إيماءة باليد
ليس هناك إلا الماء في البرك المقدّسة
أنا أعرف، كنت أسبح في تلك البرك.
جميع الآلهة المنحوتة من الخشب والعاج ليس بإمكانها قول كلمة واحدة.
أنا أعرف، كنت أصرخ طالباً مساعدتهم.
كتب الشرق المقدّسة ما هي إلا كلمات.
لقد تفحصتها بتجرد في يوم من الأيام.
ما يتحدث عنه (كبير) هو ما عاشه فقط
إن لم تعش شيئاً ما، فهو غير حقيقي.
كنت أفكر بالفرق ما بين صفحة الماء والأمواج التي فوقها.
عندما يرتفع الماء فهو ماء وعندما يتراجع يبقى ماءً. كيف أطلب من الماء والموجة أن ينفصلا؟
لأن شخصاً ما قد صنّع كلمة "موجة"، هل عليَ أن أميزها عن "الماء"؟
هناك واحد سرّي بداخلنا.
جميع كواكب المجرّات تمر من خلال يديه كأنها حبات خرز.
ذلك هو خيط الخرز الذي يجب على الإنسان أن يبحث عنه بعينين مستنيرتين.
توفيت آلهة الماضي ولا يمكن إعادة إحيائها، فقد أصبحت منفصلة عن وعي الإنسان كونها قد خُلِقت بواسطة عقل غير ناضج. لقد هَرِمَ الإنسان وأصبح محتاجاً لرؤية جديدة عن الآلهة، محتاجاً إلى نوع جديد من الدين وإلى التحرر من ماضيه، لأنه عندئذٍ فقط يصبح الغد ممكناً. على القديم أن يموت من أجل أن يتواجد الجديد.
من الجيد أن الآلهة القديمة قد رحلت، لكن من الصعب على البشرية توديعها، كونها أصبحت متآلفة جداً معها، فقد كانت لهم عزاءً جيداً، كانت مريحة ومناسبة وتشكل نوعاً من الأمان. إن التخلص منها يُشعِرُ الإنسان بالخوف والرعب.
يريد العقل أن يبقى مع ما هو معروف لأن المعروف مألوف وهو طريقٌ مسلوكٌ سابقاً. كما يخاف العقل من الانتقال إلى المجهول لأن فيه تحدٍ وإثارة من جهة وخلقاً للخوف من جهة أخرى، كما لا يمكن التنبؤ به ولا يمكن أن تُعرَفَ نتيجته سلفاً. العقل أرثوذكسي وتقليدي، العقل تقليد وعُرْفٌ، وتكمن المشكلة في أن العقل متشبث بالماضي بينما الحياة تريد السير نحو المستقبل، وهناك لعبة شدّ حبل ما بين العقل والحياة. أولئك الذين اختاروا العقل ظلوا ميتين والذين اختاروا الحياة ضد العقل أصبحوا ملح الأرض.
أولئك الذين باستطاعتهم أن يروا هذا باستطاعتهم أن يغيروا حياتهم. إنهم أشخاص المستقبل، وأنا أتحدث للذين ينتمون إلى المستقبل فقط، وغير مهتم بالموتى ولا بالمقابر. يمكن للمقابر أن تكون جميلة لكن هذا ليس مهماً، تبقى مقابر.
تبقى الحياة مغامرة مستمرّة متواصلة في المجهول حيث ينفصل المنطق عن الحياة. يبقى المنطق مع القديم لأنه لا يقفز ولا يسمح بأية قفزة كمومية، فطبيعته لا تسمح بذلك. عليه أن يسير خطوة خطوة وأن يتبع المقدمات المنطقية حيث لن تكون النتيجة إلا شيئاً متضمناً في المقدمات المنطقية. أصبح واضحاً للعيان أن ليس هناك من جديد، وأن المنطق لن يصل إلى جديد، لأن الجديد ليس له سياق القديم، وهذا ما يجعله جديداً، ليس له جذور في القديم فهو جديد بالكامل، إنه يأتي من اللا مكان ويخرج من العدم ولا يدعمه شيء من الماضي.
لهذا دعوته بالقفزة الكمومية، فهو لا يسير خطوة خطوة ولا يتحرك عبر النقاشات، هو ليس قياسات منطقية بل عبارة عن أغنية. إنه ينفجر صاعداً من كينونتك، إن سمحت له، فهو غامض لا يمكن تفسيره لأن التفسيرات تأتي من الماضي ويبقى هو غير مفسَّر. لكن ذلك هو جماله وغموضه وروعته ورهبته، إنها تجربة الكشف التي يمكنك أن تملكها، لكن لن يكون باستطاعتك أن تجعل منها نظرية.
في اللحظة التي تشكّلُ فيها نظرية تكون قد حولتَ الحياة إلى موت وأنزلتَ مستوى الحياة إلى موت.
في اللحظة التي تحاول فيها تحليل أمر ما ـ والتحليل يعني التفسير والتشريح ـ فإنك تدمّر وحدته العضوية. فعندما ترى زهرة، تكون الزهرة موجودة بكامل جمالها وبدون تفسير، لأنها غير قابلة للتفسير. وهي موجودة لتكون محبوبة وليتم الاحتفال بها، بإمكانك الجلوس معها بصمت أو الرقص حولها بحيث يتشكّل لديك فرحة وتبصّر عظيمان. لكن عقلك يحتاج للتوضيح فيتساءل: "ما معنى تلك الزهرة؟" ليس هناك من معنى، إنها تتجاوز المعنى. أنت تريد تفسيراً لسبب وجودها والهدف منه، وبهذا تُفقِدها حقيقتها. أنت تنغمس بذلك العقل القادم من الماضي، وربما تقارنها بالأزهار الأخرى التي عرفتها وربما تحللها أو تدخل حقيقتها من خلال المنطق، وعندها تكون قد فهمتها، تكون قد فهمت كيميائيتها وليس شاعريتها. عندما تكوّن بعض التفسيرات عنها تكون قد اختفت ولم يعد هناك من زهرة، لديك بعض الكيمياء بين يديك لكنها ليست زهرة، ربما أصبح لديك مكوناتها وليس وحدتها العضوية، فالزهرة ليست مجموع أجزائها، أنها أكثر من مجموع أجزاء.
هذا ما قصدته بشاعريتها. عندما يكون شيء ما أكثر من مجموع أجزائه فإنه يصبح شعراً. ليس باستطاعتك أن تدنّي الكليّ إلى مستوى أجزائه، لأن في الكلّ شيئاً لا يمكن للأجزاء أن تحتويه، يحتوي هذا الكلّ على الوحدة العضوية فليس باستطاعتك استيعابه وليس باستطاعتك إمساكه بيدك، ليس باستطاعتك أن تحوله إلى نظرية وليس باستطاعتك أن تكتب مقالة علمية عنه فهو يتجاوز الاستيعاب، إنه مراوغ كلما لاحقته أكثر فقدته أكثر. عليك أن تستمتع به لتعرف حقيقته، عليك أن تحبّه لتعرف حقيقته.
الحبّ لا يقدم أية تفسيرات بل يقدم التبصّر والحسّ العظيمين، يقدم رؤية رائعة من دون تفسيرات وليس بإمكانك أن تخلق منه مبدأ أو عقيدة دينية.
ينتمي المستقبل إلى أولئك الذين لديهم الحس الشعري القلبي، فالماضي كان منطقياً أكثر مما يجب. حتى أولئك المتديّنون المزعومون ليسوا إلا منطقيين ينسجون ويحيكون منطقهم بزّي اللاهوت، كانوا يخلقون الفلسفة باسم الله حيث كانت الفلسفة أعلى أشكال التديّن في الماضي وكانت المعتقدات الخرافية أدناها، لكن كليهما زائف والإنسان بحاجة إلى شاعرية الدين، إلى التصوف.
إن حامل البشارة هو (كبير) لأنه المبشر بالمستقبل وأول الأزهار المبشرة بقدوم الربيع. إنه واحد من أعظم شعراء الدين لكنه ليس لاهوتياً، ولا ينتمي إلى أي دين، لقد كان رحباً بما يكفي لاحتواء الجميع، وليس هناك من دين خاص يستطيع تحديده، فهو مسلم ومسيحي وهندوسي وجايني وبوذي، إنه جمال عظيم وشعر عظيم، إنه أوركسترا عظيمة.
كان الرجل أمياً تماماً ويعمل حائكاً، وهو يُعتَبَرُ في الهند شخصاً نادراً. كان (بوذا) ابن ملك وكذلك كان كل من (مهافيرا) و(راما) و(كريشنا) حيث كانت الهند مهتمة جداً بالثراء مع أن قادتها مستمرّون بإخبار العالم كله أن الهند روحانية. لقد كانت مادية جداً ولم تكن حتى صادقة في ذلك. يبقى الهنود ماديين حتى عند وقوفهم ضد الأشياء المادية، فإنْ هم هللوا لبوذا، فلكونه تخلى عن المملكة وهذا يبقي القيمة في المملكة. إنهم يعبدونه لأنه تخلى عن ثروة كبيرة.
كان (كبير) نادراً جداً لأنه رجل فقير، وتلك هي المرة الأولى التي يتم بها الاعتراف برجل فقير على أنه رجل الله. وباستثناء حالة (كبير) فقد كان هذا المنصب حكراً على الملوك والأمراء والناس الأغنياء. كان (كبير) مسيح الشرق لأن المسيح كان أمياً وكان ابن نجار وتكلم أيضاً بطريقة (كبير) نفسها. هناك تشابه هائل بينهما لأنهما ينتميان إلى الأرض نفسها، هما أرضيّان جداً لكن لدى كل منهما تبصّر عظيم. كانا بسيطين وغير مثقّفين وغير متحضّرين وربما كان ذلك هو السبب في كونهما يقولان ما هو مقنع، فحكمتهما أتت من الجماهير ومن تجربتهما الشخصية، لم يتعلماها في الجامعات ولم يدخلا أية مدرسة ولم يكونا عالِمين ولا حاخامين. كانا من الناس العاديين. تُعتبر حالة (كبير) هي الحالة الأولى في الشرق والتي يأتي فيها رجل فقير ليوضح جماليات الألوهة.
إذا عرفتَ رجلاً غنياً وليس متديّناً فإن هذا الرجل يكون غبياً: هذا هو فهمي للأمر. إن كنتَ غنياً فسيحدث لديك وعي دينيّ ولن تكون بحاجة للكثير من الإدراك لتفهم ذلك، لأن ثراءك سيثبت لك عبثية العالم. إن كنت تملك كل شيء فلا بد أن تصبح متديّناً ولا مفر من هذا لأن امتلاك كل شيء يجعلك قادراً على الرؤية وسوف تقول: "لقد حصلت على كل شيء ولا أملك أي شيء بداخلي". إن لم يحدث ذلك مع الإنسان الغني فهو غبي حقاً بشكل كامل.
يصعب عليك وأنت فقير معرفة أن العالم خالٍ من المعنى لأنك لم تختبر العالم. تحتاج إلى تبصّر عظيم لترى ما ليس لديك ولترى العبثية، وبسبب هذا فإن تقديري لكلٍ من المسيح أو (كبير) أعمق بكثير منه (لبوذا ومهافيرا) اللذين كان لديهما كل شيء عندما رحلا عبر العالم. لقد كانت جميع النساء الجميلات في المملكة متاحة لبوذا، فإن أدرك أن الجمال الجسدي ليس هاماً أو أنه مجرد حلم فهذا أمر طبيعي. لقد كانت لديه كل الرفاهية الممكنة لرجل منذ خمسة وعشرين قرناً مضت، ولن يحتاج لذكاء كبير ليدرك أن تلك الرفاهية غير مشبعة وغير مرضية، والتجربة الفعلية تثبت ذلك لأن خيبة الأمل لازالت هي ذاتها.
لكن الأمر كان مختلفاً جداً بالنسبة (لكبير) أو (للمسيح) فهما ليسا مَلِكين بل شخصان فقيران، حتى أن حاجاتهما الأساسية لم تُشبَع، ولديهما في هذه النقطة تحديداً إمكانية للأمل والحلم والرغبة، وقد يحتاج الأمر إلى عبقري ليرى أن العالم بلا معنى. وهنا نجد أن (كبير) كان شخصاً أمياً لكنه عظيم الذكاء، وكان ذا عينين نافذتين يستطيع من خلالهما أن يرى عبثية الأشياء التي لم يحصل عليها، واستطاع أن يراها دون أن يحصل عليها بيديه، واستطاع من خلال بصيرته الصافية خلق الومضة الأولى لدين المستقبل.
لن يكون الدين الجديد طقسياً ولن يكون فيه عبادة وتبجيل، بل سيكون فيه الكثير من الاحتفال الذي يُعتَبَرُ العبادة الحقيقية الوحيدة. سيكون هناك الكثير من الغناء والرقص لكنه لن يُقَدمَ إلى آلهة بعينها، بل يُقَدمُ إلى الوجود بحد ذاته تدفقاً ومشاركة من القلب.الغناء بحد ذاته كافٍ وليس هناك من داعٍ لتوجيهه إلى شخص ما، كما أن الرقص كافٍ والصلاة كافية بحد ذاتها.
تذكر بأن (كبير) كان متمرداً، وأنا أرى فرقاً كبيراً ما بين المتمرد والثوري. الثوري ليس ثورياً حقيقياً لأنه يكون متطرفاً ضد شيء ما. إن كلاً من الأرثوذوكسي أو التقليدي أو العرفي هو يمينيّ، والثوري يساريّ لكنهما طرفان باللعبة نفسها. وكما تنتمي اليد اليسرى واليد اليمنى للإنسان نفسه ينتمي اليمينيون واليساريون للعقل نفسه.
كنتُ قد سمعت عن قدّيس روسي عظيم اسمه (أفاكيوم). اعتقد (أفاكيوم) أن على الإنسان أن يرسم إشارة الصليب بإصبعين، إشارة إلى الطبيعة الثنائية للمسيح، فهو إله وإنسان معاً، بدلاً من رسمها بثلاثة أصابع إشارة إلى الثالوث المقدّس في المسيحية. ويُعتَقَدُ على هذا الأساس أنه ثوريّ عظيم، فأي نوع من الهراء هذا؟ إن رسمت إشارة الصليب بثلاثة أصابع أم بإصبعين فأي فرق هذا؟ ما الفرق الذي يشكله ذلك؟
لا بد أن الناس اعتقدوا أن (أفاكيوم) قدّيس ثوري عظيم وذلك لأنه قد صُلِبَ. لقد قُتِلَ وكان قاتلوه أغبياء إلا أن هذا لا يعني أن (أفاكيوم) كان ذلك الرجل الذكي أيضاً، بل كان متعنتاً حيال الأمر، حيث أنه وحتى النهاية تماماً وانطلاقاً من إحساسه بالواجب رسم إشارة الصليب بتحدِّ وجرأة بإصبعين بينما هو على العمود محاط بألسنة اللهب في عام 1682. لقد رسم إشارة الصليب كتحدٍ.
أية ثورة هذه؟ ثلاثة أصابع أم إصبعان، أي أمر تافه هذا؟ يكون ثوارك دائماً على هذه الشاكلة لأن الأرثذوكسيين أغبياء والثوريين ليسوا أذكياء أيضاً، وهم مستمرّون بالقيام بالأشياء نفسها من الجهة المعاكسة، إن تلك الأقطاب من الطاقة نفسها، كما إن تتبع النوع نفسه من العقل.
ليست الأبعاد الجديدة في اليمين ولا في اليسار بل هي نحو الأعلى. الأعلى إطار جديد كليّاً بشكل تتجاوز فيه مقدماته وأهدافه اليمين واليسار، إنهم جميعاً محافظون وجميعهم في الأسفل بينما التمرد بعدٌ باتجاه الأعلى، إنه نوع جديد من الطاقة فيه نظرة نحو الحياة.
يؤمن (كبير) بالبعد نحو الأعلى، فماذا يوجد في الأعلى؟ الماضي والقديم والمألوف في الأسفل، بينما غير المألوف وغير المعروف والغامض في الأعلى. كن في الأعلى ولا تنتمِ إلى الأبعاد في الأسفل، فهناك الناس المسيحيون والهندوس والجاينيون والبوذيون الذين يعيشون حياتهم دائماً زاحفين على الأرض لا يطيرون. إن الدين يعطيك أجنحة لتذهب إلى ما لانهاية.
استمع إلى دروس (كبير) وتذكرها لأنها ستكون صادمة جداً ومشتتة للذهن. سيكون مدمّراً من خلال تعاطفه وسوف يخلق فيك نوعاً من الفراغ، لأن الأعلى يتواجد فقط في ذلك الفراغ، يتواجد كتقوى. يتواجد التأمل في ذلك الفراغ فقط كما تبدأ بالرؤية لأول مرة.
لقد بين (نيكولاس) من مدينة (كوسا) أن كلمة (dues) وتعني الله، قد اشتُّقت من كلمة (theoro) وهي كلمة جميلة اشتق منها كلمة (theory) التي تعني (نظرية). لقد أصبحت كلمة "نظرية" قبيحة جداً بينما بقيت كلمة (theoro) جميلة فهي تعني ببساطة "أنا أرى".
يهبك الدين عيوناً ووضوحاً بكل بساطة، ولا يعطيك الوضوح أية تفسيرات، لكنه يجعلك قادراً على الحياة وقادراً على الحبّ. لا يعطيك الوضوح معانيَ لكنه يعطيك المغزى وهي مفاهيم مختلفة. المعنى شيء عقلي بينما المغزى تجربة حياة. إنه وجودي.
سمعت أن (ألبرت إنشتاين) اعتاد أن يقول: "الدين أعمى بدون علم والعلم معوق بدون دين". أودّ الموافقة بعد إجراء بعض التعديلات لكنها تعديلات قد تعني الكثير. يقول (ألبرت إنشتاين): "الدين أعمى بدون علم" وهذا ليس صحيحاً لأن "الدين مُقعد بدون علم والعلم أعمى بدون دين". إن الدين يعطيك عينين، يعطيك تبصّراً داخلياً وخارجياً داخل الحقيقة، وبدون العلم يصبح الدين مُقعداً وليس باستطاعته أن يمشي.
يمكنك رؤية هذا في الشرق: فالشرق مُقْعد في الواقع والغرب أعمى. العلم يقدم الطاقة والقدرة والسرعة والتكنولوجيا لكنه لا يعطيك التبصّر فيما يمكنك أن تفعل بها. يعطيك العلم التبصّر في المادة وليس في كينونتك الخاصة حيث يستمرّ التبصّر ليصبح تكنولوجيا أعظم وأعظم ولا تعرف ماذا تفعل بها. عندما تكون لديك تكنولوجيا عليك أن تفعل بها شيئاً ما. يعطيك العلم القدرة بدون أن يهبك الحكمة وهذا يشكّل خطراً، ويهبك الدين الحكمة بدون أن يعطيك القدرة وهذا خطر أيضاً. إن الناس في الشرق لديهم العيون ولكن ليس لديهم القدرة على فعل أي شيء.
سيكون للمستقبل تركيبة من نوع جديد حيث سيلتقي العلم والدين ويندمجان أحدهما بالآخر، وعندها لن يكون الإنسان مُقعداً ولا أعمى.
سوف تعطيك مقاربة (كبير) العديد من اللمحات حول المستقبل، وأيَّ نوع من الدين سيكون ممكناً. ربما يصدمك في بعض المرات وربما يكون مزعجاً مرات أخرى، لكن عليك أن تتذكر أن كل نضجٍ يكون مؤلماً، وسوف تنضج مع (كبير) بشكل عظيم.
لا يهتم (كبير) بإعطائك إجابات لأنه يعرف تماماً أن ليس هناك من إجابات، وأن لعبة الأسئلة والأجوبة ما هي إلا لعبة. هذا لا يعني أنه لم يكن يجيب على أسئلة مريديه بل كان يجيب على أسئلتهم بأجوبة مازحة لعوبة. عليك أن تتذكرهذه النوعية فهو ليس بالشخص الجادّ، وليس هناك من حكيم يمكن أن يكون جاداً لأن الجدية جزء من الجهل كما أنها ظل (للأنا). الحكيم لا يكون جاداً وليس هناك من أجوبة جادّة على الأسئلة، على الأقل ليس مع (كبير) فهو لا يؤمن بوجود أي معنى للحياة ولا يؤمن بأن عليك الوقوف بمعزل عنها لتراقب وتجد المعنى، إنه يؤمن بالمشاركة ولا يريد منك أن تقف متفرجاً، متفرجاً وفيلسوفاً.
إنه يقول: ادخل الحياة وكن جزءاً منها، اجعل نبضك يتوافق مع إيقاعها، وعندها سوف تعرف. وبالرغم من عدم قدرتك على نقل معرفتك عبر الكلمات إلى شخص آخر لأن الحقيقة غير قابلة للانتقال، فإنك ستصبح حقيقة وتكون الضوء في ليل الحياة المظلم، ستصبح ممراً في دغل الحياة هذا وسيحظى العديد من الأشخاص بالبصيرة في حضورك. ستكون عاملاً حافزاً بدون أي يكون بمقدورك إعطاء أجوبة جاهزة.
ليس هناك من أجوبة جدّية لأسئلة حول معنى الحياة، لأن السؤال يعني الوقوف بعيداً عنها والتظاهر بأنك لست هي، ويعني أنك اتخذت منذ بداية الطريق خطوة زائفة تماماً، وبتلك الخطوة سيصبح طريقك كله خاطئاً. تكون الأسئلة على أحسن حال شكلاً من اللعب وربما نوعاً من المتعة بحد ذاتها، وليس هناك من أجوبة صحيحة إلا للخفيف منها. دعني أكرر لك: "ليس هناك من أجوبة صحيحة إلا للخفيف منها كما أنها تُطرَحُ ويُجابُ عليها من قِبَلِ أولئك الذين يعرفون أنهم يلعبون.
هي لعبة ما بين المعلّم والمريد. لم يُكتَب شيء مما قاله (كبير) بل تم التحدث به إلى مريديه، حيث كان تدفقاً تلقائياً من قلبه. كان شاعراً ومغنياً تتدفق أغنيته رداً على سؤال شخص ما، ولم يكن أحد قد غنى أغاني كتلك على الإطلاق. تذكر إن تحركت برفقة (كبير) أن الإنسان المستنير ليس إلا مهرّجاً وأن ما يجعل الإنسان يستنير هو إدراكه بأنه يشبه المهرّج فهو يقول في نفسه "إن عقلي عقل مهرّج". يذكر (لاوتسو) عبارة ويوافق عليها (كبير): "كم هو خاوٍ، إنه خاوٍ كما هو عقل المهرج" والخواء لا يأخذ الأمور بجدية ولا يرفع شيئاً فوق مستوى آخر ولا يبجّل شيئاً بل يحتفل بكل شيء.
(كبير) شخص محتفل. إنه يحتفل بكل شيء، يحتفل بكل ألوان الحياة وألوان قوس قزح الموجودة فيها، وما سيقوله لك ليس بفلسفة بل هو شعر صافٍ، ليس ديناً بل إيماءة يد وباب موارب ومرآة نظيفة. إنه طريق العودة إلى الوطن، طريق العودة إلى الطبيعة.
الطبيعة هي الله بالنسبة (لكبير)، هي الأشجار والصخور والأنهار والجبال. لا يؤمن بالمعابد والكنائس والجوامع بل يؤمن بالحقيقة الحية، يؤمن بأن الله يتنفس ويزهر ويتدفق فإلى أين أنت ذاهب؟ إلى معبد من صنع الإنسان لتعبد رموزاً مصنّعة بيد إنسان وعلى صورته الشخصية.
يطلب منك (كبير) أن ترجع من المعابد: ماذا تفعل هناك؟ يريد منك أن ترجع لتحتفل بالحياة.
لقد سمعت:
سأل طالب رجلاً مسنّاً من الزن وهو الدكتور (دي. تي. سوزوكي) بينما كان يلقي إحدى محاضراته: "عندما تستخدم كلمة (الحقيقة) فهل تشير بها إلى الحقيقة النسبية للعالم الفيزيائي أم إلى الحقيقة المطلقة للعالم الروحي؟" وعندئذٍ أغلق سوزوكي عينيه دون أن يقول شيئاً. دعا الطلاب هذا الفعل "عمل سوزوكي". لم يكن معروفاً حتى تلك اللحظة ما إن كان الرجل بحالة تأمل عميق أم أنه قد نام، وبعد دقيقة كاملة بدت وكأنها زمنٌ طويلٌ فتح سوزوكي عينيه وقال: "نعم".
هذه طريقة الرجل الحكيم، فالأسئلة لا تعني الكثير بهذه الطريقة أو بتلك، ولا تعني الأجوبة شيئاً. وعلى الحياة أن تُعاشَ بدون أسئلة وأجوبة فحينها فقط تُعاشُ الحياة بأصالتها. اذهب إلى الحياة لأنها المعبد الوحيد الذي يمكن أن يتواجد الله فيه. اذهب بصمت دون أسئلة وأجوبة، اذهب ببراءة وجهل ودع الحياة تتملكك وحسب.
لا تحاول أن تمتلك الحياة ولا أن تمسك بها لأن هذا ما تفعله (الأنا). اسمح لنفسك أن تكون ممتلكاً من قِبلِها. كن مغموراً ومشبعاً بها وسوف تعرف بشكل عميق جداً بأنه ليس هناك من إمكانية لقول عبارة "أنا أعرف". سوف تعرف وبألفة كبيرة أن ليس هناك من إمكانية لتبخسها قيمتها إلى مستوى المعرفة.
يمكن تقليل قيمة الأشياء السطحية إلى مستوى المعرفة، أما الحقيقة فكلما كانت أعمق كان من الصعب تقليل قيمتها. تبدو المعرفة باهتة بينما الحقيقة حية، المعرفة بلا دم ولا قلب بينما الحقيقة نبض القلب ودوران الدم واستنشاق الهواء. هي الحبّ والرقص.
والآن "الدروس"
ليس هناك إلا الماء في البرك المقدّسة...
يؤمن الناس في الشرق منذ زمن بعيد بالبرك المقدّسة، حيث لا تحتاج من أجل الطهارة إلا للذهاب إلى نهر الغانج. إنه رخيص جداً ومن السهل القيام به لكنه خادع جداً. لقد خدعك الكهنة. يقول (كبير): لا وجود لشيء إلا المياه في البرك المقدّسة، لقد أخذ مطرقة بيده وبدأ يحطّم دينك المزعوم. كانت هناك قيمة عظيمة للبرك المقدّسة في الديانة الهندوسية، الماء ينظف الجسد لكنه لا ينظف الروح، كيف له أن ينظف إدراكك؟ إن اقترفت خطأ ما تذهب وتغطس في نهر الغانج معتقداً أن كل شيء قد انتهى.
حدث هذا مع أحد مريدي (راما كريشنا) حيث طلب الإذن بالذهاب إلى الغانج في يوم ميمون. ولم يكن (راما كريشنا) يشبه (كبير) فهو رجل مهذب جداً ولا يمكن أن يحمل مطرقة بيده، لكن الحقيقة تبقى حقيقة. يمكن له أن يضرب بوردة وليس بمطرقة لكن الضرب يبقى ضرباً، كما أن من الممكن أن يكون الضرب بوردة أكبر تأثيراً من الضرب بمطرقة. أجاب الرجل:"حسناً اذهب، نهر الغانج جميل وهو يطهر لكن عليك أن تتذكر شيئاً: لا تعد إلى هنا وابق في نهر الغانج إلى الأبد، لأنه في اللحظة التي تخرج فيها من النهر ينتهي تأثيره. هل رأيت الأشجار على ضفتي الغانج؟"
أجاب المريد: "نعم، هناك أشجار كبيرة على نهر الغانج".
قال (راما كرشينا): "هل تأملتها يوماً؟ لماذا تقف هناك؟"
أجاب المريد: "لا، لم أفكر بهذا."
قال (راما كريشنا): عندما تغطس في الماء النقي جداً فإن خطاياك تغادرك إلى النهر لكنها تقفز على الشجرة منتظرة خروجك من النهر لتعود إليك مجدداً."
لقد قالا الشيء نفسه، والأمر أن طريقة كلام كل من (كبير) و(راما كريشنا) مختلفة عن الأخرى فالأول شخص فظ والثاني مهذب.