Page 1
المقدّمة
يُنظر لقوى العولمة الاقتصادية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية باعتبارها تهديدًا أكثر من كونها فرصة. فحينما أسقط الثوّار النظام الملكي البهلوي القديم في فبراير 1979، كانت الآمال مرتفعة بأنّه سيتمّ، أخيرًا، وضع حدّ للتدخُّل الأجنبي غير المرغوب فيه في الاقتصاد الإيراني، واستمرّ رجعُ صدى الهدف الأكثر تفاخرًا به عن الاستقلال الاقتصادي يتردّد في كافّة ممرّات السلطة في طهران منذ ذلك الوقت. ولكن، على أيّة حال، بعد أكثر من ثلاثة عقود لم يتمّ التوصّل لتوافق بين النخَب الحاكمة للبلاد في الإجابة عن السؤال حول ماهية هذا الاستقلال الاقتصادي وشكله، وبأيّة وسائل يمكن بلوغه. وقد ترتّب على ذلك، نشوب صراع حول ميراث هذا الطموح الثوري المهمّ طوال عهد ما بعد الثورة في إيران. وخلافًا لتوقّعات الكثيرين بأنّه بمجرد انتهاء الثورة ستسعى الجمهورية الإسلامية لتحرير الاقتصاد وتطبيع العلاقات مع العالم الخارجي، استمرّ الصراع حول الهدف المثالي للاستقلال الاقتصادي حيًّا بعد تعزيز الجمهورية الإسلامية لمواقعها ووفاة مؤسّسها الكاريزمي، آية الله الخميني.وطبقًا لهؤلاء الذين افترضوا أنّ دولةَ ما بعد الثورة سوف يتحتّم عليها التراجع عن التشدُّد الظاهر للحركات الثورية والتحرّك بمرور الوقت تجاه الحالة «الطبيعية»، كان استمرار نضال إيران من أجل الاستقلال الاقتصادي محيِّرًا إلى حدّ ما. وإذا ما وضع في الاعتبار، بشكل خاصّ، أهمّية قطاع البتروكيماويات للاقتصاد الوطني، فقد يبدو أنّ معارضة الجمهورية الإسلامية لإملاءات العولمة يمثّل إنكارًا تامًّا للترابط الجوهري القائم بين هذا القطاع وبين النظام الاقتصادي العالمي. فمن خلال تصدير النفط الخام واستيراد البنزين، وكذلك استيراد طائفة واسعة من السلع الاستهلاكية (وبالرغم من القيام بذلك في ظلّ رسومٍ جمركية مرتفعة)، كانت دولة إيران ما بعد الثورة قد أظهرت بالفعل استعدادها للقبول بالعديد من أوجه الارتباط الاقتصادي بالعالم الخارجي، وظلّت في الوقت ذاته حسّاسة لقضايا أخرى مثل تحرير تدفّقات رأس المال الأجنبي.
وعلى أيّة حال، يمكن تفهّم هذه الأبعاد المتناقضة في المنهج الإيراني تجاه الاقتصاد العالمي حينما يولى الاهتمام للطبيعة المعقّدة لخبرات ما بعد الثورة. فبدلًا من البحث عبثًا عن إشارات «للتطبيع» ما بعد الثورة، فإنّه من المهم تقدير إلى أيّ مدى كان الصراع ما بين الفصائل الحزبية للفائزين في الثورة في حدّ ذاته نتيجة عادية للثورة. فمع انغماس الطيف المتعدّد للحركة الثورية في عملية طويلة من الجدال حول مستقبل النظام الجديد، فقد تمّ اجتذاب سياسات نظام ما بعد الثورة في عدّة اتجاهات مختلفة، أما هؤلاء الذين كانوا ينتظرون تقدّمًا سلسًا وخطيًا تجاه مفهوم معيّن «للتطبيع» فقد خاب أملهم بالتأكيد. ومع الوضع في الاعتبار أنّ طموحات أيّ ثورة تكون بالضرورة متعدّدة المحاور، وغالبًا ما يتمّ التعبير عنها في هيئة شعارات غامضة بحيث تكون جذّابة في نظر أكبر عدد ممكن من الجمهور، يصبح من المتوقّع احتدام الجدال حول السؤال عن كيفية تأويل مثل هذه الطموحات في الأجل الطويل. وفي حالة إيران، كان الصراع حول تعريف نظام ما بعد الثورة مستمرًّا منذ عام 1979، وكان واحدًا من العواقب النبيلة لهذا الصراع تقلّب النهج الاقتصادي ما بين الإصلاح ومناهضة الإصلاح.
ويقوم هذا الكتاب بتحليل عملية التفاوض المعقّدة حول السياسة الاقتصادية التي جرت خلال عهد ما بعد الثورة بين الفصائل المختلفة للنخبة الحاكمة في الجمهورية الإسلامية، فكلّ فصيل من هذه الفصائل سعى إلى تشكيل علاقة إيران مع قوى العولمة الاقتصادية وفقًا لرؤيته الخاصّة، وبينما كان هناك اتفاق بين كافّة هذه الفصائل على أنّه لا يجب السماح للشركات الأجنبية باستغلال الاقتصاد الإيراني بطريقة غير عادلة، فقد انخفض مستوى الاتفاق العامّ حينما طُرح السؤال حول ما هي الإجراءات المحدّدة التي يمكن اتخاذها لتحقيق هذا الهدف. ومن أجل تفسير لماذا ظلّت الدولة الإيرانية ما بعد الثورة على ولائها للتصوّر المثالي العامّ حول الاستقلال الاقتصادي حتّى مع الإقدام على طرح سياسات معيّنة تهدف إلى تسهيل تدفّق رأس المال الأجنبي، ركّز هذا الكتاب على الإطار الدستوري الذي تمّ تأسيسه في إيران بعد الإطاحة بالملَكية البهلوية. وكان من الضروري أن تقوم هذه الدراسة حول الإصلاح ومناهضة الإصلاح في عهد ما بعد الثورة على قاعدة هيكل الدولة المضمر، كون معالم النضال في الجمهورية الإسلامية حول السياسة الاقتصادية قد تشكّلت، وعلى نحو يتعذّر تجنّبه، في ظلّ السياق السياسي الذي تمّ اتخاذها فيه.
ومع الوضع في الاعتبار أنّ معارضة نظام بهلوي مضت يدًا في يد مع توجيه نقد جريء وواضح لعلاقة التبعية الاقتصادية الإيرانية الواضحة للرأسمالية الغربية، فقد تمّ تشكيل هُويّة نظام ما بعد الثورة إلى حدّ كبير في ظلّ رواية قوية عن معارضة الغرب، وتمّ وضع صياغة لهذه الهُويّة في دستور الجمهورية الإسلامية الجديد. وبالرغم من أنّ الدستور خدم من أجل التأكيد على الأهداف المشتركة للنخب الإيرانية الحاكمة في فترة ما بعد الثورة مباشرة، فقد سمح دستور 1979 أيضًا بمساحة معقولة للصراع بين الفصائل السياسية حول سؤال كيف يمكن على أفضل وجه ترجمة هذه الأهداف الأساسية إلى سياسات فعلية، وعلى أساس إدارتها للعمل اليومي. وكانت مساحة هذه الصراعات بين الفصائل السياسية قد تمّ صياغتها، إلى حدّ كبير، صياغة متميّزة مختلطة من قِبل كلّ من المؤسّسات المعيّنة والمنتخبة التي تواجدت في الدولة الإيرانية ما بعد الثورة. وبشكل خاصّ، فبينما مالت الهيئات المعيّنة للنخب الحاكمة للجمهورية الإسلامية إلى الارتباط القوي بالميراث الثوري المعارض للإمبريالية والمعارض للعولمة، فقد كان هناك بعضهم في المؤسّسات المنتخبة الذين طوّروا هُويّات ومعتقدات جديدة أكثر قبولًا بقوى العولمة الاقتصادية. ولم تكن الهيئات المعيّنة والمنتخبة، بالطبع، لديها مواقف ضدّ بعضها البعض طول الوقت، ولكن هذا الكتاب سوف يبيّن كيف شكّلت وجهات النظر المتنافسة للمؤسّسات المختلفة الجدال حول هدف الاستقلال الاقتصادي على مدار الأعوام منذ عام 1979.
Page 2
ولاختبار إلى أيّ حدّ ذهبت النخب الإيرانية الحاكمة في مفاوضاتها حول مدركاتها للتهديدات والفرص المرتبطة بقوى العولمة الاقتصادية في عهد ما بعد الثورة، فقد تمّ توجيه اهتمام خاصّ للمجادلات الحيّة التي حدثت منذ عام 1979 حول موضوع الاستثمار الأجنبي في مؤسّسات الجمهورية الإسلامية المنتخبة (وعلى وجه التحديد في البرلمان والحكومة)، وكذلك في مؤسّساتها المعيّنة (والتي تشمل مجلس صيانة الدستور، ومجمع تشخيص مصلحة النظام، والقيادة)، والصحافة الإيرانية. وبشكل عامٍ، يبيّن الكتاب كيف تشكّلت هذه المجادلات، في جانب منها على الأقلّ، من قِبل هؤلاء الذين يعتقدون أنّ الاستقلال يمكن تحقيقه فقط من خلال النمو الاقتصادي الذي يتمّ تغذيته جزئيًّا بالاستثمارات الخارجية، ومن جانب آخر بهؤلاء الذين يعتقدون أنّ أيّ تشجيع لمثل هذه الاستثمارات سوف يؤدّي فقط إلى الاستغلال وخيانة المصالح الإيرانية، مع مجموعة من المعتدلين الذين وقفوا في المنتصف بين كلّ من وجهتي النظر. ومع ارتفاع النفوذ وانخفاضه الممارَس من قِبل كلّ مجموعة من هذه المجموعات على مدار عهد ما بعد الثورة، فإنّ الحدّ الذي سمح به لرأس المال الأجنبي بالتمدّد داخل الحدود الإيرانية قد تغيّر في أغلب الأحيان بأسلوب لا يمكن التنبّؤ به. وعلى الرغم من ذلك، فإنّه مع الإشارة للإطار الدستوري الفريد لجمهورية إيران الإسلامية، يمكن فهم عدم القدرة على التنبّؤ وتفسيرها على نحو أفضل.
وحيثّ لم يتمّ فحص مجادلات الصراع حول الاستقلال الاقتصادي في إيران من قبل بعمق كبير، فإنّ هذا الكتاب يعتمد بشكل رئيسي على المادّة الأولية التي أمكن الحصول عليها من زيارات ميدانية لإيران خلال الفترة الممتدّة بين عامي 2005 و2007. وقد تمّ الإشارة إلى الصحف والمجلات، والنقاشات البرلمانية، والتقارير الحكومية، والمقابلات مع النخبة السياسية الإيرانية من أجل إعطاء تفصيلات أكبر لموضوع هذا الكتاب، مع توظيف مصدرين مستقلّين ثقات على الأقلّ وراء كلّ واقعة من أجل التأكّد من دقّة الحساب. فبينما حملت تعليقات المقابلات دون أدنى شكّ وجهات نظر أحاديّة ومنحازة، فإنّها مع ذلك قدّمت تبصراتٍ قيّمةً لوجهات النظر المحدّدة التي تمّ التعبير عنها من قِبل كافّة أركان الجدال، وقد ساعدت المقابلات مع النخب الحاكمة من كافّة الفصائل على أن تضيف ألوانًا وحياة لسجل التسلسل الزمني المقدّم في فصول هذا الكتاب. وقبل سرد الصراع ما بين الفصائل يمهّد الفصلان الأول والثاني، على أيّة حال، للمشهد بموجز للإطار النظري والخلفية التاريخية التي تكمن وراء مناقشات بقيّة الكتاب.
ويُسهب الفصل الأول في النقطتين الرئيسيتين لفهم التفاعل ما بين الإصلاح ومناهضة الإصلاح في السياسة الاقتصادية الإيرانية بعد عام 1979. النقطة الأولى، هي التأكيد على أهمّية إعادة التفكير في مفهوم ما بعد الثورة «الترميدور»، والذي وفقًا له يقال إنّ الثورات تمرّ بمسار دورة من الحكم المعتدل إلى الراديكالية ثم العودة إلى الحالة «الطبيعية» وذلك على غرار إحلال حكم الإرهاب الذي أعقب الثورة الفرنسية في عام 1789 بحكم أكثر اعتدالًا في شهر ترميدور (يوليو) عام 1794. ويجادل هذا الفصل بدلًا من ذلك بالتقدير الكامل لاستمرار عواقب الثورة لفترة طويلة، وكما يتبيّن من استمرار مشاهدة صراع مؤسّسيّ ملموس لفترة طويلة بعد انتهاء الثورة نفسها. وثانيًا، يطوّر هذا الفصل الحجّة القائلة بأنّ هذا الصراع ما بعد الثورة ينبغي تحليله مع إشارة محدّدة للسياق السياسي الذي تمّ في إطاره. فوضع كلّ من الهياكل المؤسسية المحلية والعلاقات الخارجية مع العالم في الاعتبار ضروريّ من أجل توفير فهم أفضل لديناميات الصراع الإيراني من أجل الاستقلال الاقتصادي.
ومن وجهة نظر تهدف إلى شرح جذور الرغبة الثورية في الاستقلال الاقتصادي في المقام الأول، يقدّم الفصل الثاني قصة مواجهة إيران مع الاقتصاد العالمي من وجهة نظر الثوّار المعارضين للشَّاه، الذين انتقدوا الاختراق الاقتصادي والسياسي لإيران من قِبل القوى الأجنبية منذ عصر القاجار. فاحتجاج عام 1872 ضدّ الامتيازات التي منحها الشاه ناصر الدين للبارون جولي دي رويتر تعدّ مثالًا واحدًا على بعض الأحداث التي جذبت انتباههم. وهناك أحداث أخرى مثل احتجاجات التبغ في عام 1891 ومعارضة امتيازات دو آركي في عام 1901، إلى جانب التعبيرات التي هي أكثر عمومية عن العواطف الوطنية التي تمّ استثارتها خلال الثورة الدستورية في الفترة 1911-1906 وكذلك بالطبع عند تأميم صناعة النفط الإيرانية في عام 1951. وعزّزت الإشارة إلى مثل هذه الأحداث من رغبة الثوّار في تحقيق قطع مع الماضي وتحقيق الاستقلال الاقتصادي مع تأسيس النظام الجديد. وبالارتباط مع الإطار النظري المعروض في الفصل السابق، يقدّم الفصل الثاني أيضًا مراجعة شاملة لوجهات نظر الفصائل المختلفة التي ظهرت في فترة ما بعد الثورة مباشرة، حيث قام كلّ فصيل بتأويل الأهداف المثالية الثورية بطريقة تختلف عن الفصائل الأخرى، وهو ما أدّى إلى توفّر الإمكانية أمام تقلّب السياسة الذي شهدناه خلال الأعوام التالية.
وحيثّ لم يتمّ فحص مجادلات الصراع حول الاستقلال الاقتصادي في إيران من قبل بعمق كبير، فإنّ هذا الكتاب يعتمد بشكل رئيسي على المادّة الأولية التي أمكن الحصول عليها من زيارات ميدانية لإيران خلال الفترة الممتدّة بين عامي 2005 و2007. وقد تمّ الإشارة إلى الصحف والمجلات، والنقاشات البرلمانية، والتقارير الحكومية، والمقابلات مع النخبة السياسية الإيرانية من أجل إعطاء تفصيلات أكبر لموضوع هذا الكتاب، مع توظيف مصدرين مستقلّين ثقات على الأقلّ وراء كلّ واقعة من أجل التأكّد من دقّة الحساب. فبينما حملت تعليقات المقابلات دون أدنى شكّ وجهات نظر أحاديّة ومنحازة، فإنّها مع ذلك قدّمت تبصراتٍ قيّمةً لوجهات النظر المحدّدة التي تمّ التعبير عنها من قِبل كافّة أركان الجدال، وقد ساعدت المقابلات مع النخب الحاكمة من كافّة الفصائل على أن تضيف ألوانًا وحياة لسجل التسلسل الزمني المقدّم في فصول هذا الكتاب. وقبل سرد الصراع ما بين الفصائل يمهّد الفصلان الأول والثاني، على أيّة حال، للمشهد بموجز للإطار النظري والخلفية التاريخية التي تكمن وراء مناقشات بقيّة الكتاب.
ويُسهب الفصل الأول في النقطتين الرئيسيتين لفهم التفاعل ما بين الإصلاح ومناهضة الإصلاح في السياسة الاقتصادية الإيرانية بعد عام 1979. النقطة الأولى، هي التأكيد على أهمّية إعادة التفكير في مفهوم ما بعد الثورة «الترميدور»، والذي وفقًا له يقال إنّ الثورات تمرّ بمسار دورة من الحكم المعتدل إلى الراديكالية ثم العودة إلى الحالة «الطبيعية» وذلك على غرار إحلال حكم الإرهاب الذي أعقب الثورة الفرنسية في عام 1789 بحكم أكثر اعتدالًا في شهر ترميدور (يوليو) عام 1794. ويجادل هذا الفصل بدلًا من ذلك بالتقدير الكامل لاستمرار عواقب الثورة لفترة طويلة، وكما يتبيّن من استمرار مشاهدة صراع مؤسّسيّ ملموس لفترة طويلة بعد انتهاء الثورة نفسها. وثانيًا، يطوّر هذا الفصل الحجّة القائلة بأنّ هذا الصراع ما بعد الثورة ينبغي تحليله مع إشارة محدّدة للسياق السياسي الذي تمّ في إطاره. فوضع كلّ من الهياكل المؤسسية المحلية والعلاقات الخارجية مع العالم في الاعتبار ضروريّ من أجل توفير فهم أفضل لديناميات الصراع الإيراني من أجل الاستقلال الاقتصادي.
ومن وجهة نظر تهدف إلى شرح جذور الرغبة الثورية في الاستقلال الاقتصادي في المقام الأول، يقدّم الفصل الثاني قصة مواجهة إيران مع الاقتصاد العالمي من وجهة نظر الثوّار المعارضين للشَّاه، الذين انتقدوا الاختراق الاقتصادي والسياسي لإيران من قِبل القوى الأجنبية منذ عصر القاجار. فاحتجاج عام 1872 ضدّ الامتيازات التي منحها الشاه ناصر الدين للبارون جولي دي رويتر تعدّ مثالًا واحدًا على بعض الأحداث التي جذبت انتباههم. وهناك أحداث أخرى مثل احتجاجات التبغ في عام 1891 ومعارضة امتيازات دو آركي في عام 1901، إلى جانب التعبيرات التي هي أكثر عمومية عن العواطف الوطنية التي تمّ استثارتها خلال الثورة الدستورية في الفترة 1911-1906 وكذلك بالطبع عند تأميم صناعة النفط الإيرانية في عام 1951. وعزّزت الإشارة إلى مثل هذه الأحداث من رغبة الثوّار في تحقيق قطع مع الماضي وتحقيق الاستقلال الاقتصادي مع تأسيس النظام الجديد. وبالارتباط مع الإطار النظري المعروض في الفصل السابق، يقدّم الفصل الثاني أيضًا مراجعة شاملة لوجهات نظر الفصائل المختلفة التي ظهرت في فترة ما بعد الثورة مباشرة، حيث قام كلّ فصيل بتأويل الأهداف المثالية الثورية بطريقة تختلف عن الفصائل الأخرى، وهو ما أدّى إلى توفّر الإمكانية أمام تقلّب السياسة الذي شهدناه خلال الأعوام التالية.
Page 3
ويصف الفصل الثالث كيف تمّ بلورة الموقف المعارض للغرب لدى الحركة الثورية وكيف تمّ وضع هذا الموقف قيد الممارسة عن طريق قادة النظام الجديد، مع التركيز على مجادلاتهم حول تلك الأجزاء في دستور 1979 التي تتعامل مع تأسيس نظام اقتصادي جديد، وتقديم موادّ محدّدة في الدستور تهدف إلى حماية الموارد الإيرانية من الاستغلال الأجنبي. كما يناقش الفصل كيف سعت الفصائل المختلفة في النظام الجديد إلى الدفاع عن هدف الاستقلال الاقتصادي خلال فترة الحرب مع العراق، مع إبراز الصعوبات التي واجهها كلّ فصيل شارك في هذه المجادلات عند محاولته التوفيق بين الأهداف المثالية للثورة وتأويله المحدّد المفضّل لديه. وبالإجمال، يركّز الفصل الثالث في نقطة أنّ غموض دعوة الثورة للاستقلال الاقتصادي هي التي شجّعت على ما أعقب ذلك من تعبير عن وجهات النظر المتنافسة حول أفضل الطرق لتحقيق هذا الهدف من قبل كلّ وجهة من وجهات النظر تلك.
وعقب نهاية الحرب الإيرانية العراقية في عام 1988، أصبحت هذه الخلافات بين فصائل النخبة المتنافسة أكثر وضوحًا في التعبير عنها. فالسؤال حول كيف يمكن إنجاز إعادة بناء الاقتصاد الإيراني بعد الحرب مع استمرار حماية المصالح الوطنية كان مثارًا لجدال ساخن خلال فترة رئاسة هاشمي أكبر رفسنجاني. ويركّز هذا الفصل على نحوٍ خاصّ على المجادلات التي أحاطت باستخدام رأس المال الأجنبي خلال فترة الخطة الخمسية الأولى والثانية للجمهورية الإسلامية، ويبيّن الفصل الرابع كيف سعت المجموعات المتنافسة إلى إعادة تعريف أهداف الثورة في سياق الاتجاهات والتطوّرات المحلية والدولية البازغة. ويوضح هذا الفصل ويعزز من حجّة الفصل الأول بأنّ الميراث الثوري كان يتم إعادة تأويله باستمرار بطرق غير متوقّعة مع كلّ ظهور لأحداث ووقائع جديدة. وحقيقة الأمر، أنّه بينما كانت هناك توقّعات مرتفعة بأنّ كلًّا من التحرّر الاقتصادي وتحسن العلاقات مع الغرب سوف تحدث بعد عام 1989، فقد اتبع الاقتصاد السياسي الإيراني مسارًا غير متوقّع خلال أعوام فترتَي رئاسة هاشمي رفسنجاني.
وقد تمّ توجيه الانتباه أكثر في الفصل الخامس للطرق غير المتوقّعة التي أثّرت بها التأويلات الجديدة لميراث الثورة الإيرانية على قرارات السياسة الاقتصادية خلال كامل الفترة الزمنية التي يغطّيها هذا الكتاب. وبالتركيز على رئاسة محمد خاتمي، يبيّن هذا الفصل كيف أنّ مجموعات معيّنة تم تنحيتها جانبًا أو تمّ تحدّيها خلال فترة هاشمي قد وجدت نفسها فجأةً في موقف كان يتيح لها صياغة منهج معدّل تجاه الاقتصاد العالمي. ويبدأ هذا الفصل بتحليل ظهور الحركة الإصلاحية وعلاقتها بصياغة منهج حديث فيما يتعلّق بالشئون الخارجية وهو المنهج الذي تمّ تبنِّيه من قِبل الرئيس خاتمي. ويبرز هذا الفصل التعقّد المتزايد للمجموعات الإيرانية ولنظراتها الاقتصادية، كما يستكشف التغيّرات اللاحقة في السياسة الخارجية. ويناقش الفصل بعد ذلك محاولة خاتمي التوصّل إلى منهج اقتصادي يمكنه من تحقيق التوازن ما بين العدالة الاجتماعية و دفع النمو الاقتصادي، كما يستكشف هذا الفصل بوجه خاصّ المحاولات التي تمّ مباشرتها خلال فترة رئاسة خاتمي لمراجعة وتحديث قانون البلاد لحماية وجذب الاستثمار الأجنبي.
وبالطبع، فقد استمرّت الرؤى المتنافسة بشأن الاستقلال الاقتصادي في التواجُد خلال كامل فترة ما بعد الثورة في إيران، وأعقب فترة الإصلاح العودة مجدّدًا للاتجاه المعاكس. ويفحص الفصل السادس الحجج التي تمّ تقديمها للاستجابة لمحاولات إدارة خاتمي في الإصلاح، حيث تمّ تقديم هذه الحجج من قِبل مجموعة من المناهضين للإصلاح الذين أيّدوا محمود أحمدي نجاد في انتخابات 2005 الرئاسية. وبعد مراجعة انتقادات هذه المجموعة للعولمة، يناقش هذا الفصل بالتفصيل جهد المعارضين للإصلاح في إعاقة الاستثمارات الأجنبية غير المرغوب فيها من الدخول للبلاد.
ويقدّم الفصل السابع تحديثًا لقصّة صراع إيران من أجل الاستقلال الاقتصادي بمناقشته للتحدّيات التي استمرّ أحمدي نجاد في مواجهتها كرئيس على الرغم من عزمه على تحقيق «ثورة إسلامية جديدة» بحيث يكون بمقدورها أخيرًا تحقيق الاستقلال الاقتصادي. ويلفت هذا الفصل الانتباه إلى حقيقة أنّه مع تعدُّد الفصائل المتنافسة المعارضة لخطط أحمدي نجاد بشأن الاقتصاد الإيراني، فقد بقي تحقيق التنمية الوطنية بدون اللجوء المكثّف لرأسمال قوى العولمة هدفًا غامضًا، مليئًا بالخلافات. ويبيّن الفصل من ثَم كيف أنّ النضال من أجل الاستقلال الاقتصادي ومنذ عام 1979، لم يتحرك قطّ على مسار وحيد سلس لمدّة زمنية طويلة. وإضافة إلى ذلك، يفحص هذا الفصل ردود فعل مناهضة الإصلاح للعقوبات التي تمّ فرضها على إيران من قِبل القوى الغربية في هذا الوقت، وهي مناهضة تبرز كيف أنّ السياسات الاقتصادية لإيران قد تمّت صياغتها عن طريق إدراك مرتبط بالتهديد الخارجي بالقدر نفسه الذي كانت تشي فيه عن الطموحات الداخلية للنفوذ والسلطة.
وعقب نهاية الحرب الإيرانية العراقية في عام 1988، أصبحت هذه الخلافات بين فصائل النخبة المتنافسة أكثر وضوحًا في التعبير عنها. فالسؤال حول كيف يمكن إنجاز إعادة بناء الاقتصاد الإيراني بعد الحرب مع استمرار حماية المصالح الوطنية كان مثارًا لجدال ساخن خلال فترة رئاسة هاشمي أكبر رفسنجاني. ويركّز هذا الفصل على نحوٍ خاصّ على المجادلات التي أحاطت باستخدام رأس المال الأجنبي خلال فترة الخطة الخمسية الأولى والثانية للجمهورية الإسلامية، ويبيّن الفصل الرابع كيف سعت المجموعات المتنافسة إلى إعادة تعريف أهداف الثورة في سياق الاتجاهات والتطوّرات المحلية والدولية البازغة. ويوضح هذا الفصل ويعزز من حجّة الفصل الأول بأنّ الميراث الثوري كان يتم إعادة تأويله باستمرار بطرق غير متوقّعة مع كلّ ظهور لأحداث ووقائع جديدة. وحقيقة الأمر، أنّه بينما كانت هناك توقّعات مرتفعة بأنّ كلًّا من التحرّر الاقتصادي وتحسن العلاقات مع الغرب سوف تحدث بعد عام 1989، فقد اتبع الاقتصاد السياسي الإيراني مسارًا غير متوقّع خلال أعوام فترتَي رئاسة هاشمي رفسنجاني.
وقد تمّ توجيه الانتباه أكثر في الفصل الخامس للطرق غير المتوقّعة التي أثّرت بها التأويلات الجديدة لميراث الثورة الإيرانية على قرارات السياسة الاقتصادية خلال كامل الفترة الزمنية التي يغطّيها هذا الكتاب. وبالتركيز على رئاسة محمد خاتمي، يبيّن هذا الفصل كيف أنّ مجموعات معيّنة تم تنحيتها جانبًا أو تمّ تحدّيها خلال فترة هاشمي قد وجدت نفسها فجأةً في موقف كان يتيح لها صياغة منهج معدّل تجاه الاقتصاد العالمي. ويبدأ هذا الفصل بتحليل ظهور الحركة الإصلاحية وعلاقتها بصياغة منهج حديث فيما يتعلّق بالشئون الخارجية وهو المنهج الذي تمّ تبنِّيه من قِبل الرئيس خاتمي. ويبرز هذا الفصل التعقّد المتزايد للمجموعات الإيرانية ولنظراتها الاقتصادية، كما يستكشف التغيّرات اللاحقة في السياسة الخارجية. ويناقش الفصل بعد ذلك محاولة خاتمي التوصّل إلى منهج اقتصادي يمكنه من تحقيق التوازن ما بين العدالة الاجتماعية و دفع النمو الاقتصادي، كما يستكشف هذا الفصل بوجه خاصّ المحاولات التي تمّ مباشرتها خلال فترة رئاسة خاتمي لمراجعة وتحديث قانون البلاد لحماية وجذب الاستثمار الأجنبي.
وبالطبع، فقد استمرّت الرؤى المتنافسة بشأن الاستقلال الاقتصادي في التواجُد خلال كامل فترة ما بعد الثورة في إيران، وأعقب فترة الإصلاح العودة مجدّدًا للاتجاه المعاكس. ويفحص الفصل السادس الحجج التي تمّ تقديمها للاستجابة لمحاولات إدارة خاتمي في الإصلاح، حيث تمّ تقديم هذه الحجج من قِبل مجموعة من المناهضين للإصلاح الذين أيّدوا محمود أحمدي نجاد في انتخابات 2005 الرئاسية. وبعد مراجعة انتقادات هذه المجموعة للعولمة، يناقش هذا الفصل بالتفصيل جهد المعارضين للإصلاح في إعاقة الاستثمارات الأجنبية غير المرغوب فيها من الدخول للبلاد.
ويقدّم الفصل السابع تحديثًا لقصّة صراع إيران من أجل الاستقلال الاقتصادي بمناقشته للتحدّيات التي استمرّ أحمدي نجاد في مواجهتها كرئيس على الرغم من عزمه على تحقيق «ثورة إسلامية جديدة» بحيث يكون بمقدورها أخيرًا تحقيق الاستقلال الاقتصادي. ويلفت هذا الفصل الانتباه إلى حقيقة أنّه مع تعدُّد الفصائل المتنافسة المعارضة لخطط أحمدي نجاد بشأن الاقتصاد الإيراني، فقد بقي تحقيق التنمية الوطنية بدون اللجوء المكثّف لرأسمال قوى العولمة هدفًا غامضًا، مليئًا بالخلافات. ويبيّن الفصل من ثَم كيف أنّ النضال من أجل الاستقلال الاقتصادي ومنذ عام 1979، لم يتحرك قطّ على مسار وحيد سلس لمدّة زمنية طويلة. وإضافة إلى ذلك، يفحص هذا الفصل ردود فعل مناهضة الإصلاح للعقوبات التي تمّ فرضها على إيران من قِبل القوى الغربية في هذا الوقت، وهي مناهضة تبرز كيف أنّ السياسات الاقتصادية لإيران قد تمّت صياغتها عن طريق إدراك مرتبط بالتهديد الخارجي بالقدر نفسه الذي كانت تشي فيه عن الطموحات الداخلية للنفوذ والسلطة.
Page 4
الفصل الأول
الإصلاح ومناهضة الإصلاح
الإطار النظري
تبنّت المؤسّسات المالية الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي منذ وقت طويل الرأي القائل بأنّه على مؤسّسات الدولة تكييف أوضاعها مع قوى العولمة الاقتصادية. فقد اقترحت هذه المؤسّسات أنّ خفض دور الدولة لصالح السوق، سيمكّن التمويل العالمي من الانتقال بحرية عبر الحدود وبذلك يمكن للجميع تحقيق معدّلات مرتفعة من النمو الاقتصادي. ويدّعي البنك الدولي ((2009b: 50 أنّ زيادة التكامل مع الاقتصاد الرأسمالي العالمي سوف يؤدّي إلى نمو أسرع إلى جانب خَلق المزيد من فرص العمل، وقد شجّع البنك الدولي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خاصّة على «الانتباه المستمرّ لأجندة الإصلاح الهيكلي غير المكتمل للتأكّد من التقدّم المستدام في ظلّ عالم أكثر تنافسية ـ ((World Bank 2009a: xiv. وبرغم ذلك، قاومت العديد من الدول ـ تتضمّن تلك الدول الجمهورية الإسلامية الإيرانية ولكنّها لا تقتصر عليها ـ هذا الدفع تجاه الإصلاح الاقتصادي.وبالتحديد فإنّه في تلك الأجزاء من العالم التي استدعت فيها المرحلة الحالية من العولمة الاقتصادية ذكريات الهيمنة الاقتصادية التي غالبًا ما مضت يدًا بيد مع الإمبريالية الأوربّية، وجدت النخب الحاكمة أنّه من الصعب عليها أن تتبنّى بإخلاص القواعد الأنجلو ـ أمريكية للعبة التي يبشر بها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. فحيثما كان يسود الشعور بأنّ الخبرات السابقة في الاتصال مع القوى الاقتصادية الأجنبية قد أدّت إلى نتائج ضارّة إلى حدٍّ بعيد بالمصالح الوطنية، كانت الدول تميل إلى الحرص للحيلولة دون السماح للتاريخ بأن يكرّر نفسه. فالطموح للتحرّر من قيود الإمبريالية الغربية أثبت أنّه قوي ودائم، وحتّى اليوم فإنّ سياسات دول ما بعد التحرّر من الاستعمار استمرّت بطرق عدّة متأثّرة بالإدراك المتعلّق بالماضي (Tripp 2001: 215).
لم يكن الموقف الحذِر تجاه قوى العولمة الاقتصادية، على أيّة حال، مستمرًّا على أساس مظالم الماضي فقط. ففي الممارسة العملية، تلعب الاهتمامات الراهنة دورًا مهمًّا أيضًا في مقاومة العديد من الدول السلطوية وشبه السلطوية للإصلاحات الاقتصادية النيو ـ ليبرالية. ومع الوضع في الاعتبار الحجّة التي يقول بها بعضهم من أنّ التمويل العالمي قد عزّز قوّته إلى حدّ أنّ الدول قد فقدت سلطتها الاقتصادية(1)، ولذا فليس هناك ما يبعث على الدهشة عند اكتشاف تواجد نخب سياسية مصمّمة على التمسّك بتحكّمها في الاقتصاد المحلّي بقدر ما تستطيع، آملة تجنّب أيّ خسارة مصاحبة في سلطتها السياسية. وعلى الرغم من أنّه تم إظهار أنّ النخب الاقتصادية كان بإمكانها الحفاظ على نفوذها السياسي حتّى مع احتضانها لسياسة التحرّر الاقتصادي (على سبيل المثال (Heydmann 2004 فإنّه لا يترتّب على ذلك تبنّي النظم السياسية غير الليبرالية لوجهة نظر أنّ قوى العولمة الاقتصادية هي قوى لطيفة تمامًا. بل وعلى النقيض من ذلك، فمع الوضع في الحسبان أنّ نموذج الرأسمالية الغربية قد أحضر معه درجة ما من التحرّر السياسي التي تشوّه سمعة العديد من النظم السياسية، فإنّ العولمة التي يقودها الغرب تمّ غالبًا التعامل معها بحرص شديد.
على الرغم من هذا، فبينما تسبّبت ظلال الماضي إلى جانب مشاغل الحاضر في تحدّي العديد من البلدان غير الغربية لشروط الارتباط التي وضعت من طرف البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فإنّ الأسلوب المحدّد الذي ستتفاعل به أيّ دولة محدّدة مع قوى العولمة سيكون بالضرورة فريدًا من نوعه. فكلّ دولة سوف تشكّل موقفها، ليس بسبب فضيلة بعض المنطق الضمني الذي تحظى به كفاعل موحد ومستقل(2)، على أيّة حال، ولكن بالأحرى كنتيجة لسلسلة من المفاوضات المعقّدة والدائمة التحوّل، والتي تحدث داخل النخب المختلفة وبينها، وكذلك بين الجمهور الاجتماعي الذي تعدّ هذه النخب جزءًا لا يتجزّأ منه(3). وعلى سبيل المثال، فعلي الرغم من إدراك عدد كبير من الدول أنّ شرعيتها مقيّدة بانتقاد الرأسمالية الغربية للأسباب التي تمّ ذكرها آنفًا، فإنّ طبيعة السياسات التي تتمّ صياغتها على أساس هذا النقد سوف تختلف بناءً على كيفية الارتباط بين النخب وجمهورها وبالوقائع الاقتصادية التي يعتقدون أنّ الدولة ستواجهها. فكلّ من المناصرين والمعارضين للتحرّر الاقتصادي سوف يتمّ أخذهم بالاعتبار وسيقدّرون في ضوء السياق المحدّد لكلٍّ من الزمان والمكان.
وفي حالة جمهورية إيران الإسلامية، كان السياق الذي دارت فيه هذه السجالات حول السياسة الاقتصادية يتشكل عامّة عن طريق الحركة الثورية التي جلبت النظام للوجود. وسيبيّن هذا الفصل كيف حدّد الإطار الدستوري الفريد، الناجم عن كفاح قوى الثورة، طبيعة المفاوضات اللاحقة واتجاهها حول الهدف الأعلى للاستقلال الاقتصادي في إيران. وبتوضيح هذا الفصل لذلك الأمر، فسوف يوضح أيضًا لماذا كانت الحجج الاقتصادية التي قدّمها بعض التكنوقراط، ورجال الأعمال، والنخب السياسية في البلاد والتي تحبّذ بذل جهد أكبر لجذب رأس المال الأجنبي كان عليها بالضرورة أن تتوافق مع الحجج المضادّة التي قدّمها آخرون كانوا يسيطرون على توزيع الثروة النفطية داخل البلاد، والذين يدعمون الحاجة إلى الدفاع عن الثورة وحماية الهوية الوطنية للجمهورية الإسلامية، وخاصّة في مواجهة استمرار العقوبات الغربية. وعلى سبيل التحديد، فإنّ هذا الفصل يبرز النقطة الرئيسية المتّصلة بأنّ التشجيع المتكرّر من قِبل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لا يعدّ ببساطة كافيًا لمحو الرغبة في الاستقلال الاقتصادي في إيران ما بعد الثورة. وقبل الانتقال إلى المناقشة التفصيلية لهذه الدينامية المعقّدة للإصلاح الاقتصادي الإيراني، على أيّة حال، فإنّ هذا الفصل سوف يبدأ بالتشديد على أهمّية الخبرة الثورية في هذه المقاومة المتّصلة والمستمرّة للتهديدات المدركة، والمجادلة ضدّ وجهة النظر القائلة بأنّ عمليات «التطبيع» تردّ الأهداف العليا الثورية بحيث تصبح غير ذات صلة.
Page 5
إعادة التفكير في ترميدور ما بعد الثورة
تميل عواطف ومثاليّات أيّ حركة ثورية غالبًا إلى الخمود بمجرد إنجاز الأهداف المباشرة لها، مفسحة المجال أمام بقايا ما كان قد تمّ معارضته بصخب من قِبل الثوّار لكي يعاود الظهور على السطح تدريجيًّا ويتمّ التسامح معه مرّة أخرى. ومحاكاة لردِّ الفعل الترميدوري الذي أدّى لنهاية حكم الإرهاب في فرنسا ما بعد الثورة، يبدو أنّ العديد من الثورات الكبرى في العالم قد شهدت في نهاية المطاف إحلال المحافظة محلّ الراديكالية، وربّما حتّى العودة إلى الحالة «الطبيعية» لفترة ما قبل الثورة. مع الوضع في الاعتبار أنّ كلمة «ثورة» قد بزغت من الأصل باعتبارها وصفًا للدوران المنتظم للنجوم في السماء، وتم لاحقًا استخدامها للإشارة إلى الطبيعة الدائرية للتاريخ، والتي طبقًا لها تعود كلّ الأحداث لا محالة لنقطة بدايتها الأوّلية(4)، ربّما يكون ملائمًا القول بأنّ مثل هذه النتائج يتوقّع من ثَم ظهورها.ومع تأييده لمثل هذه الأنماط من الافتراضات عن النتائج غير الثورية للثورات، جادل المؤرّخ كرين برينتون Crane Brinton (1965) بأنّ الكثير ممّا كان ثوريًّا في المراحل المبكّرة من الثورات الفرنسية، الأمريكية، والروسية أصبح مموّهًا وخفيفًا بمجرد كسب الثوّار لانتصارهم. وبوجه خاصّ، عرض برينتون الثورة باعتباره نوعًا من الحمّى التي تعبّر عن نفسها في صورة هذيان وأعراض أخرى، ثم تهدأ في نهاية المطاف حتّى يتمّ استعادة التوازن في النهاية. وبالنسبة له، فإنّ مرحلة مهمّة في «تشريح الثورة» هي تلك المرحلة التي تشهد ترميدور ما بعد الثورة، وكما جادل فإنّه فقط بعد المرور بمثل هذه المرحلة يكون النظام الجديد قابلًا للاعتدال وتعزيز نفسه، وهذا سوف يعني أنّ الشعارات الثورية التي تدعو إلى حماية الاقتصاد الإيراني من التهديدات الإمبريالية والعولمة ينبغي أن تخمد مع مسار إدراك أنّ الاندماج في الاقتصاد العالمي هو أمر حاسم لتحقيق النمو الاقتصادي والتنمية.
وعلى أيّة حال، فبينما وصف برينتون عملية «الشفاء» (ibid: 17) من حمّى الثورة باعتبارها العملية التي يتمّ من خلالها محافظة المريض على العديد من خصائصه السابقة، وهو ما ينتج عنه تحوّل السياسات الاقتصادية ما بعد الثورة لكي تعود سريعًا إلى النمط الذي كانت عليه قبل الثورة، فمن المهم على الرغم من ذلك إدراك الانطباعات المستمرّة التي تترك مع المريض عن طريق مروره بخبرة الثورة. فمع مروره بكافة المراحل المختلفة للحمى الثورية، فسوف يستمرّ في الانجذاب للعديد من المثاليّات التي حدثت له خلال أيام التهوّر في هذيانه، وبهذا فسوف يظلّ محتفظًا بعدد من الخصائص المطوّرة حديثًا. وبشكل مماثل، فسوف يظلّ أيّ نظام جديد ملتزمًا بالتمسُّك بمثاليّات الحركة الثورية التي جلبته للوجود. وهذا الاستبقاء للمثاليّات في «الحقيبة الأيديولوجية» لدولة ما بعد الثورة لا يحدث بسبب غياب تطبيع النظام وتعزيزه لنفسه، ولكن بالأحرى باعتبار ذلك جزء من العملية الجارية(5). وفي الواقع، فإنّ الارتباط بوعود الثورة يمكن، بل وينبغي، أن يتمّ تأويله على أنّه عمل بالغ الرشادة، وهو عمل يمكن أن يساعد النخب الحاكمة للدولة الجديدة على تعزيز هُويّة جماعتها، والدفاع عن شرعيتها، وتجنّب المنافسين المحتملين.
وبالرغم من هذا، فإنّه فيما يتعلّق بالحالة الإيرانية، بدا أنّ العديد من المحلّلين يؤيّدون حجّة برينتون، مشيرين إلى التطوّر الظاهر لترميدور إيران ما بعد الثورة عقب موت آية الله الخميني. وعلى سبيل المثال، تحدّث أنوشروان احتشامي AnoushiravanEhteshami (1995) عن بزوغ «جمهورية ثانية» في إيران ما بعد الخميني، التي أصبحت فيها كافّة السياسات الاقتصادية وبشكل متزايد، سواء على المستوى المحلّي أو على مستوى التعامل مع الخارج، «واقعية». وبالمثل، فقد ذكر إبراهيميان بوضوح أنّه في عام 1989، «أطلق الحكم الثنائي لخامنئي ورفسنجاني ترميدور» (Abrahamian 2008: 183). وفي نفس الأثناء، ذكر محلّلون آخرون يعيشون في الغرب للوضع السياسي الإيراني خلال التسعينيات أنّ «المثالية الثورية الإيرانية نضجت وتم عودتها للروتين» (Green 1993: 58)، وأنّ «الطريق الثوري كان يمثّل فشلًا: فالثورة الإيرانية غاصت في مستنقع الصراعات الداخلية والأزمة الاقتصادية» (Roy 1994: 25) إلى درجة أنّ سياساتها يمكن «ألّا تعتبر بعد الآن أيديولوجية» (ibid: 184). وحتّى قبل موت الخميني، توقّع هوشانج أمير أحمدي بزوغ مثل هذا الترميدور، متنبّئًا بالمزيد ممّا كان يراه ك «تحوّل تدريجي للدولة الإسلامية من التزاماتها الإيديولوجية الأولية إلى المزيد من السياسات البراجماتية» (Amirahmadi 1988: 2).
Page 6
وبالبحث عمدًا عن ترميدور ما بعد الثورة، كان مثل هؤلاء المحلّلين في الجمهورية الإسلامية يخاطرون بأن يُعموا أنفسهم عن رؤية التطوّر المعقّد الذي كان حادثًا لا محالة في دولة ما بعد الثورة. إذ يبدو أنّ هؤلاء المحلّلين قد تبنّوا وجهة نظر أنّ التاريخ عليه أن يتبع طريقًا أحاديًّا صافيًا، حيث يتمّ هجر المثاليّات «غير الرشيدة» لصالح الاحتياجات «الرشيدة»، وبهذا كانوا مدفوعين إلى رؤية الأحداث ضمن هذا الإطار فقط. وعلى وجه الخصوص، ففي مثل تلك الحالات التي كان يبدو أنّه تمّ فيها تجاهل الاحتياجات «الرشيدة» من قِبل الدولة، كان التابعون للإطار المرجعي لتشريح الثورة يبدون ناقصي التأهيل لتفسير أسباب لماذا كان الوضع على هذا النحو: وأصبح من غير المفهوم لماذا كان يجب على الدولة الإسلامية أن تقاوم التحرّر الاقتصادي، على سبيل المثال. وعلى أيّة حال، كان يمكن فهم النتائج غير المتوقعة للثورة بإدراك تواجد العديد من التفسيرات لما يتعلّق بالرشادة، والتي هي في السياق الإيراني، كما هي في أيّ مكان آخر، يمكنها أن تتسبّب في طيف واسع من المناهج التي يمكن اتباعها كجزء من صراع القوّة حول تعريف النظام السياسي الجديد، وهو ما يتسبّب في كون السياسات يتمّ تثبيتها واضمحلالها خلال فترة ما بعد الثورة بشكل دائم، وكما حدث في حالة الصين بعد ماو تسي تونج (Zhang 1996). وبدلًا من توقّع أن تحدث كافّة التطورات كعملية خطّية، فربّما يكون الأمر المساعد أكثر هو إدراك الطبيعة المتقلّبة وغير المنظمة غالبًا للتاريخ.
وباختصار، فمن الضروري إعادة التفكير في ترميدور ما بعد الثورة، ويجب أن يوضع محلّه تقدير إمكانية أن تأخذ عملية التعزيز ما بعد الثورة، ولأسباب رشيدة تمامًا وطنيًّا، شكل دمج المثاليّات الثورية إلى جانب احتياجات ما بعد الثورة. ومع الوضع في الاعتبار قوّة ومدى تهديد الحركة الثورية في إيران، فإنّ التطورات في الجمهورية الإسلامية قد تشكّلت بطيف من الاحتياجات التي كانت تنضفر هي ذاتها مع ميراثها المتصور. وكان الطيف الواسع من التركيبات المحتملة ما بين الاثنين ـ الاحتياجات والميراث المتصّور ـ هو الذي أدّى لتقلّب السياسات، جاعلًا من أيّ تطوّر خطّي على المسار الترميدوري أمرًا مستحيلًا تقريبًا. ويمكن رؤية ذلك، على سبيل المثال، في أنّ سياسات مركّزة الاقتصاد والسياسة كان يعقبها سياسات مناقضة تدعو للتحرّر الاقتصادي واللامركزية السياسية، ليتمّ فقط تعديلها مع الوقت إلى طريق وسط عبر التفاوض والتوافق، ليتمّ استبدالها مرّة أخرى بالمركزة و/أو اللامركزة.
وعلى الرغم من قيام فرد هاليداي بالتأكيد بثقة عند بداية الألفية الجديدة «بالتأكيد، وبعد أكثر من عقدين بعد الثورة، لم تعد الشعارات القديمة قيد العمل» (Halliday 2002: 157)، وفي الواقع فقد استمرّت أصداء «الشعارات القديمة» للثورة، وشكّلت السياسات الجديدة بالقدر نفسه الذي شكّلتها به الاعتبارات العملية الواضحة للزمن الحاضر. وفي الحقيقة، فإنّ كلًّا من التأثيرين لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر: فالشعارات يمكنها دعم الاحتياجات العملية، بينما الاحتياجات العملية يمكنها تعزيز الشعارات. وحيث كانت الثورة الإيرانية قد وضعت أهدافًا محدّدة، استمرّت النخب الحاكمة لدولة ما بعد الثورة في الدفاع عن تأويلها لهذه الأهداف من أجل الاحتفاظ بشرعيتها الآن وفي المستقبل. وعلى أيّة حال، ومع الأخذ في الحسبان طيف الفصائل السياسية في إيران الحديثة(6)، فقد قام كلّ فصيل من هذه الفصائل بتقديم تأويله الخاصّ للأجندة الغامضة التي شكّلت الحركة الثورية، حيث كان هناك العديد من الفرص التي تمّ انتهازها لإعادة توجيه الشعارات بحيث يمكن للمثاليّات والاحتياجات التلاقُح معًا في مُركّبات مبتكرة على مرّ الزمن (Brumberg 2001).
وإضافة إلى ذلك، فبدلًا من التفكير في الفصائل الإيرانية كما لو أنّ البعض منها كان مدفوعًا فقط بعاطفة عميقة نحو شعارات الثورة، بينما كان الآخرون موجّهين بشكل متزايد لـ «الأخذ بالأسباب» وبـ«الرشد» (كما تم المجادلة في Menashri 2001:50)، فربّما يساعد أكثر تقدير الغموض وعدم الانتظام الكامنين في الممارسة السياسية للفصائل حقّ قدره. وبوجه خاصّ، فبينما قد يتمسّك أحد الفصائل بنظرة محدّدة للاقتصاد والتي تضعه في موضع متعارض مع فصائل أخرى حينما يتعلّق الأمر باتخاذ قرار بشأن السياسة الاقتصادية، فإنّ الاثنين قد يتشاركان في وجهات النظر نفسها في القضايا الاجتماعية والثقافية. وفي هذا الموقف، فبإمكان هذين الفصيلين أن يكونا متنافسين وشريكين في الوقت ذاته. والأكثر أهمية، أنّ كلّ فصيل منهما سوف يعكس بدرجة ما التلاقي في أوجه مختلفة من أجندة المثاليّات الغامضة للثورة إلى جانب مصالح مؤسّسية مختلفة. وإلى حدّ كبير فإنّه بسبب هذه الطبيعة المعقّدة للتنافس ما بين المجموعات المتنافسة للجمهورية الإسلامية كان هناك تقلّب مستمرّ في السياسة خلال فترة ما بعد الثورة، وهو ما يجعل من توقّع تطوّر أحادي تجاه الترميدور أمرًا شديد المراوغة.
وباختصار، فمن الضروري إعادة التفكير في ترميدور ما بعد الثورة، ويجب أن يوضع محلّه تقدير إمكانية أن تأخذ عملية التعزيز ما بعد الثورة، ولأسباب رشيدة تمامًا وطنيًّا، شكل دمج المثاليّات الثورية إلى جانب احتياجات ما بعد الثورة. ومع الوضع في الاعتبار قوّة ومدى تهديد الحركة الثورية في إيران، فإنّ التطورات في الجمهورية الإسلامية قد تشكّلت بطيف من الاحتياجات التي كانت تنضفر هي ذاتها مع ميراثها المتصور. وكان الطيف الواسع من التركيبات المحتملة ما بين الاثنين ـ الاحتياجات والميراث المتصّور ـ هو الذي أدّى لتقلّب السياسات، جاعلًا من أيّ تطوّر خطّي على المسار الترميدوري أمرًا مستحيلًا تقريبًا. ويمكن رؤية ذلك، على سبيل المثال، في أنّ سياسات مركّزة الاقتصاد والسياسة كان يعقبها سياسات مناقضة تدعو للتحرّر الاقتصادي واللامركزية السياسية، ليتمّ فقط تعديلها مع الوقت إلى طريق وسط عبر التفاوض والتوافق، ليتمّ استبدالها مرّة أخرى بالمركزة و/أو اللامركزة.
وعلى الرغم من قيام فرد هاليداي بالتأكيد بثقة عند بداية الألفية الجديدة «بالتأكيد، وبعد أكثر من عقدين بعد الثورة، لم تعد الشعارات القديمة قيد العمل» (Halliday 2002: 157)، وفي الواقع فقد استمرّت أصداء «الشعارات القديمة» للثورة، وشكّلت السياسات الجديدة بالقدر نفسه الذي شكّلتها به الاعتبارات العملية الواضحة للزمن الحاضر. وفي الحقيقة، فإنّ كلًّا من التأثيرين لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر: فالشعارات يمكنها دعم الاحتياجات العملية، بينما الاحتياجات العملية يمكنها تعزيز الشعارات. وحيث كانت الثورة الإيرانية قد وضعت أهدافًا محدّدة، استمرّت النخب الحاكمة لدولة ما بعد الثورة في الدفاع عن تأويلها لهذه الأهداف من أجل الاحتفاظ بشرعيتها الآن وفي المستقبل. وعلى أيّة حال، ومع الأخذ في الحسبان طيف الفصائل السياسية في إيران الحديثة(6)، فقد قام كلّ فصيل من هذه الفصائل بتقديم تأويله الخاصّ للأجندة الغامضة التي شكّلت الحركة الثورية، حيث كان هناك العديد من الفرص التي تمّ انتهازها لإعادة توجيه الشعارات بحيث يمكن للمثاليّات والاحتياجات التلاقُح معًا في مُركّبات مبتكرة على مرّ الزمن (Brumberg 2001).
وإضافة إلى ذلك، فبدلًا من التفكير في الفصائل الإيرانية كما لو أنّ البعض منها كان مدفوعًا فقط بعاطفة عميقة نحو شعارات الثورة، بينما كان الآخرون موجّهين بشكل متزايد لـ «الأخذ بالأسباب» وبـ«الرشد» (كما تم المجادلة في Menashri 2001:50)، فربّما يساعد أكثر تقدير الغموض وعدم الانتظام الكامنين في الممارسة السياسية للفصائل حقّ قدره. وبوجه خاصّ، فبينما قد يتمسّك أحد الفصائل بنظرة محدّدة للاقتصاد والتي تضعه في موضع متعارض مع فصائل أخرى حينما يتعلّق الأمر باتخاذ قرار بشأن السياسة الاقتصادية، فإنّ الاثنين قد يتشاركان في وجهات النظر نفسها في القضايا الاجتماعية والثقافية. وفي هذا الموقف، فبإمكان هذين الفصيلين أن يكونا متنافسين وشريكين في الوقت ذاته. والأكثر أهمية، أنّ كلّ فصيل منهما سوف يعكس بدرجة ما التلاقي في أوجه مختلفة من أجندة المثاليّات الغامضة للثورة إلى جانب مصالح مؤسّسية مختلفة. وإلى حدّ كبير فإنّه بسبب هذه الطبيعة المعقّدة للتنافس ما بين المجموعات المتنافسة للجمهورية الإسلامية كان هناك تقلّب مستمرّ في السياسة خلال فترة ما بعد الثورة، وهو ما يجعل من توقّع تطوّر أحادي تجاه الترميدور أمرًا شديد المراوغة.
Page 7
دينامية الإصلاح الاقتصادي
من أجل فهم الانتقال بين الإصلاح ومناهضة الإصلاح الذي حدث في الاقتصاد الإيراني بعد الثورة، من الضروري استكشاف الإطار الدستوري والسياق الاجتماعي/الاقتصادي الأوسع الذي انغمست فيه الفصائل المختلفة للنخب السياسية الإيرانية واستمرّت في الجدال حول الميراث الثوري منذ عام 1979. ويرجع هذا لأنّ تحديد إلى أيّ مدى يمكن لأيٍّ من هذه الفصائل النجاح في سبك منهج الجمهورية الإسلامية في الاقتصاد العالمي في سبيكة واحدة مع تفضيلاتها الخاصّة هو أمر تأثر دون شكّ بموقعها ضمن هذا النظام السياسي. فكلّ النخب الإيرانية التي كان من المحتمل أن يكون لها تأثيرها على السياسة تعدّ مندمجة في شبكة واسعة تطوق الجمهورية الإسلامية، وكلّها أيضًا ملتزم بالهدف الثوري المتعلّق بالاستقلال الاقتصادي. وعلى أيّة حال، فإنّ كلّ واحدة من هذه النخب سوف تقوم بتأويل الهدف الثوري بطريقة مختلفة تتّفق مع مصالحها المادّية وتصوراتها. وسوف يختلف أثر أيًّ من الإستراتيجيات المحدّدة التي يقترحها كلّ فصيل من الفصائل لتحقيق رؤيته الخاصّة للاستقلال الاقتصادي بناء على موقعه ضمن هذه الشبكة، ويساهم صعود وسقوط الائتلافات المنافسة له في حتمية تقلّب السياسات الاقتصادية داخل الجمهورية الإسلامية.إيران كدولة ريعية
يبدو الوضع للوهلة الأولى وكأنّه من غير المحتمل أن يكون بوسع مجموعات الفصائل المتنافسة ممارسة أيّ نفوذ على السياسة الاقتصادية في إيران. فبوصفها دولة تؤمّن الغالبية العظمى من دخلها مباشرة من تصدير الموادّ الهيدروكربونية وليس من جمع الضرائب محليًّا، يمكن المجادلة بأنّ الجمهورية الإسلامية في موضع جيّد يمكنها من التمتّع بالاستقلال التامّ عن المجتمع والسيطرة التامة عليه. وطبقًا لنظرية الدولة الريعية، التي تفترض أن توفّر مصادر غير إنتاجية للدخل تضع الدول الغنيّة بهذه المصادر في موضع تكون فيه في غير حاجة إلى الاعتماد على الاستخلاص المالي من سكانها، ولكن بدلًا من ذلك يمكنها ببساطة أن توفّر لهؤلاء السكان الوظائف، والخِدمات ومزايا أخرى(7)، ويتوقّع بعضهم من ثَم أن بوسع الدولة الإيرانية الغنيّة بالنفط تحديد سياستها الاقتصادية باعتبارها هُوية مستقلّة.إضافةً إلى ذلك، ومع الأخذ في الاعتبار اعتماد إيران على سوق البترول العالمي لتوليد الدخل، فيبدو أنّ هذه الدولة المفترض استقلاليتها لا بدّ وأن تكون مجبرة على التوافق مع قواعد الرأسمالية العالمية. وفي ضوء الاعتقاد بأنّ حاجة إيران إلى النمو الاقتصادي والتنمية يمكن خدمتها على أفضل نحو فيما لو قامت الدولة الإيرانية ببساطة بتحرير اقتصادها والانفتاح على مستويات متزايدة من رأس المال الأجنبي، فيفترض بعضهم أن إملاءات قوى العولمة الاقتصادية سوف تقوم لا محالة بتشكيل السياسة الاقتصادية لهذا البلد المرتبط بشدّة بالفعل بالنظام الاقتصادي العالمي.
وعلى أيّة حال، فكما هو الحال مع الثورات الأخرى الناجحة في القرن العشرين، والتي وقعت جميعها في بلدان كانت في السابق في علاقة تبعيّة مع الرأسمالية الغربية (Dunn 1989)، بقيت دولة إيران ما بعد الثورة ملتزمة بالهدف الأعلى المتعلّق بتغيير هذه العلاقة غير المرحّب بها، والهجران التام لهدف الاستقلال الاقتصادي لصالح أيّ رشادة اقتصادية رأسمالية كان إلى حدٍّ بعيدٍ أمرًا غير مطروح للتفكير فيه. وبشكل محدّد، فكما لم يكن هناك عودة للحالة «الطبيعية» في أعقاب الثورة، فلم يكن هناك أيضًا أيّ «منطق» في أن يكون بمستطاع الرأسمالية الغربية التأثير على السياسات الاقتصادية للجمهورية الإسلامية من أعلى بأيّ طريقة ملموسة. إضافة إلى ذلك، وعلى الرغم من أنّه غالبًا ما تم توقّع أن تصبح الدولة المحرّك الرئيسي للتغيّر الاجتماعي في إيران ما بعد الثورة، فمن المهم إدراك أنّ دولة ما بعد الثورة كانت بالضرورة مقيّدة بالطيف الواسع من المجموعات الاجتماعية التي أسهمت في تأسيسها بداية. وبالتبعية، فقد كانت استقلالية دولة ما بعد الثورة محدودة للغاية.
Page 8
وبينما كان تصوّر السياسات الاقتصادية وتنفيذها في الجمهورية الإسلامية له بالضرورة تأثير في المجتمع الإيراني، كان لهذا المجتمع بدوره تأثيره في مساومات الدولة بشأن السياسات الاقتصادية المستقبلية. وقد فعل المجتمع ذلك ليس بوصفه مستقلًّا، كمجموعات مصالح خاصّة وبالأسلوب الذي يعرضه منظرو الاختيار الرشيد(8)، ولكن بدلًا من ذلك يمكن النظر لتأثير المجتمع كعنصر واحد ضمن الشبكة الواسعة التي تحتوي عليها دولة ما بعد الثورة. وباختصار يمكن القول إنّ مجموعات على كامل الخطّ الواضح الفاصل ما بين الدولة والمجتمع تقوم بالتفاوض مع بعضها البعض للوصول إلى قرارات تختصّ بموقف إيران تجاه الاقتصاد العالمي، والنضال من أجل فرصة لتشكيل مستقبل النظام السياسي الذي ساعدوا جميعًا في خلقه. وقد قامت هذه المجموعات المتقاطعة والمتنافسة بتأويل كلّ من ميراث خبراتهم التاريخية والضرورات التي يخلقها موقفهم الراهن من الاقتصاد العالمي بطرق متعارضة. وقد ترتّب على ذلك، اقتراح سياسات اقتصادية متنوّعة عند نقاط زمنية مختلفة في عهد ما بعد الثورة.
وقد استمرّ حدوث تقلّب في السياسة بسبب، هذا بالطبع إلى جانب سقوط النفوذ وصعوده الذي تمارسه الفصائل المتنافسة المختلفة، أنّ أعضاء كلّ جانب كانوا بالتدريج يجدون أنفسهم يغيرون من مواقفهم، ويصبحون متأثّرين بوجهات النظر المعارضة لهم كما يقومون هم ذاتهم بالتأثير في منافسيهم كذلك. وفي ضوء ذلك، قد يبدو أنّ موقفًا أكثر انفتاحًا تجاه قوى العولمة الاقتصادية يمكنه الظهور بمرور الوقت. وفي الواقع، فإنّ جاسون برونلي (Jason Brownlee 2007) قد اقترح أنّ تواجد نزاعات مفتوحة بين النخب في إيران ما بعد الثورة بوسعه أن يكون لدية طاقة كامنة لخلق الفضاء حتّى أمام تغيّر سياسي كبير، بما في ذلك الدمقرطة. وعلى أيّة حال، ففي الممارسة، كان أيّ ميل تجاه التحرّر الاقتصادي يُعدّ محدودًا بسبب تعقيدات عملية المفاوضة التي تجعل من غير المحتمل أن يكون المنهج النيوليبرالي المفضّل من جانب مؤسّسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مقبولًا بدون على الأقلّ أن يجد نفسه متحوّلًا عن ذلك بشكل كبير عند ترجمته العملية على أرض الواقع(9). إضافةً إلى ذلك، فيجب ألّا يتم نسيان أنّ كلّ هؤلاء الذين بوسعهم التأثير في قرارات السياسة الاقتصادية يأتون هم ذاتهم من مجموعة اجتماعية معيّنة استثمرت في حفظ النظام الأوسع للجمهورية الإسلامية، والخلاف بينهم ينجم ببساطة من حقيقة أنّ كلّ منهم يُعدّ مثبّتًا في مكان مختلف من هذا النظام (Henry and Springborg 2001: 216).
وتدعم أوضاع المجموعات الاجتماعية المختلفة ضمن الشبكة الشاملة للنظام الإيراني أكثر من وجاهة الحجّة القائلة بأنّ الجمهورية الإسلامية، ليست، في الممارسة، هُويّة مستقلّة لها سيطرة تامّة على عملية صنع السياسة الاقتصادية على النحو الذي تخيّل بعضهم أن يكون الوضع عليه(10). وعلى أيّة حال، فإنّه وفقط بسبب الطبيعة التوزيعية لدولة إيران الريعية تميل إلى أن تعني أنّ «التأييد الجماهيري يظلّ مرتبطًا باستمرار تدفّق الريع» (Gheissari and Nasr 2006: 63)، فإنّه لا يترتّب على ذلك، كما يقترح غيساري ونصر، أنّ الدولة تعدّ «بشكل عام ضعيفة» (ibid: 62). بل على النقيض من ذلك، مع كون الكثير من الناس لهم مصلحة في النظام ومن ثَم يعتمدون عليه في بقائهم، فإنّ النظام يصبح قويًّا إلى حدّ كبير بطرق عدّة. ومع تموضع بعض المجموعات التي تتجادل حول السياسة الاقتصادية بإحكام في أقسام مختلفة من شبكة الدولة الزبائنية، فمن الوارد قيامها بتقديم اقتراحات تعدّ مصدرًا للخلاف، ولكن لن يسعى مع ذلك أيٌّ منهم للنأي بنفسه كلّية عن الشبكات التي يستفيدون منها هم ذاتهم.
وعلى الرغم من أنّ هناك العديد من الحجج التي تدّعي أنّ الاعتماد الإيراني على الموادّ الهيدروكربونية قد أضاف إلى تعرّض الملكية البهلوية وأسهم في نجاح ثورة إيران(11) عام1979، فقد حافظت الجمهورية الإسلامية على قدرتها على ضمّ المجموعات المحوريّة بأساليب الزبائنية خلال فترة ما بعد الثورة، وسواء كان ذلك خلال الفترة التي كانت فيها أسعار النفط مرتفعة أو الفترة التي عانت فيها من الانخفاض (Keshavarzian 2005: 68). وحتّى الآن، أثبت نظام الحكم في إيران أنّه مرن للغاية أمام كلٍّ من الضغوط الخارجية والداخلية، ربّما بسبب أنّ تداخُل الدولة مع العديد من المجموعات الاجتماعية قد وفّر الأساس لئلّا يكونَ هناك شخص بمفرده أو مؤسّسة منفردة مصدرًا مستهدفًا لتعبير الرأي العام عن غضبه.
وبطريقة مماثلة، فإنّ منطق ما بعد الثورة الذي طبقًا له ينظر لموضوع الاستقلال الاقتصادي باعتباره أمرًا مرغوبًا فيه، والذي يبدو أنّه نتيجة له يميل الاقتراب من قوى العولمة الاقتصادية لأن يكون حذرًا، قد أثبت أيضًا أنّه مرن للغاية خلال فترة ما بعد الثورة، بسبب أنّ عددًا من المجموعات التي تدعم هذا المنطق يمكن العثور عليها في كافّة المؤسسات الرئيسة، وعلى كامل مدى النطاق الواسع لشبكات الدولة.
وقد استمرّ حدوث تقلّب في السياسة بسبب، هذا بالطبع إلى جانب سقوط النفوذ وصعوده الذي تمارسه الفصائل المتنافسة المختلفة، أنّ أعضاء كلّ جانب كانوا بالتدريج يجدون أنفسهم يغيرون من مواقفهم، ويصبحون متأثّرين بوجهات النظر المعارضة لهم كما يقومون هم ذاتهم بالتأثير في منافسيهم كذلك. وفي ضوء ذلك، قد يبدو أنّ موقفًا أكثر انفتاحًا تجاه قوى العولمة الاقتصادية يمكنه الظهور بمرور الوقت. وفي الواقع، فإنّ جاسون برونلي (Jason Brownlee 2007) قد اقترح أنّ تواجد نزاعات مفتوحة بين النخب في إيران ما بعد الثورة بوسعه أن يكون لدية طاقة كامنة لخلق الفضاء حتّى أمام تغيّر سياسي كبير، بما في ذلك الدمقرطة. وعلى أيّة حال، ففي الممارسة، كان أيّ ميل تجاه التحرّر الاقتصادي يُعدّ محدودًا بسبب تعقيدات عملية المفاوضة التي تجعل من غير المحتمل أن يكون المنهج النيوليبرالي المفضّل من جانب مؤسّسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مقبولًا بدون على الأقلّ أن يجد نفسه متحوّلًا عن ذلك بشكل كبير عند ترجمته العملية على أرض الواقع(9). إضافةً إلى ذلك، فيجب ألّا يتم نسيان أنّ كلّ هؤلاء الذين بوسعهم التأثير في قرارات السياسة الاقتصادية يأتون هم ذاتهم من مجموعة اجتماعية معيّنة استثمرت في حفظ النظام الأوسع للجمهورية الإسلامية، والخلاف بينهم ينجم ببساطة من حقيقة أنّ كلّ منهم يُعدّ مثبّتًا في مكان مختلف من هذا النظام (Henry and Springborg 2001: 216).
وتدعم أوضاع المجموعات الاجتماعية المختلفة ضمن الشبكة الشاملة للنظام الإيراني أكثر من وجاهة الحجّة القائلة بأنّ الجمهورية الإسلامية، ليست، في الممارسة، هُويّة مستقلّة لها سيطرة تامّة على عملية صنع السياسة الاقتصادية على النحو الذي تخيّل بعضهم أن يكون الوضع عليه(10). وعلى أيّة حال، فإنّه وفقط بسبب الطبيعة التوزيعية لدولة إيران الريعية تميل إلى أن تعني أنّ «التأييد الجماهيري يظلّ مرتبطًا باستمرار تدفّق الريع» (Gheissari and Nasr 2006: 63)، فإنّه لا يترتّب على ذلك، كما يقترح غيساري ونصر، أنّ الدولة تعدّ «بشكل عام ضعيفة» (ibid: 62). بل على النقيض من ذلك، مع كون الكثير من الناس لهم مصلحة في النظام ومن ثَم يعتمدون عليه في بقائهم، فإنّ النظام يصبح قويًّا إلى حدّ كبير بطرق عدّة. ومع تموضع بعض المجموعات التي تتجادل حول السياسة الاقتصادية بإحكام في أقسام مختلفة من شبكة الدولة الزبائنية، فمن الوارد قيامها بتقديم اقتراحات تعدّ مصدرًا للخلاف، ولكن لن يسعى مع ذلك أيٌّ منهم للنأي بنفسه كلّية عن الشبكات التي يستفيدون منها هم ذاتهم.
وعلى الرغم من أنّ هناك العديد من الحجج التي تدّعي أنّ الاعتماد الإيراني على الموادّ الهيدروكربونية قد أضاف إلى تعرّض الملكية البهلوية وأسهم في نجاح ثورة إيران(11) عام1979، فقد حافظت الجمهورية الإسلامية على قدرتها على ضمّ المجموعات المحوريّة بأساليب الزبائنية خلال فترة ما بعد الثورة، وسواء كان ذلك خلال الفترة التي كانت فيها أسعار النفط مرتفعة أو الفترة التي عانت فيها من الانخفاض (Keshavarzian 2005: 68). وحتّى الآن، أثبت نظام الحكم في إيران أنّه مرن للغاية أمام كلٍّ من الضغوط الخارجية والداخلية، ربّما بسبب أنّ تداخُل الدولة مع العديد من المجموعات الاجتماعية قد وفّر الأساس لئلّا يكونَ هناك شخص بمفرده أو مؤسّسة منفردة مصدرًا مستهدفًا لتعبير الرأي العام عن غضبه.
وبطريقة مماثلة، فإنّ منطق ما بعد الثورة الذي طبقًا له ينظر لموضوع الاستقلال الاقتصادي باعتباره أمرًا مرغوبًا فيه، والذي يبدو أنّه نتيجة له يميل الاقتراب من قوى العولمة الاقتصادية لأن يكون حذرًا، قد أثبت أيضًا أنّه مرن للغاية خلال فترة ما بعد الثورة، بسبب أنّ عددًا من المجموعات التي تدعم هذا المنطق يمكن العثور عليها في كافّة المؤسسات الرئيسة، وعلى كامل مدى النطاق الواسع لشبكات الدولة.
Page 9
إيران كدولة شبه سلطوية
ركّزت المناقشة السابقة على نقطة واحدة هي أنّه في جمهورية إيران الإسلامية، ليس هناك فاعل منفرد قادر على تحديد السياسة وحده، وعوضًا عن ذلك، فهناك عدد من المؤسّسات هي التي تكون فيما بينها النظام السياسي الإيراني المعاصر، وتتشكّل السياسات الناتجة عن هذا النظام بواسطة تفاعلات مختلفة تحدث بين هذه المؤسسات. والنمط الذي يتمّ به تفاعل هذه المؤسّسات مع بعضها البعض يتمّ توجيهه إلى حدّ كبير بالطبيعة «شبة السلطوية» (Ottaway 2004) للإطار الدستوري الذي تعمل في ظلّه، ولكن لمّا كان هذا الإطار معقّدًا ومتعدّد الأبعاد، فإن هناك فرصًا عديدة لكي ينتج النظام الإيراني قرارات بسياسة غير متوقّعة. وعلى سبيل التحديد، فإنّ التركيب الملغز داخل دستور ما بعد الثورة لكلّ من «المبادئ الدينية والعلمانية، والميول الديمقراطية والمضادّة للديمقراطية، إلى جانب النزعات الشعبية والنخبوية» (Boroujerdi 2001: 14) قد أفسحت المجال أمام تدافع كبير وتزاحم على النفوذ بين المجموعات والمؤسّسات المتنافسة، والتي تمثّل كلّ منها واحد من أو بعض من هذه المبادئ، والميول، والنزعات، ونتيجة هذا التدافع والتنافس هو التغيير المتكرّر في هيئة ومنظور السياسة الملاحظ منذ عام 1979.وكدولة ما بعد الثورة، فلم تقم الجمهورية الإسلامية بتدمير والإحلال محلّ كافّة المؤسسات التي كانت متواجدة قبل عهد الثورة، ولكن بدلًا من ذلك طرحت طيفًا من الهُويّات الجديدة لتجلس بجانب الوحدات الحكومية التي كانت متواجدة من قبل. وبشكل خاصّ، فإنّ الدستور ذا الثلاثة أفرع للحكومة ظلّ باقيًا، البرلمان المنتخب عن طريق الاقتراع العامّ ظلّ قائمًا، ومركز الشاه تمّ الإحلال محلّه برئيس منتخب. وإلى جانب هذه الملامح التي هي أكثر شهرة في أيّ جمهورية، على أيّة حال، تم تأسيس عدد من الأجهزة الدينية والثورية برؤية تنظر لضرورة حماية الاستقلال والهُويّة الإسلامية لدولة ما بعد الثورة، وذلك بما ينسجم مع خطّ ورؤية شخصية مؤسس الجمهورية الإسلامية الكاريزمية آية الله الخميني. وبينما بدا في البداية أنّ رؤية الخميني المؤسّسة لأسلمة المجتمع يتمّ توجيهها من أعلى عن طريق حزب جماهيري متماسك عقائديًّا وهو ما تمّ تحقيقه تحت قيادة الحزب الجمهوري الإسلامي(IRP)، فإنّه طبقًا لكلمات هوشانج شهابي فإنّ «الشمولية الإيرانية ولدت ميتة» (Chehabi 2001: 54) ونتيجة لعدم التجانس المتأصّل للمجموعة التي سيطرت على نظام ما بعد الثورة، كانت الشمولية أمرًا غير محتمل. وعوضًا عن ذلك، تم تأسيس نظامًا هجينًا حيث تتوازن السمات الديمقراطية عامّة بميول سلطوية.
وتجد العديد من هذه العناصر في الهيكل الحالي للجمهورية الإسلامية جذورها في العملية الثورية ذاتها، حيث شارك عدد من المجموعات المتباينة في حركة الإطاحة بالملكية البهلوية. ومع الوضع في الاعتبار التعدّد في الآراء القائم حتّى داخل الدائرة الصغيرة نسبيًّا من النخبة المحيطة بالخميني، ودون أن نذكر الطيف الواسع من وجهات النظر الذي كان موجودًا في التحالف الواسع للقوى الاجتماعية التي ساعدت على جعل الثورة حقيقة، فقد تمّ كتابة الدستور بطريقة جعلت التنافس بين الفصائل السياسية في أمر تأويله قدرًا محتوما(12). وإضافةً إلى ذلك، فمع تأسيس الدستور لنظام ذي سيادة مزدوجة، كما ينعكس ذلك في المزج بين كلّ من المؤسسات المنتخبة والمعينة، قدم الإطار المناسب الذي يمكن في إطاره لهذه الفصائل المتنافسة أن تستنفذ طاقتها دون أن تسبّب ضررًا مفرطًا للنظام في مجمله وبقاء نظام الحكم(13). وكما في النظم الديمقراطية، يؤمن الدستور الإيراني التنافس الانتخابي للبرلمان والرئاسة، ومعظم المنافسات بين الفصائل السياسية ما بعد الثورة حدثت بشكل مفتوح في هذه المؤسّسات الدستورية. وعلى الرغم من ذلك، فعلى حين تبدو منافسة الفصائل الإيرانية ديمقراطية، فاحتمالات أن تقوم مثل هذه المؤسّسات بتقديم إصلاح واسع المدى تعدّ محدودة للغاية عن طريق عمل العديد من الأجهزة الأخرى غير المنتخبة.
وهذا العنصر المقيّد ممتزجًا مع وجود الانتخابات هو ما يجعل الجمهورية الإسلامية هجين، نظام شبه سلطوي. وهذه النظرة لنظام الحكم الإيراني تنهض إلى حدٍّ كبير على أساس تعريف جوان لينز لنظم الحكم السلطوية باعتبارها:
نُظُمًا سياسية ذات تعدُّدية سياسية محدودة، لا يتمّ مساءلتها، بدون أيديولوجية مفصّلة، ولكن مع عقليّات منفصلة، وبدون تعبئة سياسية لا موسّعة ولا مكثّفة، إلّا عند بعض النقاط في مسيرة تطوّر هذه النظم، وحيث يمارس القائد أو أحيانًا مجموعة صغيرة السلطة داخل حدود غير معرفة بدقّة رسميًّا، ولكنّها حقيقة يمكن التنبّؤ بها تمامًا.(linz 2000: 159)
ومن الواضح أنّ جمهورية إيران الإسلامية تُظهر العديدَ من سمات هذا النموذج السلطوي، على الرغم من أنّها تجمع بين هذه السمات وسمات أخرى ترتبط عادةً بالنموذج الديمقراطي. وربّما كان الأكثر بروزًا في المشابهة بالنمط المثالي للسلطوية عند لينز هو الطبيعة المحدودة للتعدّدية السياسية الإيرانية إلى جانب أهمية العقلية الثورية لنظام الحكم الإيراني. فالدليل على التعددية السياسية يبدو في التنافس بين الفصائل والصراع الذي زادت حدّته في البلاد منذ موت الخميني في عام 1989، والعقلية المميّزة يمكن رؤيتها أيضًا في استمرار بقاء حسّ الارتباط بأهداف الثورة أمرًا أساسيًّا بالنسبة لهذه المجموعات والمؤسّسات التي تحوز على السلطة داخل نظام الحكم.
Page 10
وفي إيران، بالطبع، يُعدّ كلٌّ من الأهداف الثورية وموادّ الدستور مرنة ومفتوحة أمام عملية التأويل، ولكنّها تعدّ بعيدة كلّ البعد عن إضعاف العقلية الكائنة في قلب النظام السياسي، ومثل هذه المرونة يمكن في الواقع أن تكون مفيدة للنظام السلطوي. ويشرح لينز أنّ «الإبهام العقلي يثلم من خطوط الانقسام الحادّة في التحالف؛ ليسمح بذلك للحكام بالحفاظ على ولاء العناصر المتباينة» (ibid: 164). وهذا هو بدقّة ما يمكن رؤيته في الحالة الإيرانية، حيث إنّه حتّى ولو كان هناك سجال شديد حول هدف الاستقلال الاقتصادي الغامض، فإنّ أيًّا من المشاركين في هذا السجال لم يسعَ قطّ لهجر هذا الهدف كلّيًّا.
وعلى وجه التحديد، وحيث إنّ هناك «شبه معارضة من بعض الجماعات.... المنهمكة في نقد جزئي إلّا أنّها تكون راغبة في المساهمة في السلطة بدون أن تمثّل تحدّيًا جوهريًّا لنظام الحكم» (ibid: 168)، إذ يمكن احتواء السجال حول السياسات بفعالية ضمن حدود معينة. وعلى الرغم من أنّ وجود قنوات مؤسّسية للتعبئة السياسية والمشاركة السياسية في شكل انتخابات تميز الجمهورية الإسلامية عن النموذج «الصافي» للسلطوية، فإنّ هناك حدودًا لما يمكن تحدّيه من خلال هذه الآليّات الانتخابية في الممارسة. ومن الأهمية بمكان، تطبيق هذه الحدود على أسئلة السياسة الاقتصادية بالقدر نفسه الذي يمكن تطبيقها به على القضايا الأخرى التي تتوجّه بشكل أكثر مباشرة لأصحاب المناصب في السلطة السياسية.
وحول السؤال كيف يمكن على أفضل نحو الاقتراب من قوى العولمة الاقتصادية بطريقة تمكن من تأمين تحقق الهدف الثوري بالاستقلال الاقتصادي، فإنّ شبه المعارضة من المحتمل أكثر أن تنجم إمّا في البرلمان أو الرئاسة. وحيث إنّ كلًّا من المؤسّستين تنتخب كلّ أربع سنوات عن طريق الاقتراع العامّ، فإنّ هناك فرصًا كثيرة للآراء الجديدة والبديلة لتطوير وكسب صوت فيها.
وداخل البرلمان، الذي تتمّ الإشارة له رسميًّا باعتباره جمعية للاستشارة (مجلس الشورى الإسلامي، أو المجلس)، غالبًا ما تعدّ السجالات السياسية الحامية والانتقادات الحادّة للأجهزة الحكومية أمرًا طبيعيًّا. وطبقًا للدستور الإيراني، يمكن للبرلمان مساءلة الحكومة، ويمكنه أن يُخضِع الرئيس والوزراء للتصويت عليهم بعدم الثقة (دستور جمهورية إيران الإسلامية: المادة 89) ومن حقّ البرلمان الفحص والتحقيق في كلّ شئون الدولة (الدستور: المادة 76). ولا يتردّد أعضاء البرلمان في استخدام كامل استحقاقاتهم الدستورية. وبالمثل، وباعتباره رئيسًا للسلطة التنفيذية إلّا في الأمور التي تتعلّق مباشرة بمكتب القائد الأعلى، فلدى الرئيس السلطة لطرح سياسات حكومية جديدة وتشكيلها، وبعد موافقة البرلمان، يمكن لهذه السياسات أن تحدِث تحوّلًا كبيرًا في علاقات الجمهورية مع الرأسمالية الغربية.
وعلى أيّة حال، فبينما يمكن لبعض نواب البرلمان والرئيس، وغالبًا بالاشتراك مع طيف من التكنوقراط والمسئولين الحكوميين، تطوير تأويلات جديدة للعقلية الثورية عمومًا ومن ثمّ، يخلقون بيئة يمكن أن تُطرح فيها وتناقش خيارات سياسية لم يكن من الممكن تصوّر طرحها في السابق، فسوف يميل هؤلاء إلى مواجهة معارضة نواب البرلمان الآخرين الذين ينظرون لهذه الابتكارات على أنّها «غير ثورية» تمامًا ومن ثم غير مرغوب فيها. وإضافة إلى ذلك، فهناك دائمًا احتمالية، عند الانتخابات الرئاسية، أنّ المرشح الجديد سوف يقوم بقطع خطوات على النقيض من كافّة الإصلاحات التي طرحتها الإدارة السابقة. وفي ضوء المحدودية الموضوعة للمفاوضات حول قضايا السياسة المهمّة في دولة شبه سلطوية مثل الجمهورية الإسلامية، تميل الإصلاحات إلى التوحّد من جديد مع جهود منسّقة في مناهضة الإصلاح بمجرد أن يتمّ الشعور بأنّ هذه الحدود تعاني من مخاطر تجاوزها. وعلى وجه التحديد، فعلي الرغم من أنّ هناك فرصًا أمام المسئولين المنتخَبين للتشجيع على سياسات تجري في صالح التفاعل الأكبر مع الاقتصاد العالمي (لو أنّ هذه الخطوة كانت منسجمة مع فهمهم الخاصّ للهدف الأعلى للاستقلال الاقتصادي)، فإنّ المسئولين غير المنتخبين مع مصالحهم الراسخة في الحفاظ على الجمهورية الإسلامية سيميلون للوقوف في طريقهم.
وتُعدّ المؤسّسة غير المنتخبة التي هي أكثر قدرةً على الحدّ من التنافس والمشاركة هي مجلس صيانة الدستور، التي تتوفّر لديها سلطة منع أيٍّ من أو كلّ التشريعات البرلمانية التي ترى أنّها غير متّفقة إمّا مع القانون الديني (الشريعة ـ م) أو دستور الجمهورية الإسلامية. وتتكوّن هذه المؤسّسة من ستّة أعضاء من العلماء (علماء في الدين الإسلامي)، يتم اختيارهم مباشرة عن طريق القائد الأعلى، إلى جانب ستّة قانونيين مسلمين، يتمّ اختيارهم عن طريق رئيس السلطة القضائية (المعيّن بدوره عن طريق القائد الأعلى) ثم بعد ذلك عليهم الحصول على موافقة البرلمان.
وإضافة إلى قدرتهم على معارضة التشريعات، فلدى أعضاء مجلس صيانة الدستور وفقًا للدستور أيضًا سلطة «الإشراف» (الدستور: المادة 99) على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية إلى جانب انتخابات مجلس خبراء القيادة (جهاز يختار القائد الأعلى الجديد حينما يكون ذلك ضروريًّا). ومنذ عام 1992، تمّ تأويل شروط عمل مجلس صيانة الدستور لكي تعني غربلته للمرشحين وحقّه في منع أيٍّ منهم من خوض الانتخابات. وعلى وجه التحديد، فإنّ هذا الجهاز غير المنتخب لديه النفوذ لتشكيل مؤسّسات البلاد المنتخبة، وبالتالي يؤمن بقاء تمثيل العقلية القائمة واستمرارها في الجمهورية الإسلامية في كافة أنحاء الهيكل المعقّد لسلطة نظام الحكم.
وعلى وجه التحديد، وحيث إنّ هناك «شبه معارضة من بعض الجماعات.... المنهمكة في نقد جزئي إلّا أنّها تكون راغبة في المساهمة في السلطة بدون أن تمثّل تحدّيًا جوهريًّا لنظام الحكم» (ibid: 168)، إذ يمكن احتواء السجال حول السياسات بفعالية ضمن حدود معينة. وعلى الرغم من أنّ وجود قنوات مؤسّسية للتعبئة السياسية والمشاركة السياسية في شكل انتخابات تميز الجمهورية الإسلامية عن النموذج «الصافي» للسلطوية، فإنّ هناك حدودًا لما يمكن تحدّيه من خلال هذه الآليّات الانتخابية في الممارسة. ومن الأهمية بمكان، تطبيق هذه الحدود على أسئلة السياسة الاقتصادية بالقدر نفسه الذي يمكن تطبيقها به على القضايا الأخرى التي تتوجّه بشكل أكثر مباشرة لأصحاب المناصب في السلطة السياسية.
وحول السؤال كيف يمكن على أفضل نحو الاقتراب من قوى العولمة الاقتصادية بطريقة تمكن من تأمين تحقق الهدف الثوري بالاستقلال الاقتصادي، فإنّ شبه المعارضة من المحتمل أكثر أن تنجم إمّا في البرلمان أو الرئاسة. وحيث إنّ كلًّا من المؤسّستين تنتخب كلّ أربع سنوات عن طريق الاقتراع العامّ، فإنّ هناك فرصًا كثيرة للآراء الجديدة والبديلة لتطوير وكسب صوت فيها.
وداخل البرلمان، الذي تتمّ الإشارة له رسميًّا باعتباره جمعية للاستشارة (مجلس الشورى الإسلامي، أو المجلس)، غالبًا ما تعدّ السجالات السياسية الحامية والانتقادات الحادّة للأجهزة الحكومية أمرًا طبيعيًّا. وطبقًا للدستور الإيراني، يمكن للبرلمان مساءلة الحكومة، ويمكنه أن يُخضِع الرئيس والوزراء للتصويت عليهم بعدم الثقة (دستور جمهورية إيران الإسلامية: المادة 89) ومن حقّ البرلمان الفحص والتحقيق في كلّ شئون الدولة (الدستور: المادة 76). ولا يتردّد أعضاء البرلمان في استخدام كامل استحقاقاتهم الدستورية. وبالمثل، وباعتباره رئيسًا للسلطة التنفيذية إلّا في الأمور التي تتعلّق مباشرة بمكتب القائد الأعلى، فلدى الرئيس السلطة لطرح سياسات حكومية جديدة وتشكيلها، وبعد موافقة البرلمان، يمكن لهذه السياسات أن تحدِث تحوّلًا كبيرًا في علاقات الجمهورية مع الرأسمالية الغربية.
وعلى أيّة حال، فبينما يمكن لبعض نواب البرلمان والرئيس، وغالبًا بالاشتراك مع طيف من التكنوقراط والمسئولين الحكوميين، تطوير تأويلات جديدة للعقلية الثورية عمومًا ومن ثمّ، يخلقون بيئة يمكن أن تُطرح فيها وتناقش خيارات سياسية لم يكن من الممكن تصوّر طرحها في السابق، فسوف يميل هؤلاء إلى مواجهة معارضة نواب البرلمان الآخرين الذين ينظرون لهذه الابتكارات على أنّها «غير ثورية» تمامًا ومن ثم غير مرغوب فيها. وإضافة إلى ذلك، فهناك دائمًا احتمالية، عند الانتخابات الرئاسية، أنّ المرشح الجديد سوف يقوم بقطع خطوات على النقيض من كافّة الإصلاحات التي طرحتها الإدارة السابقة. وفي ضوء المحدودية الموضوعة للمفاوضات حول قضايا السياسة المهمّة في دولة شبه سلطوية مثل الجمهورية الإسلامية، تميل الإصلاحات إلى التوحّد من جديد مع جهود منسّقة في مناهضة الإصلاح بمجرد أن يتمّ الشعور بأنّ هذه الحدود تعاني من مخاطر تجاوزها. وعلى وجه التحديد، فعلي الرغم من أنّ هناك فرصًا أمام المسئولين المنتخَبين للتشجيع على سياسات تجري في صالح التفاعل الأكبر مع الاقتصاد العالمي (لو أنّ هذه الخطوة كانت منسجمة مع فهمهم الخاصّ للهدف الأعلى للاستقلال الاقتصادي)، فإنّ المسئولين غير المنتخبين مع مصالحهم الراسخة في الحفاظ على الجمهورية الإسلامية سيميلون للوقوف في طريقهم.
وتُعدّ المؤسّسة غير المنتخبة التي هي أكثر قدرةً على الحدّ من التنافس والمشاركة هي مجلس صيانة الدستور، التي تتوفّر لديها سلطة منع أيٍّ من أو كلّ التشريعات البرلمانية التي ترى أنّها غير متّفقة إمّا مع القانون الديني (الشريعة ـ م) أو دستور الجمهورية الإسلامية. وتتكوّن هذه المؤسّسة من ستّة أعضاء من العلماء (علماء في الدين الإسلامي)، يتم اختيارهم مباشرة عن طريق القائد الأعلى، إلى جانب ستّة قانونيين مسلمين، يتمّ اختيارهم عن طريق رئيس السلطة القضائية (المعيّن بدوره عن طريق القائد الأعلى) ثم بعد ذلك عليهم الحصول على موافقة البرلمان.
وإضافة إلى قدرتهم على معارضة التشريعات، فلدى أعضاء مجلس صيانة الدستور وفقًا للدستور أيضًا سلطة «الإشراف» (الدستور: المادة 99) على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية إلى جانب انتخابات مجلس خبراء القيادة (جهاز يختار القائد الأعلى الجديد حينما يكون ذلك ضروريًّا). ومنذ عام 1992، تمّ تأويل شروط عمل مجلس صيانة الدستور لكي تعني غربلته للمرشحين وحقّه في منع أيٍّ منهم من خوض الانتخابات. وعلى وجه التحديد، فإنّ هذا الجهاز غير المنتخب لديه النفوذ لتشكيل مؤسّسات البلاد المنتخبة، وبالتالي يؤمن بقاء تمثيل العقلية القائمة واستمرارها في الجمهورية الإسلامية في كافة أنحاء الهيكل المعقّد لسلطة نظام الحكم.