Page 1
تقديم:
استطاعت حركة التحرر الفلسطينية، منذ قيامها في منتصف الستينيات، استنهاض الفلسطينيين، وصوغ هويتهم كشعب، وبعث كيانيتهم السياسية، في ما شكّل ردا على محاولات التغييب والإلغاء التي تعرض لها هذا الشعب، بعد اقتلاعه من أرضه (1948)، وتمزيق وحدته المجتمعية، بفعل المشروع الصهيوني، ونتيجة الظروف المختلفة التي خضع لها في بلدان اللجوء والشتات·
لكن هذه الحركة، وبحكم تعقّد الظروف الموضوعية والذاتية، لم تستطع تحقيق مهماتها الوطنية (التحررية والبنائية) المنوطة بها، بشكلها ناجز، ما أدى بها إلى العيش في المرحلة الأخيرة على تاريخها ومنجزاتها التي تحققت في العقود الثلاثة الأولى من عمرها (من الستينيات إلى الثمانينيات)·
فقد تضاءلت كثيرا قدرة هذه الحركة على العمل في مجال الصراع ضد إسرائيل، ومقاومة سياساتها العنصرية والعدوانية والاحتلالية، لاسيما مع ارتهانها لعملية تسوية، المذلة والمجحفة والناقصة، فلم يعد ثمة مقاومة لا بالوسائل العسكرية ولا بالوسائل الشعبية، لا من الخارج ولا من الداخل، لا في الضفة ولا في غزة·
أما الكيانات السياسية الجامعة للشعب الفلسطيني، أي منظمة التحرير والسلطة والفصائل، فباتت في حالة تراجع، بسبب فقدان فاعليتها، وضعف إمكاناتها، وتخلف إدارتها وتضاؤل التفاف الناس حولها·
وفي الواقع فإن التجربة الوطنية الفلسطينية هذه، بما لها وما عليها، لم تحظ بمراجعة نقدية استراتيجية، على الرغم من خطورتها وتعقّد قضاياها وتنوّع أشكالها، ومداخلاتها الدولية والإقليمية، وعلى الرغم من امتدادها على مدار ما يقارب قرناً من الزمن· فإذا استثنينا الجهود الفردية لبعض الكتّاب أو الباحثين، وجهود بعض المؤسّسات المتخصصّة، فإن الهيئات الرسمية والفصائلية لم تشرع، في أية مرحلة من المراحل، في دراسة التجربة الفلسطينية، وتقييم مساراتها وخطاباتها وبناها وأشكال عملها، لاستنباط العبر المناسبة منها· وبشكل عام فإن هذه الساحة ما زالت تفتقر لأي دراسة تتناول تجربتها السياسية أو العسكرية أو التفاوضية أو التنظيمية، أو تجربتها في المقاومة أو في التسوية، وكذا تجربتها في الأردن أو لبنان أو في الأراضي المحتلة بعد إقامة السلطة (1993)·
هكذا، بات ثمة أسئلة كثيرة تطرح نفسها على الفلسطينيين وعلى كياناتهم السياسية، ومثلا: هل ما زالت القوى السائدة قادرة على حمل المشروع الوطني؟ وهل المعطيات التي تأسّست عليها تلك القوى، بشعاراتها وبناها وأشكال عملها، مازالت صالحة، في ضوء النتائج، والتغيرات والتحولات العربية والدولية والفلسطينية والإسرائيلية؟ وهل الخيارات السياسية والكفاحية ما زالت صالحة، أم ينبغي البحث عن خيارات أخرى بديلة أو موازية؟
في هذا الكتاب ثمة محاولة للإجابة عن هذه التساؤلات من خلال الدراسات المتضمنة فيه، علما ان هذه المحاولة لا تدعي امتلاك الحقيقة، بقدر ما تتوخّى حث التفكير السياسي النقدي، ولا تحاول تقديم الإجابات الجاهزة بقدر ما تحاول توليد الأسئلة، والبدائل، التي تتولد عن الطبيعة المعقدة لقضية الفلسطينيين في صراعهم الطويل والمديد مع المشروع الصهيوني، ووليدته إسرائيل·
وينبغي الإشارة هنا إلى أن الدراسات والمواد المنشورة، كان تم نشرها، في غضون الأعوام القليلة الماضية، في مجلات مثل: الدراسات الفلسطينية (بيروت) وشؤون عربية (القاهرة) وشؤون فلسطينية (رام الله) وصحيفة الحياة اللندنية، وفقط أجريت عليها بعض التعديلات التي تتعلق بالصياغات، لا بالمضامين، لزوم إصدارها في كتاب·
وقد خصصت الفصل الأول للحديث عن سياق تبلور الهوية الوطنية الفلسطينية، والعوامل التي تحكمت بصوغها، والتحديات التي باتت تواجهها، في حين خصصت الفصل الثاني لعرض إشكاليات المقاومة الفلسطينية المسلحة، بجميع تجلياتها وأشكالها، وبالتداعيات التي نشأت عنها، في صعودها وأفولها· في حين خصصت الفصل الثالث للحديث عن إشكاليات التسوية والمفاوضة، وانعكاساتها على وجود الفلسطينيين وكياناتهم السياسية وهويتهم وكفاحهم من اجل حقوقهم· في حين تم تخصيص الفصل الرابع والأخير للحديث عن أزمة الكيانات السياسية، في بنيتها وخياراتها السياسية، وقد تضمن ذلك طرح تصورات جديدة لخيارات سياسية بديلة· وقد توخيت في تناول كل تلك المواضيع التعامل معها وفق عقلية نقدية، تأخذ في اعتبارها مصلحة الشعب الفلسطيني، بعيدا عن الاعتبارات الإيدلوجية أو الفصائلية، محاولا مقاربة الآني بالمستقبلي، والممكن بالمتوخّى؛ آملاً أن أكون وفقت في ذلك·
بقي القول ان هذا الكتاب يأتي في ظرف صعب يمر به شعب فلسطين وقضيته وحركته الوطنية، فثمة انتهاء مرحلة، ببناها وخياراتها وأشكال عملها، وليس ثمة يقين من بدايات مرحلة جديدة· أيضا، ثمة واقع من ثورة فلسطينية مجهضة، في حين ثمة ثورات شعبية وليدة مازالت تتفاعل في أكثر من بلد في هذا العالم العربي، وهو تفاعل لا بد سيؤثر على مستقبل شعب فلسطين وشكل تعبيره عن ذاته في المستقبل·
Page 2
صعود وأفول الهوية الوطنية
والكيانية السياسية للفلسطينيين
ظلّ الفلسطينيون حتى الثلث الأول من القرن العشرين يعتبرون أنفسهم جزءاً من النسيج المجتمعي والسياسي لإقليم بلاد الشام، بحكم الثقافة والتاريخ والروابط المجتمعية/الأسرية، والمصالح وعلاقات الجوار· أما على الصعيد العام فكانوا يعتبرون أنفسهم جزءا من رابطة إسلامية أوسع، ومع صعود النوازع القومية، باتوا يعتبرون أنفسهم جزءا من الأمة العربية· وفي كل الحالات لم تكن الهوية أو الكيانية الفلسطينية تشغل بال معظم الفلسطينيين، ونخبهم السياسية والثقافية؛ على الأقل في حقبة ما قبل الانتداب البريطاني·
مع ذلك فإن الوطنية الفلسطينية، بمعناها الرمزي/ الهوياتي، أو بمعناها السياسي/ الكياني، لم تكن على تلك الدرجة المناسبة من النضج، في تلك المرحلة التاريخية الصعبة، التي تجعلها قادرة على الصمود، بالشكل المناسب، في مواجهتها لتجليات المشروع الاستيطاني الصهيوني (قبل العام 1948)، أو التي تجعلها قادرة على فرض ذاتها في المعادلات السياسية العربية، وقتها، بدليل اختفاء حكومة عموم فلسطين، بعد أشهر قليلة من الإعلان عنها، وبدليل عدم تمكّن الفلسطينيين من إدارة الأراضي التي لم تغتصبها إسرائيل، إذ تمّ ضمّ الضفّة الغربية إلى الكيان الأردني، في حين أخضع قطاع غزة للإدارة المصرية·
وفي كل الأحوال فقد شكّلت النكبة (1948) والتداعيات الناجمة عنها انكسارا في محاولات الفلسطينيين تأسيس هوية وطنية وكيانية سياسية لهم، إذ إنها أدّت إلى تمزيق مجتمعهم، واغتصاب معظم أرضهم، وانهيار مؤسّساتهم السياسية الجمعية·
بعد ذلك، أي بعد النكبة، لم يعد للهوية ولا للكيانية أي تعبيرات في الحياة الاجتماعية والسياسية للفلسطينيين (باستثناء الحياة الثقافية)، إذ تعرّض فلسطينيو 48، مثلا، لمحاولات الأسرلة، ما اضطرّهم للتحايل على الواقع الناشئ، وعلى الانهيار المفاجئ في عالمهم، بحمل الهوية الإسرائيلية، للبقاء في أرضهم؛ مع ما يتطلبه ذلك من كبت نوازع الهوية الفلسطينية الناشئة، مع إبراز تمسكهم بالهوية العربية· أما فلسطينيو الضفة الغربية والأردن (وهم الأغلبية) فباتوا مواطنين ضمن المملكة الأردنية، مع كل ما في ذلك من تبعات واستحقاقات·
وقد نتج عن كل ذلك اختزال الفلسطينيين في اللاجئين الذين باتوا يقطنون في بلدان اللجوء والشتات، تماما كما اختصرت قضية فلسطين في قضية اللاجئين· والمشكلة أن هؤلاء الّلاجئين لم يتح لهم التعبير عن هويتهم، بشكل قانوني وحقوقي، ولا بشكل تمثيلي /مؤسساتي، في تلك البلدان، كما لم يتح لهم التعبير عن قضيتهم بشكل سياسي، وهو ما تم التعويض عنه بانخراط هؤلاء في إطار الحركات السياسية فوق الوطنية، أي القومية والإسلامية والشيوعية·
ويستنتج من كل ذلك أن الهوية الوطنية والكيانية السياسية عند الفلسطينيين برزت وتبلورت في ظروف جدّ صعبة، وقسرية، ومعقدة، وفي إطار من القيودات والتشوّهات، في أواسط الستينيات· وهذا يعني أنها، أيضا، لم تنشأ بشكل طبيعي، ولم تولد بنتيجة تطوّر اجتماعي وسياسي وثقافي في المجتمعات الفلسطينية المتشظّية، والتي تخضع لمحددات وقيودات ووصايات متباينة، وبالتالي فهي لم تنضج، وسط ظروف ذاتية سليمة، وإنما ولدت بفعل عوامل خارجية، كما قدمنا، ونضجت بفعل ولادة الحركات الوطنية السياسية، ولاسيما منها حركة فتح، التي يمكن اعتبارها حاملة لواء الوطنية والكيانية الفلسطينية·
Page 3
المساهمة الفتحاوية
بالمحصّلة فقد انتظر الفلسطينيون ما يقارب عقدين من الزمن، بعد النكبة، كي يلتقطوا أنفاسهم، ويخرجوا من هول المفاجأة، بشأن ما أحاق بهم، ومن حال المعاناة والضياع والتشظّي، التي ألمّت بهم، وكي يبحثوا في خضم التقلّبات والاختلالات والتباينات السياسية العربية عن طريقهم الخاص والمستقل·
وهذا يفيد بأن الوطنية الفلسطينية، بمعناها الهويّاتي والسياسي والكياني، إنما تدين أساساً (بين عوامل أخرى) ببروزها وتبلورها إلى حركة فتح، التي أطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة، فهي صعدت أساسا مع صعود هذه الحركة، التي صاغت وكرّست الأفكار والرموز التأسيسيّة لهذه الوطنية·
وفي الواقع فإن تلك الحركة وبسبب من نمط تفكيرها الشعبوي ومبادرتها لإطلاق الكفاح المسلح، استطاعت أن تضطلع بدور رئيس بشأن بلورة الهوية الوطنية للفلسطينيين، بمعناها الهوياتي والمؤسساتي، وهي التي ناضلت من اجل مشروع الوطنية الفلسطينية· ومثلا، فهي التي صكّت مقولات من نوع التحرير طريق الوحدة، ولا وصاية ولا تبعية ولا احتواء، مطالبة باستعادة زمام القضية من الأنظمة العربية، وباستقلالية القرار الفلسطيني· وهي، أيضا، التي نافحت من أجل أولوية البعد الوطني (في الصراع ضد إسرائيل) على البعد القومي، كردّ على محاولات إسرائيل تغييب الفلسطينيين وإزاحتهم من المكان والزمان، أو من الجغرافيا والديمغرافيا والتاريخ· وفي سبيل كل ذلك فقد انخرطت هذه الحركة (ومعها الجبهتان الشعبية والديمقراطية) باحتكاكات كلّّفتها كثيراً في الإطار العربي، ما نتج عنه اعتبار منظمة التحرير (التي باتت تقودها فتح) ممثلاً شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني (1974)، وبعدها أدى إلى فك الأردن لارتباطه مع الضفة الغربية (1988)؛ من دون أن نغفل مسؤولية هذه الحركة (أي فتح)، بطريقة عملها، وسياساتها، عن التداعيات السلبية التي نجمت عن كل ذلك·
ولعل فتح كانت تتوخّى من طرحها لمشروع الكيانية السياسية ـ المعنوية، التعويض عن غياب الإقليم ـ الأرض لترميم التشظّي الحاصل في واقع المجتمع الفلسطيني، تمهيدا ربما لفرض وجوده على الخريطة السياسية ولاحقاً الخريطة الجغرافية·
وفي كل ذلك فقد بدت فتح، منذ انطلاقها (1965)، باعتبارها أكثر حركة تشبه شعبها، بين الحركات القومية واليسارية والإسلامية، الناشطة آنذاك، ما جعلها بمثابة نقطة استقطاب وإجماع بين الفلسطينيين، في كل أماكن وجودهم· وقد أسهم في ذلك أن هذه الحركة لم تطرح نفسها حزباً، ولا ممثلاً لطبقة مجتمعية بعينها، وأنها لم تدّع تبنيها لأية ادعاءات إيدلوجية بعينها، معتبرة نفسها حركة وطنية للشعب بكل طبقاته وفئاته وتوجهاته السياسية وتياراته العقائدية·
وليس من قبيل الصدف أن هذه الحركة ضمّت الفئات الأكثر فقراً وكدحاً في المجتمعات الفلسطينية (من اللاجئين والمعدمين ومن العمال والفلاحين والحرفيين) أكثر بكثير من أي تنظيم يساري، وأنها في الوقت نفسه ضمت، أيضا، شرائح واسعة من الطبقة الوسطى، فضلاً عن أن البورجوازية الفلسطينية (والعائلات التقليدية) محضت هذه الحركة دعمها، أكثر من أية حركة سياسية أخرى· كذلك فقد كانت هذه الحركة ضمت في صفوفها نشطاء سابقين في الأحزاب القومية والإسلامية، ومثقفين يساريين (ولا نبالغ إذا قلنا إن حجم اليسار في فتحكان في بعض الأوقات أكبر من بعض التنظيمات اليسارية)، وكلهم توحّدوا على مشروع فتح، أي على مشروع الوطنية الفلسطينية·
Page 4
التازّم الهوياتي والكياني
المعضلة هي في أن المشروع الوطني، كما حاولته فتح، نشأ مأزوماً، من الناحيتين الموضوعية والذاتية، ليس فقط بسبب تأخّره (بمسافة ثلاثة عقود) عن مشاريع الوطنيات العربية، المتمثل في الدولة العربية بشكلها الراهن، وليس بحكم عدم التكافؤ في صراع موازين القوى، بينه وبين المشروع الصهيوني، فحسب، وإنما، بسبب افتقاد هذا المشروع إقليمه (الجغرافي) الخاص، وحيّزه الاجتماعي المتعيّن، أيضاً؛ وهما ليسا تفصيلين زائدين وإنما عمودين أساسيين في إنتاج أية وطنية، ولا سيما إذا تعلّق الأمر بترسيخها واستمرارها وتطوّرها·
ويتبع ما تقدم ذكره أن الهوية، وكذلك الكيانية، الفلسطينية المعاصرة، تأسّست وتبلورت، أصلاً، على جمهور اللاجئين في المخيمات، بدفع من مسارين اثنين: أولهما، التركّز حول حدث النكبة المتمثّل بإقامة إسرائيل، التي تأسّست باعتبارها دولة يهودية على أكثر من ثلثي أرض فلسطين، وتشريد حوالي مليون من الفلسطينيين من أرضهم وممتلكاتهم، الذين باتوا بدون هوية وطنية، وبدون وحدة مجتمعيّة· وثانيهما، وقد تركّز حول تعريفهم كآخر، أو كلاجئين، في بلدان اللجوء (العربية)، مع ما تضمن ذلك من انتقاص في حقوقهم، وفي المعاملات التمييزية إزاءهم؛ والمتمثلة بطمس وجودهم وتهميشهم سياسيا واجتماعيا، وعدم تمكينهم من إقامة كيان لهم في باقي أراضيهم (الضفة والقطاع)، وإحلالهم في مكانة المقيم المؤقت، فلا هم في مكانة مواطن، ولا هم في مكانة مقيم ذي تابعية معينة· وبديهي، فإن أية وطنية، أو هوية، تفتقر إلى مجالها الاجتماعي والجغرافي، وتخضع لسيادات مختلفة، لا بد من أن تكون معرضة لاهتزازات وتفكّكات، لا سيما إذا ضعف، أو ارتهن، حاملها السياسي·
فوق ذلك يمكن أيضا ملاحظة أن الهوية والكيانية عند الفلسطينيين لم تكونا متلازمتين، أو متطابقتين، بل إن الافتراق بينهما هو الثابت الذي يشكّل احد أهم عوامل الأزمة الهوياتية والكيانية المقيمة عندهم· فالفلسطينيون في 48 حرموا من شمولهم في إطار الهوية والكيانية الفلسطينية التي تمثّلت بمنظمة التحرير، لأسباب مختلفة، وبعد إقامة السلطة في الضفة والقطاع، بدا وكأن هذه الكيانية لا تشمل الفلسطينيين اللاجئين خارج الأراضي المحتلة، أما مكانة الفلسطينيين في الأردن فباتت مقيَّدة بمكانتهم كمواطنين·
وإضافة إلى ما تقدم، يمكن القول بأن أزمة الهوية والكيانية عند الفلسطينيين لم تنشأ بمعزل عن التأزّم الهوياتي والكياني الذي تكابد منه مجتمعات ودول المنطقة، أيضا، رغم حصول هذه على استقلالها، على خلاف الفلسطينيين الذين حرموا من ذلك·
وفي الواقع فإن الاستقلال في دولة، في إقليم متعيّن، في بلدان المنطقة، لم يحل دون التنازع بين الهويات أو العصبيات الأولية (المذهبية والطائفية والاثنية والعشائرية)، ولا بين تلك وبين مسارات تشكّل الهويات الوطنية الجامعة، لسبب واضح وهو أن الكيانات السياسية في هذه البلدان لم تتشكّل، أو لم تنضج، على شكل دولة، بمعنى الكلمة، أي دولة مؤسسات وقانون ومواطنين·
وقد شهدنا أن هذه الكيانات السياسية لم تشتغل بالشكل المناسب من أجل تحقيق الاندماجات الوطنية، ومن أجل خلق المجال الوطني العام، كما لم ترسّخ ذاتها باعتبارها كياناً سياسياً جامعاً لمواطنيها، بقدر ما اشتغلت على ترسيخ وضعها باعتبارها سلطة أكثر، ودولة أقل، مقابل الرعيّة
وإذا كان الحال هو على هذا النحو بالنسبة لمواطني هذه الدول، فالأحرى أنه سيكون أكثر تمييزا إزاء الفلسطينيين، الذين وللمفارقة كان يجري التمييز ضدهم بدعوى الحفاظ على قضيتهم، كأن الحفاظ على هذه القضية يتطلب تأبيد معاناة الفلسطينيين، وعزلهم، بدل التخفيف من ذلك! والمعنى من ذلك أن حال الفلسطينيين، الذين تفرّق شملهم وحرموا من كيان خاص بهم، ليس أكثر بؤسا، بكثير، من حال أشقائهم من المواطنين في البلدان العربية الأخرى، في مجالي الهوية والكيانية·
Page 5
وحتى بالنسبة لإسرائيل، التي باتت تتكشّف عن كونها دولة شرق أوسطية قديمة، فثمة منازعات فيها بين الهويتين الشرقية والغربية، وبين المتدينين والعلمانيين، وبين كونها دولة يهودية (لكل اليهود) أو كونها دولة إسرائيلية (لليهود فيها)، وبين حدودها في 48 أو في 67، وكذلك بين كونها دولة يهودية أو كونها دولة لمواطنيها وضمنهم العرب·
وتأسيساً على هذا النشوء الملتبس، أو المعقّد، فقد ظهر عاملان آخران لعبا دوراً مقرراً في هذا الاهتزاز أو التأزّم الهوياتي والمؤسساتي· فالوطنية الفلسطينية لم تتعمّد في مسار الصراع مع إسرائيل، فحسب، وإنما، أيضاً، في مسار الاحتكاك السلبي (الحامي وأحياناً الدامي)، مع بعض الوطنيات، أو السلطات العربية؛ لأسباب متفاوتة· ومن جهة أخرى، فإن الوطنية الفلسطينية وجدت نفسها في تنازع مع البعد العربي، من الناحية السياسية (الوظيفية)، وليس الهوياتية؛ إذ لا خلاف في هذا الشأن على عروبة شعب فلسطين، بقدر ما ليس ثمة تعارض بين الهويتين الوطنية والعربية· وعليه، فإن هذين العاملين السلبيين، الاحتكاك والتنازع، أسهما، أيضاً، في تعثّر الوطنية الفلسطينية، وتشوّهها، لا سيما في زمن التوظيفات والانحيازات السياسية والسلطوية المتضاربة·
ويلفت الانتباه هنا أن وجهات النظر القومية، التي تدّعي عدم مشروعية الوطنية الفلسطينية، والتي تخطّئ، أو تناوئ، استقلالية القرار الفلسطيني، غالبا ما تغفل خصوصيات الوضع الفلسطيني، عن قصد أو من دونه، وضمن ذلك أن الواقع العربي، على صعيدي الحكومات والمجتمعات، لايعيش في الزمن القومي (أو القوم ـ الأمة)، ولا يتجه نحوه، وإنما في زمن الوطنيات، وحتى ما قبل الوطنيات· فالمجتمعات لم تصل بعد إلى مرحلة الاندماج الوطني، بدليل حال الانشطار والتشظّي الظاهرة، والكامنة، فيها، على صعيد البلد الواحد، أما الحكومات فكل يغنّي على ليلاه أو سلطته·
على ذلك فإن القول بتبلور وطنية فلسطينية، كالوطنيات المصرية والسورية والعراقية والجزائرية·· الخ، لا يعني فصل الشعب الفلسطيني عن انتمائه العربي، والحديث عن هوية فلسطينية لا يتناقض مع الهوية العربية، ولا يحلّ محلّها، بل يدخل في عوامل تكوّنها وتميّزها وتبلورها؛ في نقيض للنظرة القومية الجامدة والشمولية والمطلقة للهويات، ولتشكّل الأمم· هكذا فثمة هويات كبرى وصغرى، وأساسية وفرعية؛ ويمكن للمرء أن يكون فلسطينيا وعربيا، كما يمكن أن يكون بدويا ومسلما أو مسيحيا وفلسطينيا وعربيا في آن·
عدا ذلك فإن الوطنية الفلسطينية، لا تعني إبعاد الأمة، بمجتمعاتها ودولها، عن مواجهة تحدي إسرائيل في هذه المنطقة، فالفلسطينيون أضعف من أن يقوموا بذلك حتى لو أرادوا· أما التذرّع باعتبار قضية فلسطين بمثابة القضية المركزية للأمة العربية فقد ظلّ، على الأغلب، مجرد كلام دعائي ونظري، بدون تمثّلات واقعية مستديمة·
في هذا الإطار ربما ثمة أهمية للتمييز بين مسألة استقلالية القرار الفلسطيني، وهي شأن يتعلق بإدارة الوضع الداخلي، وتقرير التوجهات السياسية، وبين كيفية إدارة القيادة لهذه المسألة، وهي إدارة تستحق النقد، كغيرها من المسائل· وكما هو معروف فإن هذه الاستقلالية لم تمسّ السياسات العربية المتعلقة بالصراع والتسوية مع إسرائيل· إضافة إلى أن التجربة بيّنت بأن القرار الفلسطيني حافظ على استقلالية محدودة، بحكم تماثله في المحصلة مع السياسات التي انتهجها النظام العربي·
من ناحية أخرى فلعل ما يلفت الانتباه، أن دعاة القومية العربية يعتبرون قضية فلسطين قومية، وأن القرار الفلسطيني يجب أن يكون قوميا، في حين لا يتم التعامل مع الشعب على هذا الأساس، مع ابتداع هوية لاجئ (كيف يكون الإنسان لاجئا في وطنه العربي!؟)، بدعوى رفض التوطين، وهي هوية بين بين، لا عربية ولا فلسطينية؛ هذا إذا تجاوزنا السؤال عمن يمتلك مشروعية حصر التحدّث باسم القومية
ويستنتج من كل ما تقدم عرضه أن الزمن لم يعمل تماماً لمصلحة الوطنية الفلسطينية، التي نشأت في ظروف غير متكافئة في معمعان الصراع ضد المشروع الصهيوني الاستيطاني والعنصري، وفي زمن صعود الدولة الأمنية، بخاصةٍ وأن هذه الوطنية نشأت، أيضا، خارج حيّزها الجغرافي والاجتماعي الخاص، والتي تأسّست على الاعتماد على الموارد الخارجية، أكثر من اعتمادها على موارد شعبها، في ظروف اختلال موازين القوى والمعطيات الدولية والإقليمية لمصلحة عدوّها·
أفول الوطنية والكيانية
بعد زمن، وإزاء هذا الواقع الصعب والمعقّد في مسار التجربة، وجدت القيادة الفلسطينية (وهي هنا قيادة المنظمة وفتح معاً) نفسها مضطرّة إلى طيّ شعاراتها الخاصّة وطموحاتها الوطنية لمصلحة التماثل السياسي مع النظام الرسمي العربي، ومع مقررات الشرعية الدولية بشأن قضية فلسطين·
وبديهي، فإن هذا التماثل تطلّب من هذه القيادة إجراء مراجعة للأفكار المؤسّسة للوطنية الفلسطينية، لا سيما ما يتعلق منها بوحدة الأرض والشعب، الأمر الذي تم عبر إقرار البرنامج المرحلي (1974) القاضي بإقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع (مع حلّ قضية اللاجئين وفق منظور القرار 194)؛ وهي المسارات التي أفضت، في ما بعد، إلى عملية التسوية في مؤتمر مدريد (1991)، وبعده اتفاق أوسلو (1993)·
على رغم ذلك، فإن القيادة السائدة استطاعت تغطية هذا التحوّل (التماثل والمراجعة)، بحكم مكانتها النضالية الرمزية، وادّعائها بمواصلة المشروع الوطني، والمقاومة، وبحكم السياسات الإسرائيلية المعادية على طول الخط للحقوق الفلسطينية حتى لو تمثلت بمستويات الحد الأدنى، بدليل عدم التزامها باتفاق أوسلو (1993)؛ على رغم أنه اتفاق مهين ومجحف وناقص بالنسبة لحقوق الشعب الفلسطيني·
Page 6
ربما أن كثيرين جادلوا (في وقتها وحتى الآن) بأنّ هذا المسار الجديد إنما هو تعبير عن التحوّل من الراديكالية نحو العقلانية والواقعية والموضوعية في الحركة الوطنية الفلسطينية، لكن ما يضعف صدقية تفسير كهذا، أن كل ذلك لم يَسْرِِِِِِ على مناحٍٍ أخرى في عمل القيادة الفلسطينية، إن بمواقفها السياسية، كما بطريقة إدارتها لصراعها مع عدوها، وكذا بما يتعلق بإدارتها لأوضاعها·
المغزى أن هذا التحول كان بمثابة الثمن، أو الطريق، الذي لا بد منه لتعويم الوضع الفلسطيني، في نوع من مساومة لجأت إليها تلك القيادة للحفاظ على وضعها (كأي سلطة مهيمنة)، ولو بثمن مراجعة الأفكار التأسيسية، والتضحية بالمنجزات الوطنية، والنكوص عن المشروع الأصلي، وهو ما اتضح في مجمل التحولات اللاحقة؛ وهو ما يمكن تمييزه في مجمل سلوكيات القيادة الفلسطينية، من مؤتمر مدريد (الالتفاف على وفد فلسطينيي الداخل)، إلى عقد اتفاق أوسلو (حيث ضُيّعت المنظمة وتماهت فتحمع السلطة)، وإلى اللحظة الراهنة (لا خيار إلا المفاوضات!)·
الأنكى من كل ذلك أن الحديث عن العقلانية والموضوعية والواقعية تجاهل (عن قصد أو من دونه)، واقع أن التحولات السياسية والبنيوية في جسم الحركة الفلسطينية إنما تغذّي مشروعاً سياسياً آخر، يختلف عن المشروع الوطني الأصلي، كما أسّسته فتح، وانبنى على وحدة الشعب والأرض؛ الأمر الذي ستكون له نتائج خطرة، على قضية فلسطين وشعبها وحركته الوطنية·
ويمكن تبيّن بعض مظاهر ذلك، في هذه المرحلة، في إعلاء شأن السلطة (في الضفة وغزة)، على حساب المشروع الوطني، وفي غياب المؤسسات الوطنية الجامعة لكل الفلسطينيين مقابل نمو البنى المؤسّسية التي تمثل أو تخدم فلسطينيي الأرض المحتلة حصراً· كما يمكن تمثل ذلك بحال الضياع، والتوهان، والتمايز في المرجعيات والسرديات والرؤى، بين فلسطينيي الأرض المحتلة، والفلسطينيين اللاجئين، وفلسطينيي 1948، وفلسطينيي الأردن· لذا فالأزمة الفلسطينية ليست أزمة السلطة أو أزمة فتح وحماس، فقط، وإنما هي أكبر وأعقد وأخطر من كل ذلك·
ويستخلص من ذلك أن تأزّم الوطنية الفلسطينية الراهن هو تحصيل حاصل لحال التشتّت المجتمعي، وغياب هدف وطني جامع للفلسطينيين، وإخفاق حركتهم الوطنية في مهماتها، سواء بالتسوية والمفاوضة، أو بالانتفاضة والمقاومة المسلحة، وهو أيضا نتاج للتأزّم في تبلور الوطنية الدولتية والمجتمعية، في المنطقة العربية، وتأزم عملية مواجهة المشروع الصهيوني، بما هو عليه كمشروع استعماري استيطاني وإحلالي وعنصري، وبحكم تمتّع إسرائيل بعناصر الغلبة في موازين القوى والمعطيات العربية والدولية·
فلسطينيون كثر!
Page 7
هكذا، فمنذ زمن طويل بات ثمة خشية من تحوّل الفلسطينيين إلى فلسطينيين كّثُر، على طريقة فلسطينيي 48 وفلسطينيي الأراضي المحتلة (في الضفة والقطاع) والفلسطينيين في القدس (حملة البطاقة الخضراء)، والفلسطينيين اللاجئين، وثمة بين هؤلاء وضع خاص للاجئين في الأردن الذين باتوا في مكانة مواطنين، وفوقهم الفلسطينيون في مناطق الشتات·
الأنكى أنه ومع تهميش منظمة التحرير، التي كانت بمثابة كيان سياسي معنوي للفلسطينيين، في أماكن تواجدهم كافة (وهذا لم يشمل الفلسطينيين في إسرائيل)، ومع اختزال مشروعهم الوطني بمشروع جغرافي (في الضفة والقطاع)، من دون صلة بمضامين هذا المشروع من النواحي السياسية والثقافية، ومن دون صلة بأية رؤية مستقبلية للتطورات في هذه المنطقة، بات لكل تجمّع فلسطيني رؤيته، أو أجندته أو أولوياته الخاصّة·
هكذا، مثلا، ذهب فلسطينيو 48 نحو الكفاح ضد العنصرية، ومن أجل حقهم في المساواة في إسرائيل، وفي التعبير عن ذاتهم وعن هويتهم، كجماعة قومية في دولة مواطنين، إلى جانب دفاعهم عن حق شعبهم في الحرية والاستقلال· وبالمثل فإن الفلسطينيين في الضفة والقطاع المحتلين بذلوا الكثير من التضحيات من أجل دحر الاحتلال من أرضهم، ومن أجل نيل حقهم في الحرية والاستقلال في دولة مستقلة، بالثمن المبذول في انتفاضتين كبيرتين· أما الفلسطينيون اللاجئون، الذين تحمّلوا عبء النهوض الفلسطيني (1965ـ1982)، والذين يخضعون لسلطات عربية متعددة ومتباينة، والذين باتوا يشعرون بالتهميش جراء تغييب منظمة التحرير، وجراء تقديم هدف إقامة الدولة المستقلة على حقهم في العودة، فباتوا يشعرون أنهم على هامش المشروع الوطني، لاسيما أنه ليس ثمة صلة أو توسّطات أو إطارات تربطهم بالسلطة؛ وهؤلاء باتوا يضعون حقهم في العودة في مقابل الحق في إقامة دولة في الأراضي المحتلة (1967)·
إلى ذلك ثمة معضلة هنا؛ إذ ليس ثمة تطابق بين الكلام المرسل عن الشعب (من الناحية النظرية) وبين حدود المشروع الوطني المطروح الذي يختزل هذا الشعب، في الممارسة السياسية، بالضفة والقطاع المحتلين·
الآن، ومن دون التقليل من أهمية الجهود الرامية لانتزاع الاعتراف الدولي بحق الفلسطينيين في إقامة دولة لهم، ولو في الضفة والقطاع المحتلين (1967)، باعتبار ذلك تحجيما لإسرائيل، من الناحيتين الجغرافية والسياسية، وباعتباره خطوة باتجاه انتزاع باقي الحقوق، إلا أنه ينبغي أيضا ملاحظة التداعيات التي يمكن أن تنجم عن ذلك، على مفهومي الهوية والكيانية للفلسطينيين·
ومثلا، فإن هذا الاعتراف سيطرح التساؤلات حول مفهوم، أو معايير، المواطنة في هذه الدولة؛ فماذا بالنسبة لمواطني الضفة والقطاع المقيمين في الخارج منذ زمن؟ وماذا بالنسبة للفلسطينيين اللاجئين في سورية ولبنان ومصر والعراق؟ وماذا بخصوص الفلسطينيين اللاجئين في الأردن من مواطني المملكة؟ وماذا بالنسبة للفلسطينيين في إسرائيل؟
بمعنى آخر، وبفرض أن هذه الدولة ستمنح اللاجئين في لبنان وسورية ومصر والعراق جنسيتها، وجواز سفرها، فماذا بالنسبة لحقوقهم المستلبة كلاجئين، وماذا بالنسبة لحقهم في العودة؟ ثم ماذا بخصوص الفلسطينيين من حملة الجنسية الأردنية؟ وماذا بشأن الفلسطينيين في إسرائيل؟ فهل سيكف هؤلاء، بعد إقامة الدولة، عن كونهم فلسطينيين؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك فما هو المشروع الوطني بالنسبة للفلسطينيين حقا؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي الاشتغال للإجابة عنه·
هذا يؤكد بأن الهوية الوطنية والكيانية السياسية للفلسطينيين تتعرّض في هذه المرحلة لتحدٍّ كبير، ولامتحان تاريخي، بتعرّضهما لنوع من التآكل والضمور والتشظي، كما لنوع من التحوّل، بسبب غياب هدف وطني جامع للفلسطينيين في أماكن تواجدهم كافة، وبواقع ضمور وحتى غياب المؤسسات الموحّدة لهم، والمؤسّسة لهويتهم، من منظمة التحرير إلى الفصائل (ولاسيما حركة فتح/لاحظ تجربة الانتخابات التشريعية الثانية) إلى المؤسسات المركزية والمنظمات الشعبية الأخرى· وبالنسبة للكيان السياسي/السلطة، فهو ليس أحسن حالا، إذ إنه يفتقد لمقومات الحياة، ويعتمد في بقائه على عوامل السيطرة والسلطة، المتمثلة بالقوى الأمنية والمساعدات الخارجية والموقف الإسرائيلي منه، ما يضعف من صدقيته الوطنية·
إلى ذلك، وبقدر ما يصحّ كلامنا عن إحالة صعود الهوية والكيانية الفلسطينية إلى حركة فتح، ربما يصحّ القول، أيضا، بأن تفكّك، أو انحطاط فتح (بالمعنى السياسي)، أدى، بين متغيرات أخرى، إلى تفكّك تلك الوطنية؛ بمعناها الهويّاتي والكياني والسياسي أيضاً·