Page 1
مقدمة
يتوزع هذا الكتاب على ثلاثة محاور من الدراسات والمقالات الفكرية والسياسية.
المحور الأول: وهو بعنوان في «الميدان الطائفي»، تضمّن خطاب الطوائف في موضوعات محددة نحو: الوحدة الوطنية ـ مقولة العدد المطيّف ـ صيغة المشاركة أو التعايش الطائفي ـ مسألة الهوية... كما تضمّن دراسة في مفاهيم الطائفة والطائفية. وعلاقة الطوائف بالدولة وتحديداً علاقة الطوائف الأربع بها: الموارنة ـ الدروز ـ الشيعة ـ السنة، في الجمهوريتيْن الأولى والثانية. كذلك، جاء هذا المحور يغطي على نحو أساسي بعضاً من وقائع المرحلة الراهنة، الممتدة بين 2005 و2010، بصفتها المرحلة التي أفصحت بشكل فاضح عن مكنونات الخطاب الطائفي والمذهبي في لبنان.
والمحور الثاني: حمل عنوان «قضايا عربية»، واشتمل على مجموعة منها: أزمة النظام العربي ـ فلسطين والوجود العربي ـ قضية المسيحيين العرب ـ أشكال الاستبداد العربي.. واشتمل أيضاً على دراسة حول العروبة. وقد أخذت هذه الدراسة بنظر جديد حاول تخليص العروبة من أسرها الإيديولوجي الذي وضعها فيه النظام العربي الرسمي. ثم قاربها من حيث كونها رابطة ثقافية وحضارية للأمة. ووجد أنها تشتمل على شروط مادية تجعلها متسقة مع العلمانية والديمقراطية، ومنفتحة على الفضاء الإنساني الرحب.
وتشكّل متن المحور الثالث، «في الحراك العربي» من مجموعة من المقالات التي تناولته منذ انطلاقته في تونس في 17 كانون الأول 2010. وجاء تعاقبها طوال العام 2011، يواكب تطور أشكال الحراك في غير بلد عربي. فجرى استخدام مصطلح «الثورة» بحذر منهجي ومعرفي لئلا نقع في نمْذجة أو تصنيف غير علميْين، لا سيّما أن الحدث ما زال يجري ولمّا ينتهِ أو يكتمل بعد. ولذلك، رئي الحراك في أكثر من جانب وزاوية. فكان ثمة ضرورة لتوصيف اسمه أو ضبطه نظرياً. ما اقتضى التمييز المعرفي بين مفاهيم «الثورة» والانتفاضة وسيرورة التغيير الديمقراطي. وكان من الضروري أيضاً مقاربة نشأة الحراك من زواية الجدل بين الكمي والكيفي في المجرى التاريخي، وتظهير العلاقة بين الداخل والخارج في مساره، وتحديد المعنى التاريخي الذي يختزنه ويدلّ عليه. وما يحمله هذا المعنى من أفق نهضوي ومن إمكانيات حداثية تُعيد بناء الوطني والعروبي على قواعد جديدة.
إن ما جاء في المحاور أعلاه، يظهر أن كل محور يتشكّل من موضوعات متعددة. غير أنه يكشف في الوقت عينه، أن ثمة انتظاماً عاماً ينطبع به. «فالميدان الطائفي»، يعكس ما تبدى فيه من تعدد موضوعي (نسبة إلى الموضوع)، في نطاق الظاهرة الطائفية التي تخترق النسيج المجتمعي كله، أي في نطاق ظاهرة تتصف بالكلية والشمول. و«القضايا العربية» تستند إلى مشترك عربي تتميّز به طبيعة البلدان العربية في ميادين الاجتماع والاقتصاد والسياسة. «والحراك العربي» سواء اتخذ شكل «الثورة» أم شكل الانتفاضة؛ يحيل إلى سيرورة تغيير ديمقراطي ترتكز على وحدة من المطالب تقريباً، أي إنه يحيل على سيرورة تعكس وحدة الحاضر السياسي للبلدان العربية، وخصوصية كل بلد، منها في آن...
وإذا كان لكل محور وحدته الخاصة؛ فإن ثمة ناظماً عاماً تتشارك فيه المحاور كلها. وقد تجلّى هذا الناظم في مستويين متداخلين: المقاربة النقدية وفكر التغيير...
ففي ضوء المقاربة النقدية جرى دحض الثقافوية في الخطاب الطائفي، والكشف عن حقائق الأزمة التي تضرب في بنية النظام السياسي، وتعيق عملية بناء الدولة وتحوُّل لبنان من كيان إلى وطن. كما شهد المحوران الثاني والثالث حوراً نقدياً مع فكر ما بعد الحداثة والتأثيرات التي تركها لدى نخب ثقافية استلهمته في النظر إلى عدد من «القضايا العربية» وإلى «الحراك العربي». فتمّ فحص تلك التأثيرات الفكرية ومساءلتها، ومن ثم نقضها وتقويضها من منظور حداثي يولي العقلانية النقدية مكانتها الحقة في التفسير والتحليل.
ومن المنظور نفسه، شكَّل فكر التغيير النسغ الداخلي للكتاب أو وحدته الضمنية. وقد جاءت المحاور الثلاثة تفصح بوضوح عن أن التغيير الديمقراطي هو خلاص العرب من دهر التقليد والعصبية، مثلما هو معبرهم إلى التاريخ المعاصر لئلا يبقوا خلف أبوابه أو يوصدوها بأنفسهم.
أما السردية كما وردت في عنوان الكتاب، فهي لا تعني حكاية تقليدية على ما هو شائع في المعنى، بل إنها تعبّر عن لحظة محورية في العقل البشري، أو عن نمط من أنماط التفكير الحداثي الذي يرى أن نقد الاستبداد هو ثورة فكرية، وأن الثورة عليه هي بناء أفكار الحداثة والديمقراطية والتقدم والعدالة على الصعد المجتمعية كافة....
29/12/2011
يتوزع هذا الكتاب على ثلاثة محاور من الدراسات والمقالات الفكرية والسياسية.
المحور الأول: وهو بعنوان في «الميدان الطائفي»، تضمّن خطاب الطوائف في موضوعات محددة نحو: الوحدة الوطنية ـ مقولة العدد المطيّف ـ صيغة المشاركة أو التعايش الطائفي ـ مسألة الهوية... كما تضمّن دراسة في مفاهيم الطائفة والطائفية. وعلاقة الطوائف بالدولة وتحديداً علاقة الطوائف الأربع بها: الموارنة ـ الدروز ـ الشيعة ـ السنة، في الجمهوريتيْن الأولى والثانية. كذلك، جاء هذا المحور يغطي على نحو أساسي بعضاً من وقائع المرحلة الراهنة، الممتدة بين 2005 و2010، بصفتها المرحلة التي أفصحت بشكل فاضح عن مكنونات الخطاب الطائفي والمذهبي في لبنان.
والمحور الثاني: حمل عنوان «قضايا عربية»، واشتمل على مجموعة منها: أزمة النظام العربي ـ فلسطين والوجود العربي ـ قضية المسيحيين العرب ـ أشكال الاستبداد العربي.. واشتمل أيضاً على دراسة حول العروبة. وقد أخذت هذه الدراسة بنظر جديد حاول تخليص العروبة من أسرها الإيديولوجي الذي وضعها فيه النظام العربي الرسمي. ثم قاربها من حيث كونها رابطة ثقافية وحضارية للأمة. ووجد أنها تشتمل على شروط مادية تجعلها متسقة مع العلمانية والديمقراطية، ومنفتحة على الفضاء الإنساني الرحب.
وتشكّل متن المحور الثالث، «في الحراك العربي» من مجموعة من المقالات التي تناولته منذ انطلاقته في تونس في 17 كانون الأول 2010. وجاء تعاقبها طوال العام 2011، يواكب تطور أشكال الحراك في غير بلد عربي. فجرى استخدام مصطلح «الثورة» بحذر منهجي ومعرفي لئلا نقع في نمْذجة أو تصنيف غير علميْين، لا سيّما أن الحدث ما زال يجري ولمّا ينتهِ أو يكتمل بعد. ولذلك، رئي الحراك في أكثر من جانب وزاوية. فكان ثمة ضرورة لتوصيف اسمه أو ضبطه نظرياً. ما اقتضى التمييز المعرفي بين مفاهيم «الثورة» والانتفاضة وسيرورة التغيير الديمقراطي. وكان من الضروري أيضاً مقاربة نشأة الحراك من زواية الجدل بين الكمي والكيفي في المجرى التاريخي، وتظهير العلاقة بين الداخل والخارج في مساره، وتحديد المعنى التاريخي الذي يختزنه ويدلّ عليه. وما يحمله هذا المعنى من أفق نهضوي ومن إمكانيات حداثية تُعيد بناء الوطني والعروبي على قواعد جديدة.
إن ما جاء في المحاور أعلاه، يظهر أن كل محور يتشكّل من موضوعات متعددة. غير أنه يكشف في الوقت عينه، أن ثمة انتظاماً عاماً ينطبع به. «فالميدان الطائفي»، يعكس ما تبدى فيه من تعدد موضوعي (نسبة إلى الموضوع)، في نطاق الظاهرة الطائفية التي تخترق النسيج المجتمعي كله، أي في نطاق ظاهرة تتصف بالكلية والشمول. و«القضايا العربية» تستند إلى مشترك عربي تتميّز به طبيعة البلدان العربية في ميادين الاجتماع والاقتصاد والسياسة. «والحراك العربي» سواء اتخذ شكل «الثورة» أم شكل الانتفاضة؛ يحيل إلى سيرورة تغيير ديمقراطي ترتكز على وحدة من المطالب تقريباً، أي إنه يحيل على سيرورة تعكس وحدة الحاضر السياسي للبلدان العربية، وخصوصية كل بلد، منها في آن...
وإذا كان لكل محور وحدته الخاصة؛ فإن ثمة ناظماً عاماً تتشارك فيه المحاور كلها. وقد تجلّى هذا الناظم في مستويين متداخلين: المقاربة النقدية وفكر التغيير...
ففي ضوء المقاربة النقدية جرى دحض الثقافوية في الخطاب الطائفي، والكشف عن حقائق الأزمة التي تضرب في بنية النظام السياسي، وتعيق عملية بناء الدولة وتحوُّل لبنان من كيان إلى وطن. كما شهد المحوران الثاني والثالث حوراً نقدياً مع فكر ما بعد الحداثة والتأثيرات التي تركها لدى نخب ثقافية استلهمته في النظر إلى عدد من «القضايا العربية» وإلى «الحراك العربي». فتمّ فحص تلك التأثيرات الفكرية ومساءلتها، ومن ثم نقضها وتقويضها من منظور حداثي يولي العقلانية النقدية مكانتها الحقة في التفسير والتحليل.
ومن المنظور نفسه، شكَّل فكر التغيير النسغ الداخلي للكتاب أو وحدته الضمنية. وقد جاءت المحاور الثلاثة تفصح بوضوح عن أن التغيير الديمقراطي هو خلاص العرب من دهر التقليد والعصبية، مثلما هو معبرهم إلى التاريخ المعاصر لئلا يبقوا خلف أبوابه أو يوصدوها بأنفسهم.
أما السردية كما وردت في عنوان الكتاب، فهي لا تعني حكاية تقليدية على ما هو شائع في المعنى، بل إنها تعبّر عن لحظة محورية في العقل البشري، أو عن نمط من أنماط التفكير الحداثي الذي يرى أن نقد الاستبداد هو ثورة فكرية، وأن الثورة عليه هي بناء أفكار الحداثة والديمقراطية والتقدم والعدالة على الصعد المجتمعية كافة....
29/12/2011
Page 2
المحور الأول :في الميدان الطائفي
1 ـ الوحدة الوطنية لا يصنعها أهل الطاعة(*)
انبرى رهط واسع من مثقفينا وسياسيينا يتحدث بزهو، عن أن الوحدة الوطنية تحققت في 14 آذار «بأبهى صور لها». وكان صريح حديثه يرى أن اجتماع الطوائف اللبنانية في ساحة الشهداء، جعل هذا اليوم حدثاً وطنياً غير مسبوق، وعلى قدرة فائقة على جَبّ ما قبله والتأسيس لما بعده. وفي الحال، أخذ حديث الوحدة الوطنية يتحول إلى طقس يومي يرتله ذاك الرهط دون كلل، كأنه تلبس وظيفة الكهانة في وعظ وإرشاد من يأتم به أو يأخذ بفتواه أو يتبع له. لكن الكهانة هنا، أظهرت عجزاً بائساً رغم أنها امتلكت المساحة الأوسع من مجتمع الصوت والصورة، ذلك أن حديث أهلها كان درساً مكروراً من وعي شقي يعود إلى خطاب أيديولوجي ما فتئ منذ الاستقلال يرى أن الوحدة الوطنية تقوم على حساب جمع الطوائف أولاً وأخيراً. وهذا ما وجد أصداءه في منبر 14 آذار حين افتتن متحدثوه بتجاور الهلال مع الصليب، واكتشفوا أن الطوائف تتشابه في مركبها الفيزيقي، وأن ثمة فرصة مؤاتية لأن تتلاقى على مركب كيميائي مشترك!. غير أن افتتان هؤلاء بالفولكلور الشكلي، حجب عن وعيهم معرفة ما إذا كانت معادلة طائفة زائد طائفة تنتج وحدة وطنية أم طائفتين في حالة تجاور كياني. أو بتعبير آخر، لقد حجب عن وعيهم أن معادلة الجمع الطائفي سواء ضمت طائفتين أو أكثر لا تحيل إلى الصدق الواقعي أو تقترب منه، وهو هنا، حقيقة الوحدة الوطنية بوصفها النقيض لأي حساب طائفي لم ينجز الوحدة يوماً إلا لفظاً في تاريخه العريق... لا ريب أن 14 آذار حشد في حدَثيَته أقساماً كبيرة من السنة والدروز والمسيحيين، مع قسم محدود من الطائفة الشيعية. وجاءت الأقسام متنوعة من حيث منطقها وفئاتها المجتمعية. ومن بين هذه الفئات، شكل الشباب الكتلة الأوسع للحشد في ذاك اليوم. وكان الغالب الأعم من كتلهم يتوزع على أحزاب وتيارات وقوى طائفية، أي إنه كان يمثّل التغذية العضوية الرئيسة لفعل التحشيد والتجمهر. وما بقي من تلك الكتلة وهو على الأرجح فئة قليلة، شارك في الحدث المسمى «انتفاضة الاستقلال»، من خارج الانتظام الطائفي وهو يظن أو يتصور أو يحلم بوحدة وطنية تؤسس لتحرير لبنان من كل وصاية خارجية حتى تتحول شعارات الحرية والسيادة والاستقلال إلى حقائق واقعية. لكن المجرى اللاحق للحدث قطع الطريق على الحلم المنشود وهمش فعل الحالمين وتأثيرهم، ثم أظهر بالملموس أن من احتشد في 14 آذار، صنع جمعه الخاص للموازنة مع جمع خاص آخر احتشد في 8 آذار في ساحة رياض الصلح. فكانت الصناعة بالتالي جمعاً إلى جمع طائفي، لا وحدة وطنية جامعة.. لقد ترافدت الطوائف إلى ساحة الشهداء كذوات جمعية شبه مستقلة. وحينما تلاقت، توزعت في المكان على هيئة تجاورية، بحيث ظهرت كل ذات تشغل قسماً منه أو تتحرك في حيز مخصوص لها. ولذلك بقي المشهد موزعاً على روافد متوازية في جانب ومتقابلة في آخر، أي ان المشهد لم ينتج الكل ذا الطبيعة المختلفة عن روافده أو عناصره المكونة للجمع المحتشد. ومن دون هذا الكل، لا تعود الوحدة الوطنية تجد أساس قيامها أو تحققها. وكل حديث يدعو إلى الوحدة، وهو يتجاهل أو يجانب هذه الحقيقة، يقع في باب الخطاب الحماسي أو التعبوي. ويوم 14 آذار الذي أوصل مسار التعبئة إلى درجته القصوى، شهد على نفسه بنفسه، إذ بعد أن ظن خطباؤه أنهم أمام أروع وحدة في تاريخ لبنان، جاء الواقع ليكشف لهم بدءاً من صبيحة اليوم التالي، أن جمع «الانتفاضة» تفرّق وبحماسة شبيهة بالأولى، أيدي سبأ على ربوع طوائفه ومضاربها. ما يدل على أن الحماسة الوجدانية قد تفلح مؤقتاً في حشد الطوائف من كل حدب وصوب، لكنها في الوقت نفسه، برهنت أن الوحدة الوطنية لا تُبنى من روافد طائفية لا تستطيع إلا أن تتجاور في مكان حشدها بالذات، حتى وهي في أعلى درجات وتيرتها الانفعالية...
ثم جاءت الانتخابات النيابية تثبت بدورها أن الطوائف حفرت خنادقها المتقابلة سواء في فعل ائتلافها أم في فعل تصويتها. فكانت حركة الخندقة نقضاً للشعار الذي طرحته والداعي إلى الوحدة الوطنية، أو بمعنى ما، انتفاضة مضادة عليه.. كما كانت طوق خناق للسياسة بوصفها خطاباً في المواطنة، وبخاصة بعد أن ظفرت كل طائفة بزعيمها الأول أو الأوحد لها. ومع أحادية المرجعية، ظهر أبناء الطائفة على فئتين رئيستيْن: فئة كثيرة، تتشكل من المريدين والأتباع «البررة» وهؤلاء هم أهل الطاعة أو الموالي، يوالون بالأجر أو بالغريزة أو بالمنفعة. وفئة قليلة، تتكون من المعترضين والمحتجين الناقمين. وهؤلاء هم أهل الرفض أو الخوارج، يخرجون على المرجعية إما بالقطع أو النقد أو الخصام لتركيب بديل عنها أو أكثر... أما من يخرجون من انتمائهم الطائفي إلى آخر مغاير، فأولئك في نظر الطائفة أو أكثريتها هراطقة ضالون لا حمى لهم لديها أو حماية.
وهكذا، عندما تتفرق كل طائفة على هذه الصورة، لا يعود جمع الطوائف أو حشدها في يوم من هنا وآخر من هناك، يملك أن ينتج وحدة وطنية، والمرجعيات الطائفية تعمل على توليد أكثرية في الطائفة، لتكون من أهل الطاعة أو الموالي المخلصين.
وعليه، فالوحدة الوطنية لا تصنعها قوى طائفية سواء من الموالي أو الخوارج، كما تريد لها مرجعياتها العامة أن تكون، بل تصنعها قوى غير طائفية تتسلح بخطاب مدني تقوم مرجعيته الفكرية والسياسية على الانتماءات الحداثية حتى تتعزز شروط بناء النحن المجتمعية أو الكل المجتمعي، الأساس الوجودي لكل فعل توحيدي، ثم من أجل أن تشكل تلك القوى مركزاً توحيدياً أو كتلة مهيمنة تعبّر عن وحدة مصلحية لا طائفية. أو بمعنى آخر، كي تتحول إلى أكثرية سياسية متجانسة تمارس غلبتها على قواعد ديمقراطية ووطنية جامعة، لئلا تبقى الأكثرية الطائفية مصدراً دائماً للخوف الأقلوي وتالياً لاختلال التوازن الوطني.
في الأسابيع الأخيرة، برعت الأكثريات الطائفية في خنق الديمقراطية على حدود خنادقها العصبية أو خطوط انقسامها الأهلي. وإلى جانب ذلك، برعت في افتراس المكان كمجال عمومي بعد أن حولته إلى رقعة فسيفساء متنافرة رغم تجاور أجزائها، وكأن الطوائف هنا، تريد أن تكون علاقتها بهذا المجال صورة رمزية دالة على علاقتها بالدولة والوطن، إذ مثلما تفترس المجال العمومي، تعتقل الدولة وتقهر زمنها الخاص، وتحجز الوطن ثم تأسره وهي سعيدة، في مزهرية لا ماء فيها. إن الدولة في لبنان، سوف تظل مكتومة مع إدامة القيد الطائفي. أما الوطن فسيبقى هو الآخر مكتوباً في سجلات هذا القيد بقلم من رصاص...
1 ـ الوحدة الوطنية لا يصنعها أهل الطاعة(*)
انبرى رهط واسع من مثقفينا وسياسيينا يتحدث بزهو، عن أن الوحدة الوطنية تحققت في 14 آذار «بأبهى صور لها». وكان صريح حديثه يرى أن اجتماع الطوائف اللبنانية في ساحة الشهداء، جعل هذا اليوم حدثاً وطنياً غير مسبوق، وعلى قدرة فائقة على جَبّ ما قبله والتأسيس لما بعده. وفي الحال، أخذ حديث الوحدة الوطنية يتحول إلى طقس يومي يرتله ذاك الرهط دون كلل، كأنه تلبس وظيفة الكهانة في وعظ وإرشاد من يأتم به أو يأخذ بفتواه أو يتبع له. لكن الكهانة هنا، أظهرت عجزاً بائساً رغم أنها امتلكت المساحة الأوسع من مجتمع الصوت والصورة، ذلك أن حديث أهلها كان درساً مكروراً من وعي شقي يعود إلى خطاب أيديولوجي ما فتئ منذ الاستقلال يرى أن الوحدة الوطنية تقوم على حساب جمع الطوائف أولاً وأخيراً. وهذا ما وجد أصداءه في منبر 14 آذار حين افتتن متحدثوه بتجاور الهلال مع الصليب، واكتشفوا أن الطوائف تتشابه في مركبها الفيزيقي، وأن ثمة فرصة مؤاتية لأن تتلاقى على مركب كيميائي مشترك!. غير أن افتتان هؤلاء بالفولكلور الشكلي، حجب عن وعيهم معرفة ما إذا كانت معادلة طائفة زائد طائفة تنتج وحدة وطنية أم طائفتين في حالة تجاور كياني. أو بتعبير آخر، لقد حجب عن وعيهم أن معادلة الجمع الطائفي سواء ضمت طائفتين أو أكثر لا تحيل إلى الصدق الواقعي أو تقترب منه، وهو هنا، حقيقة الوحدة الوطنية بوصفها النقيض لأي حساب طائفي لم ينجز الوحدة يوماً إلا لفظاً في تاريخه العريق... لا ريب أن 14 آذار حشد في حدَثيَته أقساماً كبيرة من السنة والدروز والمسيحيين، مع قسم محدود من الطائفة الشيعية. وجاءت الأقسام متنوعة من حيث منطقها وفئاتها المجتمعية. ومن بين هذه الفئات، شكل الشباب الكتلة الأوسع للحشد في ذاك اليوم. وكان الغالب الأعم من كتلهم يتوزع على أحزاب وتيارات وقوى طائفية، أي إنه كان يمثّل التغذية العضوية الرئيسة لفعل التحشيد والتجمهر. وما بقي من تلك الكتلة وهو على الأرجح فئة قليلة، شارك في الحدث المسمى «انتفاضة الاستقلال»، من خارج الانتظام الطائفي وهو يظن أو يتصور أو يحلم بوحدة وطنية تؤسس لتحرير لبنان من كل وصاية خارجية حتى تتحول شعارات الحرية والسيادة والاستقلال إلى حقائق واقعية. لكن المجرى اللاحق للحدث قطع الطريق على الحلم المنشود وهمش فعل الحالمين وتأثيرهم، ثم أظهر بالملموس أن من احتشد في 14 آذار، صنع جمعه الخاص للموازنة مع جمع خاص آخر احتشد في 8 آذار في ساحة رياض الصلح. فكانت الصناعة بالتالي جمعاً إلى جمع طائفي، لا وحدة وطنية جامعة.. لقد ترافدت الطوائف إلى ساحة الشهداء كذوات جمعية شبه مستقلة. وحينما تلاقت، توزعت في المكان على هيئة تجاورية، بحيث ظهرت كل ذات تشغل قسماً منه أو تتحرك في حيز مخصوص لها. ولذلك بقي المشهد موزعاً على روافد متوازية في جانب ومتقابلة في آخر، أي ان المشهد لم ينتج الكل ذا الطبيعة المختلفة عن روافده أو عناصره المكونة للجمع المحتشد. ومن دون هذا الكل، لا تعود الوحدة الوطنية تجد أساس قيامها أو تحققها. وكل حديث يدعو إلى الوحدة، وهو يتجاهل أو يجانب هذه الحقيقة، يقع في باب الخطاب الحماسي أو التعبوي. ويوم 14 آذار الذي أوصل مسار التعبئة إلى درجته القصوى، شهد على نفسه بنفسه، إذ بعد أن ظن خطباؤه أنهم أمام أروع وحدة في تاريخ لبنان، جاء الواقع ليكشف لهم بدءاً من صبيحة اليوم التالي، أن جمع «الانتفاضة» تفرّق وبحماسة شبيهة بالأولى، أيدي سبأ على ربوع طوائفه ومضاربها. ما يدل على أن الحماسة الوجدانية قد تفلح مؤقتاً في حشد الطوائف من كل حدب وصوب، لكنها في الوقت نفسه، برهنت أن الوحدة الوطنية لا تُبنى من روافد طائفية لا تستطيع إلا أن تتجاور في مكان حشدها بالذات، حتى وهي في أعلى درجات وتيرتها الانفعالية...
ثم جاءت الانتخابات النيابية تثبت بدورها أن الطوائف حفرت خنادقها المتقابلة سواء في فعل ائتلافها أم في فعل تصويتها. فكانت حركة الخندقة نقضاً للشعار الذي طرحته والداعي إلى الوحدة الوطنية، أو بمعنى ما، انتفاضة مضادة عليه.. كما كانت طوق خناق للسياسة بوصفها خطاباً في المواطنة، وبخاصة بعد أن ظفرت كل طائفة بزعيمها الأول أو الأوحد لها. ومع أحادية المرجعية، ظهر أبناء الطائفة على فئتين رئيستيْن: فئة كثيرة، تتشكل من المريدين والأتباع «البررة» وهؤلاء هم أهل الطاعة أو الموالي، يوالون بالأجر أو بالغريزة أو بالمنفعة. وفئة قليلة، تتكون من المعترضين والمحتجين الناقمين. وهؤلاء هم أهل الرفض أو الخوارج، يخرجون على المرجعية إما بالقطع أو النقد أو الخصام لتركيب بديل عنها أو أكثر... أما من يخرجون من انتمائهم الطائفي إلى آخر مغاير، فأولئك في نظر الطائفة أو أكثريتها هراطقة ضالون لا حمى لهم لديها أو حماية.
وهكذا، عندما تتفرق كل طائفة على هذه الصورة، لا يعود جمع الطوائف أو حشدها في يوم من هنا وآخر من هناك، يملك أن ينتج وحدة وطنية، والمرجعيات الطائفية تعمل على توليد أكثرية في الطائفة، لتكون من أهل الطاعة أو الموالي المخلصين.
وعليه، فالوحدة الوطنية لا تصنعها قوى طائفية سواء من الموالي أو الخوارج، كما تريد لها مرجعياتها العامة أن تكون، بل تصنعها قوى غير طائفية تتسلح بخطاب مدني تقوم مرجعيته الفكرية والسياسية على الانتماءات الحداثية حتى تتعزز شروط بناء النحن المجتمعية أو الكل المجتمعي، الأساس الوجودي لكل فعل توحيدي، ثم من أجل أن تشكل تلك القوى مركزاً توحيدياً أو كتلة مهيمنة تعبّر عن وحدة مصلحية لا طائفية. أو بمعنى آخر، كي تتحول إلى أكثرية سياسية متجانسة تمارس غلبتها على قواعد ديمقراطية ووطنية جامعة، لئلا تبقى الأكثرية الطائفية مصدراً دائماً للخوف الأقلوي وتالياً لاختلال التوازن الوطني.
في الأسابيع الأخيرة، برعت الأكثريات الطائفية في خنق الديمقراطية على حدود خنادقها العصبية أو خطوط انقسامها الأهلي. وإلى جانب ذلك، برعت في افتراس المكان كمجال عمومي بعد أن حولته إلى رقعة فسيفساء متنافرة رغم تجاور أجزائها، وكأن الطوائف هنا، تريد أن تكون علاقتها بهذا المجال صورة رمزية دالة على علاقتها بالدولة والوطن، إذ مثلما تفترس المجال العمومي، تعتقل الدولة وتقهر زمنها الخاص، وتحجز الوطن ثم تأسره وهي سعيدة، في مزهرية لا ماء فيها. إن الدولة في لبنان، سوف تظل مكتومة مع إدامة القيد الطائفي. أما الوطن فسيبقى هو الآخر مكتوباً في سجلات هذا القيد بقلم من رصاص...
Page 3
2 - العدد المطيّف يحمل إلى داروينية اجتماعية(**)
يعرض المؤرخ كمال الصليبي في الفصل العاشر من كتابه «بيت بمنازل كثيرة»، عناوين شتى للسجال السياسي الذي كان يدور بين زعماء الطوائف في الفترة الممتدة بين الاستقلال وعام 1975. وحين توقف عند عنوان منها، (وهو مطالبة المسلمين بإحصاء عادل لمعرفة الحقائق الديموغرافية للبلد، وأخذها في حساب المشاركة في السلطة وصناعة القرار الوطني)، أورد في ص 246 ما حرفيته: «لكن المسيحيين ما كانوا يريدون أن يسمعوا كلمة إحصاء. وكان الإحصاء الأخير قد أجري عملياً في لبنان في العام 1932 في ظل الانتداب الفرنسي، وكان هناك شك كبير حتى بين العديد من المسيحيين في صحة هذا الإحصاء الذي لم يتكرر بعد ذلك. ومن يومها لم يرأس دائرة الاحصاء في الجمهورية اللبنانية إلا مسيحيون لا يزالون يحافظون على سجلاتها بسرية تامة ولا يصدرون إلا أرقاماً رسمية تقريبية لعدد السكان، وليس هناك بالفعل حتى بين المسيحيين من يقبل بصحة هذه الأرقام»... ثم أضاف: «لا شك أن لبنان كان بأمس الحاجة إلى إحصاء، وذلك على الأقل لأغراض التخطيط الملائم للتطوير الاجتماعي والاقتصادي. وكان يمكن إجراء مثل هذا الإحصاء نظرياً دون تصنيف للسكان بحسب الدين والطائفية... لكن كان يخشى من أن يكشف أي إحصاء وبشكل غير مباشر عن حقائق ديموغرافية ليست في صالح المسيحيين... ومن ناحية أخرى، فإن المسلمين لم يصروا على المطالبة بالإحصاء لصالح التخطيط الإنمائي، بل لمجرد إظهار المدى الذي هم فيه الأكثرية في البلد وبقصد وضع المسيحيين في موقع دفاعي أكثر ضيقاً من الذي كانوا فيه».
يظهر هذا المقتبس، أن العدد كان يحضر في مجرى السجال الطائفي إبان الجمهورية الأولى في لبنان. فهو من جهة، كان يشكّل إحدى آليات الهيمنة الطائفية المحتجبة خلف مقولات التوافق والعيش المشترك، لتسويغ استمرارها وتجددها. وهو من جهة أخرى، ما لبث أن أخذ يمثل وسيلة لجبه الخلل الطائفي المتخفي خلف مفاهيم التوازن في الحكم وفي صناعة القرار الوطني.
وهكذا، عندما كان المسيحيون يشكلون الأكثرية حسب إحصاء عام 1932، ارتضوا اختيار النواب على قاعدة 5/6، أي ستة نواب من الطوائف المسيحية مقابل خمسة نواب من الطوائف الإسلامية. في ذلك الحين، لم يطرح العدد مشكلة بالنسبة إليهم، بل على العكس كان محموداً من قبلهم لطالما يؤمن باسم التوافق هيمنتهم على مؤسسات الحكم في الدولة. ولما بدأ الميزان الديموغرافي يميل منذ مطلع السبعينات لمصلحة المسلمين، صار العدد مرغوباً من قِبل هؤلاء، لأنه يوظف في سبيل إقامة مشاركة «متوازنة وعادلة» بين الطوائف.
مذ ذاك، ألقى المسيحيون الحرم على العدد، ووجدوا في الحديث عن الإحصاء ما يقلق ويستفز شعورهم الفردي والجمعي في آن. وفي المقابل، ارتاح المسلمون إلى العدد وعثروا في الدعوة إلى الإحصاء، على قيمة مضافة يستثمرونها في السجال مع «إخوانهم» في الوطن...
إذن، لقد جرى استخدام وظيفي وأيديولوجي للعدد. فهو عندما يتستر خلف التوافق، يكون الحفاظ على هيمنة طائفية معلومة. وحينما يستخدم من أجل الكشف عن الواقع الديموغرافي، تغدو وظيفته السعي إلى تحقيق توازن طائفي منشود. ومع استخدام كهذا، يتطيف العدد ويصبح في خدمة جناح طائفي من هنا، وجناح طائفي من هناك.
وعليه، لا يعود ثمة من يريد أن يسمع كلمة إحصاء، أو حتى أن يقرأها في التقارير العلمية، مثلما لا يعود من يسمعها، يريد أن تتعدى اللفظ الطائفي أو حدود اللعبة السياسية المرسومة بإتقان. وفي الحاليْن، يلغي التطييف حاجة لبنان إلى الإحصاء أقله من أجل أغراض التخطيط الإنمائي أو التطوير الاجتماعي والاقتصادي، لتكون النتيجة بالتالي، ان الإحصاء في لبنان ممنوع إلى أمد مجهول. والبلد الذي يعيش الخواف الدائم من العدد يصبح في هذا الباب فريداً بالفعل من بين الدول أجمع!...
ومع حكم الطائف أثير موضوع العدد مجدداً من وقت إلى آخر. لكنه اتخذ اسماً غالباً، هو الأكثرية والأقلية. ولم يشذ ما أثير في هذا الطور عن «المأثور اللبناني العريق»، إذ تطيف السجال حوله، وانتظم وفاق قاعدة الاستخدام الوظيفي والأيديولوجي إياها. فالطائفيات الإسلامية التي صار لها موقع الأرجحية في الحكم، أخذت من فترة إلى أخرى، تطالب بإلغاء الطائفية السياسية ليس بهدف الإصلاح والتغيير، بل كلما أرادت تذكير شركائها بأنها تحولت إلى أكثرية ظاهرة، وكلما وجدت أن «الضرورة الوطنية» تعادل تعزيز موقعها والحفاظ على غنمها من امتيازات النظام. والطائفيات المسيحية التي رفضت منطق الأقلية والأكثرية ورأت أن إلغاء الطائفية السياسية في الراهن، يؤدي إلى هيمنة طائفية موصوفة، لم تفعل ذلك لأنها صاحبة مشروع في التغيير والإصلاح، بل لكي تذكر شركاءها بأن«الضرورة الوطنية: تعادل إعادة إنتاج موقعها على قاعدة التوافق بين «المجموعات اللبنانية»، أياً يكن الحجم العددي لكل منها»...
يعرض المؤرخ كمال الصليبي في الفصل العاشر من كتابه «بيت بمنازل كثيرة»، عناوين شتى للسجال السياسي الذي كان يدور بين زعماء الطوائف في الفترة الممتدة بين الاستقلال وعام 1975. وحين توقف عند عنوان منها، (وهو مطالبة المسلمين بإحصاء عادل لمعرفة الحقائق الديموغرافية للبلد، وأخذها في حساب المشاركة في السلطة وصناعة القرار الوطني)، أورد في ص 246 ما حرفيته: «لكن المسيحيين ما كانوا يريدون أن يسمعوا كلمة إحصاء. وكان الإحصاء الأخير قد أجري عملياً في لبنان في العام 1932 في ظل الانتداب الفرنسي، وكان هناك شك كبير حتى بين العديد من المسيحيين في صحة هذا الإحصاء الذي لم يتكرر بعد ذلك. ومن يومها لم يرأس دائرة الاحصاء في الجمهورية اللبنانية إلا مسيحيون لا يزالون يحافظون على سجلاتها بسرية تامة ولا يصدرون إلا أرقاماً رسمية تقريبية لعدد السكان، وليس هناك بالفعل حتى بين المسيحيين من يقبل بصحة هذه الأرقام»... ثم أضاف: «لا شك أن لبنان كان بأمس الحاجة إلى إحصاء، وذلك على الأقل لأغراض التخطيط الملائم للتطوير الاجتماعي والاقتصادي. وكان يمكن إجراء مثل هذا الإحصاء نظرياً دون تصنيف للسكان بحسب الدين والطائفية... لكن كان يخشى من أن يكشف أي إحصاء وبشكل غير مباشر عن حقائق ديموغرافية ليست في صالح المسيحيين... ومن ناحية أخرى، فإن المسلمين لم يصروا على المطالبة بالإحصاء لصالح التخطيط الإنمائي، بل لمجرد إظهار المدى الذي هم فيه الأكثرية في البلد وبقصد وضع المسيحيين في موقع دفاعي أكثر ضيقاً من الذي كانوا فيه».
يظهر هذا المقتبس، أن العدد كان يحضر في مجرى السجال الطائفي إبان الجمهورية الأولى في لبنان. فهو من جهة، كان يشكّل إحدى آليات الهيمنة الطائفية المحتجبة خلف مقولات التوافق والعيش المشترك، لتسويغ استمرارها وتجددها. وهو من جهة أخرى، ما لبث أن أخذ يمثل وسيلة لجبه الخلل الطائفي المتخفي خلف مفاهيم التوازن في الحكم وفي صناعة القرار الوطني.
وهكذا، عندما كان المسيحيون يشكلون الأكثرية حسب إحصاء عام 1932، ارتضوا اختيار النواب على قاعدة 5/6، أي ستة نواب من الطوائف المسيحية مقابل خمسة نواب من الطوائف الإسلامية. في ذلك الحين، لم يطرح العدد مشكلة بالنسبة إليهم، بل على العكس كان محموداً من قبلهم لطالما يؤمن باسم التوافق هيمنتهم على مؤسسات الحكم في الدولة. ولما بدأ الميزان الديموغرافي يميل منذ مطلع السبعينات لمصلحة المسلمين، صار العدد مرغوباً من قِبل هؤلاء، لأنه يوظف في سبيل إقامة مشاركة «متوازنة وعادلة» بين الطوائف.
مذ ذاك، ألقى المسيحيون الحرم على العدد، ووجدوا في الحديث عن الإحصاء ما يقلق ويستفز شعورهم الفردي والجمعي في آن. وفي المقابل، ارتاح المسلمون إلى العدد وعثروا في الدعوة إلى الإحصاء، على قيمة مضافة يستثمرونها في السجال مع «إخوانهم» في الوطن...
إذن، لقد جرى استخدام وظيفي وأيديولوجي للعدد. فهو عندما يتستر خلف التوافق، يكون الحفاظ على هيمنة طائفية معلومة. وحينما يستخدم من أجل الكشف عن الواقع الديموغرافي، تغدو وظيفته السعي إلى تحقيق توازن طائفي منشود. ومع استخدام كهذا، يتطيف العدد ويصبح في خدمة جناح طائفي من هنا، وجناح طائفي من هناك.
وعليه، لا يعود ثمة من يريد أن يسمع كلمة إحصاء، أو حتى أن يقرأها في التقارير العلمية، مثلما لا يعود من يسمعها، يريد أن تتعدى اللفظ الطائفي أو حدود اللعبة السياسية المرسومة بإتقان. وفي الحاليْن، يلغي التطييف حاجة لبنان إلى الإحصاء أقله من أجل أغراض التخطيط الإنمائي أو التطوير الاجتماعي والاقتصادي، لتكون النتيجة بالتالي، ان الإحصاء في لبنان ممنوع إلى أمد مجهول. والبلد الذي يعيش الخواف الدائم من العدد يصبح في هذا الباب فريداً بالفعل من بين الدول أجمع!...
ومع حكم الطائف أثير موضوع العدد مجدداً من وقت إلى آخر. لكنه اتخذ اسماً غالباً، هو الأكثرية والأقلية. ولم يشذ ما أثير في هذا الطور عن «المأثور اللبناني العريق»، إذ تطيف السجال حوله، وانتظم وفاق قاعدة الاستخدام الوظيفي والأيديولوجي إياها. فالطائفيات الإسلامية التي صار لها موقع الأرجحية في الحكم، أخذت من فترة إلى أخرى، تطالب بإلغاء الطائفية السياسية ليس بهدف الإصلاح والتغيير، بل كلما أرادت تذكير شركائها بأنها تحولت إلى أكثرية ظاهرة، وكلما وجدت أن «الضرورة الوطنية» تعادل تعزيز موقعها والحفاظ على غنمها من امتيازات النظام. والطائفيات المسيحية التي رفضت منطق الأقلية والأكثرية ورأت أن إلغاء الطائفية السياسية في الراهن، يؤدي إلى هيمنة طائفية موصوفة، لم تفعل ذلك لأنها صاحبة مشروع في التغيير والإصلاح، بل لكي تذكر شركاءها بأن«الضرورة الوطنية: تعادل إعادة إنتاج موقعها على قاعدة التوافق بين «المجموعات اللبنانية»، أياً يكن الحجم العددي لكل منها»...
Page 4
من هذا المنطلق، اجتهد «الشركاء في الوطن» في سجالهم السياسي. فكان من الطبيعي أن يتوسع فكرهم الطائفي في حركة اجتهاده، أو أن يخرج مكبوته الأيديولوجي أثناء انكشافه الحقيقي. لذا، ذهب السجال بعد يومي آذار المشهودين، إلى ما هو أبعد من الضرورة الوطنية المطيفة، أي من الحفاظ على موقع أرجحي لفريق، أو المطالبة بالشراكة المتوازنة في الحكم، لآخر...
لقد اندفع المجتهد المسيحي إلى الرد على مقولة الأكثرية والأقلية، بالحديث عن مقولة النوعية والكمية لكي يوجه رسالة إلى شريكه، مفادها: «إن النوع القليل هو أهم وأبقى من الكم الكثير، وذلك لتحدّر الأول من أصول «سلالية» وحضارية صالحة وراقية»، أي مختلفة من حيث طبيعتها عن تلك التي تعود إلى الثاني.. وثمة.. أيضاً من رد بلغة الحسم المعرفي والوثوق العلمي، بأن فئة الأقلية هي التي كان لها الفضل في تأسيس الكيان، أو قصب السبق في علة وجوده. وما على فئة الأكثرية إلا أن تعترف بهذه الحقيقة الدامغة، حتى تقلع عن اعتبار العدد مقياساً للتوازن بين الطوائف في البلد. وبدوره، تأول المجتهد المسلم المشكلة على وجه مكمل للأول. فكان أن وجد في الأكثرية قوة صالحة لصوغ ميثاق الشراكة وفاق توازنات تريح موقعه الأرجحي وتزيد من قوته ومنعته، لا سيّما أن العدد يتنامى لحساب شراكته أكثر فأكثر.
إن قضية العلاقة بين الأكثرية والأقلية، شكلت إلى حد ما حقلاً اختبارياً لتظهير المكبوت الطائفي في إحدى لحظات الصفاء الأيديولوجي التي نتجت من المجرى السجالي الأخير. لقد انكشف على نحو صريح أن الفكر الطائفي هو فكر أنوي، بمعنى أنه متمحور حل ذات طائفية محددة. وبذلك تراه يفتتن بذاته بالدرجة الأولى، بحيث يغالي في تقديرها ويزين مقامها ويعلي من دورها ومكانتها. وهو لا ينزع هذا المنزع إلا على حساب ذات طائفية مغايرة، يقلل من شأنها ويحط من قدرها ويطعن في دروها وينال من مكانتها، ما يعني أن الفكر الطائفي، يختزن في بنيته المعرفية التشوف والاستعلاء والمفاخرة. وتلك سمات تقود إلى العنصرية في نظرة كل ذات طائفية إلى الأخرى.
من هنا، يكون حديث النوع قد أفرج عن ملمح عنصري دفين يتجسد في البقاء للأصلح. ويكون حديث الكم قد انكشف على ميسم استعلائي عميق يتمثل في البقاء للأقوى. ومع البقاء للأصلح والبقاء للأقوى، يقع الفكر الطائفي في داروينية اجتماعية تصطفي القلة «الراقية» تارة، والكثرة «القوية» تارة أخرى...
ومن خلال هذه أو تلك، يعجز الفكر الطائفي في النهاية، عن أن يقدم حلاً ناجعاً ليس لمشكلة الأكثرية والأقلية فحسب، بل أيضاً لأبسط مشكلة قد يتعرّض لها، إذ إن جل ما يفلح فيه هو إما حجب حقيقة المشكلة وإما تزييفها. وبذلك، لا يعود يقوى إلا على إدارة الأزمة، لأنه وليد شرنقة غريزية لا فكاك له من أسر خيوطها الملونة!..
3 ـ في الطائفة والطائفية(***)
لا يستقيم الحديث في اعتقادنا عن علاقة الطوائف بالدولة، من دون أن نقف على مفهوميْ الطائفة والطائفية، لئلا نقع في مزالق فكرية أو سياسية لا تقرها أي نظرة علمية رصينة أو جادة، تحاول الكشف الموضوعي عن حقائق الظاهرة المدروسة أو الحفر العميق على جذور الأزمة البنيوية التي تلازم لبنان منذ الاستقلال إلى اليوم.
الطائفة انتظام مؤسسي لا كيان مستقل(****)
هناك ولا شك نتاج بحثي يكاد يكون موسوعياً، حول مفهومي الطائفة والطائفية في لبنان.... وفي ذاك، تكمن دلالة تعبّر عن عمق الظاهرة الطائفية وتجذرها وعن شمولها وقدرتها الفائقة على التجدد في ميادين شتى. ما يجعلها موضوعاً راهنياً باستمرار على جدول أعمال البحث والكتابة. كما تعبّر في جانب آخر، عن اختلاف الرؤى المنهجية وتعدد الاتجاهات النظرية والأيديولوجية لدى الدارسين والباحثين. لكن أياً يكن الأمر، فإن النتاج المذكور يمكن أن يصنّف في ثلاث رؤى: جوهرانية (ميتافيزيقية) وتاريخية، وبنيوية.
هنا، سوف تقدم المقاربة المتن الأصلي لكل رؤية، أي قوامها النظري الأساسي. ثم نخلص إلى رؤية سوسيولوجية تحاول أن تضيف جديداً معرفياً، أو قولاً مختلفاً في الطائفة والطائفية...
أ ـ في الرؤية الجوهرانية، الطائفة هي كيان مستقل قائم بذاته كأنها جوهر ماهوي لا تتغير طبيعته أو تتبدل مع تغيُّر الظروف والأحوال. وما دامت الطائفة كذلك، يغدو من الطبيعي أن تتعايش أو تتشارك مع الطوائف الأخرى من موقع تجاوري يحفظ كيانها المستقل، أو يصون جوهرها الخاص؛ مثلما يغدو بديهياً أن يعرّف لبنان بأنه بلد أقليات طائفية متشاركة. وبالتالي أن تعرّف الطائفية، بأنها ضمان تمثيل سياسي واجتماعي لتلك الأقليات، أو نظام حكم الطوائف على قواعد عادلة ومتوازنة. وتبعاً لذلك، يتجوهر الكيان اللبناني، بمعنى أنه يتحدد في النظر الميتافيزيقي أو الماهوي كمجتمع طائفي له طبيعة الأشياء، وهي ما ترجع في أصلها إلى ماهية الطائفية بالذات. ومع تحديد كهذا، لا يعود يلائم الكيان إلا نظام سياسي يعكس طبيعة مجتمعه الأصلية، أي نظام طائفي يضمن المشاركة بين طوائفه ويكفل تعايشها بوصفها جواهر أو ماهيات خاصة، أو أشكالاً حضارية مختلفة.
تلك هي فلسفة الصيغة القائمة على العيش المشترك بين الطوائف. وفي ضوئها، كان الفكر الطائفي إبان الجمهورية الأولى، يربط عضوياً بين الكيان والطائفة والنظام، ويرى أن كل تغيير في بنية الأخير، يمسّ بالضرورة وجود الكيان والطائفة في آن...
لقد اندفع المجتهد المسيحي إلى الرد على مقولة الأكثرية والأقلية، بالحديث عن مقولة النوعية والكمية لكي يوجه رسالة إلى شريكه، مفادها: «إن النوع القليل هو أهم وأبقى من الكم الكثير، وذلك لتحدّر الأول من أصول «سلالية» وحضارية صالحة وراقية»، أي مختلفة من حيث طبيعتها عن تلك التي تعود إلى الثاني.. وثمة.. أيضاً من رد بلغة الحسم المعرفي والوثوق العلمي، بأن فئة الأقلية هي التي كان لها الفضل في تأسيس الكيان، أو قصب السبق في علة وجوده. وما على فئة الأكثرية إلا أن تعترف بهذه الحقيقة الدامغة، حتى تقلع عن اعتبار العدد مقياساً للتوازن بين الطوائف في البلد. وبدوره، تأول المجتهد المسلم المشكلة على وجه مكمل للأول. فكان أن وجد في الأكثرية قوة صالحة لصوغ ميثاق الشراكة وفاق توازنات تريح موقعه الأرجحي وتزيد من قوته ومنعته، لا سيّما أن العدد يتنامى لحساب شراكته أكثر فأكثر.
إن قضية العلاقة بين الأكثرية والأقلية، شكلت إلى حد ما حقلاً اختبارياً لتظهير المكبوت الطائفي في إحدى لحظات الصفاء الأيديولوجي التي نتجت من المجرى السجالي الأخير. لقد انكشف على نحو صريح أن الفكر الطائفي هو فكر أنوي، بمعنى أنه متمحور حل ذات طائفية محددة. وبذلك تراه يفتتن بذاته بالدرجة الأولى، بحيث يغالي في تقديرها ويزين مقامها ويعلي من دورها ومكانتها. وهو لا ينزع هذا المنزع إلا على حساب ذات طائفية مغايرة، يقلل من شأنها ويحط من قدرها ويطعن في دروها وينال من مكانتها، ما يعني أن الفكر الطائفي، يختزن في بنيته المعرفية التشوف والاستعلاء والمفاخرة. وتلك سمات تقود إلى العنصرية في نظرة كل ذات طائفية إلى الأخرى.
من هنا، يكون حديث النوع قد أفرج عن ملمح عنصري دفين يتجسد في البقاء للأصلح. ويكون حديث الكم قد انكشف على ميسم استعلائي عميق يتمثل في البقاء للأقوى. ومع البقاء للأصلح والبقاء للأقوى، يقع الفكر الطائفي في داروينية اجتماعية تصطفي القلة «الراقية» تارة، والكثرة «القوية» تارة أخرى...
ومن خلال هذه أو تلك، يعجز الفكر الطائفي في النهاية، عن أن يقدم حلاً ناجعاً ليس لمشكلة الأكثرية والأقلية فحسب، بل أيضاً لأبسط مشكلة قد يتعرّض لها، إذ إن جل ما يفلح فيه هو إما حجب حقيقة المشكلة وإما تزييفها. وبذلك، لا يعود يقوى إلا على إدارة الأزمة، لأنه وليد شرنقة غريزية لا فكاك له من أسر خيوطها الملونة!..
3 ـ في الطائفة والطائفية(***)
لا يستقيم الحديث في اعتقادنا عن علاقة الطوائف بالدولة، من دون أن نقف على مفهوميْ الطائفة والطائفية، لئلا نقع في مزالق فكرية أو سياسية لا تقرها أي نظرة علمية رصينة أو جادة، تحاول الكشف الموضوعي عن حقائق الظاهرة المدروسة أو الحفر العميق على جذور الأزمة البنيوية التي تلازم لبنان منذ الاستقلال إلى اليوم.
الطائفة انتظام مؤسسي لا كيان مستقل(****)
هناك ولا شك نتاج بحثي يكاد يكون موسوعياً، حول مفهومي الطائفة والطائفية في لبنان.... وفي ذاك، تكمن دلالة تعبّر عن عمق الظاهرة الطائفية وتجذرها وعن شمولها وقدرتها الفائقة على التجدد في ميادين شتى. ما يجعلها موضوعاً راهنياً باستمرار على جدول أعمال البحث والكتابة. كما تعبّر في جانب آخر، عن اختلاف الرؤى المنهجية وتعدد الاتجاهات النظرية والأيديولوجية لدى الدارسين والباحثين. لكن أياً يكن الأمر، فإن النتاج المذكور يمكن أن يصنّف في ثلاث رؤى: جوهرانية (ميتافيزيقية) وتاريخية، وبنيوية.
هنا، سوف تقدم المقاربة المتن الأصلي لكل رؤية، أي قوامها النظري الأساسي. ثم نخلص إلى رؤية سوسيولوجية تحاول أن تضيف جديداً معرفياً، أو قولاً مختلفاً في الطائفة والطائفية...
أ ـ في الرؤية الجوهرانية، الطائفة هي كيان مستقل قائم بذاته كأنها جوهر ماهوي لا تتغير طبيعته أو تتبدل مع تغيُّر الظروف والأحوال. وما دامت الطائفة كذلك، يغدو من الطبيعي أن تتعايش أو تتشارك مع الطوائف الأخرى من موقع تجاوري يحفظ كيانها المستقل، أو يصون جوهرها الخاص؛ مثلما يغدو بديهياً أن يعرّف لبنان بأنه بلد أقليات طائفية متشاركة. وبالتالي أن تعرّف الطائفية، بأنها ضمان تمثيل سياسي واجتماعي لتلك الأقليات، أو نظام حكم الطوائف على قواعد عادلة ومتوازنة. وتبعاً لذلك، يتجوهر الكيان اللبناني، بمعنى أنه يتحدد في النظر الميتافيزيقي أو الماهوي كمجتمع طائفي له طبيعة الأشياء، وهي ما ترجع في أصلها إلى ماهية الطائفية بالذات. ومع تحديد كهذا، لا يعود يلائم الكيان إلا نظام سياسي يعكس طبيعة مجتمعه الأصلية، أي نظام طائفي يضمن المشاركة بين طوائفه ويكفل تعايشها بوصفها جواهر أو ماهيات خاصة، أو أشكالاً حضارية مختلفة.
تلك هي فلسفة الصيغة القائمة على العيش المشترك بين الطوائف. وفي ضوئها، كان الفكر الطائفي إبان الجمهورية الأولى، يربط عضوياً بين الكيان والطائفة والنظام، ويرى أن كل تغيير في بنية الأخير، يمسّ بالضرورة وجود الكيان والطائفة في آن...
Page 5
ربما تكون هذه الرؤية قد تقادمت، أو فقدت من فعلها الأيديولوجي كما كان عليه من ذي قبل. لكن ما لا يستطيع أحد أن ينكره، أنها ما لبثت تحضر بكيفية أو بأخرى لدى أوساط فكرية أو سياسية من مشارب وانتماءات متعددة. فهناك من لا يزال يبرز الطائفية ويعتبرها صنواً للبنان أو نمطاً حياتياً لأبنائه. ومن يسوّغ نظام الطائفية السياسية، وينافح عن استمراره بذريعة من هنا أو بحجّة من هناك. ومن يختزل التنوع الثقافي بالعنصر الطائفي. ومن يظن أن الطوائف تنتج توازناً عادلاً فيما بينها... إن كلّ نموذج من هؤلاء يعكس بقدر ضئيل أو كبير، تأثير الرؤية الجوهرانية في قواعد تفكيره وأبعاد خطابه، كما في طبيعة نظرته إلى أزمة النظام الطائفي الحقيقية...
ب ـ وفي الرؤية التاريخية، الطائفة هي نتاج مسار طويل عاد به البعض إلى زمن الدولة العربية الإسلامية، وراح يفتش في ذاك التاريخ عن أسباب تشكل الظاهرة. فوجدها تتجسّد بالدرجة الأولى في عنصرين: الدين والحضارة. لذا كانت الطائفة في نظره، جماعة دينية، ـ أقلية في الغالب ـ ذات انتماء حضاري متمايز عن سواه مما يعود إلى الجماعات الأخرى، وكانت الطائفية، عصبية الولاء إلى هوية تلك الطائفة. كما رجع البعض الآخر، إلى زمن الإمارة في جبل لبنان، وراح ينقّب في عوامل تفكّك بُنى السلطنة العثمانية. وقد ركّز على اثنين: نظام الملل والخارج الاستعماري؛ وعثر فيهما على علّة تشكل المسألة الطائفية في لبنان. فرأى أن الآلية العامة لتفسّخ ذاك النظام، أنتجت الطائفة «كمِلّة حديثة» يتصّف بناؤها بالتلاحم العضوي، وبنوع من الانغلاق على الطوائف المختلفة عنها في الانتماء الديني. ثم استنتج في ضوء الآلية ذاتها، أن الطائفية هي إحدى ركائز التجزئة التي فرضها الخارج، أو أحد عوامل التفكيك الداخلي للبنية الاجتماعية العامة...
هذه الرؤية، لا تزال ذات حضور فاعل لدى قسم واسع من أهل الفكر والثقافة. فمن يطلع على مواقف البعض من هؤلاء وآرائهم، يجده قد وضع الدين معياراً شبه وحيد في النظر إلى طبيعة الحضارة، أو للتمييز بين حضارة وأخرى؛ وأدخل إلى تاريخ تشكل الطائفة، ذاكرة ثقافية مشبعة بصور اضطهاد الأقليات الدينية أيام الدولة الإسلامية. ومن يقف على آراء بعضهم الآخر، يجدْه ما برح يسند إلى الخارج دوراً مؤثراً في تنامي الانقسام الطائفي وتعميقه بنيوياً، أو في تسعير الطائفية موسمياً بما يخدم أهدافه ومطامحه السياسية في لبنان...
ج ـ أما في الرؤية البنيوية، فالطائفة هي علاقة من التمثيل السياسي تتحدد فيها الطبقات الكادحة كطوائف، بينما يتحدد ممثلوها السياسيون في تلك العلاقة كفئة من البرجوازية. وقد جاء هذا التعريف في ضوء تحليل مادي للبنية المجتمعية الراهنة في لبنان، أي لبنيته المجتمعية الرأسمالية. فكان أن ركّز على الصراع الطبقي الذي يتولّد منها، وعلى ما يتخذه من مظاهر وأشكال. ثم وجد تالياً أن الطبقات الكادحة تظهر في مجرى هذا الصراع كطوائف بفعل غياب قوتها السياسية المستقلة (حزبها الطليعي)، أو ضعف ممثليها السياسيين الحقيقيين، ما جعل تمثيلها السياسي يرتبط بقوة مجتمعية أو بفئة أخرى، وهي التي تظهر في المجرى الصراعي ذاته، كفئة من البرجوازية المسيطرة... لذلك كانت الطائفية في النظر البنيوي، هي الشكل التاريخي الذي تمارس فيه البرجوازية اللبنانية سيطرتها الطبقية على الدولة...
من اللافت هنا بحق، أن تأثير التحليل البنيوي الطبقي قد تقلّص منذ فترة في الكتابة الفكرية والسياسية في موضوع الطائفية؛ أو أن أنصاره أحجموا عن متابعته أو تطويره أو إغنائه لأسباب ربما تكون ذاتية أو موضوعية. لكن، وبعيداً عن أي حكم مسبق، يبقى من الإنصاف القول، بأن هذا التحليل يمثل مقاربة نظرية جادة للظاهرة الطائفية في المجتمع اللبناني، وبخاصة لجهة تظهير مضامينها الطبقية، وهي مضامين لا شك أنها تحضر في الظاهرة سواء في انتظامها في البنية المجتمعية الراهنة، أم في البنية السابقة عليها تاريخياً...
على أي حال، أن الرؤى أعلاه قدمت صورة إجمالية عن الطائفة والطائفية في لبنان. وهي صورة لا تزال تشغل كما تبيّن آنفاً، حيّزاً مؤثراً في ساحته الفكرية والثقافية. لكن وفي جانب آخر، ليس ضيراً أن يُضاف إليها ما يغنيها أو يبلورها أكثر، لا سيما أن تلك الإضافة تتأتى عن رؤية سوسيولوجية تحاول أن تدرس أبعاداً جديدة في الظاهرة، وتشكل منطلقاً رئيساً للنظر في طبيعة العلاقة التاريخية بين الطوائف والدولة...
د ـ رؤية سوسيولوجية: الطائفة في المقترب الوصفي، هي جماعة من البشر، تقوم على تراتبية مجتمعية محددة، وتنتمي إلى مذهب ديني واحد ذي طقوس وتقاليد موروثة، وتكون فرص اللقاء والتبادل الداخليين بين أفرادها، ذات أفضلية أو أكثر حظوظاً من فرص اللقاء والتبادل مع الخارج أو الآخر المنتمي إلى مذهب ديني مختلف.
مَنْ يتفحص هذا المقترب، يرَ أنه لا ينطبق فقط على لبنان، بل أيضاً على كل مجتمع يتشكل من جماعات دينية مختلفة نحو: المجتمع الفرنسي ـ الأميركي ـ المصري ـ الماليزي وما شاكل... والمعروف وفقاً للمنظور السوسيولوجي، أن المجتمعات المشار إليها لا تصنف كمجتمعات طائفية بالرغم من أنه توجد فيها جماعات دينية متعددة. فالتصنيف الأكثر ملاءمة لتراكيبها، هو أنها مجتمعات تعددية، لكنها ليست طائفية في مطلق الأحوال. ذلك أن طوائفها لا تتعدى كونها جماعات دينية، لكل جماعة منها مذهبها الديني، وطقوسها وتقاليدها ونظام تصوراتها الخاصة، وفرصها أو حظوظها في اللقاء والتبادل بين أفرادها. بتعبير آخر، إن الطائفة في هذه المجتمعات هي جماعة دينية في انتظامها المجتمعي، أي جماعة لا تتحول بالطبع إلى كيان مستقل قائم بذاته، أو إلى عامل تفكيك للبنيان المجتمعي أو إلى علاقة من التمثيل السياسي.
هنا يصبح ملحاً أن يُسأل: ما الذي تتميز به الطائفة في لبنان؟ أو ما هو الخاص الذي جعل واقعها يتعدى كونها جماعة دينية؟..
إن الطائفة في لبنان أخذت تبني خاصها أو واقعها بما يتعدى كونها جماعة دينية، في ظل السياق السوسيو تاريخي لتشكل لبنان الحديث. فما هو هذا الخاص أو الواقع الذي بنته وتميّزت به؟...
ب ـ وفي الرؤية التاريخية، الطائفة هي نتاج مسار طويل عاد به البعض إلى زمن الدولة العربية الإسلامية، وراح يفتش في ذاك التاريخ عن أسباب تشكل الظاهرة. فوجدها تتجسّد بالدرجة الأولى في عنصرين: الدين والحضارة. لذا كانت الطائفة في نظره، جماعة دينية، ـ أقلية في الغالب ـ ذات انتماء حضاري متمايز عن سواه مما يعود إلى الجماعات الأخرى، وكانت الطائفية، عصبية الولاء إلى هوية تلك الطائفة. كما رجع البعض الآخر، إلى زمن الإمارة في جبل لبنان، وراح ينقّب في عوامل تفكّك بُنى السلطنة العثمانية. وقد ركّز على اثنين: نظام الملل والخارج الاستعماري؛ وعثر فيهما على علّة تشكل المسألة الطائفية في لبنان. فرأى أن الآلية العامة لتفسّخ ذاك النظام، أنتجت الطائفة «كمِلّة حديثة» يتصّف بناؤها بالتلاحم العضوي، وبنوع من الانغلاق على الطوائف المختلفة عنها في الانتماء الديني. ثم استنتج في ضوء الآلية ذاتها، أن الطائفية هي إحدى ركائز التجزئة التي فرضها الخارج، أو أحد عوامل التفكيك الداخلي للبنية الاجتماعية العامة...
هذه الرؤية، لا تزال ذات حضور فاعل لدى قسم واسع من أهل الفكر والثقافة. فمن يطلع على مواقف البعض من هؤلاء وآرائهم، يجده قد وضع الدين معياراً شبه وحيد في النظر إلى طبيعة الحضارة، أو للتمييز بين حضارة وأخرى؛ وأدخل إلى تاريخ تشكل الطائفة، ذاكرة ثقافية مشبعة بصور اضطهاد الأقليات الدينية أيام الدولة الإسلامية. ومن يقف على آراء بعضهم الآخر، يجدْه ما برح يسند إلى الخارج دوراً مؤثراً في تنامي الانقسام الطائفي وتعميقه بنيوياً، أو في تسعير الطائفية موسمياً بما يخدم أهدافه ومطامحه السياسية في لبنان...
ج ـ أما في الرؤية البنيوية، فالطائفة هي علاقة من التمثيل السياسي تتحدد فيها الطبقات الكادحة كطوائف، بينما يتحدد ممثلوها السياسيون في تلك العلاقة كفئة من البرجوازية. وقد جاء هذا التعريف في ضوء تحليل مادي للبنية المجتمعية الراهنة في لبنان، أي لبنيته المجتمعية الرأسمالية. فكان أن ركّز على الصراع الطبقي الذي يتولّد منها، وعلى ما يتخذه من مظاهر وأشكال. ثم وجد تالياً أن الطبقات الكادحة تظهر في مجرى هذا الصراع كطوائف بفعل غياب قوتها السياسية المستقلة (حزبها الطليعي)، أو ضعف ممثليها السياسيين الحقيقيين، ما جعل تمثيلها السياسي يرتبط بقوة مجتمعية أو بفئة أخرى، وهي التي تظهر في المجرى الصراعي ذاته، كفئة من البرجوازية المسيطرة... لذلك كانت الطائفية في النظر البنيوي، هي الشكل التاريخي الذي تمارس فيه البرجوازية اللبنانية سيطرتها الطبقية على الدولة...
من اللافت هنا بحق، أن تأثير التحليل البنيوي الطبقي قد تقلّص منذ فترة في الكتابة الفكرية والسياسية في موضوع الطائفية؛ أو أن أنصاره أحجموا عن متابعته أو تطويره أو إغنائه لأسباب ربما تكون ذاتية أو موضوعية. لكن، وبعيداً عن أي حكم مسبق، يبقى من الإنصاف القول، بأن هذا التحليل يمثل مقاربة نظرية جادة للظاهرة الطائفية في المجتمع اللبناني، وبخاصة لجهة تظهير مضامينها الطبقية، وهي مضامين لا شك أنها تحضر في الظاهرة سواء في انتظامها في البنية المجتمعية الراهنة، أم في البنية السابقة عليها تاريخياً...
على أي حال، أن الرؤى أعلاه قدمت صورة إجمالية عن الطائفة والطائفية في لبنان. وهي صورة لا تزال تشغل كما تبيّن آنفاً، حيّزاً مؤثراً في ساحته الفكرية والثقافية. لكن وفي جانب آخر، ليس ضيراً أن يُضاف إليها ما يغنيها أو يبلورها أكثر، لا سيما أن تلك الإضافة تتأتى عن رؤية سوسيولوجية تحاول أن تدرس أبعاداً جديدة في الظاهرة، وتشكل منطلقاً رئيساً للنظر في طبيعة العلاقة التاريخية بين الطوائف والدولة...
د ـ رؤية سوسيولوجية: الطائفة في المقترب الوصفي، هي جماعة من البشر، تقوم على تراتبية مجتمعية محددة، وتنتمي إلى مذهب ديني واحد ذي طقوس وتقاليد موروثة، وتكون فرص اللقاء والتبادل الداخليين بين أفرادها، ذات أفضلية أو أكثر حظوظاً من فرص اللقاء والتبادل مع الخارج أو الآخر المنتمي إلى مذهب ديني مختلف.
مَنْ يتفحص هذا المقترب، يرَ أنه لا ينطبق فقط على لبنان، بل أيضاً على كل مجتمع يتشكل من جماعات دينية مختلفة نحو: المجتمع الفرنسي ـ الأميركي ـ المصري ـ الماليزي وما شاكل... والمعروف وفقاً للمنظور السوسيولوجي، أن المجتمعات المشار إليها لا تصنف كمجتمعات طائفية بالرغم من أنه توجد فيها جماعات دينية متعددة. فالتصنيف الأكثر ملاءمة لتراكيبها، هو أنها مجتمعات تعددية، لكنها ليست طائفية في مطلق الأحوال. ذلك أن طوائفها لا تتعدى كونها جماعات دينية، لكل جماعة منها مذهبها الديني، وطقوسها وتقاليدها ونظام تصوراتها الخاصة، وفرصها أو حظوظها في اللقاء والتبادل بين أفرادها. بتعبير آخر، إن الطائفة في هذه المجتمعات هي جماعة دينية في انتظامها المجتمعي، أي جماعة لا تتحول بالطبع إلى كيان مستقل قائم بذاته، أو إلى عامل تفكيك للبنيان المجتمعي أو إلى علاقة من التمثيل السياسي.
هنا يصبح ملحاً أن يُسأل: ما الذي تتميز به الطائفة في لبنان؟ أو ما هو الخاص الذي جعل واقعها يتعدى كونها جماعة دينية؟..
إن الطائفة في لبنان أخذت تبني خاصها أو واقعها بما يتعدى كونها جماعة دينية، في ظل السياق السوسيو تاريخي لتشكل لبنان الحديث. فما هو هذا الخاص أو الواقع الذي بنته وتميّزت به؟...
Page 6
إنه واقع تمأسسها على الصعيدين السياسي والأيديولوجي... ففي عهد المتصرفية أحرزت الطوائف في جبل لبنان تمثيلها السياسي بحيث تحدد لكل طائفة حسب البروتوكول المعمول به ممثل أو أكثر في مجلس إدارة ذلك العهد. كما دخلت في حركة تمأسس أيديولوجي من خلال ما خُصّت به من مدارس وجامعات وروابط أهلية. وقد تعزز تمأسسها هذا، بما يلائم ظروف دولة لبنان الكبير في عهد الانتداب. ثم وجد شروط نضجه التام في دولة الاستقلال وبخاصة في سنة 1967 تاريخ تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى...
يظهر السياق السوسيو تاريخي أعلاه على اقتضابه، أن الطائفة تحولت من خلاله إلى مؤسسة تمثيل سياسي وإلى إطار مؤسسي أيديولوجي يعمل على تمتين لحمتها الداخلية وترسيخ عصبيتها الطائفية وعلى إنتاج وإعادة إنتاج أيديولوجيتها الطائفية... وهكذا يكون بناء خاص الطائفة أو واقع تمأسسها قد ارتبط بالسياق نفسه الذي تأسس فيه النظام السياسي الطائفي وتشكلت في ضوئه، الدولة في لبنان الحديث.. ما يؤدي إلى أن الانتظام المؤسسي للطائفة (أو للطوائف)، لا يقوم إلا بنظام سياسي طائفي أو بدولة طائفية، هي شرطه الضروري. ينوجد بوجودها، ويتجدد مع تجددها، ويزول مع تغير طبيعتها. إنه والحال هذه، انتظام يقع عليه فعل التاريخ وينحكم إلى مساره الواقعي والموضوعي في المجتمع اللبناني.
من هذا المنطلق يغدو متاحاً تعريف الطائفة والطائفية من زاوية مختلفة عما ورد آنفاً من تعريفات.
• الطائفة هي انتظام مؤسسي للجماعة الدينية على الصعيدين السياسي والأيديولوجي، يجعل منها على ذينك الصعيدين موقعاً تمثيلياً مخصوصاً ومتبايناً عن موقع تمثيلي آخر يعود لانتظام جماعة دينية مغايرة.
• والطائفية هي الولاء العصبي للطائفة الممارس بأشكال ومظاهر متعددة تصورها ذات لحمة عامة، أو كلاً متجانساً على حساب تراتبيتها المجتمعية.
• أما الطائفية السياسية، فهي نظام تمثيل الطوائف في تركيبة النظام السياسي وفي مؤسسات الدولة.
ما تقدم يظهر أن الطوائف كانتظامات مؤسسية لا تقوم إلا بقيام نظام طائفي أو بدولة «طائفية»، تشرط وجود واقعها بما يتعدى كونها جماعات دينية. وهو كما بات واضحاً، واقع تمثيلها السياسي في الدولة. من هنا، تنشأ علاقة عضوية من نوع خاص بين الطرفين. فالطوائف حين تتمثل في الدولة على قاعدة أن لكل منها نصابها التمثيلي المخصوص، تتحول بمعنى ما إلى كيانات دولتية شبه مستقلة تغنم حصصها من الكيان الأصلي للدولة. والدولة حين يصبح كيانها السياسي والدستوري مجالاً لتمثيل الطوائف أو غنماً لأنصبتها التمثيلية المعلومة، تتحول في الواقع إلى اتحاد أو تركيب فدرالي بين الطوائف، وهو ما غدا طبيعة للدولة أو لازمة بنيوية لها.
علاقة الطوائف بالدولة
على هذا الأساس، كان لكل طائفة من طوائف لبنان تاريخها الدولتي، أي تاريخ علاقتها بالدولة. وقد بنته من خلال كونها مؤسسة سياسية تتيح بأن يظهر ممثلوها أو زعماؤها في موقع من يمثلها كمجموع طائفي كلي. وهذا ما يفسر على الأرجح نظرة الفكر الطائفي إلى الطوائف ككتل متجانسة كأنما لا تمايزات أو تباينات مجتمعية في دواخلها. وكذلك، من خلال كونها مؤسسة أيديولوجية تتغذى بفكر يسوّغ لها أن تمجد ذاتها الطائفية في صورة ناصعة، وتعلي من شأن دورها في التاريخ وفي الحاضر على غير صعيد؛ وأن ترسم عن الطوائف الأخرى، صورة باهتة لتأخذ على ذوات الأخيرة ما تأخذ، وتقلل من دورها وأهميته في غير مجال:
أ ـ الموارنة ومأمول المشاركة المتوازنة(*****)
تعلّق الموارنة بالتاريخ، شدتهم فينيقيا إلى عصرها. وجدوا في «شعبها» جبَّلة فيهم. تجار مهرة يجوبون الآفاق. خير سلف لخير خلف. لبنان الحضاري يعود إلى ستة آلاف عام. طبيعته تولّدت منذ ذاك التاريخ. فريد بين البلدان كافة، لا يشبه إلا ذاته. مبدع الحرف وصانع الكتابة. منارة المتوسط على ضفته الشرقية. أرزه دائماً في حماية الرب. ومن يحمه الرب، يدخل الأبدية.
درس الموارنة تاريخ العرب والمسلمين، عثروا فيه على صفحات سوداء. هي اضطهاد الأقليات الدينية. لم يتعرفوا إليها في عصرها. أرجعوها إلى طبيعة ثابتة. هم ميالون إلى نظرية الطبائع. فتشوا عن ملجأ آمن. وجدوه في لبنان. لبنان حصن الأقليات المضطهدة، ومعقل حمايتها من جور الأكثرية..
أخذهم عهد الإمارة. عدوه بداية لبنان الحديث. عهد حقق الاستقلال الذاتي عن السلطنة. أيدوا انفتاحه المبكر على توسكانة. صوروا الانفتاح صنو لبنان. اكتنزوا من دور الوساطة مع الغرب. أفادوا من صراع البشيرين. أفلحوا في الصعود السياسي والاقتصادي. ترجموا صعودهم في المتصرفية. تدربوا فيها على موقع السيطرة.
يظهر السياق السوسيو تاريخي أعلاه على اقتضابه، أن الطائفة تحولت من خلاله إلى مؤسسة تمثيل سياسي وإلى إطار مؤسسي أيديولوجي يعمل على تمتين لحمتها الداخلية وترسيخ عصبيتها الطائفية وعلى إنتاج وإعادة إنتاج أيديولوجيتها الطائفية... وهكذا يكون بناء خاص الطائفة أو واقع تمأسسها قد ارتبط بالسياق نفسه الذي تأسس فيه النظام السياسي الطائفي وتشكلت في ضوئه، الدولة في لبنان الحديث.. ما يؤدي إلى أن الانتظام المؤسسي للطائفة (أو للطوائف)، لا يقوم إلا بنظام سياسي طائفي أو بدولة طائفية، هي شرطه الضروري. ينوجد بوجودها، ويتجدد مع تجددها، ويزول مع تغير طبيعتها. إنه والحال هذه، انتظام يقع عليه فعل التاريخ وينحكم إلى مساره الواقعي والموضوعي في المجتمع اللبناني.
من هذا المنطلق يغدو متاحاً تعريف الطائفة والطائفية من زاوية مختلفة عما ورد آنفاً من تعريفات.
• الطائفة هي انتظام مؤسسي للجماعة الدينية على الصعيدين السياسي والأيديولوجي، يجعل منها على ذينك الصعيدين موقعاً تمثيلياً مخصوصاً ومتبايناً عن موقع تمثيلي آخر يعود لانتظام جماعة دينية مغايرة.
• والطائفية هي الولاء العصبي للطائفة الممارس بأشكال ومظاهر متعددة تصورها ذات لحمة عامة، أو كلاً متجانساً على حساب تراتبيتها المجتمعية.
• أما الطائفية السياسية، فهي نظام تمثيل الطوائف في تركيبة النظام السياسي وفي مؤسسات الدولة.
ما تقدم يظهر أن الطوائف كانتظامات مؤسسية لا تقوم إلا بقيام نظام طائفي أو بدولة «طائفية»، تشرط وجود واقعها بما يتعدى كونها جماعات دينية. وهو كما بات واضحاً، واقع تمثيلها السياسي في الدولة. من هنا، تنشأ علاقة عضوية من نوع خاص بين الطرفين. فالطوائف حين تتمثل في الدولة على قاعدة أن لكل منها نصابها التمثيلي المخصوص، تتحول بمعنى ما إلى كيانات دولتية شبه مستقلة تغنم حصصها من الكيان الأصلي للدولة. والدولة حين يصبح كيانها السياسي والدستوري مجالاً لتمثيل الطوائف أو غنماً لأنصبتها التمثيلية المعلومة، تتحول في الواقع إلى اتحاد أو تركيب فدرالي بين الطوائف، وهو ما غدا طبيعة للدولة أو لازمة بنيوية لها.
علاقة الطوائف بالدولة
على هذا الأساس، كان لكل طائفة من طوائف لبنان تاريخها الدولتي، أي تاريخ علاقتها بالدولة. وقد بنته من خلال كونها مؤسسة سياسية تتيح بأن يظهر ممثلوها أو زعماؤها في موقع من يمثلها كمجموع طائفي كلي. وهذا ما يفسر على الأرجح نظرة الفكر الطائفي إلى الطوائف ككتل متجانسة كأنما لا تمايزات أو تباينات مجتمعية في دواخلها. وكذلك، من خلال كونها مؤسسة أيديولوجية تتغذى بفكر يسوّغ لها أن تمجد ذاتها الطائفية في صورة ناصعة، وتعلي من شأن دورها في التاريخ وفي الحاضر على غير صعيد؛ وأن ترسم عن الطوائف الأخرى، صورة باهتة لتأخذ على ذوات الأخيرة ما تأخذ، وتقلل من دورها وأهميته في غير مجال:
أ ـ الموارنة ومأمول المشاركة المتوازنة(*****)
تعلّق الموارنة بالتاريخ، شدتهم فينيقيا إلى عصرها. وجدوا في «شعبها» جبَّلة فيهم. تجار مهرة يجوبون الآفاق. خير سلف لخير خلف. لبنان الحضاري يعود إلى ستة آلاف عام. طبيعته تولّدت منذ ذاك التاريخ. فريد بين البلدان كافة، لا يشبه إلا ذاته. مبدع الحرف وصانع الكتابة. منارة المتوسط على ضفته الشرقية. أرزه دائماً في حماية الرب. ومن يحمه الرب، يدخل الأبدية.
درس الموارنة تاريخ العرب والمسلمين، عثروا فيه على صفحات سوداء. هي اضطهاد الأقليات الدينية. لم يتعرفوا إليها في عصرها. أرجعوها إلى طبيعة ثابتة. هم ميالون إلى نظرية الطبائع. فتشوا عن ملجأ آمن. وجدوه في لبنان. لبنان حصن الأقليات المضطهدة، ومعقل حمايتها من جور الأكثرية..
أخذهم عهد الإمارة. عدوه بداية لبنان الحديث. عهد حقق الاستقلال الذاتي عن السلطنة. أيدوا انفتاحه المبكر على توسكانة. صوروا الانفتاح صنو لبنان. اكتنزوا من دور الوساطة مع الغرب. أفادوا من صراع البشيرين. أفلحوا في الصعود السياسي والاقتصادي. ترجموا صعودهم في المتصرفية. تدربوا فيها على موقع السيطرة.
Page 7
ثبّتوا سيطرتهم في عهد الانتداب. نالوا الامتياز تلو الامتياز؛ والغنم بعد الغنم. اعتزوا بلبنان المجيد. لبنان تأسس بهم ولأجلهم. وجوده مرتبط بوجودهم. اسم فريد بين الأمم. كان في الزمن التليد كذلك؛ وسيبقى...
هذا مقتطف إجمالي عن تصور للبنان يعود إلى اتجاه تأريخي أخذ به أعلام من مؤرخي الموارنة ممن عاصروا فترة الانتداب أو ممن عايشوا دولة الاستقلال أو مرحلة الجمهورية الأولى.
والتصور الآنف الذكر، شكل مرجعية فكرية وسياسية للموارنة الذين يتمثلون هنا بنخبهم المؤطرة في الانتظام السياسي والأيديولوجي للطائفة المارونية، ولقد بنوا من خلال مرجعيتهم تلك موقعهم التمثيلي السياسي. فكان بطبيعة الحال، الموقع الأول أو الممتاز في بنية الدولة في تلك المرحلة...
حظي الموارنة برئاسة الدولة، وكانت رئاستهم ذات صلاحيات شبه مطلقة، فأمسكوا بمواقع القرار السلطوي، وقد ظفروا بالحصة الكبرى من الامتيازات؛ وتمسكوا بأنصبتهم التمثيلية ورأوا فيها حقاً من حقوقهم «الطبيعية». لذلك، رفضوا المشاركة الحقيقية مع الطوائف الأخرى، وآثروا الهيمنة على الحكم، ولم يصغوا إلى دعوات الآخرين إلى التوازن الطائفي، وعندما عملت الشهابية على تحقيق بعض مظاهره، لم يتأخر زعماؤهم الكبار في تطويق أو الحد من نتائج ما قد جرى تحقيقه، ثم لم يتوانوا في إقفال الباب على أي تغيير أو تعديل في قواعد الهيمنة التي تقوم عليها المعادلات الطائفية سواء في تركيبة النظام أو في مؤسسات الدولة. فأي تغيير في تلك القواعد كان سيقود برأيهم إلى هزّ الكيان والمسّ بحقوق طائفتهم التاريخية ما عنى في حينه، أن نظرة التماهي بين الكيان والنظام والطائفة التي أخذوا بها، ألغت أي مسافة بينهم وبين الدولة، وجعلتهم يعتبرون أن الدولة هي «دولتهم» في «أصلها وفي فصلها»، ويصورون أي مطلب ينادي بالمشاركة الحقيقية في الحكم، كأنه افتئات على كيان «دولتهم» وعلى دولة «كيانهم» في آن...
بين الاستقلال ومنتصف السبعينات، وافق الموارنة سياسياً على وجه لبنان العربي. لكنهم أعرضوا عن العروبة كهوية وطنية وقومية له، وأخذوا بلبنانية كيانية متمحورة حول ذاتها. ومع موقف كهذا، تغافلوا عن الفكر العروبي لكوكبة من روّادهم النهضويين. وقد عكس تغافلهم عن هؤلاء انحيازهم الفاضح إلى التأريخ الطائفي الكياني للبنان؛ ما يكشف بصورة أو بأخرى، أن الأرومة الحقيقية لفينيقيا وللإمارة، تعود إلى زمن المتصرفية وعهد الانتداب في الآن نفسه.
في الحرب تشبث الموارنة بهيمنتهم الطائفية على الحكم، فدافعوا باستماتة عن امتيازاتهم. لقد ساءهم المسّ بالنظام الطائفي وبصلاحيات رئاسة الجمهورية، وصنفوها في باب المحرمات، إذ لا يجوز في نظرهم أن يطالها أي تعديل أو تغيير. كما لم يرتضوا إقامة التوازن العادل مع الآخرين، ذلك أن الحكم برأيهم لا يستوي أو لا يقوم إلا على هيمنتهم. أما مع ظهور الكانتونات على خريطة الواقع، فقد أظهرت اللبنانية الكيانية، طبيعة الهوية التي تريدها للبنان. ومن ثم أفصحت الدولة عن تركيبها الفدرالي الأصلي، بحيث افتضح واقع مكوّناتها الطائفية ونظام مشاركتها، وبخاصة بعد أن دخل الحكم في الثمانينات في مأزقه البنيوي المشهود...
في عهد الطائف شعر الموارنة بالإحباط، تكلموا عليه طويلاً ولم يخل كلامهم من شيء من المبالغة المقصودة. لكن في مطلق الأحوال، لم تعد الدولة بين «أيديهم» أو تحت هيمنتهم. فانتقلوا من موقع إلى آخر، إذ بعد أن كانوا أبطال الدولة وأصحابها المنافحين عنها في الجمهورية الأولى، صاروا طلاباً لها ومن دعاة التوازن في تركيبتها في الجمهورية الثانية، لذلك، توجسوا من الأرجحية الإسلامية على الدولة، ورأوا فيها إخلالاً بقواعد التوازن الوطني ونيلاً من صيغة العيش المشترك بين الطوائف...
في جانب آخر، كان للموارنة قصب السبق في الدعوة إلى رفع الوصاية السورية عن لبنان من أجل استقلاله وسيادته وقراره الحر. ثم قرنوا دعوتهم هذه، بحديث قسم منهم، عن عروبة حضارية تحترم خصوصية كل بلد عربي، وتقبل التنوع وتعمل على إثرائه أو إغنائه ابتغاء أن تكون منفتحة وديموقراطية وفاق مقاييس العصر وحقائقه...
وما دعا إليه الموارنة جاء بعد أن لجأوا إلى اتفاق الطائف للمطالبة بإخراج السوريين، وللقول في العروبة الحضارية تمييزاً لها من العروبات الرسمية. إلا أن واقع التوازنات الداخلية والخارجية المحيطة بلبنان لم يساعدهم على تحقيق ما نادوا أو طالبوا به «لفترة طويلة»...
لكن تسارع الأحداث منذ صدور القرار الدولي 1559 إلى اغتيال الرئيس الحريري مروراً بقرار التمديد للرئيس لحود؛ أدى إلى بناء مشهد سياسي دينامي غير مسبوق على الساحة اللبنانية. فمع خروج سوريا من لبنان، وصدور القرار الدولي 1595، وما تمخضت عنه نتائج الانتخابات النيابية في صيف 2005، نشأت توازنات طائفية جديدة ما لبثت أن أخذت تعبِّر عن نفسها في تركيبة الحكومة الحالية (حكومة الرئيس السنيورة)، وفي إعادة تكوين السلطة على أكثر الصعد والمجالات...
في ظل هذا السياق عادت إلى الموارنة «روحهم الضائعة» طوال خمسة عشر عاماً، فلبنان أحرز استقلاله عن الوصاية السورية، والاهتمام الدولي به وصل إلى درجة استثنائية وزعماؤهم أصبحوا بين ظهرانيهم وأحجام المرجعيات الطائفية تعادلت فيما بينها بنسبة كبيرة. والحال، لم يبقَ هناك ما يمنع من أن يلتقط الموارنة الفرصة لكي يستعيدوا دورهم الريادي في إعادة تأسيس ثانية للكيان. وهكذا أخذ بعضهم يدعو إلى التوازن «العادل» بين الطوائف اللبنانية، ويجد فيه ترجمة لطبيعة العيش المشترك ويعتبر أن كل إخلال «بعدالته» سواء في النظام أم في الدولة يناقض الصيغة الميثاقية للبنان، وقد يفتح الباب على بدائل تأتي على حساب وحدة الدولة والمجتمع فيه. كما شرع بعضهم الآخر ينادي ببناء الدولة على أسس جديدة بحيث تكفل رفع الأرجحية الإسلامية عنها، وإعادة التوازن إليها بعد أن أطيح به في عهد الوصاية السورية، وحتى لا تبقى عرضة للتنازع الفئوي الذي يهز كيانها السياسي والدستوري بين الفينة والأخرى.
لكن انهيار التحالف الرباعي الذي كان قائماً بين حركة أمل وحزب اللَّه وتيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي، أعاد تركيب المشهد السياسي بصورة مغايرة عما كان عليه في مجرى الانتخابات النيابية. فلقد توزع الموارنة والمسيحيون بصفة عامة على طرفين رئيسين: القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر. ثم ما لبثا أن انضويا في ائتلافين متقابلين. فالقوات اللبنانية انضمت إلى ائتلاف جمعها إلى الأكثرية السنية والدرزية. والتيار اشترك في ائتلاف جمعه إلى الأكثرية الشيعية والأقلية السنية والدرزية، وتبعاً لهذا المشهد وجد ممثلو الموارنة أنفسهم في موقفين متباعدين. فالطرف الأول اشترك في الحكومة وأخذ ينافح عن الدولة ويعتبر أن غياب التوازن فيها، لا يعود إلى استئثار الأكثرية الحاكمة، أي أكثرية الائتلاف المنتمي إليه، بل إلى لا شرعية ولا دستورية واقع رئيس الجمهورية.
والطرف الثاني ذهب إلى تفاهم مع حزب اللَّه، وشرع ينتقد سياسة الحكومة، ويجد أن فقدان التوازن والمشاركة الحقيقية يعود إلى استئثار وتسلط الأكثرية الحاكمة، لا إلى وضع رئيس الجمهورية.
وما بين هذا الموقف أو ذاك، لم يتغير الواقع الفعلي، أي الاختلال في التوازن الطائفي لمصلحة فئة معلومة من أهل السلطة. وجراء ذلك أصبح مطلب المشاركة المتوازنة في الدولة وبخاصة بعد المسار الانقسامي الطائفي الذي آلت إليه حرب تموز 2006، المأمول الأول لدى الموارنة. وهكذا، أخذ حزب القوات ينشده من خلال التحالف مع تيار الأكثرية في الائتلاف الحاكم. والتيار الوطني، يدعو إليه من خلال التفاهم مع تيار الأكثرية في الائتلاف المعارض. ولعل هذا ما يجعل تحققه موقوفاً إلى حد بعيد على وتيرة العلاقة بين الأكثريتين السنية والشيعية، الأمر الذي قد يبقيه هدفاً منشوداً إلى أمد بعيد، لصعوبة تجاوز المعادلات الطائفية القائمة؛ ولعدم قدرة الطوائف على إنتاج توازن عادل فيما بينها سواء في الحكم أم في خارجه. وبالتالي، ما قد يضع الموارنة والمسيحيين عموماً بين حاجة راهنة تلح في تحقيق مأمول المشاركة، ونوستالجيا تكمن في طويتها رغبة دفينة في لعب دور رئيس في إعادة تأسيس ثانية للكيان والدولة على السواء...
هذا مقتطف إجمالي عن تصور للبنان يعود إلى اتجاه تأريخي أخذ به أعلام من مؤرخي الموارنة ممن عاصروا فترة الانتداب أو ممن عايشوا دولة الاستقلال أو مرحلة الجمهورية الأولى.
والتصور الآنف الذكر، شكل مرجعية فكرية وسياسية للموارنة الذين يتمثلون هنا بنخبهم المؤطرة في الانتظام السياسي والأيديولوجي للطائفة المارونية، ولقد بنوا من خلال مرجعيتهم تلك موقعهم التمثيلي السياسي. فكان بطبيعة الحال، الموقع الأول أو الممتاز في بنية الدولة في تلك المرحلة...
حظي الموارنة برئاسة الدولة، وكانت رئاستهم ذات صلاحيات شبه مطلقة، فأمسكوا بمواقع القرار السلطوي، وقد ظفروا بالحصة الكبرى من الامتيازات؛ وتمسكوا بأنصبتهم التمثيلية ورأوا فيها حقاً من حقوقهم «الطبيعية». لذلك، رفضوا المشاركة الحقيقية مع الطوائف الأخرى، وآثروا الهيمنة على الحكم، ولم يصغوا إلى دعوات الآخرين إلى التوازن الطائفي، وعندما عملت الشهابية على تحقيق بعض مظاهره، لم يتأخر زعماؤهم الكبار في تطويق أو الحد من نتائج ما قد جرى تحقيقه، ثم لم يتوانوا في إقفال الباب على أي تغيير أو تعديل في قواعد الهيمنة التي تقوم عليها المعادلات الطائفية سواء في تركيبة النظام أو في مؤسسات الدولة. فأي تغيير في تلك القواعد كان سيقود برأيهم إلى هزّ الكيان والمسّ بحقوق طائفتهم التاريخية ما عنى في حينه، أن نظرة التماهي بين الكيان والنظام والطائفة التي أخذوا بها، ألغت أي مسافة بينهم وبين الدولة، وجعلتهم يعتبرون أن الدولة هي «دولتهم» في «أصلها وفي فصلها»، ويصورون أي مطلب ينادي بالمشاركة الحقيقية في الحكم، كأنه افتئات على كيان «دولتهم» وعلى دولة «كيانهم» في آن...
بين الاستقلال ومنتصف السبعينات، وافق الموارنة سياسياً على وجه لبنان العربي. لكنهم أعرضوا عن العروبة كهوية وطنية وقومية له، وأخذوا بلبنانية كيانية متمحورة حول ذاتها. ومع موقف كهذا، تغافلوا عن الفكر العروبي لكوكبة من روّادهم النهضويين. وقد عكس تغافلهم عن هؤلاء انحيازهم الفاضح إلى التأريخ الطائفي الكياني للبنان؛ ما يكشف بصورة أو بأخرى، أن الأرومة الحقيقية لفينيقيا وللإمارة، تعود إلى زمن المتصرفية وعهد الانتداب في الآن نفسه.
في الحرب تشبث الموارنة بهيمنتهم الطائفية على الحكم، فدافعوا باستماتة عن امتيازاتهم. لقد ساءهم المسّ بالنظام الطائفي وبصلاحيات رئاسة الجمهورية، وصنفوها في باب المحرمات، إذ لا يجوز في نظرهم أن يطالها أي تعديل أو تغيير. كما لم يرتضوا إقامة التوازن العادل مع الآخرين، ذلك أن الحكم برأيهم لا يستوي أو لا يقوم إلا على هيمنتهم. أما مع ظهور الكانتونات على خريطة الواقع، فقد أظهرت اللبنانية الكيانية، طبيعة الهوية التي تريدها للبنان. ومن ثم أفصحت الدولة عن تركيبها الفدرالي الأصلي، بحيث افتضح واقع مكوّناتها الطائفية ونظام مشاركتها، وبخاصة بعد أن دخل الحكم في الثمانينات في مأزقه البنيوي المشهود...
في عهد الطائف شعر الموارنة بالإحباط، تكلموا عليه طويلاً ولم يخل كلامهم من شيء من المبالغة المقصودة. لكن في مطلق الأحوال، لم تعد الدولة بين «أيديهم» أو تحت هيمنتهم. فانتقلوا من موقع إلى آخر، إذ بعد أن كانوا أبطال الدولة وأصحابها المنافحين عنها في الجمهورية الأولى، صاروا طلاباً لها ومن دعاة التوازن في تركيبتها في الجمهورية الثانية، لذلك، توجسوا من الأرجحية الإسلامية على الدولة، ورأوا فيها إخلالاً بقواعد التوازن الوطني ونيلاً من صيغة العيش المشترك بين الطوائف...
في جانب آخر، كان للموارنة قصب السبق في الدعوة إلى رفع الوصاية السورية عن لبنان من أجل استقلاله وسيادته وقراره الحر. ثم قرنوا دعوتهم هذه، بحديث قسم منهم، عن عروبة حضارية تحترم خصوصية كل بلد عربي، وتقبل التنوع وتعمل على إثرائه أو إغنائه ابتغاء أن تكون منفتحة وديموقراطية وفاق مقاييس العصر وحقائقه...
وما دعا إليه الموارنة جاء بعد أن لجأوا إلى اتفاق الطائف للمطالبة بإخراج السوريين، وللقول في العروبة الحضارية تمييزاً لها من العروبات الرسمية. إلا أن واقع التوازنات الداخلية والخارجية المحيطة بلبنان لم يساعدهم على تحقيق ما نادوا أو طالبوا به «لفترة طويلة»...
لكن تسارع الأحداث منذ صدور القرار الدولي 1559 إلى اغتيال الرئيس الحريري مروراً بقرار التمديد للرئيس لحود؛ أدى إلى بناء مشهد سياسي دينامي غير مسبوق على الساحة اللبنانية. فمع خروج سوريا من لبنان، وصدور القرار الدولي 1595، وما تمخضت عنه نتائج الانتخابات النيابية في صيف 2005، نشأت توازنات طائفية جديدة ما لبثت أن أخذت تعبِّر عن نفسها في تركيبة الحكومة الحالية (حكومة الرئيس السنيورة)، وفي إعادة تكوين السلطة على أكثر الصعد والمجالات...
في ظل هذا السياق عادت إلى الموارنة «روحهم الضائعة» طوال خمسة عشر عاماً، فلبنان أحرز استقلاله عن الوصاية السورية، والاهتمام الدولي به وصل إلى درجة استثنائية وزعماؤهم أصبحوا بين ظهرانيهم وأحجام المرجعيات الطائفية تعادلت فيما بينها بنسبة كبيرة. والحال، لم يبقَ هناك ما يمنع من أن يلتقط الموارنة الفرصة لكي يستعيدوا دورهم الريادي في إعادة تأسيس ثانية للكيان. وهكذا أخذ بعضهم يدعو إلى التوازن «العادل» بين الطوائف اللبنانية، ويجد فيه ترجمة لطبيعة العيش المشترك ويعتبر أن كل إخلال «بعدالته» سواء في النظام أم في الدولة يناقض الصيغة الميثاقية للبنان، وقد يفتح الباب على بدائل تأتي على حساب وحدة الدولة والمجتمع فيه. كما شرع بعضهم الآخر ينادي ببناء الدولة على أسس جديدة بحيث تكفل رفع الأرجحية الإسلامية عنها، وإعادة التوازن إليها بعد أن أطيح به في عهد الوصاية السورية، وحتى لا تبقى عرضة للتنازع الفئوي الذي يهز كيانها السياسي والدستوري بين الفينة والأخرى.
لكن انهيار التحالف الرباعي الذي كان قائماً بين حركة أمل وحزب اللَّه وتيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي، أعاد تركيب المشهد السياسي بصورة مغايرة عما كان عليه في مجرى الانتخابات النيابية. فلقد توزع الموارنة والمسيحيون بصفة عامة على طرفين رئيسين: القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر. ثم ما لبثا أن انضويا في ائتلافين متقابلين. فالقوات اللبنانية انضمت إلى ائتلاف جمعها إلى الأكثرية السنية والدرزية. والتيار اشترك في ائتلاف جمعه إلى الأكثرية الشيعية والأقلية السنية والدرزية، وتبعاً لهذا المشهد وجد ممثلو الموارنة أنفسهم في موقفين متباعدين. فالطرف الأول اشترك في الحكومة وأخذ ينافح عن الدولة ويعتبر أن غياب التوازن فيها، لا يعود إلى استئثار الأكثرية الحاكمة، أي أكثرية الائتلاف المنتمي إليه، بل إلى لا شرعية ولا دستورية واقع رئيس الجمهورية.
والطرف الثاني ذهب إلى تفاهم مع حزب اللَّه، وشرع ينتقد سياسة الحكومة، ويجد أن فقدان التوازن والمشاركة الحقيقية يعود إلى استئثار وتسلط الأكثرية الحاكمة، لا إلى وضع رئيس الجمهورية.
وما بين هذا الموقف أو ذاك، لم يتغير الواقع الفعلي، أي الاختلال في التوازن الطائفي لمصلحة فئة معلومة من أهل السلطة. وجراء ذلك أصبح مطلب المشاركة المتوازنة في الدولة وبخاصة بعد المسار الانقسامي الطائفي الذي آلت إليه حرب تموز 2006، المأمول الأول لدى الموارنة. وهكذا، أخذ حزب القوات ينشده من خلال التحالف مع تيار الأكثرية في الائتلاف الحاكم. والتيار الوطني، يدعو إليه من خلال التفاهم مع تيار الأكثرية في الائتلاف المعارض. ولعل هذا ما يجعل تحققه موقوفاً إلى حد بعيد على وتيرة العلاقة بين الأكثريتين السنية والشيعية، الأمر الذي قد يبقيه هدفاً منشوداً إلى أمد بعيد، لصعوبة تجاوز المعادلات الطائفية القائمة؛ ولعدم قدرة الطوائف على إنتاج توازن عادل فيما بينها سواء في الحكم أم في خارجه. وبالتالي، ما قد يضع الموارنة والمسيحيين عموماً بين حاجة راهنة تلح في تحقيق مأمول المشاركة، ونوستالجيا تكمن في طويتها رغبة دفينة في لعب دور رئيس في إعادة تأسيس ثانية للكيان والدولة على السواء...
Page 8
ب ـ الدروز: بين المشيخة والقيادة الوطنية(******)...
ارتبط تكوين الدروز السياسي بطبيعة الدور الذي لعبته تشكيلاتهم العصبية منذ تاريخ قدومها إلى جبل لبنان. ففي مرحلة أولى من ذاك التاريخ، شغل قسم من تلك التشكيلات في ظل الإمارة التنوخية، موقع الثغر العربي المتقدم على الساحل اللبناني لأجل قتال الفرنجة والذود عن العمق الداخلي للدولة العربية الإسلامية.
وفي مرحلة لاحقة، ظفر قسم آخر منها بحكم الجبل أي بحكم إمارته بعد سيطرة العثمانيين على بلاد الشام في أعقاب معركة مرج دابق سنة 1516... ومن خلال نظام الإمارة وبخاصة في عهدها العثماني ترسخت سلطة الدروز السياسية، وتوسّعت دائرتها في بعض الفترات إلى أبعد ما رُسم للإمارة من حدود جغرافية معلومة. ولقد ارتكزت تلك السلطة في مجالها الداخلي على تراتبية مجتمعية صلبة وقف الدروز على رأس هرميتها. فبات هؤلاء أسياد الجبل طوال ما يقارب القرنين من الزمن.
لكن مع تبدل الأحوال والظروف، بدءاً من الربع الأخير للقرن الثامن عشر، أخذ النظام المراتبي يتعرض لاختلال على صعيد موازين القوى في داخل تركيبته العامة. وكان المظهر الأبرز لذاك الاختلال، يجد ترجمته في نهج التضييق الذي طفق الأمير الشهابي يتّبعه على سلطة الدروز التقليدية، أو في مسار تطويق دور العائلات السياسية الدرزية وفي مقدمها عائلة جنبلاط. ثم وصل هذا المسار إلى ذروته فيما عرف بصراع البشيرين، الأمير بشير الشهابي والشيخ بشير جنبلاط...
أما مآل الصراع المتمثل في ضرب المرجعية الأولى للدروز وحلّ ثنائية السلطة في الإمارة؛ فقد أفصح عن محطة فاصلة في قلب المعادلات التاريخية في الجبل لمصلحة أخرى تقوم على قواعد وتوازنات جديدة. إذ ذاك أصيب دور الدروز السلطوي بانتكاسة خطيرة ودخل في منحى تراجعي مديد. وفي المقابل تفرّد الأمير الشهابي بسلطة الإمارة، وجاء تفرّده يعبّر بشكل أو بآخر عن صعود الموارنة السياسي والاقتصادي وعن تقدمهم الحثيث للظفر بالموقع السلطوي الأول في الجبل. وبذلك، يكون مقتل الشيخ الجنبلاطي قد شكّل النهاية الواقعية لعهد الإمارة، وفتح الباب على عهد جديد هو المتصرفية. فكان الأخير قياساً على ما سبق بمثابة إمارة «مدوّلة» أمّنت الشروط المؤاتية لسيادة الموارنة عليها. وبالفعل تابع هؤلاء في زمن المتصرفية صعودهم السياسي وبناء سلطتهم في أطر مؤسسية مكنتهم من أن يحوزوا موقع الأولية بين الطوائف الأخرى، بينما كان الدروز يتابعون تراجعهم على الصعيد السياسي رغم انتصارهم العسكري في أحداث 1858ـ1860. وهو ما أسّس لمعادلة تاريخية فرضت أحكامها بقسوة عليهم وهي: إن النظام المتصرفي، أو بتعبير آخر، إن النظام الطائفي عموماً حوّل الدروز إلى ضرورة كيانية لقيامه. لكنه في الوقت نفسه أسر نصابهم التمثيلي بحجم أقل بكثير مما يكون عليه في زمن الحرب. ولقد حمل هذا التناقض إلى الدروز، القلق المبكر من نظام سلب منهم السيادة على الجبل وافتأت على حجمهم السياسي. ثم رسم لهم في بنيته مرتبة مقفلة لا سبيل إلى تخطي حدودها الطائفية.
وهكذا يكون النظام المتصرفي قد بلور زمنين متفارقين: الأول هو زمن الصعود «الطوباوي» بالنسبة إلى الموارنة، والثاني هو زمن الانكسار في موازين القوى لغير مصلحة الدروز. وجراء ذلك، دخل هؤلاء في حالة من الاستكانة الواقعية «لدهر طويل» شمل المتصرفية وامتد إلى الانتداب، وراحوا يأملون بمرجعية تبني لهم حجمهم السياسي الحقيقي، أي بمرجعية تحاكي موقع بشير جنبلاط وتُعيد صوغه في زمن مغاير....
انقضى «دهر الاستكانة» حالما دخل كمال جنبلاط في أربعينيات القرن العشرين المعترك السياسي. لقد وقف «البيك»، الجنبلاطي على حقائق تاريخ الإمارة وأفاد من دروس مرحلة المتصرفية فأدرك منذ البداية طبيعة موقعه في تركيبة النظام الطائفي، بوصفه موقع الضرورة الكيانية الذي يشكل لازمة لقيام هذا النظام ولقواعد اشتغاله العامة. كما أدرك في الوقت عينه، أن تلك الضرورة المعبّر عنها بالتمثيل الطائفي، هي قيد ثقيل على حجم الدروز السياسي؛ بحيث جعل علاقة كمال جنبلاط بالنظام الطائفي تقوم على معادلة قلقة وغير مستقرة. فالنظام كان يعتبر أن الزعيم الجنبلاطي يؤلف جزءاً عضوياً منه. لكن الأخير كان يؤلف من جهته، الجزء الأكثر دينامية وأهلية للخروج عليه.
وبالفعل، أعد جنبلاط العدة للتفلّت من أحكام الضرورة الكيانية ـ الطائفية من أجل بناء ضرورة وطنية تتجاوز قواعد التمثيل الطائفي وقوالبه الضاغطة. فكان تأسيس الحزب الاشتراكي يعبّر بمعنى ما، عن وضع البناء ذاك موضع التطبيق العملي. وبتعبير ذي دلالة رمزية، لقد ضاق «البيك» ذرعاً بالكيانية. فاختار أن يكون الرفيق في رحاب الوطنية.
ومع هذا التحول النوعي، لم يعد النظام الطائفي يملك القدرة على حجز المرجعية الجنبلاطية في نطاق معادلاته الكيانية الضيقة. إذ في الوقت الذي كان فيه كمال جنبلاط يمثل الدروز طائفياً في النظام، كان فيه أيضاً يرفض طبيعة النظام الطائفية ويدعو إلى تجاوزها. ثم يعمل على توسيع دائرته المرجعية من خارج انتظامات الطوائف السياسية والأيديولوجية. وتبعاً لذلك، يكون الزعيم الجنبلاطي قد انتقل من ضرورة كيانية تصنف الدروز كحجم أقلوي وسياسي محدود؛ إلى ضرورة وطنية تصنع لهم حجماً مفتوحاً على مساحة الوطن. أو بمعنى آخر، يكون قد تجاوز التناقض بين الكيانية والوطنية، ووجد أن الدولة الطائفية ليست دولة له أو لمن يمثل، وأن موقعه الحقيقي لا يقوم إلا بنظام غير طائفي أو بدولة لا تكون ملكاً لفئة دون أخرى...
من هنا وضع جنبلاط من خلال زعامته للحركة الوطنية، حداً نهائياً للمعادلة القلقة التي عاشها في تجربته مع النظام الطائفي. وقدّم صورة نموذجية عن مجتمع سياسي لا يقوم على معادلات وتوازنات طائفية. ثم رأى تالياً في ضوء البرنامج المرحلي أي في ضوء دعوته إلى تجاوز الطائفية السياسية وإلى عروبة لبنان، أن النظام السياسي المأمول، هونظام ديموقراطي يضمن له حقيقة واقعه التمثيلي من حيث كونه مرجعية وطنية ذات أبعاد عربية وإنسانية في آن...
وعندما اندلعت الحرب الأهلية، ورفضت قوى الهيمنة على النظام الطائفي البرنامج المرحلي، خاض كمال جنبلاط حرب الجبل وحلم بحسم عسكري لكسر موازين القوى التي نشأت في زمن المتصرفية وتكرست في النظام الطائفي في مرحلة الانتداب وفي الجمهورية الأولى، وذلك من أجل إرساء موازين مغايرة تؤمن ولادة نظام سياسي جديد. لكن الدخول السوري إلى الجبل كسر الحلم الجنبلاطي. ثم انحاز إلى الضرورة الكيانية للنظام ودعمها بكل قوة ولم يعر اهتمامه لأي مشروع بديل عنها.
ارتبط تكوين الدروز السياسي بطبيعة الدور الذي لعبته تشكيلاتهم العصبية منذ تاريخ قدومها إلى جبل لبنان. ففي مرحلة أولى من ذاك التاريخ، شغل قسم من تلك التشكيلات في ظل الإمارة التنوخية، موقع الثغر العربي المتقدم على الساحل اللبناني لأجل قتال الفرنجة والذود عن العمق الداخلي للدولة العربية الإسلامية.
وفي مرحلة لاحقة، ظفر قسم آخر منها بحكم الجبل أي بحكم إمارته بعد سيطرة العثمانيين على بلاد الشام في أعقاب معركة مرج دابق سنة 1516... ومن خلال نظام الإمارة وبخاصة في عهدها العثماني ترسخت سلطة الدروز السياسية، وتوسّعت دائرتها في بعض الفترات إلى أبعد ما رُسم للإمارة من حدود جغرافية معلومة. ولقد ارتكزت تلك السلطة في مجالها الداخلي على تراتبية مجتمعية صلبة وقف الدروز على رأس هرميتها. فبات هؤلاء أسياد الجبل طوال ما يقارب القرنين من الزمن.
لكن مع تبدل الأحوال والظروف، بدءاً من الربع الأخير للقرن الثامن عشر، أخذ النظام المراتبي يتعرض لاختلال على صعيد موازين القوى في داخل تركيبته العامة. وكان المظهر الأبرز لذاك الاختلال، يجد ترجمته في نهج التضييق الذي طفق الأمير الشهابي يتّبعه على سلطة الدروز التقليدية، أو في مسار تطويق دور العائلات السياسية الدرزية وفي مقدمها عائلة جنبلاط. ثم وصل هذا المسار إلى ذروته فيما عرف بصراع البشيرين، الأمير بشير الشهابي والشيخ بشير جنبلاط...
أما مآل الصراع المتمثل في ضرب المرجعية الأولى للدروز وحلّ ثنائية السلطة في الإمارة؛ فقد أفصح عن محطة فاصلة في قلب المعادلات التاريخية في الجبل لمصلحة أخرى تقوم على قواعد وتوازنات جديدة. إذ ذاك أصيب دور الدروز السلطوي بانتكاسة خطيرة ودخل في منحى تراجعي مديد. وفي المقابل تفرّد الأمير الشهابي بسلطة الإمارة، وجاء تفرّده يعبّر بشكل أو بآخر عن صعود الموارنة السياسي والاقتصادي وعن تقدمهم الحثيث للظفر بالموقع السلطوي الأول في الجبل. وبذلك، يكون مقتل الشيخ الجنبلاطي قد شكّل النهاية الواقعية لعهد الإمارة، وفتح الباب على عهد جديد هو المتصرفية. فكان الأخير قياساً على ما سبق بمثابة إمارة «مدوّلة» أمّنت الشروط المؤاتية لسيادة الموارنة عليها. وبالفعل تابع هؤلاء في زمن المتصرفية صعودهم السياسي وبناء سلطتهم في أطر مؤسسية مكنتهم من أن يحوزوا موقع الأولية بين الطوائف الأخرى، بينما كان الدروز يتابعون تراجعهم على الصعيد السياسي رغم انتصارهم العسكري في أحداث 1858ـ1860. وهو ما أسّس لمعادلة تاريخية فرضت أحكامها بقسوة عليهم وهي: إن النظام المتصرفي، أو بتعبير آخر، إن النظام الطائفي عموماً حوّل الدروز إلى ضرورة كيانية لقيامه. لكنه في الوقت نفسه أسر نصابهم التمثيلي بحجم أقل بكثير مما يكون عليه في زمن الحرب. ولقد حمل هذا التناقض إلى الدروز، القلق المبكر من نظام سلب منهم السيادة على الجبل وافتأت على حجمهم السياسي. ثم رسم لهم في بنيته مرتبة مقفلة لا سبيل إلى تخطي حدودها الطائفية.
وهكذا يكون النظام المتصرفي قد بلور زمنين متفارقين: الأول هو زمن الصعود «الطوباوي» بالنسبة إلى الموارنة، والثاني هو زمن الانكسار في موازين القوى لغير مصلحة الدروز. وجراء ذلك، دخل هؤلاء في حالة من الاستكانة الواقعية «لدهر طويل» شمل المتصرفية وامتد إلى الانتداب، وراحوا يأملون بمرجعية تبني لهم حجمهم السياسي الحقيقي، أي بمرجعية تحاكي موقع بشير جنبلاط وتُعيد صوغه في زمن مغاير....
انقضى «دهر الاستكانة» حالما دخل كمال جنبلاط في أربعينيات القرن العشرين المعترك السياسي. لقد وقف «البيك»، الجنبلاطي على حقائق تاريخ الإمارة وأفاد من دروس مرحلة المتصرفية فأدرك منذ البداية طبيعة موقعه في تركيبة النظام الطائفي، بوصفه موقع الضرورة الكيانية الذي يشكل لازمة لقيام هذا النظام ولقواعد اشتغاله العامة. كما أدرك في الوقت عينه، أن تلك الضرورة المعبّر عنها بالتمثيل الطائفي، هي قيد ثقيل على حجم الدروز السياسي؛ بحيث جعل علاقة كمال جنبلاط بالنظام الطائفي تقوم على معادلة قلقة وغير مستقرة. فالنظام كان يعتبر أن الزعيم الجنبلاطي يؤلف جزءاً عضوياً منه. لكن الأخير كان يؤلف من جهته، الجزء الأكثر دينامية وأهلية للخروج عليه.
وبالفعل، أعد جنبلاط العدة للتفلّت من أحكام الضرورة الكيانية ـ الطائفية من أجل بناء ضرورة وطنية تتجاوز قواعد التمثيل الطائفي وقوالبه الضاغطة. فكان تأسيس الحزب الاشتراكي يعبّر بمعنى ما، عن وضع البناء ذاك موضع التطبيق العملي. وبتعبير ذي دلالة رمزية، لقد ضاق «البيك» ذرعاً بالكيانية. فاختار أن يكون الرفيق في رحاب الوطنية.
ومع هذا التحول النوعي، لم يعد النظام الطائفي يملك القدرة على حجز المرجعية الجنبلاطية في نطاق معادلاته الكيانية الضيقة. إذ في الوقت الذي كان فيه كمال جنبلاط يمثل الدروز طائفياً في النظام، كان فيه أيضاً يرفض طبيعة النظام الطائفية ويدعو إلى تجاوزها. ثم يعمل على توسيع دائرته المرجعية من خارج انتظامات الطوائف السياسية والأيديولوجية. وتبعاً لذلك، يكون الزعيم الجنبلاطي قد انتقل من ضرورة كيانية تصنف الدروز كحجم أقلوي وسياسي محدود؛ إلى ضرورة وطنية تصنع لهم حجماً مفتوحاً على مساحة الوطن. أو بمعنى آخر، يكون قد تجاوز التناقض بين الكيانية والوطنية، ووجد أن الدولة الطائفية ليست دولة له أو لمن يمثل، وأن موقعه الحقيقي لا يقوم إلا بنظام غير طائفي أو بدولة لا تكون ملكاً لفئة دون أخرى...
من هنا وضع جنبلاط من خلال زعامته للحركة الوطنية، حداً نهائياً للمعادلة القلقة التي عاشها في تجربته مع النظام الطائفي. وقدّم صورة نموذجية عن مجتمع سياسي لا يقوم على معادلات وتوازنات طائفية. ثم رأى تالياً في ضوء البرنامج المرحلي أي في ضوء دعوته إلى تجاوز الطائفية السياسية وإلى عروبة لبنان، أن النظام السياسي المأمول، هونظام ديموقراطي يضمن له حقيقة واقعه التمثيلي من حيث كونه مرجعية وطنية ذات أبعاد عربية وإنسانية في آن...
وعندما اندلعت الحرب الأهلية، ورفضت قوى الهيمنة على النظام الطائفي البرنامج المرحلي، خاض كمال جنبلاط حرب الجبل وحلم بحسم عسكري لكسر موازين القوى التي نشأت في زمن المتصرفية وتكرست في النظام الطائفي في مرحلة الانتداب وفي الجمهورية الأولى، وذلك من أجل إرساء موازين مغايرة تؤمن ولادة نظام سياسي جديد. لكن الدخول السوري إلى الجبل كسر الحلم الجنبلاطي. ثم انحاز إلى الضرورة الكيانية للنظام ودعمها بكل قوة ولم يعر اهتمامه لأي مشروع بديل عنها.
Page 9
في سنوات الحرب اللاحقة، تعامل وليد جنبلاط مع الأمر الواقع وهو انتظام القوى على قواعد طائفية صافية. فعاد إلى طائفته وبنى لها حجماً محورياً في موازين القوى بين الطوائف. وقد استحقته دون شك، قياساً على دورها في الطور الثمانيني من الاقتتال الأهلي. لكن هذا الحجم لم يجد قسطاسه على الصعيد التمثيلي بفعل المعادلة التي فرضت بالطبع على الدروز تاريخياً. ولم يكن للطائف بالطبع أن يبدّل فيها أو أن يغيّر من طبيعتها. والحال، فقد تضيق الحجم الدرزي المحوري مع الطائف قياساً على ما كان عليه أثناء الحرب. ثم خُصّ بمرتبة غير محورية لا فكاك من نصابها التمثيلي الطائفي. وما بين الحجم والمرتبة، عاش وليد جنبلاط قلق التناقض بين الموقعين. فانعكس ذلك كما يرى البعض في نوع من التقلب أو التبدل في خط تحالفاته بين مرجعية طائفية من هنا، وأخرى من هناك. أما عندما حاول أن يكون الركن الرابع من أركان الترويكا في الحكم، فقد وجد أن الضرورة الكيانية للنظام، هي ضرورته وقيده في آن. إنها ضرورته لأن موقعه التمثيلي ينبني بها، وهي قيده لأن النصاب الطائفي لموقعه مخصوص بها أيضاً، ولا يمكن تجاوزه البتة.
وفي ظل صيغة جامدة كهذه، لم يجد التناقض الأصلي بين الحجم والمرتبة حلاً له، ولن يجده أبداً من داخل معادلة التمثيل الطائفي. فكان من الطبيعي أن ترتسم علاقة جنبلاط بنظام الطائف وبدولته بين حدّي الكياني والوطني، أي أن ترتسم أحياناً على خط المنافحة عن هذه الدولة، وعلى خط الاعتراض عليها في أحيان أخرى.
واستمر هذان الحدان يطبعان السلوك الجنبلاطي بعد اغتيال رفيق الحريري وفي أعقاب الانسحاب السوري من لبنان. ثم تجسّد تعايشهما الملتبس في الانتخابات النيابية التي جرت في صيف 2005. لكن عقد التعايش المذكور سرعان ما انفرط حين نعى وليد جنبلاط التحالف الرباعي وانغمس في ائتلاف طائفي بمواجهة ائتلاف طائفي آخر. فجاء انغماسه هذا، يفصح عن اتجاه جديد يحمل في منطواه انحيازاً إلى الكياني الذي لم يلبث أن تقدّم على ما عداه وبخاصة بعد الحرب الأخيرة التي وقعت في شهر تموز 2006.
إذ ذاك أخذ وليد جنبلاط يدافع بقوة عن اتفاق الطائف ويتنكب مهمة استنقاذه من خصومه ويدعو إلى بناء الدولة على أساسه، كما أخذ يمجّد الطائفية السياسية ويجد فيها الضمانة لحفظ خصوصية لبنان أو تنوعه الفريد والمتميز عن جواره العربي.
بتعبير آخر، لقد ذهب جنبلاط إلى خيار الكيانية ـ الطائفية. فاختبر بالملموس أن مثل هذا الخيار قد يكسبه دوراً محورياً في الحراك الطائفي، لكنه يحتاج لكي يترسخ أو يستمر إلى دعم أو حماية من الخارج... كما اختبر في الوقت نفسه، أن الاستقلال والسيادة يبقيان في ظل الطائفي موقوفيْن إلى حد بعيد على ذاك الدعم أو تلك الحماية. ولعل هذا ما جعل جنبلاط يستشعر ثقل القيد الكياني ويحتسب لمدى خطورته على مستقبل البلد، أي ما جعله يدخل في دائرة من التأرجح المفتوح على التصعيد حيناً وعلى التراجع القلق حيناً آخر، ما بقي يركن إلى الكياني بالذات. أما خروجه من هذه الدائرة، فلن يكون إلا بتجاوز الضرورة الكيانية الطائفية إلى ضرورة وطنية تضع موقع الدروز وحجمهم على خريطة سياسية جديدة. أو بمعنى آخر، لن يكون هناك تجاوز لقيد الضرورة الكيانية إلا بالعودة إلى الدرس التاريخي الذي صنعه كمال جنبلاط وهو: العبور من زمن المشيخة إلى تاريخ القيادة الوطنية.
ج ـ الشيعة وموقع التعادل مع الآخرين(*******)
تختزن الذاكرة الجمعية عند الشيعة صوراً شتى من الظلم الذي خبروه طويلاً على امتداد مراحل تاريخهم الاجتماعي والسياسي. ففي صورة متأخرة منه في أيام بني عثمان في نهاية القرن التاسع عشر؛ كان الشيعة غير مشمولين في نطاق التصنيف الدولتي للجماعات المعمول به أو السائد في تلك الفترة. ولقد شرّع إخراجهم من أي تصنيف رسمي، سياسة الدولة في إهمالهم والتضييق عليهم أو تحويل مناطق وجودهم إلى «معازل» هامشية أو طرفية؛ أي إلى معازل لم تدخل الدولة إليها إلا في صورة «انكشاري» وبرفقته «التحصلدار» من أجل الاستيلاء على فائضٍ من إنتاج لا يتعدى كثيراً حدود الكفاف أو أوَد العيش الطبيعي.
وفي ظل صيغة جامدة كهذه، لم يجد التناقض الأصلي بين الحجم والمرتبة حلاً له، ولن يجده أبداً من داخل معادلة التمثيل الطائفي. فكان من الطبيعي أن ترتسم علاقة جنبلاط بنظام الطائف وبدولته بين حدّي الكياني والوطني، أي أن ترتسم أحياناً على خط المنافحة عن هذه الدولة، وعلى خط الاعتراض عليها في أحيان أخرى.
واستمر هذان الحدان يطبعان السلوك الجنبلاطي بعد اغتيال رفيق الحريري وفي أعقاب الانسحاب السوري من لبنان. ثم تجسّد تعايشهما الملتبس في الانتخابات النيابية التي جرت في صيف 2005. لكن عقد التعايش المذكور سرعان ما انفرط حين نعى وليد جنبلاط التحالف الرباعي وانغمس في ائتلاف طائفي بمواجهة ائتلاف طائفي آخر. فجاء انغماسه هذا، يفصح عن اتجاه جديد يحمل في منطواه انحيازاً إلى الكياني الذي لم يلبث أن تقدّم على ما عداه وبخاصة بعد الحرب الأخيرة التي وقعت في شهر تموز 2006.
إذ ذاك أخذ وليد جنبلاط يدافع بقوة عن اتفاق الطائف ويتنكب مهمة استنقاذه من خصومه ويدعو إلى بناء الدولة على أساسه، كما أخذ يمجّد الطائفية السياسية ويجد فيها الضمانة لحفظ خصوصية لبنان أو تنوعه الفريد والمتميز عن جواره العربي.
بتعبير آخر، لقد ذهب جنبلاط إلى خيار الكيانية ـ الطائفية. فاختبر بالملموس أن مثل هذا الخيار قد يكسبه دوراً محورياً في الحراك الطائفي، لكنه يحتاج لكي يترسخ أو يستمر إلى دعم أو حماية من الخارج... كما اختبر في الوقت نفسه، أن الاستقلال والسيادة يبقيان في ظل الطائفي موقوفيْن إلى حد بعيد على ذاك الدعم أو تلك الحماية. ولعل هذا ما جعل جنبلاط يستشعر ثقل القيد الكياني ويحتسب لمدى خطورته على مستقبل البلد، أي ما جعله يدخل في دائرة من التأرجح المفتوح على التصعيد حيناً وعلى التراجع القلق حيناً آخر، ما بقي يركن إلى الكياني بالذات. أما خروجه من هذه الدائرة، فلن يكون إلا بتجاوز الضرورة الكيانية الطائفية إلى ضرورة وطنية تضع موقع الدروز وحجمهم على خريطة سياسية جديدة. أو بمعنى آخر، لن يكون هناك تجاوز لقيد الضرورة الكيانية إلا بالعودة إلى الدرس التاريخي الذي صنعه كمال جنبلاط وهو: العبور من زمن المشيخة إلى تاريخ القيادة الوطنية.
ج ـ الشيعة وموقع التعادل مع الآخرين(*******)
تختزن الذاكرة الجمعية عند الشيعة صوراً شتى من الظلم الذي خبروه طويلاً على امتداد مراحل تاريخهم الاجتماعي والسياسي. ففي صورة متأخرة منه في أيام بني عثمان في نهاية القرن التاسع عشر؛ كان الشيعة غير مشمولين في نطاق التصنيف الدولتي للجماعات المعمول به أو السائد في تلك الفترة. ولقد شرّع إخراجهم من أي تصنيف رسمي، سياسة الدولة في إهمالهم والتضييق عليهم أو تحويل مناطق وجودهم إلى «معازل» هامشية أو طرفية؛ أي إلى معازل لم تدخل الدولة إليها إلا في صورة «انكشاري» وبرفقته «التحصلدار» من أجل الاستيلاء على فائضٍ من إنتاج لا يتعدى كثيراً حدود الكفاف أو أوَد العيش الطبيعي.
Page 10
ومع إعلان دولة لبنان الكبير، وهو إعلان جاء يتوج في أحد أبعاده حاجة الجبل المتصرفي إلى عاصمة وسهل؛ نشأت في الدولة الجديدة معادلة أيديولوجية لما تزل فاعلة ومؤثرة بصورة أو بأخرى إلى اليوم، وهي: في لبنان الحديث مركز وأطراف. المركز يتشكل من بيروت والجبل. والأطراف تتكون من البقاع والجنوب والشمال. أما المسافة بين طرفي المعادلة، فهي تقوم في الأصل على قواعد سياسية لا جغرافية؛ الأمر الذي صيّر الحكم بين أيدي أبناء المركز، وجعل أهل الأطراف من المحكومين. وتبعاً للثنائية هذه، بنى النظام الطائفي إحدى ركائز السياسة التي دشن عهده بها تحت مظلة الانتداب ورعايته. فكان خطها البياني العام، إهمال الأطراف وحرمانها وبخاصة الطرفين «النائيين كثيراً» عن المركز، وهما مناطق الوجود الشيعي، بلاد بعلبك وجبل عامل.
في ضوء تلك السياسة، انتظمت العلاقة بين الشيعة والنظام السياسي الناشئ في لبنان الكبير. وقد وجدت بعض تجلياتها في أن الدولة لم تخصّ مناطق هؤلاء بأي خدمات أو تقديمات حقيقية، ما خلا حضورها بالطبع في الصورة الحديثة «للجندرمة وجابي الضرائب». وفي أن التمثيل الشيعي في مؤسساتها السياسية والدستورية بقي محسوباً في إطار التوازن الشكلي بين الطوائف، ولم يتعدّاه إلى قدر من المشاركة الفعلية في إدارة شؤون البلاد...
وفي الجمهورية الأولى، تحسّن تمثيل الشيعة نسبياً. لكن طابعه الإجمالي لم يرق إلى مستوى فعّال ومؤثر في توازنات السلطة أو آليات اتخاذ القرار في الحكم. فالصيغة الميثاقية التي ارتكزت بشكل أساسي على ثنائية سنية ـ مارونية، وما انتهجته من توزيع فئوي لأنصبة الطوائف التمثيلية، لم تفرد للشيعة مواقع مفصلية أو رئيسة في مؤسسات النظام السياسية والإدارية، لكي تمدهم بالنفوذ السلطوي ذي الدور الوازن في مجرى السياسة العامة للدولة. ومن جهتها، أدّت سياسة التصنيف بين المركز والأطراف، كما سياسة الاستئثار بالمغانم والامتيازات؛ إلى تهميش «معاقل» الشيعة وحرمانها من أي تدخل تنموي مركزي.
أما عندما دخلت الدولة الشهابية إليها ببعض مظاهر التنمية؛ فلم يكن دخولها يندرج في نطاق عملية تنموية متكاملة، بقدر ما كان محاولة لم تؤت ثمارها المرجوة للحد من «المسافة الضوئية» التي تفصل واقع المركز عن الواقع العائد لتلك «المعاقل» الطرفية.
أمام ذلك كله، احتل الشيعة موقع «الامتياز» على سلّم الغبن والحرمان في دولة الاستقلال. فكان أن تحولوا موضوعياً إلى جمهور شعبي احتشد في معاقله وضواحي العاصمة، وشكّل رافداً رئيساً للعمل الوطني واليساري بأشكاله كافة...
لكن هذا التحول الذي وضع الشيعة في سياق مغاير عن نظام التمثيل الطائفي، لم يرفع عنهم الغبن، ولم يحقق لهم المشاركة المتوازنة في الحكم مع بقية الطوائف الأخرى. فكان ثمة ضرورة سياسية، وجدتها نخبة واسعة من مرجعياتهم الدينية والزمنية لإخراجهم من ذاك السياق، وإعادة بناء واقعهم بما يضمن لهم نصابهم التمثيلي الحقيقي ومشاركتهم الفعلية في مؤسسات الدولة. وهكذا، عمل الشيعة على بناء انتظامهم الطائفي المؤسسي حيث توج بتأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى سنة 1967. ثم وجدوا أنفسهم في مواكبة حركة سياسية يقودها الإمام الصدر وتدعو إلى رفع الغبن والحرمان عنهم وعن المحرومين في كل لبنان.
وفي خضم التطور الذي عرفته تلك الحركة قبل الحرب وفي طورها السبعيني، أخذ الجمهور الشعبي يتفكك ويعاد تشكيله في كتلة طائفية تتحفّز للدخول إلى المشهد اللبناني من موقع جديد. ولقد جاءت دعوة أمل إلى التوازن والمشاركة في الحكم، ترسم الإطار السياسي للموقع المأمول في توازنات السلطة وتركيبة الدولة. وعلى الرغم من أن الدعوة هذه، لم تجد طريقها إلى التحقق بسبب رفض القوى المهيمنة على النظام الطائفي وقت ذاك؛ إلا أنها بقيت تحظى ليس فقط بالدعم المعهود لها، بل أيضاً بتوسع كتلتها المؤيدة وتنامي حجمها ودورها في مجرى الحرب.
حينذاك، صنع الشيعة موقعهم الجديد، أي موقعاً رئيساً في نطاق المعادلات أو التوازنات القائمة بين القوى. ثم أفادوا بما سمي بالصحوة الإسلامية في المنطقة في أعقاب الثورة الإسلامية في إيران. فأسسوا في المنتصف الأول من الثمانينيات حركة سياسية جديدة هي حزب اللَّه؛ ما شكل وزناً إضافياً إلى دورهم الإجمالي، وبخاصة أن الحزب أخذ على عاتقه مهمة جهادية أولى هي مقاومة الاحتلال الإسرائيلي...
في ضوء ذلك، دخل الشيعة طوراً من الصعود السياسي المضطّرد. وقد شارك في بنائه على نحو أساسي الثنائي الحزبي أمل وحزب اللَّه، كلٌّ من موقعه وبدعم إقليمي من سوريا وإيران. فحركة أمل انخرطت في الحرب على أكثر من جبهة، وحظيت بدعم سوري استثنائي بحيث تحولت إلى قوة حيوية فائقة النشاط في الصراع الأهلي، وذات وزن كبير بين أطرافه. وحزب اللَّه انخرط في الجهاد بدعم سوري وإيراني مشترك، وكان يواصل تشكّله السياسي في ظل دينامية مكثفة حققت له توسعاً وانتشاراً غير مسبوقين على ساحة عمله.
ومع تينك الحيوية والدينامية كان الصعود السياسي الشيعي يجد ترجمته، بعد أن تجاوز عقباته الداخلية في نهاية الثمانينات وفي مطلع التسعينيات، في مشروع ذي مرتكزين رئيسين: المشاركة في مؤسسات الدولة، وهي مهمة تمثيلية أسندت بالدرجة الأولى إلى حركة أمل. ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وهي مهمة نضالية أوكلت في المقام الأول إلى حزب اللَّه. وهذا ما استقر عليه واقع الحال في مرحلة الطائف. فلقد أمسكت أمل بملف التمثيل الشيعي، وحققت مشاركة فعالة في السلطة جاءت تمثل بشكل أو بآخر، تعويضاً عن الحرمان الذي لحق بالشيعة تاريخياً. ثم تحولت بشخص رئيسها وبرعاية سورية خاصة، إلى ركن محوري من أركان الترويكا في الحكم، الأمر الذي وضع الطائفة الشيعية لعقد من الزمن، في موقع متقدّم على خارطة موازين القوى بين الطوائف اللبنانية.
في ضوء تلك السياسة، انتظمت العلاقة بين الشيعة والنظام السياسي الناشئ في لبنان الكبير. وقد وجدت بعض تجلياتها في أن الدولة لم تخصّ مناطق هؤلاء بأي خدمات أو تقديمات حقيقية، ما خلا حضورها بالطبع في الصورة الحديثة «للجندرمة وجابي الضرائب». وفي أن التمثيل الشيعي في مؤسساتها السياسية والدستورية بقي محسوباً في إطار التوازن الشكلي بين الطوائف، ولم يتعدّاه إلى قدر من المشاركة الفعلية في إدارة شؤون البلاد...
وفي الجمهورية الأولى، تحسّن تمثيل الشيعة نسبياً. لكن طابعه الإجمالي لم يرق إلى مستوى فعّال ومؤثر في توازنات السلطة أو آليات اتخاذ القرار في الحكم. فالصيغة الميثاقية التي ارتكزت بشكل أساسي على ثنائية سنية ـ مارونية، وما انتهجته من توزيع فئوي لأنصبة الطوائف التمثيلية، لم تفرد للشيعة مواقع مفصلية أو رئيسة في مؤسسات النظام السياسية والإدارية، لكي تمدهم بالنفوذ السلطوي ذي الدور الوازن في مجرى السياسة العامة للدولة. ومن جهتها، أدّت سياسة التصنيف بين المركز والأطراف، كما سياسة الاستئثار بالمغانم والامتيازات؛ إلى تهميش «معاقل» الشيعة وحرمانها من أي تدخل تنموي مركزي.
أما عندما دخلت الدولة الشهابية إليها ببعض مظاهر التنمية؛ فلم يكن دخولها يندرج في نطاق عملية تنموية متكاملة، بقدر ما كان محاولة لم تؤت ثمارها المرجوة للحد من «المسافة الضوئية» التي تفصل واقع المركز عن الواقع العائد لتلك «المعاقل» الطرفية.
أمام ذلك كله، احتل الشيعة موقع «الامتياز» على سلّم الغبن والحرمان في دولة الاستقلال. فكان أن تحولوا موضوعياً إلى جمهور شعبي احتشد في معاقله وضواحي العاصمة، وشكّل رافداً رئيساً للعمل الوطني واليساري بأشكاله كافة...
لكن هذا التحول الذي وضع الشيعة في سياق مغاير عن نظام التمثيل الطائفي، لم يرفع عنهم الغبن، ولم يحقق لهم المشاركة المتوازنة في الحكم مع بقية الطوائف الأخرى. فكان ثمة ضرورة سياسية، وجدتها نخبة واسعة من مرجعياتهم الدينية والزمنية لإخراجهم من ذاك السياق، وإعادة بناء واقعهم بما يضمن لهم نصابهم التمثيلي الحقيقي ومشاركتهم الفعلية في مؤسسات الدولة. وهكذا، عمل الشيعة على بناء انتظامهم الطائفي المؤسسي حيث توج بتأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى سنة 1967. ثم وجدوا أنفسهم في مواكبة حركة سياسية يقودها الإمام الصدر وتدعو إلى رفع الغبن والحرمان عنهم وعن المحرومين في كل لبنان.
وفي خضم التطور الذي عرفته تلك الحركة قبل الحرب وفي طورها السبعيني، أخذ الجمهور الشعبي يتفكك ويعاد تشكيله في كتلة طائفية تتحفّز للدخول إلى المشهد اللبناني من موقع جديد. ولقد جاءت دعوة أمل إلى التوازن والمشاركة في الحكم، ترسم الإطار السياسي للموقع المأمول في توازنات السلطة وتركيبة الدولة. وعلى الرغم من أن الدعوة هذه، لم تجد طريقها إلى التحقق بسبب رفض القوى المهيمنة على النظام الطائفي وقت ذاك؛ إلا أنها بقيت تحظى ليس فقط بالدعم المعهود لها، بل أيضاً بتوسع كتلتها المؤيدة وتنامي حجمها ودورها في مجرى الحرب.
حينذاك، صنع الشيعة موقعهم الجديد، أي موقعاً رئيساً في نطاق المعادلات أو التوازنات القائمة بين القوى. ثم أفادوا بما سمي بالصحوة الإسلامية في المنطقة في أعقاب الثورة الإسلامية في إيران. فأسسوا في المنتصف الأول من الثمانينيات حركة سياسية جديدة هي حزب اللَّه؛ ما شكل وزناً إضافياً إلى دورهم الإجمالي، وبخاصة أن الحزب أخذ على عاتقه مهمة جهادية أولى هي مقاومة الاحتلال الإسرائيلي...
في ضوء ذلك، دخل الشيعة طوراً من الصعود السياسي المضطّرد. وقد شارك في بنائه على نحو أساسي الثنائي الحزبي أمل وحزب اللَّه، كلٌّ من موقعه وبدعم إقليمي من سوريا وإيران. فحركة أمل انخرطت في الحرب على أكثر من جبهة، وحظيت بدعم سوري استثنائي بحيث تحولت إلى قوة حيوية فائقة النشاط في الصراع الأهلي، وذات وزن كبير بين أطرافه. وحزب اللَّه انخرط في الجهاد بدعم سوري وإيراني مشترك، وكان يواصل تشكّله السياسي في ظل دينامية مكثفة حققت له توسعاً وانتشاراً غير مسبوقين على ساحة عمله.
ومع تينك الحيوية والدينامية كان الصعود السياسي الشيعي يجد ترجمته، بعد أن تجاوز عقباته الداخلية في نهاية الثمانينات وفي مطلع التسعينيات، في مشروع ذي مرتكزين رئيسين: المشاركة في مؤسسات الدولة، وهي مهمة تمثيلية أسندت بالدرجة الأولى إلى حركة أمل. ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وهي مهمة نضالية أوكلت في المقام الأول إلى حزب اللَّه. وهذا ما استقر عليه واقع الحال في مرحلة الطائف. فلقد أمسكت أمل بملف التمثيل الشيعي، وحققت مشاركة فعالة في السلطة جاءت تمثل بشكل أو بآخر، تعويضاً عن الحرمان الذي لحق بالشيعة تاريخياً. ثم تحولت بشخص رئيسها وبرعاية سورية خاصة، إلى ركن محوري من أركان الترويكا في الحكم، الأمر الذي وضع الطائفة الشيعية لعقد من الزمن، في موقع متقدّم على خارطة موازين القوى بين الطوائف اللبنانية.