الاهداء
إلى من عانت معي وتحملت مشاق الحياة وساندتني ووقفت إلى جانبي
(أم مريم)
وإلى زهراتي الثلاث مريم وزينب وزبيدة
كل الحب والتقدير
المقدمة
تمثل دراسة الأوضاع الاجتماعية المحور الأساس الذي تدور حوله الكثير من الدراسات، فالمجتمع هو النواة الأولى لتكوين الدول، وبدون دراسة ذلك المجتمع لن يتمكن الدارس للأوضاع السياسية أو الاقتصادية أو الفكرية وغيرها من المجالات من استكمال دراسته، فالأسرة هي اللبنة الأولى لأي مجتمع والمتكون من فئات اجتماعية ربما تتشكل حسب مهن المنتمين لها كفئة الفقهاء وفئة المدرسين وفئة الفلاحين وهكذا لتكون بدورها الدول والممالك.
لقد اشتملت الدراسة بحث لمدى التأثير الإسلامي على أفريقيا جنوب الصحراء للمدة من القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي وحتى نهاية القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي.وتمثل هذه المدة أهم حقب التاريخ الإسلامي بالمنطقة، وهي الحقبة التي ازدهرت فيها الحضارة العربية الإسلامية في تلك المنطقة، وشهدت قيام عدة كيانات إسلامية أقامها السودان، وكان الدين الإسلامي عماد ازدهارها وقوتها.
فمن هنا تبرز أهمية دراسة بلاد السودان كما سماها الجغرافيون والمؤرخون العرب، فضلاً عن الحاجة الملحة إلى إبراز تأريخها الاجتماعي بعد تأثره بالإسلام في ظل المحاولات الاستعمارية الرامية إلى قطع صلة العرب بالسودان، فضلاً عن تشويه ومصادرة التأريخ الأفريقي في أزهى فتراته.
ومن جانب آخر فإن هذه الدراسة تشير إلى ما كان عليه المجتمع السوداني قبل الإسلام من عدم استقرار، فضلاً عن عادات وتقاليد السكان الوثنية، وما حدث عليها من تغيير في ظل الإسلام،
ولقد واجه الكتاب عدة صعوبات كان من أبرزها قلة المعلومات المكتوبة من قبل المؤرخين والجغرافيين العرب عن المنطقة ولا سيما في النواحي الاجتماعية، فرغم قدم تلك المعلومات واعتماد الكثير من المراجع عليها كما يذكر ذلك المؤرخ مورفي (Murphy) قائلاً: ((زيادة ونماء في المعلومات بما يستحق الاعتبار في مصادر المعلومات المتعلقة بتطور أفريقيا جنوب الصحراء)) ([1])، والتي سبقت وصول الأوربيين بأكثر من عشرة قرون ([2]). إلا أن العديد من مناطق بلاد السودان ظلت مجهولة بالنسبة للكثير من مؤرخينا إلى فترة متأخرة، حتى أن المؤرخ الحسن الوزان(ت 959هـ/1551م) اعترف صراحة بجهله ببعض مناطق السودان، فقال: ((تنقسم بلاد السودان إلى ممالك نجهل بعضها لبعدها عن تجارتنا، لذلك لن أتعرض إلا للبلاد التي ذهبت إليها، وترددت عليها كثيراً، والتي كان التجار يأتون منها إلى البلدان التي زرتها، فيبيعون بضائعهم ويزودونني بمعلومات عنها)) ([3]).ت المنطقة نموذجاً جيداً لنقل ما أحدثه الإسلام من تغيير، ولاسيما في المدة التي وصل فيها المرابطون إلى غانة والتي أسهم خلالها الفاتحون من المرابطين في الاندماج ضمن المجتمع السوداني والتأثير عليه من خلال نقل التزامهم بأوامر الله تعالى وسنة نبيه إلى أولئك السكان، ومن ثٌم اطلاع السكان على عادات وتقاليد أولئك الفاتحين وتطبيقها.
ولا شك أن المناخ القاسي كان في مقدمة العوامل التي اعترضت سبيل المؤرخين والرحالة العرب للتعرف على هذه البلاد عن قرب وبشكل أكثر، لذلك نجد الاصطخري (ق4هـ/10م)وابن حوقل(ت:367هـ/977م)على سبيل المثال يبرران جهلهما وعدم معرفتهما الدقيقة لبعض أجزاء بلاد السودان ويعزونها إلى المناخ القاسي المتمثل في تعبيرهما بـ (الحر المانع) ([4])، الذي يمنع من العمارة والحياة، ومن ثّم صعوبة اختراق تلك الأجزاء من بلاد السودان.
كما برر بعض المؤرخين منهجهم القائم على عدم الإكثار في الحديث عن ممالك السودان بوصفها ممالك مهملة، لاحظ لها من الحضارة مقارنة مع غيرها من الممالك والدول التي نالت حظا أوفر من الاهتمام، وفي ذلك يقول الأصطخري: ((ولم نذكر بلد السودان في الجنوب، والبجة، والزنج، ومن في أعراضهم من الأمم، لأن انتظام الممالك بالديانات والآداب وتقويم العمارات بالسياسة المستقيمة، وهؤلاء مهملون لهذه الخصال، ولاحظَ لهم في شيء من ذلك فيستحقون به أفراد ممالكهم بما ذكرنا به سائر الممالك)) ([5]). ولكل تلك الأسباب جاءت المعلومات عن بلاد السودان قليلة وفقيرة.
وقد تم تقسيم هذه الدراسة إلى تمهيد وأربعة فصول، تناول التمهيد الموقع الجغرافي لبلاد السودان وتحديد حدوده وأسباب تسميته ببلاد السودان، وتناول الفصل الأول الأوضاع الاجتماعية في بلاد السودان قبل الإسلام، وتم تناول التركيب السكاني للمنطقة والمعتقدات الوثنية فضلاً عن الديانات اليهودية والنصرانية، ومن ثَّم أبرز المظاهر الاجتماعية قبل الإسلام، من خلال عرض تلك المظاهر ليصل القارئ إلى إيجاد مقارنة بينها وبين ما سيحدث من تغيير في العصر الإسلامي.
أما الفصل الثاني فقد تناول وسائل انتقال مؤثرات الإسلام الاجتماعية إلى بلاد السودان، مبتدئاً من الجهد العسكري في المنطقة بشكله البسيط ومن ثَم التجارة ودورها في نقل تلك المؤثرات من خلال وصول التجار إلى المنطقة، كما كان للهجرات إلى مختلف بلاد السودان أثر كبير في نقل المؤثرات من جانب آخر، وكان للدعاة دور واضح من خلال تواجدهم في بلاد السودان.كما أسهمت رحلات الحج بدور كبير في نقل الإسلام ومؤثراته بشكل عام ولاسيما الاجتماعية بشكل خاص، فكان الحاج بعد وصوله إلى بلده يبدأ بالحديث عما صادفه من عادات وتقاليد للمسلمين من البلدان الأخرى.
ومن جانب آخر فقد أسهمت السفارات والوفادات بين الممالك والدول في نقل تلك المؤثرات، وأخيراً كان للرقيق دور كبير في ذلك الأمر من خلال نقل مشاهداتهم عن بلدان الإسلام إلى بلادهم ونقل تعامل سادتهم الحسنة لهم، وإظهار مبدأ التسامح والمساواة في المأكل والمشرب والملبس، وقيامهم باستلام مراكز إدارية وسياسية.
وفي الفصل الثالث تناولت الأطروحة دراسة مؤثرات الإسلام الاجتماعية على الأسرة الأفريقية وابتدأ الفصل بدراسة مكانة المرأة الأفريقية بعد ظهور الإسلام، ورقيها والاهتمام بها.ومن ثم الأطفال وكيفية التعامل معهم وفق الشريعة الإسلامية، وكذلك ملابس السكان وتأثرها بالملابس الإسلامية واعتمادها مبدأ الحشمة في اختيارها، كما تناول الفصل عادات وتقاليد السكان، ومن ثَم إبراز مدى التغيير الذي أحدثه الإسلام عليها، والتطرق إلى البناء والعمران في المنطقة وإدخال أساليب العمران وفنون البناء الإسلامية إليها، فضلاً عن أثر الإسلام في تغيير نمط احتفالات السودان، وإضافة الاحتفالات الدينية إليها.
أما الفصل الرابع فتناول دراسة فئات المجتمع السوداني وأثر الإسلام فيها، مبتدئاً بفئة السلاطين والحكام في بلاد السودان ومدى تأثرهم بسلاطين الإسلام في بقية الأرجاء، والتغيير الحاصل في تصرفاتهم ومجالسهم واختلاطهم بالعامة.وكذلك التطرق إلى فئة القضاة التي تمتعت باستقلالية ومكانة سامية في ظل الإسلام.كما تم الحديث عن فئة المدرسين والمعلمين في الكُتاب والمساجد والمدارس وتأثرهم بالمدرسين في بلاد المغرب والمشرق الإسلامي.
ثم تمت الإشارة إلى فئة التجار التي أسهمت بشكل فعال في نشر الإسلام ومؤثراته، والإشارة إلى ما أحدثه الإسلام من تغيير على عمل هذه الفئة بالالتزام بما أقرته الشريعة الإسلامية، كما تطرق الفصل إلى فئة الحرفيين والصناع وانتظامهم في تجمعات ونقابات، وإدخال مهن جديدة إلى المنطقة، وكذلك إبراز المكانة التي وصلها أفراد تلك الفئة في ظل الإسلام، كما تم الحديث عن فئة الفلاحين والتزامهم بزراعة الأرض، وإدخال الوسائل الزراعية المتطورة بعد الإسلام، مما أدى إلى حدوث انقلاب جذري في حياتهم من خلال تحولهم إلى أحرار، فأصبح من حق الجميع امتلاك الأرض وزراعتها.
وقد أحدث الإسلام تغييراً جذرياً على فئة الرقيق من خلال رفع مكانتهم وإشراكهم في الحياة ومساواتهم مع الأحرار فكان لتلك الفئة دور فاعل وواضح في بناء المجتمع الإسلامي.
وفي الختام يجب التنويه إلى أن استخدام لفظ السودان في جميع الأطروحة كان المقصود به الدلالة على الموقع الجغرافي، أي أن اللفظة تدل على كل من سكن المنطقة من زنوج وعرب وبربر وغيرهم من الفئات. في حين جاءت دلالة الكلمة في التركيب السكاني لتشير إلى السكان الذين لم يختلطوا ولو في بداية الأمر بأحد وحافظوا على صفاتهم الوراثية.
وأخيراً أرجو أن أكون قد وفقت ولو بعض التوفيق في بيان ما أحدثه الإسلام من تغيير في حياة أولئك الأقوام الساكنين بعيداً عن مركز الحضارة الإسلامية والعالمية اجتماعياً، لينقلهم إلى حياة جديدة تختلف كلياً عما كانوا عليه من قبل. والحمد لله أولاً وأخراً.
تعريف بأهم المصادر والمراجع:
يواجه الباحث في تأريخ أفريقيا جنوب الصحراء، صعوبات كثيرة نظرا لقلة المصادر التي تعالج تأريخ المنطقة، رغم أن علاقة بلاد السودان بالعرب قديمة سابقة للإسلام، نمت وتطورت بعده، ورغم ذلك فإن الكتاب أعتمد على عدد لا بأس به من المصادر والمراجع العربية التاريخية والجغرافية والتي تفاوتت في طرحها للموضوع بين التفصيل والإيجاز من ناحية، وبين الدقة في الوصف وعدمها من ناحية أخرى، فضلاً عن عدد من المراجع المعربة والأجنبية، والتي تم تناولها كما يلي:
أولاً: المصادر الأولية:
المصادر الجغرافية:
يُعد كتاب (صورة الأرض) لمؤلفه أبو القاسم محمد بن علي بن حوقل (ت 367 هـ)، في مقدمة الكتب الجغرافية التي أشارت إلى مدن بلاد السودان، فقد أشار خلال حديثه عن بلاد المغرب إلى مدينة أودغست التي يحكمها في تلك الفترة حاكم من المغاربة، وعلاقته بملك غانة الوثني، كما تحدث في موقع آخر من الكتاب عن بلاد البجة والنوبة، وبعض عادات وتقاليد السكان هناك. إلا أن ما يؤخذ على الكتاب هو عدم تعامله بشكل جدي مع المنطقة، وتناول مدنها بشكل منفرد، إذ تناولها عند كلامه عن أقاليم المغرب ومصر.
كما يُعد كتاب (المغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغرب) لأبي عبيد البكري(ت 487/1094م) من المصادر الجغرافية المهمة والذي تحدث فيه عن بلاد السودان، واصفاً الصحراء المحيطة بها والتي يسكنها المغاربة، ثمَ تحدث عن مدن مهمة كمدينة أودغست وأشار إلى وجود النساء السودانيات المشهورات بصناعة الحلويات، كما تحدث عن ملابس سكانها.
وتم الإفادة من الكتاب عند الحديث عن معتقدات السكان قبل الإسلام، فأشار إلى ديانة سكان مدينة تكرور الوثنية والمجوسية، وإلى عبادة الثعبان في مدن أخرى، كما تحدث عن عادة توريث الحكم لأبن أخت الملك بدلاً من أبنه.
ويشير البكري إلى عادات وتقاليد حكام وعامة الناس في غانة، ذاكرا ملابس الملوك ومجالسهم، ومواكبهم، ومتحدثاً أيضاً عن طريقة دفنهم لملوكهم قبل إسلامهم وإدخالهم الطعام والشراب والملابس والخدم مع المتوفى. والتي تُعد من العادات الفرعونية القديمة.
والملاحظ على أراء البكري في كتابه (المغرب) تركيزه على العبادات الوثنية للسكان، وذكر عاداتهم وتقاليدهم وملابسهم، إلا أن كلامه جاء مقتصراً على منطقة صغيرة من بلاد السودان، وهي غانة وما جاورها من مدن.
أما المؤرخ الشريف الإدريسي المتوفى سنة 560هـ/1154م، فقد أشار في كتابه (نزهة المشتاق في اختراق الأفاق) إلى الكثير من ممالك ودول العالم، وأفرد جزءاً من الحديث عن بلاد السودان، وكان الجزء الذي تم الإفادة منه قد تم جمعه وتسميته (بصفة المغرب وأرض السودان ومصر والأندلس)، والذي قسمه إلى أقاليم، وكل إقليم قسمه إلى أجزاء، ووزع حديثه عن بلاد السودان على أغلب تلك الأقاليم والأجزاء.
فهو يشير إلى ديانة السكان قبل إسلامهم وإلى القبائل الوثنية التي لم تُسلم وكيف أن حياتهم كحياة البهائم لكونهم لا يبالون بشيء، وأنهم كثيري الفساد والنكاح، كما عاد ليشير إلى ملابس السكان ومأكلهم ومشربهم بعد الإسلام ومدى التأثير المغربي عليها، كما أشار إلى ملوك وحكام المنطقة وجلوسهم في قصرهم وملابسهم، إن الخلاصة التي يخرج بها المطلع على كتاب الإدريسي فيما يتعلق بالجانب الاجتماعي لبلاد السودان، هو قيامه بذكر صفات السكان وطعامهم وشرابهم وكذلك أوصاف ملابسهم إن وجدت.إلا إن ذلك لم يأت شاملاً لجميع المدن، بل اكتفى في بعض المدن بالحديث عن تعري سكانها، أو عن وجود الأفاعي فيها.
ولكنه لا يمكن إغفال الجهد الكبير الذي بذله المؤلف في تحديد مواقع المدن والتعريف بها، إذ إن ذلك القسم الخاص بوصف المغرب وارض السودان ومصر والأندلس كان حافلاً بمعلومات فريدة عن الصحراء وكيفية اجتياز القوافل لها، كما تضمن إشارات تاريخية هامة عن بلاد السودان، إلا إن موقع الادريسي ضمن لائحة الأسماء التي تحدثت عن بلاد السودان كان مهمشاً جداً بسبب شك جلَ المؤرخين كالعمري والقلقشندي والوزان في رواياته.
ومما يستدعي الأسف أن تكون المعلومات الواردة في وصف الادريسي غير وافية إذ كيف ينسى ذكر مدينة كلوة، وقد كان تأسيسها سابقاً لعصره بمائتي سنة تقريباً، وكانت جزر بمبا وزنجبار ومافيا تابعة لها، وهو لم يذكر شيئاً من ذلك، ومما يلاحظ على الادريسي أيضاً نقص معلوماته عن مدينة مقديشو في حين ذكر مدينتي مركه وبروه اللتين كانتا تابعتين لمقديشو، وهذا وذاك لم يدل على أن الادريسي كان جاهلاً بتأريخ أفريقيا الشرقية، والظاهر أنه لم يهتم بالاستعلام عن تلك البلاد اهتماماً كافياً.
ومن المصادر الأخرى (كتاب الجغرافيا) لأبن سعيد المغربي المتوفى سنة685 هـ/1279م، والذي يأتي في مقدمة كتب الجغرافية والرحلات العربية لكونه يحوي مادة أصلية وجادة، والكتاب مقسَم إلى سبعة أبواب، وكل جزء إلى عشرة أقسام، أورد فيها المؤلف معلومات في غاية الأهمية عن بلاد السودان عموماً، وكان من أبرز مصادره في استقاء المعلومات الرحالة ابن فاطمة والذي لا نعرف عنه شيئاً، وربما كان يرجع إلى القرن الذي سبق عصره، ونظراً لأهمية مادة أبن سعيد فقد أصبح مصدراً مهما لمن جاء بعده كأبي الفداء، والعمري، والقلقشندي، وأبن خلدون، والمقريزي، وغيرهم.
لقد شمل كتاب الجغرافيا لابن سعيد، الحديث عن دولة الكانم في السودان الأوسط وكذلك تسليطه الضوء على أهمية ميناء زيلع، وأفادنا بمعلومات هامة عن الحبشة من خلال ما قدمه من أسماء لبعض مناطق الحبشة لم يذكرها سابقوه مثل مدن:كزلة وبلاد سحرتة، وكلفور، والنجاعة، كما أشار إلى أن أهل زيلع يكررون الحج في أكثر من عام.
إلا أن معلومات أبن سعيد المغربي عن الجانب الاجتماعي في بلاد السودان جاءت قليلة جداً، واقتصرت على بيانه لما كان عليه السكان من تعري وعدم التزام قبل إسلامهم، مع ملاحظة صغيرة أثبت فيها أن التغيير الاجتماعي ولاسيما في مجال الملابس، كان يشمل السكان السودان الذين يعيشون في أماكن قريبة من مساكن العرب المسلمين.
ب – المصادر التأريخية:
ومن أبرز المصادر العربية المعتمدة في هذه الدراسة كتاب (السيرة النبوية) لابن هشام المتوفى سنة 218هـ/833م الذي كان له أثر بارز في الحصول على المعلومات المتعلقة بتعامل الرسول الكريم e مع الرعية، وفي الكلام عن الرقيق والأحاديث النبوية التي أشارت إلى حسن المعاملة والمساواة في المأكل والمشرب وكل مفاصل الحياة الأخرى.
ثم يأتي كتاب (تأريخ اليعقوبي) لمؤلفه أحمد بن أبي يعقوب بن واضح اليعقوبي (ت 284هـ/897م) والذي تحدث فيه عن بعض المدن والأقاليم المغربية التي كانت تربطها صلات تجارية مع بلاد السودان ولاسيما الأوسط منه، ومن الطبيعي أن تكون لتلك العلاقات مردود إيجابي في نقل مؤثرات الإسلام الاجتماعية إلى المنطقة، كما أشار اليعقوبي لأول مرة إلى سكان بلاد كانم من الزغاوة وإلى أصولهم وطبيعة حياتهم ولو بشكل بسيط، وقد امتاز أسلوب اليعقوبي بالبساطة في العرض، كما أنه يعد مؤرخ وجغرافي مشهود له بالثقة.
كما تطرق اليعقوبي إلى بلاد الحبشة ذاكراً ديانة السكان وحددها بأنها نصرانية يعقوبية.وكان كتابه (البلدان) قد أشار إلى ما سبق أن تحدث عنه في التأريخ.
وهناك مؤرخ آخر وهو أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري المتوفى سنة 749هـ /1349م، والذي تناول بلاد السودان في مؤلفه المسمى (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار)، فقد قسم كتابه إلى عدة أبواب، وخصص الأبواب من الثامن إلى الرابع عشر للحديث عن بلاد السودان، إذ تناول في بداية كتابه ممالك الحبشة السبع مشيراً إلى ملابس الملك وملابس السكان والمتشابهة لحد ما في معظم تلك الممالك، مركزاً على العصًابة التي يشدها الملك حول رأسه، ويبقي وسط رأسه مكشوفاً، وأشار إلى التقاليد الملكية أثناء جلوس الملك في قصره، وكذلك عند خروجه في موكبه من مكان لآخر، مصوراً قيام الجند بالنفخ في الأبواق كلما خرج الملك لكي يفسح الناس المجال لموكبه ويعلموا بقدومه.
ومن الجدير بالذكر أن المؤرخ العمري تميز عن سابقيه بالاهتمام في الجانب الاجتماعي، وذلك بالحديث عن صفات السكان من الصفح عن المسيء، وعدم قتال الأعزل والشجاعة، كما تطرق إلى مأكلهم ومشربهم ومسكنهم المبني من القصب في الريف، ومن الحجر في المدن الكبيرة، مشيراً بطريقة غير مباشرة إلى تأثرها بالإسلام.
كما تحدث بشكل جيد عن مملكة مالي على الرغم من أنه لم يسافر إليها، فكان وصفه لأحوال المملكة فريداً وغنياً بالمعلومات التاريخية، ويرجع سبب ذلك إلى اتصاله واستخباره لموظفي الدولة المصرية والتجار المصريين وغيرهم من الرجال الذين كان لهم احتكاك مباشر مع ملك مالي وحاشيته أيام مرورهم بالقاهرة في طريقهم إلى الحجاز للحج سنة 724هـ/1324م واصفاً المملكة وسكانها في بادئ الأمر، ثمَ أشار إلى وجود السحر فيها والذي كان يتحاكم الناس هناك بسببه، كما يذكر بعد ذلك جلوس السلطان في قصره بوصف دقيق وجميل، من خلال كلامه عن ملابسه وملابس حاشيته وخدمه.
إن المنهج الذي اتبعه المؤرخ العمري في كتابه يتمثل في التشابه في كلامه عن تلك الممالك، إلا أن الاختلاف كان يظهر في الإسهاب في تناول حضارة مملكة ما، والاختصار في تناول حضارة الأخرى.وإن كان ذلك يعود في المقام الأول لأهمية هذه المملكة عن تلك أو لتوفر المعلومات لمملكة عن مثيلاتها.وهو يبدأ بوصف الجغرافية السياسية للمملكة ثم يستكمل كلامه عن تلك المملكة.
ولم يكتف العمري بالتميز عن سابقيه في الحديث عن الوضع الاجتماعي لممالك بلاد السودان، بل عمل على وضع مقارنة بين تلك الممالك من حيث مسمياتها ومرتبات حكامها وموظفيها وأزياءهم.
ويقدم المؤرخ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي أبن بطوطة المتوفى سنة 779هـ في (كتابه تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار) معلومات جيدة عن بلاد السودان، تركزت في مجملها للحديث عن مدن الساحل الشرقي لأفريقيا وبالذات مدينة مقديشو في الجزء الثاني.
كما ركز المؤرخ في حديثه عن بلاد السودان على السودان الغربي، سارداً خلالها ما صادفه من أحداث في رحلته تلك، مبتدئاً من اللحظة التي دخل فيها الصحراء من مدينة سجلماسة وصولا إلى مدينة تغازى، والتي تحدث عنها قائلاً أن بيوتها مبنية من الملح لكثرته فيها، كما تحدث عن مأكل ومشرب سكان المدينة المتكون من لحوم الجمال، فضلاً عن التمر المجلوب من وادي درعة.
ويبدأ الحديث عن الجانب الاجتماعي للمنطقة لدى وصوله إلى مدينة أيوالاتن، والتي تبعد شهرين عن مدينة سجلماسة، إذ يشير إلى استقبال حاكمها أو كما تعني كلمة(فربا)نائب الحاكم، ويصف المؤرخ مجلس ذلك الحاكم ومدى تأثره بمجالس المسلمين في المغرب من خلال انتقال تلك المؤثرات إليه عن طريق بربر مسوفة الموجودين في بلاده.فقد شاهد أبن بطوطة ذلك الفربا وهو جالس على بساط داخل سقيف وأن اتباعه قد وقفوا خلفه وبأيديهم الرماح والقسي، كما يقف وراءه كبراء مسوفة، ولا يتكلم ذلك الحاكم مع التجار الوافدين ومنهم مؤرخنا أبن بطوطة إلا بترجمان.وهي حالة استخدمها حكام السودان حتى في الحالات التي كانوا يتقنون اللغة العربية، حيث يعدونها تشريفاً وكرامة لهم وقد استغربها أبن بطوطة وعدَها احتقاراً له ولمن هم بيض البشرة جميعاً.
ومن جانب آخر فقد ذكر أن انتساب القوم الساكنين في مدينة أيوالاتن يعود إلى الخال، إذ لا ينتسب أحد منهم إلى والده، ولا يرث الرجل المتوفى إلا أبناء أخته، ويستغرب ذلك الفعل من أناس مسلمون، ويقول أنه لم يشاهد تلك الأفعال إلا لدى كفار المليبار في الهند.كما يتحدث عن الحرية التي تتمتع بها النساء هناك لكونهن يخالطن الرجال، وإن اتخاذ الصواحب للرجال والأصدقاء بالنسبة للنساء أمر طبيعي. ويضرب مثالاً على ذلك، ما رآه عند قاضي المدينة من تواجد فتاة صغيرة السن تتسامر معه وهو قاضي.ويبدو أن استغراب أبن بطوطة قد جاء من كون المنطقة التي أتى منها محافظة على تعاليم الدين، وهي قديمة العهد بالإسلام مقارنة ببلاد السودان، والدخول الغير البعيد للإسلام فيه، كما أن طبيعة المنطقة الحارة واختلاط السكان فيما بينهم قد ساعد على ذلك، ويبدو أن ذلك الاختلاط من وجهة نظر السودان غير مُحرم لأنه لم يصل حد الزنا.
ويستطرد أبن بطوطة بعد ذلك في الكلام عن الجانب الاجتماعي من خلال كلامه عن الأواني المصنوعة من القرع، وكذلك الحلي الزجاجية التي ترتديها النساء هناك، والمجلوبة من بلاد المغرب بأيدي التجار الحاملين للملح.ثم يكمل كلامه ذاكراً المدن التي تربط بين ايوالاتن وصولاً إلى دولة مالي، ويتحدث عن الضيافة التي قام بها له قاضي المدينة عبد الرحمن فذكر أنه قد أرسل إليه بقرة للضيافة فضلاً عما بعثه الترجمان وبقية مستقبليه، كما يتحدث أبن بطوطة عن طعام دولة مالي، وتشابه معظمه مع طعام المغرب الإسلامي.
ومن الجدير بالذكر أن المؤرخ أبن بطوطة قد أفادنا كثيراً في وصفه الدقيق لمجلس السلطان وقصره في دولة مالي والمدن الساحلية التي زارها كمقديشو وكلوة، وتحدث عن حكامها بإسهاب وعن ملابسهم واحتفالاتهم بأعياد الفطر والأضحى، والحديث عن حرسهم وجندهم ككل، مما ساعد في رسم صورة واضحة عن بلاطات أولئك الحكام، كما يذكر العديد من أفعالهم وعاداتهم الحسنة والسيئة منتقداً ما كان يتنافى مع الشريعة الإسلامية.
إن مؤلف أبن بطوطة المسمى الرحلة كتاب قيًم قد أفاد الأطروحة في أغلب فصولها، رغم ما فيه من مبالغات وتناقضات.
ويأتي كتاب (العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر) للمؤرخ عبد الرحمن بن محمد بن خلدون المتوفى سنة 808هـ/1405م ليتحدث عن بلاد السودان بشكل سريع وغير متكامل، وعلى الرغم من عدم زيارته للمنطقة إلا أنه أعتمد الدقة في الحصول على المعلومات من خلال لقائه بفقيه من أهل غانة، واستعانته به في تحقيق الأحداث والأسماء.
أما معلوماته عن مملكة مالي فكانت قليلة وشفوية، بسبب عدم معرفته بالمنطقة من الناحية الجغرافية والبشرية ما جعله عاجزاً عن التحكم في تلك المعلومات أو التصرف فيها بحسه التأريخي المعهود، وهذا ما يفسر التزامه الحرفي بألفاظ مخبريه، وصياغته للأحداث بوتيرة متسارعة وكأنًه يودً التخلص من موضوع لا يريد أن يُتهم فيه بالتطفل، وابتداع الأوهام.
وكان للمؤرخ أحمد بن علي القلقشندي المتوفى سنة 821هـ/1418م في كتابه (صبح الأعشى في صناعة الأنشا) دور فاعل في الحديث عن مدن بلاد السودان وبيان أوضاعها الاجتماعية، إلا أن الشيء الذي يظهر جلياً في كتابه هو نقله الكثير والمستمر للمعلومات عمن سبقه من المؤرخين، فقد نقل معلومات كتابه عن كتاب مسالك الإبصار لأبن فضل الله العمري، وكتاب تقويم البلدان. ففي بداية حديثه تحدث عن بلاد البجة وبلاد النوبة، مشيراً إلى طعامهم وشرابهم، وإلى حدود تلك المدن وما يجاورها من أقاليم، كما يشير في كتابه أيضاً إلى دول السودان الأوسط والغربي كالبرنو والكانم، ودولة مالي، إلا أنه لا يتحدث عن الجانب الاجتماعي فيهما سوى إشارات بسيطة عن ملابس السكان ولهذا السبب كانت الإفادة منه قليلة إذا ما قورنت بالمعلومات التي جاء بها أبن فضل الله العمري.
وكان لكتاب (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار) للمؤرخ أحمد بن علي بن عبد القادر المقريزي المتوفى سنة 845هـ/1441م دور واضح في أغناء المادة التي تكلمت عن بلاد البجة وشعبها، الذي عده المؤلف من المغاربة في بداية حديثه، وأشار إلى ديانة، وعادات وتقاليد ذلك الشعب قبل إسلامهم، فضلاً عن تحدثه كسابقيه عن كثرة الأفاعي في بلاد السودان وما لها من أثر في حياة السكان.
كما تناول شعب النوبة وتقاليده والمعاهدات التي عُقدت بينهم وبين المسلمين والأثر الذي تركته تلك المعاهدات على الأوضاع الاجتماعية للبلاد، فضلاً عن إشارته إلى الديانة النصرانية في المنطقة. إلا أن ما يؤخذ على كتاب المواعظ هو عدم تناوله للكثير من المدن، وكذلك عدم اعتماده على من سبقه من المؤرخين والجغرافيين المسلمين في كتاباتهم التي ضمت الكثير من المعلومات كالادريسي والعمري مثلاً.
ويعد كتاب (تاريخ الفتاش في أخبار البلدان والجيوش وأكابر الناس) لمؤلفه القاضي محمود كعت المتوفى سنة 936هـ/1259م وكتاب (تاريخ السودان) للشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن عمران بن عامر السعدي المتوفى سنة 1066هـ / 1655م واللذان تناولا مملكة سنغاي في السودان الغربي بشكل مُركَز متحدثين عن نشوئها، ومن ثَم تأريخها في عهد الاسكيا الحاج محمد ومن تبعه من الحكام، وتأتي أهمية هذين الكتابين من أن مؤلفيهما من أبناء المنطقة وعاصرا كثيراً من أحداثهما، إلا أن ما يؤخذ عليهما التركيز على شخصية الاسكيا الحاج محمد (898-934هـ/1493-1528م)، والتي احتلت مكانة بارزة في المصنفين إلى درجة يمكن معها اعتبار تأريخ الفتاش وتاريخ السودان، مؤلفين في ترجمة ذلك الحاكم.
كما يؤخذ عليهما أنهما جاءا متأخرين عن المدة الزمنية للبحث وكثيراً ما طغت عليهما الروايات الشفوية ذات السمة الأدبية مما جعل الكثير من تلك الروايات عرضة للتزوير في أصولها وتأريخها نظراً لطول تداولها، ولهذا توجب على الباحث التعامل معها بحذر. وتدفعنا القراءة المتأنية لتاريخ الفتاش إلى الاقتناع بأن العديد من الروايات التي يطرحها ليست لصاحب التأليف الأصلي، ومن المرجح أنه ليس للمحققين يد في ذلك لأنهما اعتمدا على ما توافر لديهما من النسخ المخطوطة، ويمكن رصد عدد من المؤشرات التي تثير الشك ومنها: عدم ترابط فقرات الكتاب في الكثير من فقراته، والتكلف الفاضح لعدد من الجمل، وانعدام وحدة الأسلوب.
وعلى الرغم من مجهودات المستعربين في تحقيق المصنفين السودانيين واجتهادهم في فك الكثير من الألغاز التي تكتنفهما، بقي عملهم محدوداً بسبب استعمال المصدرين للكثير من المصطلحات السودانية والكلمات الدارجة التي يصعب فهمها، وترتًب على ذلك بقاء مجموعة من أسماء الأعلام والقبائل والألقاب والمواقع الجغرافية غامضة لدينا.
ورغم ذلك إلا أن الاعتماد على تلك المصادر أمر ضروري لاعتبارات عًدة أهمها أنهما يقربوننا من وجهة نظر السودانيين أنفسهم في ماضيهم وكيفية تصورهم لتأريخهم، الشيء الذي يساعد في مقاربة الذهنية السودانية بأقل السقطات، ونجد أن الأسطورة تشغل حيزاً هاماً في المصنفين السودانيين، إذ كثيراً ما تؤطر الأحداث التاريخية البارزة.
ويأتي المؤرخ الحسن بن محمد الفاسي الوزان المعروف بجان ليون الأفريقي المتوفى سنة 959هـ/1552م بمؤلفه المسمى (وصف أفريقيا) وفي جزأيه الأول والثاني ليتحدث عن بلاد السودان ذاكراً بعض مدنه، ألا أنه تحدث بشكل مختصر عن المنطقة قياساً لما أفرده من صفحات حديثه عن بقية مناطق القارة الأفريقية، وتناول في جزئه الأول المقسوم إلى قسمين، الأول تحدث فيه عن أفريقيا كقارة مبيناً حدودها وأقسامها واضعاً بلاد السودان في القسم الرابع، ثم حدد بعد ذلك الممالك الموجودة فيها، إلا أنه ركز على الممالك الخمسة عشرة التي زارها، محدداً بعد ذلك أصل الأفارقة ومنهم السودان والذين ينسبهم إلى كوش بن حام بن نوح عليه السلام. ثم تحدث عن ديانة الأفارقة قبل إسلامهم. ثم يختم بالحديث عن صفاتهم المحمودة الحسنة، ومن ثًم السيئة إلا أن كلامه ذاك جاء مختصراً وبسيطاً.
وفي الجزء الثاني يتحدث المؤرخ الوزان عن بلاد السودان بشكل أوسع من جزئه الأول، إذ يشير إلى المنطقة في الباب السابع من ذلك الجزء مبتدئاً من مدينة ولاتة واصفاً السكان فيها وفي بقية المدن بأنهم كالبهائم في عيشهم لا ملوك لهم ولا أمراء ولا عادات لهم ولا تقاليد، وأنهم عراة بدون ملابس، وليس لأحد منهم امرأة خاصة في دلالة إلى انتشار الزنا.
وفيما يتعلق بملابس أهل ولاتة فيشير المؤرخ إلى أنهم يرتدون اللثام رجالاً ونساءً، ويؤكد أن عاداتهم وتقاليدهم هي نفس عادات وتقاليد جيرانهم في الصحراء، كما يتحدث عن مدينة جيني والتي يطلق عليها وكما سماها البرتغالييون غينيا ذاكراً إرتداء سكانها اللثام، وبعد ذلك يتناول الكتاب مملكة مالي كما يسميها، محدداً حدودها، ثم يتناول مدينة تنبكتو والتي بناها منسا سليمان سنة(610هـ).
لقد تناول المؤرخ الوزان الجانب الاجتماعي لمدينة تنبكتو حينما تحدث عن الجانب العمراني فيها وعن دور المهندس الساحلي والبنائين المغاربة في بناء الدور والقصور، كما تحدث عن وجود دكاكين للصناع والتجار فيها.ومن جانب آخر فهو يشير إلى تحية السودان لملوكهم والمتمثلة بالجلوس على الركبة ووضع التراب على الرأس والأكتاف والتي كانوا يؤدونها منذ وثنيتهم.كما يقول أن سكان تنبكتو يحبون الفرح والسرور والمرح، وقد تعودوا على التجوال في المدينة حتى وقت متأخر من الليل.
لقد عمل المؤرخ الوزان كل ما في وسعه لإيصال معلومات كاملة عن المنطقة، فقد أوغل في استكمال النظرة الشاملة على المنطقة التي يزورها.حتى إذا عجز عن الوصول إلى بعض المناطق النائية جداً كالممالك السودانية الموغلة في الجنوب، بحث عن أهلها أو عمن يعرفها من غيرهم مستكشفاً أحوالها ومثبتاً في ذلك غاية التثبيت.كما أنه كان دقيقاً حينما يذكر ما شاهده بنفسه، عما يروي له عن المناطق من غيره.
ومن جانب آخر فقد امتاز المؤلف بنزاهته وحياده التام في كل ما كتب غير متأثر بعاطفة قرابة أو دين أو وطن.فنجده يمدح قوما من جهة، ويذم آخرين من جهة أخرى، ويذكر أن بعض النساء جميلات محتشمات في جهة، وأخريات قبيحات أو فاجرات في جهة أخرى، ويصف مكان على أنها جميلة وأخرى قبيحة.
غير أن تلك المزايا لم تعصم المؤلف من الوقوع في هفوات جغرافية وتأريخية صارخة. وكانت أغلب الأخطاء صادرة من الناقل إلى العربية من خلال الخطأ في الحروف مما أدى إلى تحريف الاسم كجيني المسماة غينيا وغيرها، وقد أعتذر عن ذلك حين أقر بقلة المصادر وبعد تلك المواقع.
ج – المصادر الفقهية:
لقد تم استخدام عدد من المصادر الفقهية في الأطروحة، ولاسيما في المباحث التي تم التطرق فيها إلى مسائل يوجبها الشرع، فكان لكتاب (السير الكبير) لمؤلفه محمد بن الحسن الشيباني المتوفى سنة (189هـ/804م)، في المسائل المتعلقة بالرقيق وكيفية التعامل معهم، والوسائل التي وضعتها الشريعة الإسلامية لتحريرهم، كما أوضح الكتاب في الباب المخصص للرقيق الطريقة التي كان يكرم فيها السيد المسلم عبده، لذا كان لذلك الكتاب أهمية كبيرة في ذلك المجال.
فكان لكتب الحديث الشريف مكانة بارزة في بيان توجيهات الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ويأتي في مقدمة تلك الكتب (كتاب صحيح البخاري) لمؤلفه أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري المتوفى سنة (256هـ/869م)، فقد تم الإفادة منه في التطرق إلى الأحاديث النبوية الشريفة وإسنادها إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.
وكان لكتاب (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) لمؤلفه محمد بن أحمد بن رشد القرطبي المتوفى سنة 595هـ أثر كبير في دعم الأطروحة بالمادة المتعلقة بحالات الزواج والطلاق والمهور وما إلى ذلك من مسائل أقرها الشرع، ولهذا السبب تم أخذ معلومات قيمة من هذا الكتاب.
ومن الجدير بالذكر أن موفق الدين أبو محمد عبد الله بن قدامة المتوفى سنة 630هـ تناول في كتابه (المُغني) الحديث عن الأسرة الإسلامية ونقل عادات وتقاليد الأسرة المسلمة إلى بلاد السودان، كما تناول في كتابه هذا الحديث عن العلاقات الاجتماعية بين المسلمين والدعوة إلى التسامح والمحبة وحب الغير، وكذلك دعوة الله تعالى الناس إلى طاعة الوالدين والتزاور بين الأقارب ورعاية ذوي القربى، وهذه الأمور تم سحبها على السكان في بلاد السودان.
ثانياً: المراجع العربية:
لم تكن المعلومات الواردة عن بلاد السودان مقتصرة على المصادر الأولية، لا بل إن الكثير من تلك المعلومات جاءت في كتب المؤرخين المحدثين سواء العرب منهم، أم غيرهم من الكُتاب المؤلفين للكتب الأجنبية والتي عُربت، أو التي بقيت بلغتها الأم، وكان لكتاب (تأريخ الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء) لمؤلفه الأستاذ الدكتور دريد عبد القادر نوري الفضل الكبير في إغناء الكتاب بمعلومات قيمة عن الجانب الاجتماعي لبلاد السودان، ومدى تأثره بالإسلام.
فقد كانت بداية الكتاب مفيدة جداً فيما يتعلق بالموقع الجغرافي للمنطقة، ومن ثًم الحديث عن الأوضاع الاجتماعية لها قبيل الإسلام، من خلال تناوله للمعتقدات الدينية للسكان وانتشار ظاهرة السحر والعرافة، ونبذة مختصرة عن العادات والتقاليد التي كانت سائدة هناك، والتي حاربها الإسلام.
كما تم الإفادة من المادة العلمية الموجودة ضمن ثنايا الكتاب والتي تحدثت بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن الوسائل التي أنتقل بها الإسلام، والتي تشابهت مع وسائل انتقال المؤثرات، وكان الحديث واضحاً حينما تناول الكتاب ملابس السكان، وأنتقالهم من مرحلة التعري إلى إرتداء الملابس المحتشمة، ومن ثًم مساكنهم، ومدى التغيير الحاصل عليها بعد الإسلام.
ومن الجدير بالذكر أن الكتاب قد أحتوى على مادة جيدة جداً فيما يتعلق بالتعريف بمناطق وشخصيات بلاد السودان وأفريقيا جنوب الصحراء بشكل عام، وضعها المؤلف بصورة منظمة في نهاية كتابه.
ومن المراجع المهمة الأخرى أيضاً كتاب (بداية الحكم المغربي في السودان الغربي) لمؤلفه محمد الغربي والذي تناول في صفحاته الأخيرة الأوضاع الاجتماعية في بلاد السودان ولاسيما الغربي منها، متحدثاً بشكل جيد عن التغيرات التي حدثت على المجتمع بعد وصول السعديين إلى بلادهم.
وعلى الرغم من أن المدة التي تناولها الكتاب جاءت متأخرة نوعاً ما بالنسبة للبحث، إلا أنها في نفس الوقت أغنته بمادة جيدة حول فئات المجتمع، وطريقة حياتهم، وملابس السكان ومأكلهم ومشربهم والقضايا التي تم إدخالها من قبل المغاربة المسلمين إلى المنطقة، كما تناول الكاتب الاحتفالات الدينية كعيدي الفطر والأضحى، وإحياء ليالي شهر رمضان ولاسيما ليلة القدر، واستقبال أهًلة الأشهر العربية.
وكان للمولد النبوي استقبال خاص في مدينة تمبكتو بالذات، حيث يستمر الاحتفال بذلك اليوم طيلة النهار، وتم الاحتفال برأس السنة الهجرية ويوم عاشوراء ويوم ختم القرآن الكريم، فضلاً عن الاحتفال بيوم ختان الطفل والعقيقة وغيرها من المناسبات الاجتماعية، ومن جانب آخر كان هناك احتفالات رسمية تقام عند تتويج السلطان أو عند خروجه في موكب من قصره.
كما تحدث المؤلف في كتابه عن المسكن السوداني ومدى تأثره بمنازل المسلمين القادمين من مدن أخرى من الناحية المعمارية وما يحتويه ذلك المنزل من أثاث، فضلاً عن الأدوات المستخدمة في الطبخ وتقديم الطعام.
لقد قدم المؤلف معلومات جيدة فيما يتعلق بالجانب الاجتماعي لبلاد السودان في تلك المدة، والتي أنفرد هو بنقلها.
وهناك مرجع آخر تحدث عن السودان الغربي، ولاسيما (مملكة سنغاي في عهد الأسقين) لمؤلفه عبد القادر زبادية، فقد تناول بلاد السودان قبل تسلم الأسقين للحكم وبعد أن تكلم عن الأوضاع السياسية للبلاد والإدارة في ذلك البلد، عاد ليتناول الجانب الاجتماعي من خلال تحديد الفئات الاجتماعية، كما تحدث عن المسكن والملبس والمأكل والمشرب، وتناول حياتهم العامة في تلك المدة وعاداتهم وتقاليدهم، ومدى تأثرها بالإسلام.
إلا أن ما يؤخذ على المؤلف هو عدم الدقة في تقديم المعلومة في بعض الأحيان، فهو يشير إلى مسألة معينة من خلال الحصول عليها من مصدر معين، وعند العودة إلى نفس المصدر ونفس الطبعة التي استخدمها المؤلف عبد القادر زبادية، لا نجد ذلك الكلام الذي أشار إليه، وكانت تلك الحالة قد تكررت بشكل واضح عند استخدامه للكتب السودانية ككتاب تأريخ السودان للسعدي، وكتاب التاريخ الفتاش لمحمود كعت واللذان أعتمد عليهما المؤلف بشكل كبير.
ويأتي بعد ذلك المؤلف إبراهيم علي طرخان في كتبه الثلاث، (إمبراطورية غانة الإسلامية) و (إمبراطورية البرنو)، و (دولة مالي الإسلامية) ليبين بشكل بسيط تأريخ تلك الدول قبل وبعد إسلامها، وقد تحدث في كتاب إمبراطورية غانة عن تأسيس تلك المملكة ودور السوننك في ذلك، وتناول معتقدات وعادات وتقاليد السكان قبل إسلامهم، ومن ثًم وصول المرابطين وتحرير مدينة أودغست، وبعدها غانة.
كما أشار طرخان إلى التحية الوثنية التي كان يتبعها السودان والمتمثلة بوضع التراب على الرأس والجلوس على الأرض والتي رفضها الإسلام ونهى عنها، وكذلك تكلم عن القضاء في غانة والاحتكام إلى حكم الماء الأحمر المرفوض من قبل الإسلام، مشيراً إلى التغيير الحاصل على المجتمع ككل، وأعتمد الأسلوب نفسه في جميع كتبه، إلا أنه يؤخذ عليه كسابقيه قلة المعلومات عن الجانب الاجتماعي مع التركيز على الاوضاع الاجتماعية قبل الإسلام وليس خلاله، كما أعتمد في تدوين المعلومات على ما ذكره المؤرخ البكري بشكل كبير فقد نقل عنه كثيراً، واستخدم أسلوب الإحالة بين كتبه الثلاث.
ومن المراجع التي تناولتها الأطروحة، كتاب (الإسلام والتقاليد القبلية في أفريقيا) للمؤلف محمود سلام زناتي، والذي تناول في كتابه العادات والتقاليد القبلية في بلاد السودان قبل وبعد إسلامهم، إلا أنه لم يفصل بين ما كان قبل الإسلام وبين ما تم إلغائه والقضاء عليه بعد دخول الإسلام إلى المنطقة.
فهو حينما يتحدث عن التعري أو الحياة الجنسية يفصل فيهما ويعممهما على جميع السكان كما يلاحظ عليه ميله رغم إسلامه إلى طباع وعادات الوثنيين، لا بل ويفضلها على عادات المسلمين ويضرب مثلاً على ذلك حينما يقول أن لدى الهوسا في النيجرـ يجبر الأب ابنته على الزواج من رجل لا ترغب فيه.بينما الوثنيين يستطيع الأب أن يعارض زواج ابنته لكنه لا يستطيع أن يفرض عليها رجلاً معيناً.فهو يعتبر ذلك أمرا محمودا.
كما ركز على الأسرة الأفريقية بشكل عام ذاكراً، عادات تلك الأسر في الزواج والطلاق ومكانة المرأة في ذلك المجتمع، إلا أنه كعادته تكلم عن الجانب القبلي هناك ولم يذكر أي شيء عن حياة السكان في المدن.ومن جانب أخر فإن ما يؤخذ على الكتاب عدم توثيقه للكلام الذي ذكره في ثنايا الكتاب.فجميع النصوص تحمل طابعاً خطراً في حياة ذلك الشعب إلا أنها لم تكن قد نسبت إلى مصدر أولي أو مرجع قريب العهد من فترة الدراسة.ويبدو أن زناتي كان قد حاول إيصال فكرة عن ذلك المجتمع في الفترة التي كتب فيها هو ولم يعد بكلامه إلى ما كان يجري في العصور الوسطى.والغريب في الأمر كيف كون كل تلك الفكرة وجعلها في كتاب وهو لم يكن من سكان المنطقة دون أن ينسب ذلك الكلام إلى أحد.
وكعادة الكتاب المصريين فهو في ختام كتابه يسطر مجموعة من المراجع التي تعود في أصولها إلى الكتاب الغربيين، بما يحملونه من عدم إنصاف لذلك المجتمع.
وكان للمجموعة التي أصدرتها منظمة اليونسكو والتي حملت أسم (تاريخ أفريقيا العام) وبثمان مجلدات دور واضح في إغناء الأطروحة بالمادة التاريخية عن المنطقة، وخاصة المجلد الرابع والذي يبدأ من القرن الثاني عشر وينتهي في القرن السادس عشر الميلادي.
فذلك المجلد يحوي عدد من البحوث مقسمة على شكل فصول، تبدأ من الفصل السادس في التطرق لبلاد السودان، من خلال الكلام عن دولة مالي منذ تأسيسها وحتى السقوط ثم في الفصول التي تليه يأخذنا باحث أخر في الكلام عن مملكة الصنغاي.وبعد ذلك يتحدث عن دول الساحل الشرقي الأفريقي والقرن الأفريقي في فصول أخرى، كما أن المجلد لم يفضل الحديث عن ممالك ومدن السودان الأوسط.
ومن الجدير بالذكر أن بحوث المجلد تناولت ولو بشكل بسيط الحياة الاجتماعية في بلاد السودان بشكل خاص، وأفريقيا جنوب الصحراء بشكل عام.وتناولت الحرف الصناعية للسكان وتكوينهم لنقابات عمالية، وظهور التجارة والتجار، والتبادل التجاري بين المغرب العربي وبلاد السودان فضلاً عن كلامه عن التنظيمات القبلية في دول السودان، وسكان المدن الكبيرة، والعمران الذي ادخله المسلمون على قصور ومساجد المنطقة.
وخلاصة القول أن الكتاب لم يخلو من فائدة نابعة من كون كاتبي البحوث هم من المتخصصين المنتمين إلى تلك المنطقة.
ثالثاً: المراجع المعربة:
ومن المراجع المعربة التي تم استخدامها في، كتاب (الإسلام في شرق أفريقيا) لمؤلفه ترمنجهام، والذي وصل إلى المنطقة كمبشر للمسيحية ثم تداخل مع السودان، وتعًرف على عاداتهم وتقاليدهم وتأثرها بوصول الإسلام، وقد تناول في كتابه انتشار الإسلام في شرق أفريقيا والمجتمعات الإسلامية التي قامت هناك، وتحدث عن دور المسلمين في نشر الحضارة الإسلامية.
كما كان لكتاب (رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان) للمؤلف جون لويس بوركهارت مكان آخر، ولو بشكل بسيط، فقد تحدث الكاتب عن المجتمع السوداني بشكل عام والنوبي بشكل خاص، مشيراً إلى ملابس السكان وعاداتهم وتقاليدهم، وتعاملهم فيما بينهم، ومع الداخلين إلى بلادهم، إلا أنه في نفس الوقت كتاب يتحدث عن فترة تاريخية متأخرة.
ومن المراجع المعربة الأخرى كتاب (الحضارات الأفريقية) لمؤلفه دنيس بولم، الذي أشار في كتابه إلى بعض العادات والتقاليد، وإلى ملابس السكان وطعامهم وشرابهم. إلا أن الشيء الذي يؤخذ على كتابه هو عدم التقيد في الكلام، فهو لم يشير عند كلامه مثلاً عن بعض العادات والتقاليد إلى مدى ارتباطها بالإسلام والمسلمين، وهل هي تعود للوثنية أم للإسلام، كما أن القارئ للكتاب يجد نفسه وكأنه محصور ضمن موقع جغرافي محدد داخل الغابات الأستوائية لأفريقيا.
رابعاً: الرسائل والاطاريح الجامعية:
ومن جهة أخرى فقد تم الاعتماد على مجموعة من الرسائل والأطاريح الجامعية التي امتازت بالدقة في حديثها عن المنطقة، فمثلاً كان للفصل الخاص بالجانب الاجتماعي من أطروحة الدكتوراه الموسومة (التأثيرات الحضارية العربية الإسلامية على السودان الغربي) لـ (فوزية يونس فتاح) دور كبير في إغناء الدراسة بمعلومات جيدة عن المنطقة مستعرضاً عادات وتقاليد السكان قبل الإسلام ومعتقداتهم، وممارستهم السحر، ومن ثم قيامهم بإبطال عادات وثنية حاربها الإسلام كالجمع بين الأختين والقتل ووأد الأولاد وبقية المعاصي.
كما تناول الفصل الجانب الاجتماعي بعد الإسلام، من خلال استعراض التغيير الذي حدث على العادات والتقاليد وكذلك الملابس والمأكل والمشرب والتطور العمراني الذي حصل في المنطقة.
أما أطروحة الدكتوراه الموسومة (العلاقات العربية الإسلامية مع الساحل الشرقي الأفريقي)، لـ (خولة شاكر محمد الدجيلي) فقد أسهمت بشكل كبير في أغناء الأطروحة بمعلومات وافية عن الساحل الشرقي ومدنه، وطريقة معيشة السكان واختلاطهم بالعرب المسلمين المهاجرين إلى بلادهم للحد الذي بدأ السكان السودان بإتباع تلك المعيشة والعادات والتقاليد في مدنهم وتزاوجوا مع السكان الأصليين للبلاد ليكونوا جيلاً جديداً من السكان.
وكان لرسالة الماجستير الموسومة (الحركة الصليبية في ساحل شرق أفريقيا)، لـ (عمر سلهم صديق) اثر في بيان مدن الساحل وانتشار الإسلام فيها، ومدى تأثرها بالمجتمع الإسلامي، إذ توضح الرسالة في صفحاتها الأوضاع الاجتماعية للسكان، وما أحدثه الإسلام من تغيير في طرق البناء للقصور والدور، واستخدام الزخرفة الإسلامية فيها، وكذلك ارتداء السكان للملابس العربية الإسلامية وما إلى ذلك من مسائل تتعلق بهذا الجانب.
كما كان لرسالة الماجستير الموسومة (دولة كانم ـ دراسة سياسية اقتصادية)، لـ (شوكت عارف محمد) دور كبير في رفد االكتاب بعناصر السكان العرب ووصولهم إلى منطقة بحيرة تشاد.
التمهيد : التسمية والموقع
أ ـ أصل التسمية:
يُعد المؤرخون والجغرافيون العرب أول من أطلق أسم بلاد السودان على أفريقيا جنوب الصحراء وعلى سكانها فقالوا: ((السودان بعد أن استوحوا لون بشرة القوم)) ([6])، ويشير القلقشندي، إلى إن ((أهلها ـ بلاد السودان ـ طوال في غاية السواد وتفلفل الشعور …)) ([7])، ويذكر مؤرخ آخر عند كلامه عن بلاد النوبة ([8])، بأن سكانها سود البشرة ([9])، وهناك دلائل أخرى تؤكد الترابط بين التسمية ولون بشرة السكان، إذ أكد ابن خلدون، ذلك بقوله: ((وقد نجد من السودان أهل الجنوب من يسكن الربع المعتدل أو السابع المنحرف إلى البياض، فتبيض ألوان أعقابهم على التدريج مع الأيام، وبالعكس …)) ([10])، ويلاحظ من خلال النص التأكيد على اللون وارتباطه بالمناخ، والتي من خلالها تمت تسمية المنطقة.
وكان استخدام مصطلح السودان تمييزاً لهم عن سكان الصحراء المغاربة، إذ تم استخدام المصطلح من قبل المؤرخين السودان كذلك ([11])، كما تم استخدام مصطلح بلاد التكرور كمرادف لبلاد السودان ولاسيما من قبل المؤرخين المغاربة، إذ إن أغلب المصادر المغربية والسودانية بعد البكري قد استخدمت مصطلح (بلاد التكرور) كمرادف لمصطلح بلاد السودان ([12])، في حين جعلته المصنفات المشرقية خاص بأحد طوائف السودان (جنس أو أمة) ([13])، وكذلك توطنهم في المنطقة الواقعة بين نهر النيجر والنيل المصري أي المنطقة المعروفة بالسودان الأوسط ([14]).
ب ـ الموقع الجغرافي:
تهتم هذه الدراسة بتأريخ أفريقيا جنوب الصحراء أو كما سميت ببلاد السودان التي يحدها من الشرق من البحر الأحمر، ويحدها المحيط الأطلسي من الغرب، كما يحدها من الشمال الصحراء الكبرى، ومن الجنوب الغابات الاستوائية ((الخراب مما يلي خط الاستواء)) ([15])، وبلاد السودان واسعة وكبيرة، إلا أنها ((قفرة في معظمها وليس لها اتصال بشيء من الممالك والعمارات إلا من وجه المغرب لصعوبة المسالك)) ([16])، وبقيت كذلك حتى القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي حيث اكتشفت عدة مسالك أخرى للوصول إليها من الشرق ومن الشمال([17])، ففي الفترة السابقة لم يكتب الجغرافيون العرب القدامى شيئاً مفصلاً عن أرض السودان فيما عدا الحديث عن منطقة الواحات، وبعض الشيء عن خطوط التجارة، حتى مجيء المؤرخ العربي البكري المتوفى سنة 487هـ/1094م، والذي تحدث عن بلاد السودان بشكل أوسع مركزاً على مدنه الكبيرة واتصال بعضها ببعض، والمسافات بينها([18]).
لقد تميزت الرقعة الجغرافية لأفريقيا جنوب الصحراء خلال مدة الدراسة بالتوسع، وذلك بفعل عوامل عَدة منها، تعَرف المؤرخين المسلمين عليها، ووصول التجار والمهاجرين العرب المسلمين إلى مدنها عاماً بعد آخر، وكذلك من خلال ظهور الدول والممالك الإسلامية في المنطقة، لذلك نجد أن من تعرض لتلك المنطقة من الكُتَاب لم يترك تحديداً واضحاً ودقيقاً للمنطقة ككُل، بل أقتصر كلامهم عن المناطق التي زاروها، أو سمعوا عنها فقط ([19])، على أن هذا لا يمنع من تأشير حدودها.
فإذا ما تمت العوُدة إلى العامل الأول وهو معرفة المؤرخين والجغرافيين المسلمين المنطقة معرفة تدريجية، فسنلحظ أن المدة المحصورة بين عصر الفزاري([20])، وأبن حوقل خالية من زيارات المنطقة باستثناء وصول أبن حوقل إلى مدينة أودغست لتسجيل ملاحظاته ومشاهداته([21])، أما الآخرون فقد كانوا يعتمدون في معلوماتهم عن المنطقة على المعلومات التي تصل إليهم من هناك، أو نقل الحكايات الأسطورية عنها والموروثة عن العصر القديم، ولهذا فقد أختلط الواقع بالخرافة وجاءت معلوماتهم غامضة ومضطربة، فضلاً عن حاجز الصحراء فقد ساهم البعد الجغرافي للمشرق الإسلامي عن المنطقة في تكثيف حالة الضبابية التي تكتنف المعلومات المتوفرة([22])، ومن الجدير بالذكر أن العديد من مناطق بلاد السودان ظلت مجهولة بالنسبة لمؤرخينا إلى مدة متأخرة حتى أن المؤرخ الوزان، أعترف بجهله ببعض المناطق، وذكر أنها تُقسم إلى عدة ممالك وأن بعضها مجهولاً بالنسبة لهم وتكون بعيدة عن مدى تجارتهم([23]).
كما أن من البديهي أن يكون هناك تفاوت في تحديد الموقع الجغرافي بين المؤرخين والجغرافيين، فكتابات أبن عبد الحكم مثلاً كانت تقتصر على المناطق الملاصقة للصحراء، وذكر الحملات الاستطلاعية الإسلامية عليها، وقد أشار إلى فتح القائد عقبة بن نافع الفهري لمدينة كوار([24])، سنة (46هـ / 666م)، وحملة عبيد الله بن أبي عبيدة إلى أرض السودان سنة (116هـ/734م)([25]). لذا جاءت معلومات ذلك المؤرخ عن موقع بلاد السودان مقتصرة على معلوماته عن المناطق التي وصلتها تلك الحملات. وكان الأمر مختلفاً عند المؤرخ اليعقوبي الذي تكلم بشكل أكثر تفصيلاً عن منطقة السودان الغربي ولاسيما دولة مالي([26])، واستمر الأمر عند بقية المؤرخين بعده من خلال الكلام عن موقع بلاد السودان بشكل مختصر، حتى تحديده بدقة من قبل الجغرافيين الواحد تلو الآخر.
فقد أشار أبن حوقل المتوفى سنة (367هـ/977م) إلى بلاد السودان بدقة من خلال وصف حدودها، ذاكراً: ((أن حداً لها ينتهي إلى البحر المحيط، وحد لها ينتهي إلى برية بينه وبين ارض المغرب، وحداً له ينتهي إلى برية بينه وبين ارض مصر على ظهر الواحات، وحداً له ينتهي إلى البرية التي لا تنبت ولا عمارة فيها لشدة الحر)) ([27]).ويبدو من خلال النص وضوح الرؤية بالنسبة لابن حوقل فيما يتعلق بالموقع الجغرافي. على الرغم من أنه لم يتوغل داخل المنطقة واكتفى بالوصول إلى مدينة أودغست ([28])، وبقية المدن الصحراوية القريبة من بلاد السودان.
ويـركـز الجـغرافي الـزهري على المـدن الـواقعة على حـدود بلاد السودان في تحـديـد الموقع الجـغرافي، فـيذكر: ((انه اكبر جـزء في معمور الأرض فـحده في
الشمال من ساحل البحر في المـغرب إلى بـلاد ازقي ([29])، إلى بـلاد المـرابطين إلى مـدينة وارقـلان ([30])، إلى صحراء المغرب إلى أول عمل مصر، وكذلك حده في الجنوب من مدينة ازقي في الشمال إلى خط الاستواء في الجنوب)) ([31]).
ويتضح من خلال وصف الجغرافي الزهري لموقع بلاد السودان الجغرافي، أن أولئك الجغرافيين قد تعاملوا مع مفهوم المكان بوصفه معطى مجرد، (تقسيم الأرض إلى أقاليم)، أو معطى جغرافي، ((رصد مواقع بلاد السودان ومدنها ومسالكها))، وأنهم يتكلمون بشكل عرضي عن القبائل السودانية التي تشغل المنطقة([32])، كما لم يختلف الجغرافي القزويني عن سابقيه في وضع حدود بلاد السودان - سوى في التسمية -، فجعل حًدها من الشمال بلاد المغاربة، ومن الجنوب إقليم المغرب ومصر، ومن الغرب المحيط الأطلسي، ومن الشرق بلاد الحبشة ([33])، إلا أن هذا التقسيم لا ينطبق والواقع إذ أن جنوب بلاد السودان تقع منطقة الغابات الاستوائية.
لقد تم تقسيم بلاد السودان إلى ثلاثة أقسام([34])، وهي الشرقي والغربي والأوسط حسب الموقع الجغرافي لكل منها، ومن الجدير بالذكر أن هذا التقسيم لم يكن معتمداً من قبل المؤرخين المسلمين، إذ تعاملوا مع المنطقة كوحدة متكاملة تحت اسم ـ بلاد السودان ـ، إلا أن ذلك لم يمنع من أنهم تحدثوا عن كل جزء منها ـ ولاسيما الجغرافيين منهم ـ بعد تقسيمها إلى أقاليم وأرباع، فحينما يتم الحديث عن السودان الشرقي والذي يشمل الحوض الأعلى والأوسط لنهر النيل وروافده جنوب بلاد النوبة ([35])، نلاحظ أن أحدهم قد جعل معظم مدنه في الربع الرابع الواقع جنوب بلاد المغرب ويقول عنه: ((وهو بلد السودان من الزنج والحبش والبجة والنوبة وفزان...)) ([36]). كما يجعل المؤرخ أبن خلدون المنطقة واقعة ضمن الإقليمين الأول والثاني، ويذكر أن سكانها ((هم الحبشة والزنج والسودان)) ([37]).
أما المؤرخ اليعقوبي فقد قسم بلاد السودان إلى ممالك كان من بينها ممالك السودان الشرقي، ذاكراً أن أبناء كوش بن نوح لما عبروا نهر النيل اتجهوا يميناً نحو الشرق وكونوا النوبة والبجة والحبشة والزنج([38]).
وفي المدة التي سبقت ظهور الإسلام كانت جل معرفة العرب بالمنطقة تنصب على بلاد الحبشة وساحلها، فقد عرفها المسلمون منذ قرون عديدة وربطتهم بها صلات قوية كانت التجارة أساسها ([39]). وقد سًهل التقارب بين الساحل العربي والحبشة في التجاذب والاختلاط بين الطرفين، وقد تظافرت عوامل عديدة لقيام تلك الصلات منها قرب السواحل العربية من الساحل، إذ ((لا يزال الفارق بينهما يضيق حتى يرى في بعض جنباته الجانب الآخر)) ([40])، كما أن معرفة العرب بمواعيد هبوب الرياح الموسمية واتجاهاتها قد مكنتهم من تنظيم رحلاتهم إلى شرق أفريقيا، فضلاً عن معرفة العرب بالفلك والنجوم واستخدامها في تحديد الاتجاهات، مما مكًنهم من الاتصال بالمنطقة قبل غيرهم، فضلاً عن عوامل الطرد المناخية والتي أسهمت في هجرة الكثير من السكان إلى أفريقيا ([41]).
لقد كانت العلاقات بين السودان الشرقي والعرب قديمة جداً وممتده إلى عهد الفراعنة في مصر سنة (2470ق. م) في عهد (ساحورع) من الأسرة الفرعونية الخامسة، حين قام المصريون برحلة في البحر الأحمر وجلبوا خلالها الأخشاب والبخور من المنطقة([42])، واستمرت تلك العلاقات بين الطرفين، ثم امتدت لتشمل مناطق أخرى فوصل بعض السومريين والاكديين إلى المنطقة، إذ وجدت عملات نقدية سكت في بلاد الرافدين، وعُثر على بقايا برج قد تم بناؤه على طراز الزقورة([43]).
كما حدثت اتصالات أخرى مع السودان الشرقي تمثلت بهجرة العديد من أبناء شبه الجزيرة العربية ولاسيما من اليمن، إذ كان لدولة أوسان([44]) العربية مراكز تجارية على الساحل الشرقي تابعة لها سياسياً، حتى أن تسمية (ازانيا) التي أطلقت على الساحل كانت مشتقة من اسم أوسان([45]).
لقد هاجر اليمنيون والحضارمة إلى القرن الأفريقي واستقروا في الحبشة، وكانت قبيلة الأجاعز في مقدمة القبائل المهاجرة والتي استقرت في الأجزاء الجنوبية من مرتفعات إريتريا، ونشرت لغتها الجعزية بين سكان الهضبة، ثم تبعتها قبيلة حبشت اليمنية واستقرت جنوب مواطن قبيلة الاجاعز، لتأخذ المنطقة من تلك القبيلة أسمها ([46]).
كما أن استمرار توافد العرب إلى بلاد الحبشة قبل الإسلام قد أعاد ازدهار مملكة أكسوم ([47]) إذ وضعوا أساس الحضارة الحبشية، وغرسوا النواة التي ترعرعت منها تلك المملكة ([48]).
أما القسم الثاني من أقسام بلاد السودان فهو السودان الأوسط، والممتد من بحيرة تشاد في الشرق إلى ثنية نهر النيجر في الغرب ([49])، وأقدم ما نشأ في ذلك القسم من دول هو دولة كانم([50]) التي يعود الفضل في تأسيسها إلى الملوك الأوائل من الزغاوة([51])، ولاسيما الملك داجو (Dago) الذي أرخ لحكمه بحدود سنة 800م([52])، والذي كان يدعي أنه من نسل القائد العربي سيف بن ذي يزن([53]).
والقسم الثالث من بلاد السودان وهو الغربي الممتد من ثنية نهر النيجر في الشرق، حتى المحيط الأطلسي في الغرب ([54])، إذ يقع ضمن خط عرض 5-25 درجة شمالاً، وبين خطي طول 17 غرباً – 15 شرقاً ([55])، ولم يكن ذلك القسم مجهولاً لدى الجغرافيين والمؤرخين المسلمين، فقد ظهر بشكل واضح في القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي حينما ذكر الفلكي الفزاري بأنه توجد عبر الصحراء بلاد تسمى غانة " أرض الذهب " ([56]).
ويضم هذا القسم العديد من الممالك منها مملكة غانة التي ينتسب سكانها كما ذكر المسعودي إلى أولاد كوش بن نوح عليه السلام، وذلك بعد انقسامهم إلى فرقتين فكانت غانة من الفئة التي اتجهت غرباً([57])، وذكر القلقشندي أن غانة هي قاعدة إقليم صوصو، وموقعها خارج الإقليم الأول من الأقاليم السبعة إلى الجنوب([58])، وهناك مملكة أخرى في ذلك القسم وهي مملكة مالي، وقد تحدث عن ملكها المؤرخ أبن خلدون قائلاً: ((وملك مالي أعظم ملوك السودان لعهده مجاوراً لملكه بالمغرب على ماية مرحلة في القفر من ثغور ممالكه القبلية)) ([59])، ومملكة كاغو، أيضاً من ممالك السودان الغربي ([60]).ويبدو أن منطقة السودان الغربي كانت تُعرف بشكل ممالك وأقاليم كغيرها من أقسام بلاد السودان، وذلك لأن تقسيم المنطقة إلى ثلاثة أقسام كان مستحدثاً ولم يكُن يُعرف من قبل المؤرخين والجغرافيين المسلمين.