eKtab
EN ع
التحليل السيميائي للنصوص
Read free sample

التحليل السيميائي للنصوص

by حبيبة جرير

Page 1
مقدمة المترجمة
 
كانت الترجمة وستظل إحدى العوامل الأساسية في نشر المناهج وفي زيادة الاحتكاك بينها، فالباحث ومهما كان عليما باللغات الأجنبية لا يمكنه الاستغناء عن الترجمة ولو من باب ربح الوقت أو الإطلاع على المصطلحات العلمية المتداولة في علم من العلوم.
 
تصاحب كل عملية ترجمة ظهور العشرات من المصطلحات الجديدة غير المعروفة ولا المألوفة في المعجم العربي، تخضع مجملها إلى ذاتية المترجم وتوجُّهاته. ومع غياب الإجماع الضروري لضبط هذه المصطلحات أو بالأحرى مع غياب هيئة رسمية تتمتع بالسلطة الكافية والكفاءة اللَّتان تؤهلانها لانتقاء المصطلحات الملائمة ونشرها في العالم العربي أو على الأقل على مستوى كل ل. تتحول هذه المجهودات الفرعية التي كان ينبغي أن تثري القاموس العربي إلى فوضى تزيد من تعقيد عملية البحث العلمي. إضافة إلى غياب الإجماع حول المصطلحات الجديدة تواجه قضية ترجمة المصطلحات العلمية الأجنبية إلى العربية إشكالا آخر يمثل في عدم التزام أو بالأحرى عدم بحث المترجمين عن الجهود المشتركة المثمرة التي تمت في السابق وكذا عدم توفر الدوريات والكتب المتخصصة التي تعمل على تعميم استعمال المصطلحات.
 
وهذا كله يؤدي إلى ظهور مجموعة من المصطلحات تعيّـن مصطلحا أجنبيا واحدا أو إلى توظيف مصطلح عربي واحد لترجمة العديد من المصطلحات الأجنبية. كما أن قلَّة القواميس المتخصصة والاعتماد على المعاجم العامة يبعد المصطلح عن الدقة المطلوبة في كل أوجه البحث العلمي.
 
كل هذه الإشكالات المتعلقة بترجمة المصطلحات العلمية صادفناها ونحن نترجم الصفحات الأولى من كتاب التحليل السيميائي للنُّصوص " Analyse sémiotique des textes" لـ فريق انتروفرن. ومن بين المصطلحات العديدة التي وجدنا الكثير من الصعوبة في إيجاد المقابل العربي لها مصطلح "signification" فالمقابل العربي المتداول بالنسبة لهذا المصطلح هو "الدلالة"، لكن هذا الأخير استعمل أيضا للإشارة لمصطلح "sémantique" كما استعمل بعض الكتاب مصطلح "معنى" غير أن هذا المصطلح يستعمل كذلك للدلالة على مصطلح "sens".
 
وبعد البحث والتشاور مع الأستاذ المشرف رأينا أنه من الأنسب ترجمة مصطلح "signification" بـ"مدلولية" وهذا انطلاقا من ترجمة المصطلح "signifiant" بـ "المدلول" كما شكلت ترجمة المصطلح "modalisation" بعض الصعوبة بالنسبة لنا نظرا لصعوبة الاشتقاق لكننا استقرينا في الأخير على ترجمة الأستاذ رشيد بن مالك واعتمدنا مصطلح "الجهاتية". وعلى العموم فقد حاولنا قدر الإمكان خلال هذه التجربة المغامرة أن أجد حلولا ولو نسبية لمشكلة ترجمة المصطلح من خلال الالتزام ببعض المبادئ التي ينصح بها العاملون في هذا المجال والتي من بينها:
 
- الحرص على وضع مصطلح واحد للمفهوم العلمي الواحد والالتزام به في كامل أجزاء البحث.
 
- توخي الدقة عند اختيار المصطلحات والابتعاد عن الألفاظ العامة .
 
- مراعاة ما اتفق عليه المختصون من المصطلحات العلمية والابتعاد قدر الإمكان، عن استنتاج أي مصطلح جديد.
 
ولأن كل عملية ترجمة تحتاج إلى إطار نظري يوجه القارئ ويساعده على استيعاب كل نواحي العمل حاولنا أن نقدِّم لترجمتنا من خلال فصل عنوانه بـ "تقديم: الدراسة السيميائية للنص السردي". وهو يحتوي على إشارة سريعة للمنطلقات النظرية التي استعان بها غريماس في بناء نظرية، كما يحتوي المبادئ الأساسية التي وضعها غريماس لاستخراج المعنى المتضمن في النص السردي . ويشتمل أيضا على ملخص لأهم الإجراءات التي عرضها فريق انتروفرن في كتابه موضوع ترجمنا. ودعمنا هذا الفصل ببعض الملاحظات التي رأينا بأنها قد تهم القارئ وتجعله يطرح أسئلة تمهّد ربما للقيام بأبحاث جديدة. وفي الأخير نقول بأن مهما حاولت عملية الترجمة بأن تكون وفية للنص الأصلي فلن تستطيع أن تنقل روح النص التي تأخذ خصوصيتها من روح اللغة التي تكتب بها.
Page 2
" الدراسةُ السِّيميائية للنَّصِّ السَّـردي"
 
المنطلقات النظرية
 
المدرسة اللسانية
 
اعتمدت السيميائية على النظريات التي سبقتها من أجل تحديد موضوعها ومنهجها وربما كانت للسانيات من أهم تلك النظريات التي أمدت السيميائية بالقواعد الرئيسية التي ارتكزت عليها. وأول ما يتبادر إل الذّهن عند الحديث عن اللسانيات هو العالم السويسري "فرديناند دو سوسير "FERDINAND de Saussure" ولد سوسير في جنيف عام 1857 من عائلة عريقة أعطت العديد من العلماء ودرّس في معهد الدروس العليا بباريس سنة 1881 ودام تعليمه 10 سنوات، نشر خلالها عدة مقالات في مجلة Société"Mémoire de La Linguistique عاد سوسير إلى جنيف سنة 1891 حيث مارس التعليم في جامعاتها إلى أن توفي سنة 1913.
 
اهتم كثيرا بقضايا اللغة فأعد سلسلة من المحاضرات في الألسنية العامة، كونت كتاب: "دروس في الألسنية العامة" Cours De Linguistique Générale الذي قام بجمع مواده بعد وفاته الألسنيان "بالي" و"سشهاي" اللّذين كانا من تلاميذه. ويعتبر سوسير أن الهدف الوحيد والأساسي في اللسانيات ينحصر في اللسانيات كواقع قائم بذاته ولذاته، فهو يؤكد على استقلاليتها بالنسبة إلى الأحداث التي تنتجها، أي أن موضوع اللسانيات هو اللغة أساسا وليس عمل اللغة أو تطورها فهو ينظر إليها كمنظومة من الأدلة المتواضع عليها لتأدية غرض معين هو التبليغ،.وهنا يعطي مثال لعبة الشطرنج إذ أن معرفة اللاعب بشروط اللعبة لا تزيد أو تنقص عندما يعلم مصدر الشطرنج أو يعلم بالتخصيص أنها أتت إلى أوربا من بلاد فارس أو أنها مصنوعة من معدن أو خشب أو غير ذلك. وهذا ما سماه غريماس بمبدأ المحايثة وكان من بين المبادئ التي ركز عليها عند دراسته للنص واللغة على العموم. ويهدف سوسير من هذا الحصر الدقيق لموضوع اللغة إلى إضفاء طابع العلمية على الدراسات اللسانية التي كانت في السابق مندمجة ضمن العلوم الفلسفية والابتعاد بذلك عن المعيارية والذاتية.كما نادى سوسير بالدراسة الموضوعية للّغة بمحاولته وضع إطار نظري للسانيات يظهر من خلاله طرق تحليل اللغة ومنهجيتها، فكما تقول آن إينو Anne hénault يتمثل هدف سوسير في وضع نظرية للسانيات تمكنها من الحصول على مكانة بين العلوم الأخرى وفي تجميع أطروحات اللسانيات ونتائجها في نظام آخر أكثر تجريد هو السيميولوجية التي نعتها بالنفسية والاجتماعية وجعلها من العلوم القابلة للتأطير داخل نظرية كالرياضيات.
 
كما أن الثنائيات الشهيرة التي جاء بها سوسير ساهمت كثيرا في إرساء القواعد الأولى للسيميائية وأحدثت بالفعل ثورة كبيرة في مجال البحث اللغوي ومن بين هذه المبادئ:
 
- اللغة والكلام .
 
- الدال والمدلول .
 
- القيمة و المدلولية .
 
- الصعيد النظمي و الصعيد الاستبدالي.
Page 3
1 - اللغة والكلام
 
يميز سوسير بين اللغة والكلام فاللغة عمل جماعي أو وضعية ممارسة الكلام في ذهن الأفراد بغية الاتصال، وهي تختلف عن جوهر الدلائل التي تكوِّنها. فاللغة إذن حقيقة نفسية واجتماعية وتنظيم موجود بالاتفاق. أما الكلام فهو الجانب الفردي من اللغة والعمل المحسوس الذي ينشط به الفرد في ظرف معين ومحدد ويختلف عن اللغة القائمة بصورة مستقلة عنه وتقودنا هذه التفرقة بين اللغة والكلام إلى القول من جديد بأن سوسير سمح للسانيات بأن تركز تحليلاتها على مستوى خاص من بين مجمل الأحداث اللّغوية وإضفاء طابع العلمية والموضوعية عليها. ولكن تحديد المستوى وحده لا يكفي إذ ينبغي أيضا تحديد الوحدات الأساسية للغة والنظام الذي يحكم العلاقات بينها.
Page 4
2- الـدّال والمدلول
 
يقول سوسير بأن النظام اللّغوي نظام من الأدلة المتواضع عليها ويوضح الحاج صالح بأن اللسان (اللّغة) في حد ذاتها نظام من الأدلة المتواضع عليها فاللّسان (اللّغة) على هذا الاعتبار ليس مجموعة من الألفاظ يعثر عليها المتكلم في القواميس أو يلتقطها بمسمعه بل هو نظام من الوحدات يتواصل بعضها ببعض على شكل عجيب وتقابل فيما بينها في المستوى الواحد ، التقابل الذي لولاه لما كانت هنالك دلالة. الوحدة اللّغوية التي اعتمد عليها سوسير هي الدليل اللغوي أي اللفظ الذي يدل على شيء أو معنى معن ركيزته المادية الصوت. ويتكون من الدال والمدلول فهنالك مفهوم يريد الإنسان أن يتحدث عنه هو المدلول فيبحث في ذهنه وفي النظام التقديري عمّـا يطابق هذا المدلول مما ورثه وتعلّمه عن أفراد مجتمعه ويربطه بالصور الصوتية التي تناسبه وهي الدوال.
Page 5
3- القيمة والمدلولية(1)
 
ينطبق مفهوم القيمة على الدال والمدلول إذ يتعلق الأمر بالقيمة في جانبها المادي والمفهوماتي.
 
ترتبط المدلولية كما هي معرفة بالعلاقة بين الصوتي (الدال) والمفهوم (المدلول) في حدود اللفظ الذي يعتبر كعالم مغلق على نفسه. لكن إذا نظرنا بتمعن إلى الدليل نلاحظ من جهة، بأن المفهوم يبدو كمقابل للصورة الصوتية ومن جهة أخرى يعتبر الدليل نفسه كمقابل للدلائل الأخرى في اللغة.
 
يعتبر سوسير بأن بداخل الدليل نفسه توجد علاقتان دلاليتان هما المدلولية و القيمة وهي مفارقة، فبالرغم من ترابطهما لا يمكن الخلط بينهما. وللتوضيح يشير سوسير إلى أن نفس المفارقة تحكم القيم خارج اللغات: إذ يمكن استبدال قطعة نقدية بقطعة خبز لكن قيمتها تتوقف كذلك على إمكانية مقارنتها بقطع نقدية من نظام آخر. وهكذا يمكن تطبيق ما ذكره عن الفكرة على اللفظ ، إذ يقارن اللفظ بغيره من الألفاظ في نفس النظام وفي، أنظمة أخرى.
 
ولقد استفادت السيميائية كثيرا من مفهوم القيمة، فعليه يتأسس التحليل السميائي إذ أن قيمة العناصر لا تكون فيها إنّما في الاختلاف بين عنصرين أي بين قيمتهما هو الذي ينتج المعنى . فالاختلافات المسئولة عن المعنى هي التي تمكن من استيعاب دلالة نص ما . وتتطور العلاقات التي تجمع بين هذه العناصر على صعيدين :
Page 6
4— الصعيد التنظيمي والصعيد الاستبدالي
 
الصعيد التنظيمي هو تجمع الدلائل بهدف الانتشار في اللّغة المنطوقة ويكون هذا الانتشار خطيا وفي اتجاه واحد. إذ تعقد الدلائل فيما بينها علاقات على أساس الطابع الخطي للُّغة فيكون من المستحيل النطق بعنصرين في آن واحد. ويكتسب بهذا اللفظ الموجود على المحور النظمي قيمته من خلال تقابله مع ما سبقه ومع ما يليه.
 
وتتركز العلاقات، على الصعيد الاستبدالي، على مستوى الدماغ كما يقول سوسير فهي تشكل الكنز الحقيقي لكل فرد ويجمع المحور الاستبدالي بين الألفاظ المضمرة إذ أن عملية التحليل التي تطبق في هذه الحالة هي التطبيق. ويمكن القول بأن التحليل النظمي يتعلق بالكلام بينما يتعلق التحليل الاستبدالي باللّغة كنظام. وخلاصة القول كما تقول آن إينو فإن جذور السيميائية تمتد إلى 100 عام ابتداء من نشر كتاب سوسير حول اللّغات الأوربية الذي احتوى دراسة سميت بـ "مذكرة حول النظام البدائي للحروف" MEMOIRE SUR LE SYSTEM PRIMITIF DES VOYELLES
 
أما كتابه " دروس في اللسانيات العامة" أو "COURS DE LINGUISTIQUE GENERALE " فقد ضمّ مبادئ فتحت الباب أمام البحث السيميائي حتى وإن لم يقم هو بذاته بالتعمق في بحثها .إذ أنه ربط بين السيميولوجيا والبسيكولوجيا وعرّف علم العلامات على أنه علم يدرس العلامات داخل الحياة الاجتماعية . لم يكتف السيميائيون بما جاء به سوسير ، إذ أنهم طوروا واستلهموا من هذه المفاهيم مبادئ أخرى مثلما فعل العالم يامسلاف.
Page 7
لويس ترول يامسلاف
 
هو لساني دنماركي ولد سنة 1899 بكوبنهاجن، يعتبر من بين مؤسسي حلقة براغ سنة 1930 ومن أهم منشطيها . تناولت أبحاثه الأولى صوتيات اللّغة الليتوانية وسار في الخط الذي رسمه سوسير وتعمق في بعض مفاهيمه، فتوصل إلى وضع مفاهيم النظرية اللسانية النسقية أو الشكلية التي تعتبر محاولة لصياغة البنيات اللسانية بدقة أكبر، ومع ذلك لم يكن لهذه النظرية الصدى الذي عرفته اللسانيات الأخرى. توفي سنة 1965 ومن أشهر مؤلفاته معلومات تمهيدية لنظرية الّلغة" .
 
يتحدث يامسلاف في نصوص كثيرة وبشكل واضح عن رؤيته لنظرية قريبة من تلك التي وضعها سوسير. ففي القرن 19 كان علم اللّغة يعتبر علما لتاريخ اللغات ولم يكن لفظ اللسانيات يستعمل في الجامعات. لكن بعد ذلك بدأت أعمال المقارنة والتلخيص و اعتبرت اللسانيات كعلم منظم وعالمي وليس كتاريخ للّغات كما أصبحت اللسانيات مجردة نوعا ما.
 
يوظف يامسلاف مصطلح الوظيفة عند تعرضه لنظريته ويقول بأن هنالك وظيفة سيميائية تربط بين لفظين عندما يكونان متضامنين بحيث يمكن لأحدهما أن يعرف الآخر. ويشير إلى مسألة الوظيفة السيمائية الموجودة بين وجهي الدليل (الدال والمدلول) أو بين المضمون والتعبير، فيعتبر بأن تحليل المدلول يتم دون الاهتمام بالمعنى المحصل عليه إذ يتم الاهتمام بمختلف الجوانب الشكلية فقط التي يمكن تحديدها والتي تتابع في إنتاج المعنى، وفي معرض تمييزه للغة عن سائر الأنظمة يقول بأن للغة إمكانية ترجمة كل اللغات الأخرى وقد عالج بنفينست هذه الرؤية في كتابه (السيميولوجيا واللغة). ويقسم يامسلاف اللغة إلى صعيدين هما صعيد المضمون و صعيد التعبير . تنتظم على كل منهما علاقات بين الشكل والمادة فنجد:
 
“مادة المضمون وشكل المضمون . - شكل المضمون وشكل التعبير . -شكل التعبير ومادة التعبير .
Page 8
3- توجد علاقة تجلي بين شكل المضمون وشكل التعبير
 
نجد في العادة بأن شكل التعبير يظهر شكل المضمون مثلما هو الحال في التحليل الشعري لكن يامسلاف يعطي مثالا آخر . عندما نقوم بذكر مكونات كلمة في الهاتف نقول مثلا ٠
 
(t ) مثل (table ) و(d ) مثل (drapeau ) في هذه الحالة نرى بأن شكل مضمون هذين اللفظين يظهر شكل( t ) و (d ).
 
نستنتج مما سبق إذن بأن هنالك علاقة نجلي في الحالات الثلاثة ويبدوا بأن مادة التعبير تظهر شكل التعبير و إذن مادة المضمون تظهر شكل المضمون.
 
وبهذا يرى يامسلاف بأن الشكل والمادة مترابطين ولا يمكن إظهار أحدهما دون الآخر وهما ينتميان إلى اللسانيات وفق المفهوم الذي يعطيه هو لهذا العلم إذ أنهما قابلين للتحليل.بما أنهما يحتويان على شكل وهما نتاج شبكة من العلاقات .إنما المعنى لا ينتمي إلى مجال اللسانيات لأنه غير قابل للتحليل وعلينا التطرق إلى معنى التعبير ومعنى المضمون بشكل مختلف .
 
وانطلاقا من هذا المبدأ عرفت الدراسات اللغوية (خاصة في مجال الصوتيات مدرسة كوبنهاجن وبراغ) تطورا كبيرا مقارنة بالدراسات الدلالية .فقد اعتبرت المعنى ظاهرة مجردة غير قابلة للتجريب والملاحظة أر اللمس . إذ يستحيل معالجتها علميا وبالتالي هي غير صالحة لأن تكون موضوع بحث دقيق .
 
لكن إشكالية المعنى بقـت مطروحة ولم تفض محاولات الدراسات اللسانية إلى تحديد دور المعنى في بناء النص ومدى تأثيره في طرق التحليل ويمكن أن نقول في نهاية كل هذه التساؤلات أن اللسانيات بكل مدارسها اعتبرت " اللغة" كنظام système" قبل كل شيء يعالج ويوصف على نحو شكلي. أي أن اللسانيات بإقصائها لدور المعنى في تحليل النص لم تقدم بديلا عنه وبقيت مشكلة المعنى معلّقة لتأتي مدارس أخرى وتيارات أخرى فتحاول إيجاد الوسيلة المناسبة لحصر دور المعنى في التتابع النصي.
Page 9
المدرسة الشكلانية
 
ساهمت الظروف التي عاشتها القارة الأوربية في مطلع القرن العشرين في إحداث تحولات كبيرة في مجال الفن والأدب. فقد عرفت الحياة الأدبية هيمنة النقـد السوسيولوجي ذي الخلفيات السياسية والإيديولوجية. ولم يعرف تراجعا إلا بمجيء التيار الرمزي الذي حاول الإلمام بأسرار اللغة الشعرية. غير أن الرمزيين أنفسَهم لم يتجاوزوا حدود مفهوم اللغة الشعرية الذي تعدته الشكلانية.
 
والشكلانية هو اللقب الذي أطلق على التيار النقدي الأدبي الذي راج بروسيا يبن السنوات 1915 و1930 وتبنته فرقتين:
 
الأولى تمثلت في مجموعة من الشباب أنشأت الحلقة اللسانية لموسكو تحت إشراف أكاديمية العلوم فيما بين سنتي 1914و1915. ومن أبرز عناصرها "جاكبسون" ."Jakobson"
 
والثانية هي حلقة سان بترسبورغ (ليننغراد) ويطلق عليها اسم جمعية دراسة اللغة الشعرية "OPOIAZ " وكان معظم أعضائها من طلبة الجامعة حيث قاموا بنشر أول كتاب جماعي حول الدراسة النظرية للغة الشعرية وعملوا بشكل وثيق مع حلقة موسكو. الهدف من وراء تأسيس مثل هذا التيار كان إدخال ما حققته اللسانيات في مجال الدراسات الشعرية والعمل على إيجاد طرق جديدة في دراسة اللغة لاسيما اللغة الشعرية لأنها ميدان أهملته اللسانيات التقليدية. وتجدر الإشارة إلى أن لقب ''الشكلانيين " الذي أطلق على هذه الجماعة من قبل معارضيها فيه تلميح لاهتمامها بالجانب الشكلي عند تحليل الوظيفة الشعرية للغة.
 
وسنحاول تقديم لمحة سريعة حول أهم المبادئ التي تبناها الشكلانيون والإنجازات التي كان لها الفضل في إعطاء دفع ثري للدراسات الروسية الشعرية وفي زرع البذور الأولى لنظريات أخرى مثل البنيوية والسيميائية. أول هذه المبادئ هو دعوتهم للدراسة المحايثة للغة بمعنى استخراج القوانين التي تحكم النص من داخله وتجنب أي تفسير خارجي وكما يقول جاكوبسون 'إن هدف علم الأدب ليس هو الأدب و إنما أدبيته يعني العناصر المحددة التي تجعل منه عملا أدبيا"*
 
وهم بجعلهم أدبية الأدب موضوعا لدراستهم ابتعدوا عن المفهوم التقليدي لثنائية الشكل والمضمون . فقد وضع الشكلانيون النص في مركز اهتماماتهم ورفضوا اللجوء إلى المقاربات النفسية أو الفلسفية أو السوسيولوجية التي كانت تسير الحركة النقدية آنذاك. فبالنسبة لهم لا يمكن فهم الأثر الأبي انطلاقا من حياة المؤلف أو من خلال تحليل الحياة الاجتماعية التي تحيط بالأثر.
 
المبدأ الثاني المعتمد يرتكز على رفضهم الفصل بين الشكل والمضمون فهم لا يعتقدون بأن الشكل " إناء يصب فيه سائل ما ( المضمون) وليس هو مجرد غشاء بل " وحدة intégrité " ديناميكية وملموسة لها معنى في ذاتها خارج كل عنصر إضافي (2).
 
أكد الشكلانيون في مقالاتهم التي صدرت في بداية حركتهم على أنه الاختلاف بين الشعر والنثر في جانب الصور إذ أن ميزة الأعمال الفنية جميعها تكمن في الإحساس بالشكل. فقد اعتبر شلوفسكي أن الصورة في الشعر هي وسيلة من بين وسائل متعددة تتجلى وظيفتها في جعل الشكل مدركا بصعوبة(3)
 
عرفت النظرية الشكلانية في مرحلة ثانية تكثيفا لأعمالها فقد تطرقت إلى عدد من المسائل المتعلقة بالنظرية الأدبية وكذا تاريخ الأنواع الأدبية في روسيا وفي الغرب عموما. فقد دعوا إلى ضرورة دراسة الأعمال التي لم تحظ من قبل باهتمام كبير كالمذكرات وأدب المراسلة وذلك من أجل تبيان الأنواع الأدبية المسئولة عن التوالد الأدبي ويعتقد تينيانوف في هذا السياق بأن(4) "التطور الأدبي (....) لا يحدث بواسطة الترسب (...) وإنما بواسطة انزلاق الظواهر من متوالية إلى أخرى وذلك حسب قوانين الطلب الأدبي(5). من المبادئ الأخرى التي تبنتها الشكلانية هي ميلهم إلى وصف تركيبة النص بألفاظ تقنية ورفضهم كل تأويل من شأنه أن يحجب عملية الإبداع. وبهذا عرفت دراسات الشكلانيين تحولا كبيرا فقد اتجهت إلى الدراسة العلمية والموضوعية للنصوص و أصبح روادها يتوخون الدقة والموضوعية في تحليلاتهم وهدفهم من ذلك استقلالية العلم عن كل نظرية .وتركيزهم لم يكن على إنشاء منهجية أو نظرية بل على نشر البادئ التي وضعوها .
Page 10
و تعتبر الشكلانية مصدر اللسانيات البنيوية وبما أن ميادين عديدة تأثرت بالنتائج المنهجية للبنيوية فيمكن من الآن اعتبار بأن أفكار الشكلانيين موجودة الآن في ذهن الفكر العلمي الحالي بينما نصوصهم لم تستطع تجاوز مختلف الحدود. من الشكلانية إلى البنيوية :
 
تم التخلي عن فكرة الشكل ليتم تعويضها بفكرة "البنية" وهذا بالرجوع إلى المبادئ التي نصت عليها اللسانيات ودوسوسير خاصة. فلم يصبح النص مجموعة من الأحداث المنعزلة بل كلا متناسقا تتفاعل فيه كل الأجزاء وتترابط.
 
بالاعتماد على النتائج التي توصل إليها الشكلانيون لاحظ فلاديمير بروب بأن الحكايات التي تعالج مواضيع متشابهة وتختلف شخصياتها وظروفها تتبع نفس السيرورة الحكائية بمعنى أن بعض الحركات تتكرر في جميع الحكايا وتتبع نفس الخط ونتيجة لهذا الاكتشاف ولهذه النظرة الجديدة في التحليل أخذت الدراسات النقدية منهجا جديدا. استعمل فلاديمير بروب فكرة جديدة تمثلت في الوظيفة وعرفها كما يلي:
 
" نقصد بوظيفة حركة شخصية معرفة من وجهة نظر مدلوليتها signification في سيرورة الحبكة ." l’intrigue" 2
 
وضع بروب نموذجا لدراسة الحكايا الشعبية يتضمن 31 وظيفة متتابعة تحدد الإطار الرئيسي الذي تعمل ضمنه جميع هذه الحكايا. كما أنه لا ينفي وجود وظائف ثانوية أخرى تنتظم حول هذه الوظائف وليس من الضرورة أن نجتمع في حكاية واحدة:
 
- الابتعاد: éloignement يستعمل عادة للدلالة على انتقال أحد أفراد العائلة من مكان إلى آخر + احتمال وجود خطر .
 
-المنع : interdiction يكون المنع عادة محاولة للاحتماء من هذا الخطر ويأتي على
 
شكلين: —صيغة الأمر: بتوجيه تحذير . —النصيحة أو الطلب.
 
- خرق المنع: transgression d l’interdiction يعبر عن مخالفة الأمر أو الطلب.
 
4 -الاستفسار : interrogation يتمثل في المهمة الاستطلاعية التي تقوم بها الشخصية الشريرة من أجل الحصول على معلومات حول البطل.
 
- الحصول على المعلومات : iformation يتلقى الشرير معلومات عن البطل.
 
- خداع tromperie يحاول الشرير نصب فخ لضحيته.
 
7-التواطؤ غير الإرادي : complicité naive تستسلم الضحية لخداع الشرير بشكل عفوي.
 
8— الضرر : méfait يلحق الشرير ضررا بأحد أفراد العائلة مما يعطي ديناميكية للقصة."A "
 
8-أ- الافتقار : manque ينقص أحد أفراد العائلة شيء ما و يبدي أحدهم رغبته في الحصول عليه. a
 
9 - الوساطة : médiation تأتي هذه الوظيفة بعد طلب النجدة، ويتم على إثرها إدخال البطل في سياق الحكاية. B
 
10- بداية الفعل المعاكس : début de l'action contraire يقبل البطل.بمهمة