير. وليست الثقافة مفهوماً فكرياً بحتاً محدودة (بالفكر) أو بما يتعلق بالمعرفة الراقية التي يحملها أو ينتجها أشخاص متميزون، بل الثقافة مفهوم عام جداً. إنها أسلوب الحياة السائد في أي مجتمع بشري، من التجمعات البشرية الأولى حتى أكثر المجتمعات المعاصرة تقدماً، فلكل شعب طريقته في الحياة وفي رؤية العالم وتلك هي ثقافته. فمفهوم الثقافة يشمل كل نتاج إنساني من وسائل الإنتاج البدائية إلى الأدب والفن والميثولوجيا والدين والأخلاق وجميع مظاهر الحياة الاجتماعية من لباس وسكن وطعام وشراب وآداب المائدة وغير ذلك من المظاهر المادية، وكذلك طقوس ومظاهر التعبير والتواصل الإنساني .
في الواقع إن مفهوم الثقافة بالمعنى العام هذا يعتبر من أكثر المفاهيم الاجتماعية اتساعاً وشمولاً وبعداً عن التحديد؛ فقد امتد بعض التعاريف ليشمل كل شيء وكل أثر إنساني في الطبيعة، فهي كل ما تضيفه العبقرية البشرية إلى الطبيعة لتعديلها وإنمائها واستخدامها، ونتذكر في هذا الصدد كيف وضع عالم الأنثروبولوجيا الشهير"كلود ليفي شترواس" الثقافة في مقابل الطبيعة، مقابلاً "النيء بالمطبوخ" باعتبار الثقافة حادثاً نوعياً بالنسبة إلى الحادث الطبيعي، حيث الطبيعة هي النظام بذاته بينما الثقافة هي انعكاس هذا النظام والسيطرة عليه بالفكر البشري. بحيث يمكننا القول: إن الثقافة هي الكل المركب من كل ما نفكر فيه، أو نقوم بعمله أو نمتلكه، كأعضاء في مجتمع. ويرى جيمس سبرادلي في هذا الصدد أن ثقافة المجتمع، تتكون من كل ما يجب على الفرد أن يعرفه أو يعتقده، بحيث يعمل بطريقة يقبلها أعضاء المجتمع.. إنها تنظيم الأشياء والسلوك والانفعالات في شخصية الإنسان، وبشكل أساسي هي ما يوجد في عقول الناس من أشكال ومتخيلات لهذه الأشياء.
فتتضمن الثقافة برأي معظم علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا (تايلور، سبنسر، كروبر) العناصر اللامادية كالمعرفة والعقيدة والفن والأخلاق والقانون والعادات والأعراف والأفكار واللغة، وتهيئ هذه المكونات منظومة من الأجوبة على المسائل التي تطرحها الطبيعة والمجتمع على الإنسان وتكون رؤيته المميزة للعالم. ونجد عند عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي المعاصر (كيلفورد غيرتز) تشبيهاً طريفاً للثقافة بالجينات الوراثية ( DNA ) فثقافة المجتمع تزودنا بمسودة أو طبعة أولية يمكن بمقاييسها أن تتخذ العمليات الخارجية بالنسبة إليها شكلاً محدداً، فنظام القواعد في سلسلة من الجينات مثل نظام القواعد في ثقافة ما. بمعنى أن معرفتنا لثقافة ما تزودنا بتوقعات لسلوك أبناء هذه الثقافة وفي هذا الصدد يقول غيرتز: "....مهما تغيرت الحضارات في المستقبل - فإن الأبعاد الأساسية لشخصيتها، وبنية الإمكانات التي ستتحرك ضمنها دائماً بمعنى ما: قد شُكِّلت في الفترة المبدعة، عندما كانت في بداية تكونها[6]. وبهذا المعنى رأى عالم الاجتماع الأمريكي الشهير (بارسونز) أن الثقافة هي الأساس المكون للسلوك والفعل الاجتماعي.
رغم كثرة التعريفات وتنوعها، وربما بسبب ذلك، ظل مفهوم الثقافة صعب التحديد، فالمؤتمر العام الثقافي لحكومات أوربة الشرقية المنعقد تحت إشراف منظمة اليونيسكو في هلسنكي في شهر حزيران من عام 1972، بالرغم من تركيز اهتمامه على الحفاظ على الهوية الثقافية للقارة الأوروبية، لم يستطع الاتفاق على تعريف للثقافة التي يجدر الحفاظ عليها. ولكن بعد ذلك بعشر سنوات في إعلان مكسيكو (6آب 1982)، نجد المجتمعين يتفقون على تعريف عام ينص على أن الثقافة بمعناها الواسع يمكن النظر إليها على أنها: «جميع السمات الروحية والمادية والعاطفية، التي تميز مجتمعاً بعينه، أو فئة اجتماعية بعينها. وهي تشمل: الفنون والآداب وطرائق الحياة.. كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان، ونظم القيم والمعتقدات والتقاليد».
2- الثقافة بالمعنى الخاص
هي عندما تكون محددة ومتعينة وذلك عندما نلحق الكلمة (ثقافة-الثقافة) بمجال أو مفهوم ما آخر، شخص أو جماعة أو المجتمع بأسره، أو عندما تتعلق برسالة مؤسسة كالجامعة أو الحزب أو الدولة، أو بأشكال اكتسابها، أو باعتبارها نتاجاً خاصاً ومميزاً (بكسر الياء) لكل من هذه المجالات. إن مفهوم الثقافة عندئذ يتبدل ويتعدد أكثر ولكنه يصبح أكثر وضوحاً وتحديداً.
ماذا نعني بالثقافة، مثلاً، عندما نقول " امرأة مثقفة- رجل مثقف" أو "الإشعاع الثقافي" أو " التحرر الثقافي" أو "التنمية الثقافية" أو "البعد الثقافي للتنمية" أو "المشروع الثقافي" أو "السياسة الثقافية" أو "الصناعة الثقافية" أو "ثقافة الأمة" أو "التنشئة الثقافية" أو "تبعية ثقافية" أو "تخلف ثقافي" أو "غزو ثقافي" .........إلخ؟
مثل هذا السؤال، وهذه العبارات، يحيلنا إلى مفهوم الثقافة بالمعنى المحدد، وذلك عندما نربط الثقافة بمفهوم آخر، فرداً أو جماعة أو مجتمعاً، أو صفة، أو آلية-عملية ما. ويجعلنا أكثر اقتراباً من الثقافة بالمعنى الخاص.
1- فعندما ترتبط الثقافة بالفرد الشخص، عندما نشير إلى شخص بأنه "مثقف" فإنها تعني سعة أفقه المعرفي واهتمامه وسعيه إلى تطوير مواهبه وأفكاره ومعارفه بدراسة الآداب والعلوم والفنون والسياسة ومدى تحصيله منها، وما هي اتجاهاتها في التصنيفات السائدة؟ دينية علمانية سلفية حديثة.....إلخ.
2- وإذا ربطنا الثقافة بصفةٍ معينة، فإنها تعني المعارف الخاصة بتلك الصفة، حيث تشير إلى نوعيتها أو مضمونها. كأن ترتبط بالتركيز على مجال معرفي ما، فتكون "ثقافة" أدبية، أو موسيقية، أوفلسفية، أوعلمية، أو سياسية.....إلخ.
3- وحين نضيف كلمة ثقافة إلى آلية ما كطريقة اكتسابها تكون إما ثقافة كتب أو ثقافة إعلام جماهيري أو ثقافة إنترنت، أو تكون ثقافة تعليم منظم (مدرسي أو جامعي) أو ثقافة تجربة ذاتية.....إلخ.
4- أما عندما نربط الثقافة بعملية اجتماعية مركبة وموجهة ما ، كالمشروع الثقافي أو التخطيط الثقافي أو التنمية الثقافية، فإنها تشير عندئذ إلى القيم والمفاهيم الاجتماعية المحددة المرغوبة والمطلوب نشرها وترسيخها في المجتمع لدى أفراده أو مؤسساته كالقيم الاشتراكية أو الليبرالية أو القومية أو الوطنية المحدودة...إلخ
5- وعندما نذكر الثقافة باعتبارها بعداً من أبعاد السيرورة الاجتماعية، كأن تكون مثلاً، بعداً من أبعاد العولمة، فإنها عند ذلك تعني "المعنى العلمي الاجتماعي المألوف: جملة المعتقدات، القيم وأنماط الحياة لدى الناس العاديين في حياتهم اليومية"[7].
6- وقد تتصل الثقافة بموضوعات ومفاهيم فريدة ومحددة، كالعمل والديمقراطية والمواطنة والحوار فتشير عندئذ إلى نوع من الإحاطة بهذه المفاهيم وطبيعتها ومكوناتها وعناصرها ومتطلباتها وشروطها وتاريخها، كـأن نقول "ثقافة المواطنة"، "ثقافة الديمقراطية"، "ثقافة الحوار"، "ثقافة العولمة"......إلخ
7- وعندما ترتبط الثقافة بإصدار أحكام أو بتحديد قيمتها وأهميتها بالنسبة إلى الإنسان الفرد العضو في المجتمع فإنها حصيلته من المعارف والأفكار والاطلاعات والذوق التي تؤدي إلى:
أ- توسيع أفق الفرد وجعله أكثر قدرة على التكيف الاجتماعي في المجتمع أو بيئة العمل أو المجتمعات التي يمكن أن ينتقل إليها.
ب-تجعل المرء أكثر قدرة على فهم ما يدور حوله وأكثر تمكناً من قدراته الذاتية العقلية والتحليلية.
ج-الثقافة (بمعنى الاطلاع والمعرفة خارج المهنة أو التخصص الضيق) تجعل الفرد أكثر قدرة على الاستيعاب والإبداع وأوسع آفاقاً في مجال المهنة أو التخصص الذي يعمل فيه، وأكثر قدرة على توظيف ما تعلمه وتلقاه في الواقع الحقيقي.
د- تخفف التعصب والانغلاق، وتجعل الشخص أكثر قدرة على التفاهم والحوار والتواصل والتعامل مع الآخر.
هـ-توسع خيارات الفرد، وتجعل الإنسان أكثر حرية وأكثر قدرة على الاختيار وعلى المشاركة الاجتماعية بما تتيحه له من معرفة واطلاع.
و- الإنسان الأقل ثقافة، الأقل معرفة واطلاعاً، أقل حرية، وأقل قدرة على التحرر من الانغلاق على الذات، وأقل قدرة على الاختيار والمشاركة الاجتماعية.
هكذا نجد أنه إلى جانب مفهوم عام وعناصر ومكونات عامة في الثقافة، فإن للثقافة خصائص متبدلة وطارئة بقدر ما تكون متعينة في الواقع ومتصلة بمجالات محددة شخصية أو معرفية، بقدر ما تحدث من تغيرات حاسمة ومن تطلعات وآمال جماعية أو فردية. ويعمق ذلك اليوم أن السياسة والقانون والعلوم والتكنولوجيا، وبفعل التعليم والإعلام، باتت تتدخل بقوة في مفهوم الثقافة التقليدي، فتعدله وتغيره بشكل يبدو متناقضاً، بحيث تظهر الثقافة اليوم كثقافة مشتركة بقدر ما هي ثقافة متنوعة وشخصية. (الإطار 2).