مقدمة
ثلاث سنوات كانت رحلة هذه السلسلة حتى اكتمالها، أتحمل الجزء الأكبر من مسؤولية التأخير بسبب عملي خارج مصر، واقتصار اجتماعاتنا المحورية على فترات زيارتي للقاهرة. ولم يكن الدكتور عبد الوهاب المسيري متعجلاً عليها في البداية، فكعادته كان يعمل على عدد من الكتب يريد الانتهاء منها أولاً، ولكن بعد أن أخذت السلسلة شكلها النهائي اشتد إلحاحه على إصدارها، وأخذ يشير إليها في معظم لقاءاته، وحدد أيلول/سبتمبر ألفين وثمانية موعداً زمنياً أقصى لصدورها، وجاء أيلول/سبتمبر ولم تأخذ طريقها للمطبعة. وتجمد الورق بين أيدينا مع غياب صاحبه عن متابعة التفاصيل، ولكن بقي كلام الدكتور المسيري قبل رحيله فيما يتعلق بالحوارات يلح علينا لننجز ما أراد أن يراه بين دفتي سجل في وقت يقترب مما كان مخططاً له.
فالمسيري كان شغوفاً بتقديم مسيرته الحياتية والفكرية ورؤاه لأكبر عدد من الناس من غير المتخصصين أو المهتمين، وكانت إحدى أهم رسالاته توسيع قاعدة المعرفة؛ لأنها اللبنة الأساسية لتوسيع قاعدة المشاركة. وجاء أسلوب الحوارات، الذي بُني على صيغة السؤال والجواب يمثل صورة مثلى لسعي الدكتور المسيري الدائم إلى تبسيط القضايا مما يساعد على سهولة انتشارها ووصولها إلى القاعدة العريضة من القراء.
وهذا العمل يبلور شخصية الدكتور عبد الوهاب المسيري الموسوعية المتعددة الاهتمامات من فكر ومعرفة إلى تاريخ وفلسفة مروراً بالثقافة والفن والسياسة. فمع غزارة إنتاج المسيري ظل اسمه مرتبطاً بموضوعات اليهود واليهودية والصهيونية والغرب وما يطرحه من إشكاليات. ويجهل غالبية الناس ما للمسيري من إسهامات فكرية وفلسفية في حقول أخرى متنوعة، يأتي على رأسها مجال تخصصه الأساس الأدب الإنجليزي، وكذا قصص الأطفال وكتابة الشعر، وهذا ما تحاول هذه السلسلة إلقاء الضوء عليه من خلال عرض الجوانب الحياتية والفكرية بشكل شامل بعد أن سبق عرضها عبر مؤلفات متخصصة تصب اهتمامها على قضايا بعينها.
كما أن هذه السلسلة فرصة لطرح آراء المسيري في قضايا لم يصدر فيها مؤلفات، وقد لا تكون محل اهتمام كبير في اللقاءات الإعلامية على أهميتها وقيمة ما يطرحه فيها المسيري من آراء، كالحب والفن والأغاني والقضايا السياسية ومشكلات الأحزاب وغيرها. وتنبع أهمية رأي المسيري في هذه القضايا من زاوية نظره وقراءته لها، حيث يضع كلاً منها في سياق خاص وآخر عام فيشكل منها نموذجاً، أو يضعها هي داخل نموذج تفسيري. فهو يسقط رؤيته الكلية على الأحداث التي قد تبدو مجرد تفاصيل عابرة أو سطحية، ولكن بعد إخضاعها للنظرة المتفحصة نجد أنها جزءٌ من منظومة يريد من يقف خلفها ويتبناها أن تسود، ونحن بدورنا نقف أمامها إما مقلدين عن غير وعي أو ناقلين منبهرين. ويحاول المسيري بمنهجه أن يدفع كلاً منا ليفكر قليلاً قبل أن يختار، ولو البسيط من الأمور أو السلوك أو الآراء، ليعرف أولاً ما هو النموذج الكامن وراء ما يفعل، وما هو النموذج الذي يجب أن يتبناه ويستبطنه.
وتضم هذه السلسلة في ثناياها عرضاً لأهم محطات المسيري الحياتية والفكرية، وإنجازه الموسوعي اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد، والظروف التي أحاطت بالعمل، والصعوبات التي واجهها، وردود الفعل والانتقادات التي وُجِّهت له، وكيف استقبل العامة والخاصة هذا العمل الذي استثمر فيه جهداً لما يزيد على ربع قرن من عمره، وكذلك اجتهاده المميز وغير المسبوق في الاهتمام بقضيتين مصيريتين بحكم تحديات الواقع المُعاش الآن وهما المجاز والعلمانية. كما تضم عرضاً لآرائه في واقع حال مصر والأمة العربية والإسلامية، وكذا رؤيته لحال الفكر والثقافة والمثقفين العرب، إلى جانب نظرياته المتعلقة بالزواج وتجربته الشخصية التي استمرت ما يقرب من خمسين عاماً ولم تفقد حيويتها. مع ذلك لا يمكن القول إن هذه السلسلة تختصر المسيري فكراً ومسيرة، إذ لم تصل لمستوى حصاد حياته ولم يكن هذا هو الهدف منها في الأساس، ويمكن وضع هذا العمل في إطار التقديم والتعريف بتجربة ثرية كمسيرة عبد الوهاب المسيري، فهو يعرض بكثير من التفصيل الملامح العامة لهذا الموسوعي متعدد الاهتمامات.
وقد شكّل هذا التنوع إحدى الصعوبات التي واجهتني في أثناء عمليات التصنيف والحذف والإضافة، فهناك ما كنت أراه تكراراً لبعض الأفكار ضمن الإجابات عن أسئلة تحت عناوين مختلفة، وكنت أميل إلى حذفها من بعض المواضع والحفاظ عليها في أكثر العناوين ارتباطاً بها، لكن ذلك أثّر بطبيعة الحال على مضمون الفكرة، وناقشت ذلك مع الدكتور المسيري فرفض الحذف ووضح ما كان معروفاً من أن وحدة الرؤية النابعة من مرجعية نهائية لا تعني هنا تكراراً وإنما هي وضع الحدث في سياقه العام المفسر. فالرؤية التي تحكم المسيري رؤية شاملة يتم إسقاطها على العناوين المختلفة مما يدعم تأكيدها ويساعد على تفسير الحدث ليس في ذاته فقط بل وفي ارتباطه بالأحداث والقضايا بمجموعها. وهذه إحدى سمات فكر المسيري الذي يتعامل مع قطاعات المعرفة المختلفة برؤية ومرجعية حاكمة قادته للتفسير والحكم على ما يتعرض له من قضايا فلسفية معرفية فكرية.
هذا على مستوى الرؤية، أما على مستوى الأحداث والأمثلة فقد تكرر الأمر نفسه، حيث يمكن للمثال أن يكون معبراً وشارحاً لعدد من القضايا، وهو ما دفعنا إلى استخدام حدث ما أو مثال شارح في أكثر من موضوع متعلق، مع مراعاة أن زاوية النظر تختلف من موضع إلى آخر.
وهناك مشكلة أخرى واجهتُها في أثناء التحرير؛ إذ تشتمل هذه السلسلة على عديد من الموضوعات؛ بعضها جاء ليعالج قضايا عامة، ومن ثم لم تكن هناك مشكلة في التعبيرات والكلمات المستخدمة فيها، وبعضها كان متخصصاً وهنا تجلت قضية المصطلحات والمفاهيم والأفكار التي تدخل في إطار التخصص والتي قد تربك غير المتخصصين. وكان أمامنا إما تجنب كل المصطلحات ذات الصبغة التخصصية أو التعبير عنها بلغة عامة تتناسب وعوام الجمهور. واخترنا طريقاً ثالثاً وهو الحفاظ على التعبيرات والآراء والمصطلحات المتخصصة على أن تأتي ضمن سياق لغة بسيطة وأفكار ورؤى واضحة، لأن حذف كل المصطلحات قد يدفع بالموضوع إلى العمومية أو التهميش. وقد ساعدنا على استخدام هذا النهج أسلوب المسيري في الكتابة والتخاطب بوجه عام والذي يتميز بسهولة وبساطة لا يخلان على الإطلاق بعمق ما يطرح، بل على العكس تماماً فهما يؤكدانه ويكرسانه.
وها هي ذي السلسلة اكتملت بعد أن كانت فكرة أتت في أثناء زيارة لي للدكتور المسيري، وكنت أناقشه في كيف يمكن للإعلام أن يضيف جديداً ليس على مستوى الحضور العام للضيف فقط وإنما على مستوى الفكر أيضاً، وكيف أن بعض اللقاءات التي أُجريت معه كانت ذات قيمة عالية وبعضها الآخر -وإن كان رصيناً - جاء مفتقراً إلى العمق، وأن بعض المحاورين نجح في أن يخرج من الدكتور عبد الوهاب المسيري ما يمثل إضافة حقيقية بعيداً عما سبق نشره من أعمال متوافرة في المكتبات العامة أو على الشبكة الإلكترونية، ومثل هذه اللقاءات جديرة بإلقاء الضوء عليها. ووافقني الدكتور المسيري في ذلك -وإن اختلف معي في تقييم المفيد من غيره فيما أجراه من لقاءات إعلامية- حيث كان من أشد المهتمين بالإعلام والمحدثين بقيمته وأثره. وهنا سألته: لماذا لا تعطيني كل الحوارات التي أُجريت معك أجمعها وأصنفها وأضعها في كتاب لنَرى الجمهور وحكمه إلى أي منا سيميل؟ فرحب بالفكرة ثم طوّرها لتكون تلخيصاً للمسيرة الفكرية والمعيشية عن طريق السؤال والجواب... وبدأت الرحلة.
وافاني الدكتور المسيري بما يحتفظ به من لقاءات وحوارات وما كتب عنه وعن أعماله منذ ستينيات القرن الماضي حتى تاريخ لقائنا. والمدهش، وإن كان متوقعاً، أن الأسئلة عن أهم القضايا التي طُرحت للنقاش كانت تتكرر على مدار أربعة عقود. وإن شئنا الدقة قلنا إن الأسئلة والإشكاليات موضع الجدل، والسجالات الفكرية والسياسية الدائرة في العالم العربي والإسلامي منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى أوائل القرن الحادي والعشرين؛ هي ذاتها، حيث لم يتم حسم الموقف من هذه القضايا بعد. وجدير بالملاحظة أيضاً أن المحاولات الجادة للدكتور عبد الوهاب المسيري في تفكيك الظواهر وتفسيرها لم تتوقف على مدار العقود الأربعة ولم تتحول إلا بقدر تبلور رؤيته، مما أدى إلى تعميق نظرته ووضع الأحداث داخل سياق واضح المعالم سهّل قراءتها وتفسيرها. ولم يقف المسيري عند هذا الحد الذي يشترك فيه كثيرون وإنما حاول بناء نماذج يمكن من خلالها توليد بديل أو بدائل يمكن اتباعها للخروج من التيه وإنجاز التحقق الإنساني.
والملاحظ أن رؤى المسيري تحفظ للإنسان توازنه الذي قد يفقده تحت وطأة الأحداث والتطورات المتسارعة التي يشهدها الواقع المحيط عن طريق إخضاعها لقراءة تفسيرية. فالتفسير لدى المسيري هو أهم مراحل الفهم، ولهذا اتبع منهجاً تفسيريّاً مبنيّاً على التحليل والنقد الذي يجعل الفرد كائناً أمام الآخر وليس مجهولاً أو مهملاً.
ومن هنا كان تأكيده الدائم على قيمة الهوية ودورها، ليس في حماية الأمة فقط بل وفي تقدمها. وشكّلت الهوية أهم عناصر النموذج الذي حاول المسيري صكه للبناء وللإعمار، وهو نموذج مستلهم من البيئة العربية والإسلامية غير مهزوم أمام الآخر. وفي هذا السياق أتت الانتفاضة لتستحوذ على إعجابه الشديد لا باعتبارها مجرد مشروع للمقاومة والتحرير - وهي قيمة في حد ذاتها ومدعاة للفخر - بل باعتبارها أيضاً نموذجاً خلاقاً يقف بقوة أمام النموذج الاستهلاكي الغربي الدارويني. فقد قدّم الفلسطينيون من خلال الانتفاضة مثالاً مميزاً للقدرة على التكيف مع الواقع، والاستفادة من مقومات الطبيعة الفلسطينية، والعودة للمخزون الحضاري في لاوعي الإنسان العربي، ثم إبداعها في إحياء التراث واستحضار حكمة الأجداد. ومن ثم شكّلت الانتفاضة عودة للمعجم الحضاري الإسلامي واستخدامه على النحو الأمثل مع مواكبتها للعصر وتطورها مع الحدث الآني، فقدمت بهذا نموذجاً للحياة والتنمية أسماه المسيري "نموذج التكامل غير العضوي". وما كان ليتأتى للمنتفضين القيام بذلك لولا إحساسهم بقيمة ذواتهم وتحققهم أمام عدوهم، حيث عرفوا نقاط ضعفه وما أصبح عليه، واختبروا إمكاناته الحقيقية على أرض الواقع ولم يستسلموا للصور والأفكار السائدة، وإن لم يدرك كثيرون منهم ذلك بعقله الواعي، فانتصار الانتفاضة نابع من تحقق الهوية الفلسطينية.
ومن هنا كان دفاع المسيري عن الهوية - لكونها السلاح وبداية الطريق - ليس من باب الكلام المرسل أو الشعارات التي يرددها بصدق كثير من مثقفي الأمة، وإنما عن دراية بسبل تأكيد الهوية. فقد رأى المسيري أن أولى خطوات النهضة هي إعادة الثقة فيما نملك، فلدينا قيمة مطلقة من استخلافنا في الأرض إلى جانب قيم واقعية متمثلة في الموروث الحضاري والقيمي. وثانية الخطوات هي إعادة تعريف الآخر وفقاً لما يطرحه والنتائج التي يحصدها من هذا الطرح، وعدم الاكتفاء بتعريفه وفقاً لما يفرضه هو من تحيزات، ثم الوقوف والتحرك في الحاضر صوب مستقبل تسوده قيم الإنسانية المشتركة وليس الفردوس الأرضي المزعوم.
ولم يكن المسيري لينجز كل ما أنجزه على صعيد الفكر والمعرفة لولا إدراكه لقيمة الإنسان ومقدرته على الحركة والاختيار الحر. فقد كانت المسيرة دائماً مسكونة بالأحداث والتفاصيل، وبعض هذه الأحداث فقط يمثل المحطات الرئيسية في الحياة ويحدد اتجاه الإنسان، وبعض من هذه المحطات يحدد توجهاته وتحولاته. وتكتسب التفاصيل أهميتها بقربها أو بعدها من المحطات أو التحولات الفاصلة، والتفاصيل ليست بالقليلة في حياة ابن دمنهور كما أن المحطات هي الأخرى كثيرة، إلا أن حياته لم تشهد كثيراً من التحولات، وما حماه من التقلبات والتحولات الكثيرة أنه امتلك منظومة أخلاقية وقيماً عامة صاحبته عبر مسيرته، كما أنه وضع لرحلته الفكرية هدفاً نهائياً حدده منذ البداية، وهو ما أعانه أيضاً على أن يكتشف الطريق الذي منحه الإجابة عن جل تساؤلاته، فاختاره وسار فيه.
ولم يكن المسيري يستطيع العيش خارج نسق يفسر سلوكه ويحكمه، ويفسر له ما يحدث من حوله، ولذا تولدت لديه أسئلة وجودية شغلته منذ كان يافعاً وبقيت معه وتطورت بتطوره، وطرق عدداً من الأبواب الإيديولوجية بغية الرد عليها إلى أن أدرك وجود الله المتجاوز للسطح المادي، فآمن إيمان الواعي المدرك المحب، ليشكل تحوله من ضيق المادية إلى رحابة الإنسانية، والإيمان التحول الأهم في حياته. وإذا كان البعض يراه أحد التحولات، فإنني أميل إلى القول إنه التحول الوحيد على مستوى المسيرة الفكرية.
أما على مستوى تحوله من الأدب الإنجليزي إلى اليهود واليهودية والصهيونية فلا أراه إلا انتقالاً أو لِنَقُل تغييراً في الأولويات وليس تحولاً بالمعنى الحرفي للكلمة، فالأدب الإنجليزي كان المدخل الرئيسي لإدراك الدكتور عبد الوهاب المسيري لمضامين نهاية التاريخ ووحدة الوجود المادي في الغرب في أثناء إعداده للدكتوراه في شعر وليام ورذورث وولت ويتمان شاعر الديمقراطية الأمريكية كما يدعي الخطاب التحليلي الأدبي الأمريكي، وهذه الرؤية فسّرت له طبيعة الصهيونية ومنطلقاتها. كما أنه لم يهجر الأدب الإنجليزي أو يتهجم عليه؛ بل ظلت علاقته به قوية لكنها ثانوية في إطار اهتماماته.
ومن خلال إدراك المسيري لمعنى الله المتجاوز استطاع أن يضع نماذجه التفسيرية التي تحدد علاقة كل من الخالق والإنسان والطبيعة أحدها بالآخر، ومن ثم أصبح بالإمكان قراءة الأحداث، على تنوع مجالاتها وساحاتها بين فكر ومعرفة وسياسة وأدب وفن وثقافة، من خلال وضعها داخل نماذج فضفاضة لا تنغلق على ذاتها. وأُومن أن النماذج التي وضعها المسيري تعتبر من أهم إنجازاته الفكرية. وإذا كان قد حقق إنجازاً غير مسبوق في دراسته التشريحية لليهود واليهودية والصهيونية فإن نجاعة هذا التشريح جاءت عبر قراءتهم من خلال نماذجه التي يمكن تطبيقها على معظم ما يحدث في العالم. وعليه فمن غير المستغرب أن تدخل أغنية لروبي أو نانسي عجرم ضمن إطار هذه النظرة الفلسفية لأنهما خضعتا للنموذج ولم تقفا عند حدودهما الذاتية كإحدى تجليات الفيديو كليب بل هما من تبديات التحيز للنموذج الغربي وما فيه من مضامين تحاول تطبيع الجنس وإعادة الإنسان إلى ذاته وغرائزه.
وفي هذا الجانب أقر بأن النماذج كانت بحاجة إلى مساحة وتعميق أكثر بكثير مما أتت عليه، ولكن السعي للإيجاز وتقديم الأهم داخل كل عنوان كان هو المعيار الحاكم. وتبقى مؤلفات المسيري وما فيها من شرح وافٍ معيناً لمن يرغب في الاستزادة.
وكانت هذه السلسلة في الأساس تجميعاً للِّقاءات التي أُجريت مع المسيري منذ أواخر الستينيات، فقمت بتصنيفها وتبويبها طبقاً للموضوع، ثم رتّبت الأسئلة تحت كل عنوان فتَكَوّن هيكل لبعض الموضوعات وعظام متناثرة لبعضها الآخر، في حين أخذ قليل منها شكله النهائي. وعرضت الناتج على الدكتور عبد الوهاب المسيري الذي رأى أنه نواة لعمل جامع، واقترح أن نضيف إليه المحاضرات والندوات إلى جانب اللقاءات التلفازية، وساعدت الأسئلة والأجوبة المضافة في ملء بعض الفراغات، لكنها أيضاً طرقت عناوين جديدة تمت إضافتها، فأخذ كل موضوع ملامحه ولكن بقيت المعلومات الواردة تحت كل عنوان كحاملات الجسور تحتاج إلى وصل المسافات وملء المساحات فيما بينها، وتم ذلك من خلال جلسات بيني وبين الدكتور المسيري والدكتورة هدى حجازي وأخرى دعا إليها الدكتور عبد الوهاب المسيري عدداً من تلاميذه الذين ناقشوا عدداً من الموضوعات التي كانت بحاجة إلى استكمال. وجاءت أسئلة واستفسارات الحضور ووجهات نظرهم وإجابات الدكتور المسيري لتكسو العظام لحماً فتجسدت الحورات في شكلها قبل النهائي، وعند هذه المرحلة أصبح الموضوع هو المركز بعد أن كان التركيز في البداية ينصب على النقاط الرئيسية والأسئلة محل اهتمام الإعلام واللقاءات.
ولم يكتف الدكتور المسيري بذلك، بل قام بتوزيع الأبواب والفصول على تلاميذه وأصدقائه كل حسب اهتمامه وتخصصه ليطرحوا ملاحظاتهم ويضيفوا من الأسئلة والنقاط ما يرون أنه قد فاتنا ونحن في زخم الانفعال بالعمل. لتعود مجتمعة للمراجعة وإعادة ترتيب الأسئلة والإضافة والحذف مرة ثانية وثالثة وقبل نهائية ونهائية. ولقد استفدت أيما استفادة من أسلوب المسيري في إنجاز أعماله الفكرية على مستوى الجهد والتدقيق، وأيضاً الرحلة المارثونية لمادة هذه المجموعة بين عدد من المعنيين والمهتمين، التي لم تقتصر على إثراء الأفكار وملء الفراغات بما أضافه كلُّ من وُضعت المادة أو جزء منها بين يديه وحسب، بل كانت رحلة عبّرت عن ذكاء المسيري التاجر بحكم الوراثة، فردود الفعل الآتية من أشخاص مختلفين كانت نموذجاً لما يمكن أن يكون عليه استقبال الجمهور عبر عينة كاشفة من الأصدقاء والأبناء والتلاميذ.
ونتيجة لذلك، كانت هذه السلسلة تجميعاً للحوارات التي أجراها صحفيون وإعلاميون ومتخصصون ومهتمون عبر محاضرات أو ندوات أو لقاءات إعلامية، مضافاً إليها ما قام به أبناء المسيري وتلامذته من استكمال الموضوعات، ولذا فهو ثمرة مجهود جماعي قمت فيه بدور المنسق والمحرر، فالشكر هنا واجب ومستحق لكل من أجرى حواراً أخذناه كاملاً أو وزعناه على عدد من الفصول، والشكر لكل من طرح سؤالاً كان له أثر في لفت النظر إلى تعدد اهتمامات المسيري أو فتح لنا باباً لفكرة جديدة. وفي هذا السياق أشكر الدكتور أحمد عبد الحليم عطية الذي كانت حواراته مع الدكتور المسيري خير معين لنا، والشكر كل الشكر لمن واكب هذا المشروع فكرة وجمعاً حتى نهايته بمجهود بحثي أو نقدي، وكل من منحه من وقته واهتمامه، وأخص بالذكر الأبناء الأدبيين (إن جاز التعبير) للدكتور المسيري: الدكتور محمد هشام، والدكتورة جيهان فاروق، والدكتور ياسر علوي. ولا يفوتني هنا تقديم الشكر للسيدة منى البقلي التي بدأت رحلة جمع الأحاديث الصحفية وتصنيفها وبذلت في ذلك جهداً كبيراً. كما أتوجه بالشكر إلى السيدة أماني عزت التي تولت كتابة المخطوطة على الحاسوب، وكذلك إلى جميع العاملين في مكتب الدكتور عبد الوهاب المسيري على ما قاموا به من متابعة ودور محمود في إتمام العمل؛ فشكراً للأستاذ فضل عمران والأستاذة دينا رمضان.
وشكر خاص إلى الدكتورة هدى حجازي، التي كانت رفيقة الفكرة، وشريكة الجلسات، وصاحبة الفضل الأكبر في إكمال رحلة الحوارات بإشرافها على متابعة النسخة الأخيرة وطباعتها، فلها التحية والتقدير الكبيران لشخصها أولاً ولإصرارها ثانياً على استكمال ما أوصى به الدكتور عبد الوهاب المسيري فكانت خير راع لما ترك.
وغني عن القول أنني من أشد المعجبين بأفكار المسيري ورؤيته التي تتسم بالوضوح وصفاء الرؤية. فقد كان المسيري يمتلك قوة ملاحظة استثنائية تجعله يتوقف أمام ما يمرره كثيرون باعتباره من باب الأمر الواقع أو الشيء الطبيعي ليراه هو تعبيراً عن نسق أو تحيز أو نموذج ما. كما كانت لديه قدرة فائقة على وضع النظرية التي يمكن من خلالها قراءة الحدث العابر أو الموضوع البسيط أو القضية السطحية. وكانت هذه ميزة فكرية كبيرة ولكنها أيضاً مصدر استمتاع بما يكتب، والمصدر الأشمل للاستمتاع بكتاباته وحواراته هو أسلوبه السهل الناطق بخبايا وتلابيب الأفكار والمغلف بخفة ظل لا تفارقه في أكثر القضايا تعقيداً وعمقاً. وهذا الاستمتاع قادر على سرقة اهتمام المتلقي رغماً عنه أحياناً، وهو ما حدث معي طوال تحريري لهذه السلسلة، فتحولت مرات كثيرة إلى قارئة أكثر مني محررة، وكنت أقرأ كثيراً من الأجزاء لنهايتها ثم أعود مرة أخرى لقراءتها بعين المحرر وليس بعقل المتلقي. وأرجو أن يكون الحال نفسه مع كل قارئ وأتمنى أن يكون صدى هذا العمل في حجم ما توقعه الدكتور المسيري له.
وختاماً أدعو الله عز وجل أن يأجر صاحبه على كل ما جاء فيه من قول كان يعبر به عن سعي سعاه نحو الله، أو عن فعل ابتغى من ورائه تحقيق العدل وإعمار الأرض.. والله عنده خير الجزاء.
سوزان حرفي
الدوحة
تشرين الثاني/نوفمبر 2008
الباب الأول
- التكوين
- التحولات
- الجنس و الحب و الأسرة
- الثقافة و الأدب و الفنون
1التكوين
س: نود في البداية أن تعطونا نبذة عن حياتكم الشخصية والعلمية.
ج: اسمي الكامل عبد الوهاب محمد أحمد المسيري، من مواليد مدينة دمنهور عاصمة محافظة البحيرة، في 8 تشرين الأول/أكتوبر عام 1938. حصلت على الماجستير والدكتوراه من جامعتي كولومبية ورتجز الأمريكيتين في الأدب الإنجليزي والأمريكي المقارن عامي 1963 و1969. وقد قمت بتدريس الأدب الإنجليزي والأمريكي والنظرية النقدية في كلية البنات، جامعة عين شمس، وفي جامعة الملك سعود وجامعة الكويت والجامعة الإسلامية في ماليزية منذ عام 1969 حتى عام 1990. وفي هذه الأثناء عملت خبيراً في الصهيونية ومركز الدراسات السياسية بـ "الأهرام" في الفترة من عام 1970 حتى عام 1975، ومستشاراً ثقافياً لوفد الجامعة العربية لدى الأمم المتحدة من عام 1975 حتى 1979، ومستشاراً أكاديمياً في المعهد العالمي للفكر الإسلامي منذ عام 1992 حتى الآن.
صدر لي عديد من المؤلفات منها: أسرار العقل الصهيوني، والإيديولوجية الصهيونية، و اليهودية والصهيونية وإسرائيل، و الانتفاضة الفلسطينية والأزمة الصهيونية، و الجمعيات السرية في العالم، و نهاية التاريخ: مقدمة لدراسة بنية الفكر الصهيوني، و الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ، كما قمت بتأليف وتحرير موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية التي أصدرها مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام عام 1975. وتعد موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية الصادرة في 8 أجزاء تتويجاً لأعمالي. ولكني لم أتوقف عند هذه النقطة فقد أصدرت كتباً ذات طابع فكري مثل الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، و العلمانية الجزئية و العلمانية الشاملة (من جزأين)، و إشكالية التحيز، و دراسات معرفية في الحداثة الغربية. ولي بعض الدراسات الأدبية وقصص الأطفال، وديوانا شعر، واحد للأطفال والآخر للكبار، كما صدر لي كتابان في النقد الأدبي دراسات في الشعر، و في الأدب والفكر .
س: إلى أي مدى كان لنشأتك في بيئة ريفية تأثير في حياتك الأكاديمية؟
ج: هذه النشأة جعلتني باحثاً مثابراً. لا تنس أن أبناء البرجوازية الريفية -وأنا منهم- ينشؤون في خشونة، خلافاً لأبناء البرجوازية الحضرية. كان والدي يردد أن لا علاقة لنا بثروته، زادت أم نقصت، وأن علينا أن نعيش في مستوى أولاد الموظفين. وأذكر جيداً أنه حينما امتلك سيارة خاصة، في منتصف الخمسينيات، منعنا من ركوبها وكان يقول لنا: اركبوا الترام مثلكم مثل بقية الشباب. كنت أشكومن هذا آنذاك، لكنني تعلمت، فيما بعد، عندما ازددت حكمة، أنه نفعنا كثيراً بذلك، وعندما ذهبت إلى الولايات المتحدة، ولم يكن عندي أي مصدر دخل إضافي لتغطية نفقاتي، ولم يكن من الممكن تحويل أي أموال من مصر، اضطررت للعمل خفيراً في مصنع في الولايات المتحدة، وما كان بوسعي أن أتحمل ذلك دون طريقة والدي في التنشئة.
س: في رحلتك الفكرية أشرت إلى أن علاقتك بالمجتمع في دمنهور تشبه علاقة علماء الاجتماع الألمان بمجتمعهم. كيف ذلك؟
ج: ألمانية كانت في بداية القرن التاسع عشر، من أقل الدول الغربية تحديثاً. مستوى الصناعة بها كان ضعيفاً، ولم يكن لديها مشروع استعماري مثل الدول الغربية الأخرى. لكن مع وصول بسمارك إلى الحكم وتوحيد ألمانية حققت قفزات سريعة ومذهلة، بحيث أصبح إنتاج الحديد والصلب مثلاً في ألمانية ضعف إنتاجه في إنجلترة نفسها. وتبع ذلك التطور تطور سريع في الصناعات الألمانية كافة. لكن ظلت هناك جيوب وعادات تقليدية عديدة، فعلماء الاجتماع والمفكرون الألمان مثل ماكس فيبر وغيره، كانوا ينظرون للمجتمع، فيرون المجتمع بشقيه، المجتمع التقليدي والمجتمع الحديث. وأنا أذهب إلى أن المعرفة الإنسانية في نهاية الأمر معرفة مقارنة، فنحن لا نعرف الشيء في حد ذاته وإنما نعرفه من خلال مقارنته بشيء آخر. وبالفعل قام هؤلاء العلماء والمفكرون بمقارنة المجتمع الحديث الذي كان يتشكل تدريجياً في المجتمع التقليدي الذي كان يتآكل من حولهم. فرأوا الحداثة بكل مزاياها وعيوبها، كما رأوا المجتمع التقليدي بكل مزاياه وعيوبه. وقد حدث بالنسبة إلي الشيء نفسه، حيث ولدت في دمنهور في أواخر الثلاثينيات، وكانت دمنهور تعد من أكثر المدن تصنيعاً في العالم (بالنسبة إلى عدد السكان) بسبب وجود عدد كبير من محالج القطن فيها، ولكنها مع هذا كانت أقرب إلى القرية منها إلى المدينة، حيث كنا أنا وزملاء الدراسة في طريقنا للمدرسة نمر على الحقول، فكنا نشتري الخس أو الطماطم من الفلاحين، ونأخذها من الحقل بأنفسنا ونأكلها طازجة. وكان هناك "سوق الاثنين"، حيث كان يأتي الفلاحون من القرى الكثيرة المجاورة المحيطة بدمنهور، فيأتون بمنتجاتهم الزراعية (البيض- الجبن - الدجاج) ليبيعوها ويشتروا ما يحتاجون إليه، أو يأتون للمدينة بعد بيع القطن ليقوموا بتجهيز بناتهم للزواج.
ويبدوأن الاقتصاد التبادلي كان سائداً حتى عهد قريب. أذكر في طفولتي أنه بعد ذهابنا للحلاق، كنا نداعب بعضنا البعض بقولنا "الفرخة باضت ولا خبزتم"، بمعنى أنني حملت بيضة أو رغيف خبز وأعطيته للحلاق نظير أن يقوم بحلاقة رأسي! وباختصار فإن بنية دمنهور بوصفها مدينة تجارية حديثة وقرية زراعية تقليدية في الوقت ذاته ترك أثره عليَّ. فقد كانت العلاقات الاجتماعية والإنسانية تتسم بقدر من التعاقد وقدر من التراحم.
س: وما الفرق الأساسي بين المجتمعات الحديثة والمجتمعات التقليدية؟
ج: المجتمعات الحديثة مجتمعات لا تستند العلاقات فيها إلى العرف أو العادات أو القيم الدينية أو الأخلاقية وإنما إلى التعاقد، وعادة ما يكون العقد مكتوباً بلغة قانونية. ومعدلات الفردية في مثل هذه المجتمعات عالية، كما أنها لا تتسم بالتماسك، بل تتسم بالوضوح والتحدد. كل هذا على عكس المجتمعات التقليدية التي قد ينتشر فيها التعاقد ولكنه لا يمثل الشكل الوحيد للعلاقات بين البشر، حيث إن هناك العرف والعادات والروابط العائلية والقبلية والجماعات الوسيطة العديدة. ولذا نجد أن معدلات الفردية في المجتمعات التقليدية أقل بكثير من المجتمعات الحديثة، فالإنسان يوجد داخل شبكة كثيفة من العلاقات الاجتماعية والإنسانية والاقتصادية المتشابكة. وانطلاقاً من هذا الإدراك قام علماء الاجتماع الألمان بتقسيم المجتمعات إلى مجتمعات تقليدية تراحمية Gemeinschaft جماينشافت، ومجتمعات حديثة تعاقدية Gesselleschaft جيسيلشافت.
وقد اكتسب الصراع بين الجماينشافت والجيسيلشافت، ومظاهر الانتقال من الواحد للآخر، مركزية في علم الاجتماع الألماني. وعلى تصاعد عمليات التحديث والتصنيع في ألمانية فقد ظلت الأشكال الحضارية والاقتصادية التي سادت في مجتمع ما قبل الصناعة والرأسمالية، مزدهرة فيها بكل محاسنها وعيوبها. ولذا، كانت هذه الأشكال الحضارية هي الأرضية التي وقف عليها علماء الاجتماع الألمان فطرحوا، انطلاقاً منها، بديلاً للعلاقات التعاقدية التي تهيمن على المجتمعات الرأسمالية. وينتمي ماركس (برغم ديباجاته الثورية) إلى تقاليد علم الاجتماع الألماني، ويتبدى هذا في الجماينشافت التراحمي التقليدي. فالمجتمع الشيوعي مجتمع خال من الصراع الطبقي والتطاحن الرأسمالي والصراع من أجل البقاء، مجتمع يتسم بالعدالة والمساواة والأخوة. كما أن النقد الماركسي الإنساني (جيورجي [جورج] لوكاش Gyorgy Luckacs - مدرسة فرانكفورت- هربرت ماركوز Herbert Marcuse.. إلخ) للحداثة الغربية ولمصير الإنسان الغربي يخرج من هذه التقاليد نفسها.
وأعتقد أن علاقتي بدمنهور بماضيها وحاضرها تشبه إلى حد كبير علاقة علماء علم الاجتماع الألماني بماضي ألمانية وحاضرها. ولعلنا لودرسنا خلفية كثير من المثقفين المصريين (وخصوصاً الثوريين) فسنلاحظ أنهم عاشوا في لحظات انتقال مثل هذه. ولعل هذا يفسر الخلفية الريفية لكثير من مثقفي مصر ممن أدوا دوراً بارزاً في تاريخ مصر السياسي والثقافي الحديث. وأعتقد أن هذا الجانب في خلفيتي الثقافية هو ما جعلني أحاول اكتشاف الأدبيات الاحتجاجية في التراث الغربي، وهو ما جعلني لا أنبهر بالمجتمع الأمريكي، فنقطتي المرجعية النهائية كانت دائماً هي المجتمع الزراعي التراحمي. ومن الطريف أن أحد أساتذتي بعد أن قرأ رسالتي للدكتوراه، بما فيها من ثورية ورفض للرؤية الأمريكية واقتصاديات السوق الحر؛ وصفها بأنها رسالة neo-feudalist Marxit (نيوفيوداليست ماركست) أي إنها ذات توجه ماركسي إقطاعي جديد!
س: هل يمكن أن تضرب بعض الأمثلة على ما سميته المجتمع التراحمي؟
ج: كان التجار يعتمدون في تعاملاتهم على كلمة الشرف، ويدورون في إطار مفاهيم إسلامية. كان والدي من كبار التجار، ثم فيما بعد من كبار الرأسماليين الصناعيين، وكانت لديه عقلية تجارية حديثة، أذكر أنه حينما قام بإجراء أول أوكازيون في دمنهور، اعتبر بعض الناس هذه الخطوة خطوة جريئة واستنكرها كثير من التجار، فمفاهيم التنافس والصراع والبقاء للأقوى لم تكن جزءاً من الرؤية العامة في دمنهور، فالأرزاق بيد الله. وتساءل البعض ماذا سيفعل صغار التجار الآن؟ البيع والشراء لم تكن مسألة اقتصادية وحسب، وإنما كان يتخللها قيم أخرى غير مادية. أذكر حادثة أخرى تعبر عن الواقع التعاقدي التراحمي نفسه. جاءت لباب منزلنا فتاة كانت على قدر من الأناقة والجمال، تعرض سلة بها بعض الأشياء للبيع، فرفضتها بناء على إدراكي أننا لا نحتاج لمثل هذه الأشياء وفوجئت بأن أمي تزجرني، وقامت بشراء السلة من الفتاة بسعر جنيه مصري، مع أن القيمة الحقيقية للسلة لا تتعدى عشرة قروش. وفيما بعد عرفت أن هذه الفتاة ابنة أحد كبار التجار الذي أفلس أو توفي لا أذكر بالضبط، وأن عملية البيع والشراء التي تمت بين أمي والفتاة تمت تحت غطاء تعاقدي ظاهري، ولكنها في واقع الأمر تمت في إطار تراحمي، إذ إنه تم إعطاء الفتاة صدقة، ووظيفة الغطاء التعاقدي هي أن تحتفظ أمي للفتاة بكرامتها. هذا التناقض بين التراحم والتعاقد كان يوجد في منزلي، فقد ولدت في أسرة تجارية حيث يعمل والدي في تجارة الجملة، ولكنه كان أيضاً يمتلك ضيعة بجوار دمنهور، شأنه في هذا شأن كل أثرياء دمنهور. وكان والدي ينتمي إلى الجانب التجاري التعاقدي، أما والدتي فكانت تمثل العقلية الزراعية التراحمية. ومع أن والدها كان يمتلك مطبعة، إلا أن التقاليد التي ورثتها عن أبيها لم تكن تتسم بالنزعة الفاوستية التجارية التي كان والدي يتسم بها.
من الطريف أنه عندما توفى الله والدي كنت في الولايات المتحدة الأمريكية، فأقمت مرثية بطريقة فريدة (فأنا دائماً أبحث عن الفرادة) إذ ذهبت لرؤية مسرحية بريخت الاستثناء والقاعدة التي تروي قصة رجل رأسمالي له طابع فاوستي، وتكشف المسرحية أبعاد هذا النمط الإنساني. أما حينما توفى الله والدتي فأقمت مرثيتها بأن ذهبت لشراء بعض الأعشاب التي كانت تتناولها مثل التليو والحلبة والكراوية. وذهبت إلى شارع الموسكي في الأزهر وطلبت من العطار هذه الأصناف وغيرها من الأعشاب الطبيعية. وعندما هم البائع بإعطائي ما طلبت أخبرته بأن هذه الكراوية ليست جيدة، فأجابني "دي مش كراوية يا بيه!"، فأدركت أنني أجهل هذه الأمور، وكان يجب عليّ أن أغلق فمي وأقيم المراثي في هدوء!.
ويبدو أن مقولتي المجتمع التراحمي والمجتمع التعاقدي أصبحتا مكوناً أساسياً في فكري، وهاتان المقولتان هما اللتان جعلتاني فيما بعد أتبنى الماركسية ثم في نهاية الأمر أتبنى الإيديولوجية الإسلامية على أنها إطار لفهم العالم والتعامل معه، وربما يكون هذا أيضاً هو سبب عدائي مثلاً للإمبريالية، والرأسمالية، والصهيونية، ولكل أشكال الاستغلال ومسببات الصراع بين البشر، فالعالم في تصوري ليس ساحة قتال، والإنسان ليس ذئباً لأخيه الإنسان.
هناك جانب آخر تعلمته في صباي وجزء من شبابي في دمنهور هو الإيمان بفكرة المجتمع، فالإنسان ليس فرداً مطلقاً، بل هو جزء من مجتمعه. السائد الآن أن كل مجتمع يتكون من أفراد، وأن الفرد يسبق المجتمع. ولكني تعلمت في دمنهور أن المجتمع يسبق الفرد دون أن يلغيه (فالمجتمع التقليدي زاخر بالشخصيات المتنوعة على عكس ما يتصور كثيرون).
س: هل تريد أن تقول أن الإنسان قيمة تتخطى المادة؟
ج: نعم نعم، إيماني هذا حدد ذوقي الفني، لذا تجدني أعشق أفلام المخرج الياباني كيروساوا خاصة فيلم "كاجاموشا Kagemusha " (المحارب الظل) ( Shadow warrior ) وكذلك "السيرة الهلالية" حيث نجد مجموعة من القيم التي تتجاوز سطح المادة والمنفعة المادية، كما نقابل الارتباط بالقيم البطولية التي يشير لها الآن بعض ممن يسمون بالواقعيين "بالعنترية". فالعنترية هي ما يميز الإنسان لأنه غير خاضع لحسابات المكسب والخسارة المادية، فمثلاً تأتي امرأة لأبي زيد الهلالي تشكو من ظلم وقع عليها، فيقرر الدخول في حرب من أجلها. وعندئذٍ يعترض من حوله على موقفه هذا، فالمرأة ليست ذات أهمية، خاصة أن الظلم الذي وقع عليها هو مجرد سرقة حصانها، ومن ثم فموقف أبي زيد ليس له أي مبرر من منظور حسابات المكسب والخسارة المادية. ولكن أبا زيد يبيّن لهم إخفاقهم في إدراك المعنى الأكبر لنصرتها واستعادة حقوقها، وأن القضية ليست قضية امرأة سُرق منها حصانها، وإنما هي قضية القيم الإنسانية. لا يعبر أبو زيد عن موقفه بهذه الطريقة لكن حديثه يبين بشكل واضح أن هناك من القيم ما يتجاوز حسابات المكسب والخسارة المادية.
أعتقد أن هذا ما يميز الإنسان كإنسان وكما يقول (علي عزت بيجوفتش) رئيس البوسنة السابق -رحمه الله- في كتابه المهم الذي أثر فيَّ كثيراً الإسلام بين الشرق والغرب: "إن الإنسان تجاوز فكرة المنفعة المادية"، ولذلك يقول: لو أن الإنسان يعيش في إطار المنفعة المادية فقط لحسّن من كفاءته كصياد ولكنه لم يفعل، بل تجده يقوم بشعائر دينية ويرسم على حوائط الكهوف ويعبد الله، أو الأوثان. أما الحيوانات فهي لم تفعل شيئاً سوى تحسين كفاءة الصيد. كل هذا يدل على أن هناك داخل الإنسان ما يتجاوز المنفعة المادية، ومفهوم التراحم يؤكد أن هناك مجموعة من القيم المادية تتحكم في الإنسان، لكن إلى جانب هذا هناك شيء آخر يتجاوز المادة مفطور في عقل الإنسان وقلبه، وهو ما يميزه عن كل الكائنات الأخرى.
س: هل هناك عناصر أخرى في دمنهور تركت أثرها عليك؟
ج: نعم، الإطار الذي تحركت فيه في طفولتي هو الأسرة الممتدة، بكل ما في الكلمة من معان. ففي الجيرة التي نشأت فيها كان كل الأطفال معروفين للجميع. ولذا كان الوقت الذي أقضيه في الشارع ليس مجرد "صياعة"، وإنما وقت للتنشئة الاجتماعية، على عكس الشارع هذه الأيام، كما كان الصبية الكبار يراقبون الصغار وكأنهم أولياء أمورهم.
وفي إطار الأسرة النووية يكون الإنسان على اتصال مباشر مع أبيه أو أمه ويعيش الجميع داخل دائرة مغلقة، فإذا أراد أن يطور شخصية مستقلة عنهما فإن هذا يسبب له توترات شديدة؛ لأن الأسرة النووية ضيقة بحكم تكوينها وليس أمام الفرد سوى أبيه أو أمه، إما أن يقبلهما فيشعر أنه فقد هويته وشخصيته المستقلة، أو يرفضهما ويدير لهما ظهره، وهما أمران أحلاهما مر، ويؤدي إلى شكل من أشكال الاستقطاب والتطرف. أما في إطار الأسرة الممتدة، فالأمر جد مختلف، فالفرد محاط بأفراد كثيرين أكبر منه وكل منهم نموذج مختلف، مما يتيح له فرصة اختيار أي نموذج يشاء دون استقطاب القبول الكامل أو الرفض الكامل. وعندما كنت في دمنهور، كان لي أعمام وأخوال وزوج أخت، وكنا جميعاً نسكن إما في العمارة نفسها أو في أماكن قريبة جداً من بعضنا بعضاً، أي إنني كنت أتفاعل مع شخصيات متنوعة. كان زوج أختي الأستاذ عبد الوهاب حلمي، رحمه الله، مدرس لغة عربية اكتشف فيَّ شيئاً ما، وكان يشجعني دائماً أن أكتب "خُطباً" وأن أحرر مجلة المدرسة وغير ذلك، مما ساعدني على إدراك مدى رحابة عالم الثقافة بالمقارنة بعالم الثروة ومراكمة الأموال. وكان خالي محمود إبراهيم حلبي، رحمه الله، رئيساً لحزب الوفد في دمنهور وكان يملك مطبعة، وكان لديه عالم آخر غير عالم تراكم الثروة لأنه كان يضع المطبعة تحت تصرف حزب الوفد والحركة الوطنية. وقد ساهمت هذه النماذج المتنوعة في فتح نوافذ أخرى لي.
س: أين نلمس هذا الجانب في شخصية المسيري؟
ج: لعل نشأتي هذه هي التي تجعلني أضيق ذرعاً بالمؤسسات اللاشخصية، فالمجتمع التقليدي مكون من شبكة واسعة من العلاقات العائلية وعلاقات الجيرة. ولذا -كما أسلفت- لا يتعامل الإنسان إلا مع من يعرفهم ومن يعرفونه. حتى في المدرسة كان الصف انعكاساً لهذا المجتمع. أما "المؤسسات" في دمنهور فكانت مؤسسات في معظمها أهلية لا علاقة لها بالحكومة، يشرف عليها أناس من أهل دمنهور، ويتحكم فيها الناس (مثل جمعية البر بالفقراء - جمعية تحفيظ القرآن - الأوقاف) فهي أقرب إلى ما يسمى الآن "مؤسسات المجتمع المدني". أما المؤسسة بالمعنى الحديث (كيان لا شخصي، خاضع لقوانينه وإجراءاته الخاصة، وليس له مرجعية إنسانية أو أخلاقية أو دينية) فهو أمر لم يكن معروفاً في دمنهور التي نشأت فيها. ولعل تنشئتي التقليدية جعلتني أرى أن المعايير الأخلاقية لا تنطبق إلا على الأفراد وحسب، أما المؤسسات فهي شخصيات مجردة لا شخصية، لا تهتم بالأفراد أو الأخلاق، وتتحرك كالوحش الكاسر أو كقوة من قوى الطبيعة، تحطم كل ما يأتي في طريقها. فالمقدرة على الاستمرار والبقاء المادي هي القيمة المطلقة الوحيدة بالنسبة إليها والتي تجُبُّ أي حسابات إنسانية وأخلاقية.
س: لكنك في النهاية ابن طبقة برجوازية وأب تعاقدي الرؤية كما قلت؟
ج: لابد أن نميز بين البرجوازية الريفية والبرجوازية الحضرية. فالبرجوازية الحضرية في القاهرة والإسكندرية كانت تعاني (أو تتمتع بـ) معدلات عالية من التحديث والتغريب والعلمنة والآن العولمة. أما البرجوازية الريفية فهي بمنأى عن هذه التحولات إلى حد كبير، وإن كان من الملاحظ أنها بدأت هي الأخرى تلحق بما يسمى ركب التقدم.
ولم تكن هذه البرجوازية الريفية تعرف الاستهلاكية، إذ كانت تدور في إطار قيم تقليدية مثل البركة والنعمة والرضا والقناعة. هذا لا يمنع أن المجتمع كان يضم أثرياء وفقراء، لكن هذه القيم كانت تكبح جماح النزعة الاستهلاكية مما يخفف من الاستقطاب الطبقي، إلى جانب أن هذه الطبقة كانت تسيطر عليها عقلية زراعية أبوية، فعلاقة أبي بعماله وعلاقة أمي بالخدم لم تكن علاقة غير شخصية محايدة، وإنما كانت علاقة فيها قدر كبير من الدفء والاحترام والإحساس بالمساواة الإنسانية، وهو الشيء الذي لا تعرفه المؤسسات الحديثة. ولا تنس أن إقامة صلاة الجماعة التي تضم الجميع تنمي هذه الروح. ولا شك أن كل هذه الأمور ساهمت في تعميق بعض التوجهات الفكرية والأخلاقية عندي.
س: ولكن لابد أن يكون هناك عناصر كامنة في شخصيتك، بعيداً عن الإطار الاجتماعي والتاريخي، ساهمت في تعميق بعض التوجهات الفكرية؟
ج: من دون شك. ثمة عناصر كثيرة في شخصيتي ساعدت على تعميق انفصالي عن محيطي وولّدت فيَّ الرغبة الدائمة في التفكر وتفسير كل ما يحدث لي وما يحدث حولي، بحيث لا أقبل أي شيء على علاته. وهو الأمر الذي ساعدني على تطوير كثير من المفاهيم الفكرية التحليلية مثل مفهوم الحلولية ومفهوم المسافة. أهم هذه العناصر هوما أسميه "داء التأمل" الذي أصبت به في يوم من الأيام في طفولتي أو بدايات الصبا (ربما في سن الثانية عشرة) حينما أدركت مقولة الزمان وأننا نعيش داخله، وأن حياتنا هي الزمان. وداء التأمل لا يزال مهيمناً عليّ، وجعلني قادراً على الانفصال عما حولي، وأن أنظر إلى نفسي من الخارج، وألا أقبل أي شيء إلا بعد تفسيره.
ومن العناصر الشخصية الأخرى التي ساهمت في تحديد توجهاتي الفكرية، أن بعض الأشياء كانت تكتسب قيمة رمزية في عقلي غير قيمتها الوظيفية، فالمكرونة كانت بالنسبة إلي هي السحر بعينه (كنت أتصور في طفولتي أنها هي طعام أهل الجنة)! ولذا كان تناولها يعني تجربة شبه روحية لا علاقة لها بإشباع الحاجة البيولوجية للطعام.
أما الأرز، فكان مرتبطاً في ذهني بالطمأنينة وبالعودة إلى المدينة. ولم أتخلص قط من هذا الميل نحو الترميز. فقد أصبح السيجار رمز الهدوء والاستقرار والإنجاز، وقد انتقل هذا إلى موقفي من كتبي. وكثيراً ما تكتسب أطروحات الكتب التي أكتبها بعداً رمزياً، يجعل منها جزءاً من معركة الإنسان مع كل ما يتهدده. وعلى سبيل المثال، تحولت الموسوعة إلى معركة الإنسان ضد الظلم، وإلى هذا الصراع الأبدي بين الإنسان/ الإنسان (الذي يحاول تجاوز عالم الحواس الخمس) والإنسان الطبيعي/ المادي، الذي يقبع داخل عالم المادة قانعاً راضياً. وأتصور أن هذا الميل نحو الترميز ساعدني كثيراً على الانفصال عن بيئتي المباشرة، إذ خلقت لي الرموز عالمي الخاص. كما أن الرمز - لا شك - شكل من أشكال النموذج، فهو عنصر من العالم المادي، ولكنه يعلو عليه إلى أن يصبح علامة مكثفة على عناصر كثيرة، قد يبدو لأول وهلة وكأن لا علاقة بينها.
ويرتبط بهذه النزعة نحو الترميز ما أسميه "النزعة الطقوسية"، إذ أميل لأن يصبح كل حدث مهم في حياتي جزءاً من طقس خاص جداً وأقوم أنا بتطويره. فكنت في طفولتي أبدأ استذكاري بأن أضع زهرة في مزهرية، أو أحلم بها إن لم يكن هناك زهرة. وحينما تقدمت بي السن طورت مفهوم "الشاي غير البيولوجي"، وهو أي قدح من الشاي لا أحتاج إليه من الناحية المادية ومع هذا أشربه مع صديقي كي آنَس به. (قد تطور هذا فيما بعد ليصبح مفهوم "الأبوة غير البيولوجية" حين أقوم بتبني بعض الأيتام من ضحايا العصر الحديث).
ومن أهم الطقوس في حياتي طقس "ساعة الصفاء" (الذي طورته مع صديقي الفنان رحمي)، وهو المقدرة على الانسحاب من الزمان، بحيث يعيش الإنسان "لحظات ليست كاللحظات" خارج الزمان، ومن ثم يمكنه أن يستعيد تكامله وإنسانيته (بعد أن يكون قد فقد بعضاً منهما في معترك الحياة وتفاصيلها التي لا تنتهي)، على أن يظل الإنسان واعياً تماماً بأن هذه لحظات مؤقتة وحسب، وأنها لابد أن تنتهي، ومن ثم فهي ليست نهاية التاريخ والتدافع والأحزان والأفراح (أو كما أقول في إحدى القصص التي كتبتها للأطفال: "كل الأشياء الجميلة تنتهي! كل الأشياء الحزينة تنتهي"). وقد حاولت تطبيق هذا المفهوم في حياتي حتى لا يتحول الاستمرار إلى تكرار وروتين، فلحظة الصفاء تجلب عنصراً من الإبداع إلى الحياة الاجتماعية اليومية. وقد تعلمت أنا وزوجتي أن نمارس لحظات الصفاء هذه، مهما كانت الحياة قاسية علينا. ساعتها نطلب من أولادنا أن يبتعدوا عنا بعض الوقت، ونجلس وحدنا نحتسي القهوة وأدخن سيجاراً، فتتجدد العلاقة المباشرة بيننا ولا تضيع منا في الزحام والتفاصيل. كما تعلم كثير من أصدقائي طقس لحظة الصفاء، إلا أنني كنت أمارسها أيضاً مع بعض الأصدقاء ممن لا يعرفونها، فنعيش معاً "ساعة صفاء" دون إدراك من جانبهم.
وكان هناك أيضاً ما أسميه "الحمام الطقوسي" الذي آخذه بعد الانتهاء من كل مؤلف من مؤلفاتي. كما أنني حينما كنت في الولايات المتحدة طورت طقس "الحمام الفكري"، وهو أنه حينما تستعصي علي فكرة ما أذهب لأستحمَّ حماماً ساخناً، وتحت (الدش) تتلاحم الأفكار وتتضح العلاقات بينها، وكثيراً ما أنجح في حل الإشكالية الفكرية التي تواجهني. (أخبرني أحد الأطباء أن هذا الطقس الأخير له أساس مادي، إذ إنني أشكومن الحساسية من حبوب اللقاح المنتشرة بكثرة في الولايات المتحدة. ولذا حينما أستحم بماء ساخن فإن البخار المتصاعد يقوم بتنقية الجيوب الأنفية، فيسهل التنفس ويتصاعد الأوكسجين إلى مخي فأقوم بالتفكير في حرية أكبر).
وهذه النزعة الطقوسية هي في واقع الأمر نزعة لأن أضع حدوداً بيني وبين الواقع المادي المباشر، وهي في هذا تشبه وعيي بالتاريخ والفن. كما أنها تطورت فيما بعد لتصبح ميلاً نحو بلورة المقولات التحليلية وإدراك مستويات الواقع المختلفة. وقد زادت هذه النزعة في الولايات المتحدة، فهو بلد لا يحترم الطقوس ولا يعرف منها إلا أقل القليل. وطقوس الانتقال من مرحلة عمرية لأخرى في الولايات المتحدة، إما غير موجودة أساساً وإما مختلفة عما ألفته، فهي ليست ثرية بما فيه الكفاية، كما أنها، في معظم الأحيان، تأخذ شكلاً استهلاكياً واضحاً (مثل احتفالات بلوغ سن الرشد عند اليهود [البارمتزفا]، أو احتفالات دخول الجامعة أو التخرج فيها). لعل هذه النزعة الطقوسية التي طورتها هي لحماية ذاتي ولإحاطتها بسياج يفصلها عما حولها.