الإهداء
إلى مَنْ لم يجد من يخطط لهُ علاجه من مرضِ القلب..
إلى روح والدي...
أهدي هذا الكتاب
شكر واعتزاز
أما وقد انتهيتُ من كتابةِ فصولِ هذا الكتاب - وهو ثمرةٌ يانعةٌ لجهودٍ امتدّتَ إلى أكثرِ من ثلاثِ سنواتٍ خَلت - حقَّ عليَّ أن أسجلَّ شُكري العظيم وامتناني إلى كُلِّ من مدَّ يدَ العون والمساعدة في إنجازِ هذا الكتاب الذي ما كانَ لهُ أن يكون، إلا عن طريق التعاون المثمر والمشاركة الفاعلة المنقطعة النظير والمحبة الصادقة، للبروفسور الدكتور جيمس نيل بُتشر James N. Butcher الأستاذ الفخري في جامعة مينيسوتا، وهو المُساهم الرئيس في بناءِ اختباري مينيسوتا المتعدّدي الأوجه للشخصية MMPI-2 و MMPI-A الغنيّة عن التعريف، ومؤلف قائمة بُتشر BTPI للتخطيط للعلاج النفسي Butcher Treatment Planning Inventory – موضوع هذا الكتاب، وهو الذي اقترح عليَّ فِكرَة تعريب وتقنين هذه القائمة المهمة في التخطيط للعلاجِ النفسي، حتى أَصْبَحتُ بفضلِ الله تعالى وفضلهِ، المترجم الرسمي لهذه القائمة المهمة في مجال العلاج والتقييم النفسي، وأيضاً لتفضلهِ بمساعدتي وتزويدي ومدّي بمعلوماتٍ وموادٍ ونسخٍ من المطبوعاتِ العلميةِ وأوراق العمل وبمعلوماتٍ كثيرة عن ثمرةِ جهودهِ المتعلّقةِ بهذهِ القائمة التي قام بتأليفها، فضلاً عن تقديمه القيّم لهذا الكتاب، فله مني كلّ الشكر والامتنان.
كما أتقدّمُ بالشكرِ العظيم والاعتزاز البالغ بأستاذي وزميلي وصديقي وأخي الأكبر المرحوم الدكتور الحارث عبد الحميد حسن (رحمه الله)، لملاحظاتهِ وآرائهِ القيّمة وقراءته المستفيضة لبعضِ نصوص ومصطلحاتِ هذا الكتاب، وتشجيعه ودعمه العلمي المتواصل قبل أن تغتاله يد الظلم والجهالة في 6/12/2006م. فله مني كلّ الشكر والامتنان، سائلاً المولى عز وجل أن يتغمدهُ برحمتهِ الواسعةِ ويسكنهُ فسيح جنّاته، أنهُ سميعُ الدعاء.
كما أسجّل خالص امتناني وعظيم شكري لكلٍ من زميلتيَّ العزيزتين السيدة ميساء حسام جابر والسيدة إنعام مجيد عبيد، لدعمهما المتواصل وجهودهما الكبيرة وتجشمهما العناء المستمر في أن يَرى هذا الكتاب النور، فلهم مني كل الشكر والعرفان، وجزاهما الله عني خير الجزاء.
وأخيراً شكري العميق ومحبّتي الخالصة لعائلتي وزوجتي الحبيبة لصبرهم وتحملهم الكبير ومساعدتهم لي طيلة مدّة تأليف هذا الكتاب.
وآخر كلمةٍ لي في هذا المقام، هي شُكري واعتزازي بكلِ من ساهمَ في أن يجعلَ من هذا الكتاب حقيقةً ترى النور، وعذراً لمن فاتني ذكر أسمه في هذهِ العجالةِ، لأنّ معنى الشكر الذي أردته جاءَ مطلقاً لا حصراً وهو يعني كلّ من عاون وقدم لي النصيحة أثناء إعداد هذا الكتاب وقبل إنجازه، وحسبي أن أقول أن الإنسان إذا استطاعَ كسب الطيبين إلى جوارهِ فان يدُ الله على كتفهِ. وأسأل الله أن يوفقنا جميعاً ويسدّد على طريقِ الخيرِ خطانا.. أنهُ سميعٌ مجيب.
المؤلف
المقدّمة
تخلق ممارسة العلاج النفسي Psychotherapy صعوبة بالغة أحياناً بسبب ندرة المعلومات ذات الصلة الوثيقة بالتخطيط لهذا العلاج والتي نحتاج إليها في المراحل المبكّرة له. وتعدّ قائمة بُتشر للتخطيط للعلاج النفسي Butcher Treatment Planning Inventory (BTPI) إحدى الوسائل الجديدة لدمج معلومات التقرير- الذاتي Self-report المشتقّة موضوعياً، إلى عملية العلاج عندما تصاغ النظرة العلاجّية التكتيكية ويحسم الوقت. إذ أن التقييم باختبار BTPI سوف يساعد المعالج على أن يحصل، وينظّم، ويوظّف مختلف المعلومات ذات الصلة بالشخصية والأعراض المرضية مبكراً في عملية العلاج النفسي.
كما تستند النظرة الخاصة بتقييم ومعالجة المفحوصين على فرضيتين أساسيتين؛ الأولى، هو أنه من المهم جداً أن يكون لدى المعالج، كمية كبيرة من المعلومات عن المفحوص، مبكراً في العملية العلاجية، كي يقرّر أفضل مدخل أو توجّه علاجي للمشاكل التي يواجهها المفحوص. والثانية، هو أنه من المهم جداً للمعالج أن يزوّد المفحوص بتغذية- راجعة Feedback دقيقة ومباشرة عن شخصيته مبكراً في عملية العلاج، حتى يستطيع المفحوص أن يكوّن صورة موضوعية عن وضعه الحالي وطرائق التعامل مع مشاكله.
وعلى الرغم من أن مساعدة الآخرين لفظياً، في الاحتمالات جميعها، تعود إلى بداية الاتصالات البشرية، إلاّ أن حقل العلاج النفسي قد بدأ رسمياً قبل حوالي مئة عام فقط. وأقتصر العلاج النفسي بعض الشيء على التطوّرات الجديدة في حقول علم النفس الأخرى. فعلى سبيل المثال، وبعد تطوير العلاج النفسي الدوائي Psychopharmacological في الخمسينيات من القرن الماضي، فقد تمّ النظر إلى استعمال العقاقير المختلفة للسيطرة على المشاكل الانفعالية نظرة شك في بادئ الأمر، لاسيما من بعض مدارس العلاج النفسي، وعدّت تلك العقاقير بأنها "انتهاكاً" صارخاً ضدّ طرائق العلاج النفسي. أما في أثناء العقد المنصرم، فقد تمّ النظر إلى هذين المدخلين بوصفهما أقل منافسة وأكثر تكميلاً، وبوصفهما مداخل متوافقة للهدف ذاته (Rush & Hollon, 1991). إن مدارس العلاج النفسي، على النمط ذاته، لم تنفتح بشكل موحّد لاستعمال معلومات الاختبار النفسي لفهم مشاكل مرضاهم. وبشكل مثير للانتباه، فأن بعض مدارس العلاج أبعدوا أنفسهم في حقيقة الأمر عن التقييم النفسي Psychological Assessment وعن استعمال بيانات الاختبار النفسي في التخطيط للعلاج. وقد قدّم البعض من المنظرين نصائح إلى المعالجين بشكل نشيط للعدول عن دمج بيانات الاختبار في التخطيط للعلاج، على أساس أنّ هذه المعلومات قد تحيّز المعالجين تجاه مرضاهم. وأنه في الآونة الأخيرة فقط، أصبح توظيف معلومات الاختبار في التخطيط للعلاج النفسي مستكشفاً بشكل أوسع. وأن نتائج دمج بيانات الاختبار النفسي إلى عملية العلاج وذلك بتوفير التغذية–الراجعة إلى المفحوصين كانت جديرة بالملاحظة فعلاً (Finn & Tonsager, 1992; Newman & Green way, 1997).
إنّ التقييم النفسي باستعمال اختبار BTPI هو مدخل موجّه سلوكياً للتعلّم عن المفحوصين. ويستند على الفكرة التي مفادها، أنه إذا أردت معرفة شيء عن مفحوص ما، فعليك أن تسأل وهو سيشترك في هذا السؤال ويجيب عنه. وهذا يعني، أن المفحوص سوف يُسأل ليعطي تشكيلة واسعة من المعلومات التي تخصّ أعراضهِ التي يعاني منها. علماً أنه يتمّ استعراض هذه المعلومات بموضوعية من منظور القياس النفسي (السيكومتري) وبطريقة ملخصة للمُعالج والمفحوص على حد سواء، وذلك للحصول على صورة معيارية واضحة للمشكلات المتناولة. وعلى الرغم من أن اتجاهات وسلوكيات المفحوص خاضعة لمراجعة الأعراض، فأن اختبار BTPI ليس بالضرورة أداة "سلوكية Behavioristic" بالكامل (Butcher & Perry, 2008, p.22)؛ وأن وصف المفحوص لمشكلاتهِ، يمكن أن يُستَعرض من مداخل علاجية أخرى تدمج إلى توجهات "دينامية" أخرى أكثر، أيضاً.
أهمية التقييم النفسي في التخطيط للعلاج:
إن العلاج النفسي، مهما كان نوعه - سواء أكان سايكوداينامياً، أو سلوكياً، أو مستنداً على بعض التوجّهات النظرية الأخرى - سوف يسير بشكل أفضل عندما يقوم كل من المعالج والمفحوص بفهم مشكلات الأخير ونقاط ومكامن ضعفهِ وقوتهِ. إذ أن مهمة التقييم النفسي قد تسبق بدء العلاج، أو قد تكون مستمرة معه طوال مدّته. كما ينتهج المعالجون – من مختلف التوجّهات النظرية – مهمة تقييم Assessment وتقويم Evaluation المفحوصين بمختلف الوسائل المتاحة لديهم. فالتقييم النفسي يمكن أن يتضمن تزويد المعالج بـ "إطار معياري" يستطيع عن طريقه أن يوازن مشاكل المريض مع مشاكل الآخرين، أو قد يكون ذلك التقييم النفسي أكثر "تخصّصاً بدراسة الأفراد" عن طريق المعالج الذي يسعى إلى فهم المريض بالاستناد على شروطه هو وذلك عن طريق المقابلات، والملاحظات والمعلومات الأخرى المستقاة من الآخرين كالزوج أو الزوجة مثلاً.
لقد كرّس هذا الكتاب، عزيزي القارئ، لتقدير وفهم مشاكل التقرير-الذاتي والعوامل ذات الصلة بشخصية المفحوصين عن طريق تقديم منظور موضوعي إليهم باستعمال واحدة من أدوات التقرير–الذاتي الموضوعية والمهمة ألا وهي قائمة بُتشر للتخطيط للعلاج Butcher Treatment Planning Inventory التي يرمز إليها اختصاراً باختبار أو قائمة (BTPI)، وذلك للتصدّي لمشاكل المفحوصين واتجاهاتهم، والعمليات العلاجية التي تجرى عليهم، فضلاً عن تقدّمهم Progress في العلاج. إذ أن التقييم النفسي باستعمال هذه القائمة، سوف يساعد المعالجين على الحصول على فهم واضح لشخصيات مرضاهم ومناطق صراعهم الشخصي. ويمكن أن تستعمل هذه القائمة في بداية العلاج لتقييم مناطق الحاجة، ومن ثمَّ التطبيق ثانية لتقييم تقدّم العلاج، وإعطاء التغذية الراجعة ما بعد العلاج، أو تقيّيم تأثير البرنامج العلاجي على طالبي العلاج. ولقد تمَّ التحقّق من صدق وثبات هذه الأداة مع مجتمعات سوية، وسريرية، ومجتمع لطلبة الكليّات، وهنالك معايير محدّدة لكلّ من هذه المجموعات، كما سيتّضح لنا ذلك ضمن طيات هذا الكتاب.
ومن الجدير بالذكر أن هنالك شكلان لهذا الاختبار يساعدان المعالجين على تتبع تقدّم المفحوص في أثناء المراحل المختلفة من العلاج، هما: الشكل الكامل Full Form ذي الـ(210) فقرة، وشكل لمراقبة الأعراض Symptoms Monitoring Form ذي الـ(80) فقرة. اللذين سيرد ذكرهما بالتفصيل أيضاً ضمن طيات هذا الكتاب. وتقسّم المقاييس الـ(14) للشكل الكامل لهذا الاختبار إلى ثلاث مجموعات للمقاييس، وبدرجتين مركّبتين اثنتين. إذ تقوم مجموعة المسائل العلاجية بتقييم المشكلات في تكوين وتشكيل العلاقات المختلفة، وعوامل أخرى قد تعيق العلاج. وتحيط مجموعة الأعراض الحالية بالأسباب الشائعة لطلب العلاج (مثل الكآبة، والقلق، والغضب نحو الخارج، والغضب نحو الذات، والتفكير غير العادي). وتساعد مجموعة الصدق على اكتشاف الأمانة والانفتاح في الاستجابة إلى الفقرات والدخول في العلاج. وهنالك مركّبان، هما المركّب المرضي العام General Pathology Composite ومركّب صعوبة العلاج Treatment Difficulty Composite، وهما مفيدان لتتبع تقدّم الحالة عبر الزمن. ويعدّ شكل مراقبة الأعراض المختصر مثالياً لتقييم التقدّم المحرز في العلاج، لأنه يتضمّن مقاييس الأعراض الحالية الخمسة فقط والمركّب المرضي العام.
لقد أعطى الدّكتور (جيمس نيل بُتشر James Neal Butcher) ثروة خبرته إلى هذا التقييم. وهو المؤلف الرئيس لاختبار مينيسوتا المتعدّد الأوجه للشخصية – الثاني (MMPI-2)، أحد أكثر اختبارات ومقاييس الشخصية شيوعاً والمستعملة عبر العالم بنحو واسع. وقد تضمنت خبرته الكبيرة في الاستشارة عن طريق مشاركته في تأسيس المركز الاستشاري المجاني في مينيسوتا وتنظيمه لبرامج إغاثة عدّة لكوارث شركات الطيران. فضلاً عن أن الدّكتور (بُتشر) قد شارك في النشر النفسي على نطاق واسع، وهو محرّراً سابقاً للتقييم النفسي ومؤلفاً لأكثر من (50) كتاب و (175) مقالة بضمن مجالات مختلفة من علم النفس.
وقبل الخوض في تفاصيل وتطبيقات هذه الأداة المهمة في التخطيط للعلاج النفسي، دعونا الآن نستكشف بعض القضايا العامة المتعلّقة باستعمال الاختبارات النفسية في التقييم والتقويم النفسي، على حد سواء، ضمن مجال الصحة النفسية.
لماذا نستعمل الاختبارات النفسية؟
قد يتبادر إلى أذهاننا سؤال مفاده؛ ما هي المنفعة أو الفائدة التي يمكن أن يستمدّها طالب العلاج من المعالج الذي يقوم باستعمال الاختبارات النفسية Psychological Tests في التقييم قبل العلاج؟. إذ أن الشخص الذي يواجه المهمة الصعبة المتمثلّة في اكتسابه للمعرفة الذاتية عن طريق العلاج، مع نظرة نحو وضع أو دعم التغييرات المهمة التي سوف تجرى في حياته، فهو يتعهد بمهمة التمحيص أو التفحّص الذاتي. كما أن الإعداد للعلاج النفسي بحد ذاته، لاسيما في العلاج الموجّه نحو العلاقات، يوفّر ساحة من الاستكشافات الشخصية للسلوكيات، والاتجاهات، والدوافع التي قد تستثير أو تستدعي عواطف مؤلمة. ففي أثناء العلاج، يستطيع كل من المعالج الماهر وطالب العلاج ذي الاستعداد والدافعية الجيدة، الكشف عن العديد من مصادر الصعوبات التي يعاني منها المريض، وقد تكون لهما فرصة كبيرة لاستكشافها بعمق. وعلى أية حال، فليست أنواع العلاجات كلها، تمتلك ترف الوقت، أو أنها سوف تضطلع بمرضى يمتلكون بصيرة ثاقبة، أو ممن لديهم طلاقة لفظية جيدة للتعبير عن أنفسهم بفصاحة. وهنا، يأتي دور التقييم النفسي، إذ يمكن للتقييم النفسي أن يوفّر لنا طريق مختصر، وأحياناً، مسار واضح المعالم للطريق المؤدي إلى الكشف عن مشكلات طالب العلاج. كما يمكن للتقييم النفسي – عن طريق استعمال الاختبارات النفسية الموضوعية – أن يقدّم لنا رأياً "خارجياً" عن عدم توافق الشخصية، وعن الأعراض السلوكية الأخرى. فعند مشاركة المعلومات المستندة على الشخصية مع طالبي العلاج، حينئذ يبدأ تقدّم ملحوظ ورائع من التغيير في اغلب الأحيان. فالمعلومات الوصفية Descriptive information والتنبؤية Predictive التي يتمّ الحصول عليها عن طريق مقياس نفسي موضوعي مثل قائمة BTPI مثلاً، يمكن أن تزوّد كلاً من المعالج والمريض بأفكار قد لا تقدّر بثمن(Butcher & Perry, 2008)، وذلك عن طبيعة ومصادر المشكلات التي يعاني منها المفحوص. وفضلاً عن ذلك، فأن مثل هذه المعلومات قد تقوم بتحذيرنا من بعض "حقول الألغام" النفسية الخطرة المحتملة، التي يمكن أن تنفجر في أي وقت، لتعيق وتضعف تقدّم العلاج، وكذلك فهي تكشف لنا عن مناطق النمو المحتملة.
لقد عُدَّ التقييم النفسي – في معظم الحالات – بوصفه وسيلة للحصول على المعلومات التي من شأنها أن تكون مفيدة لطالبي العلاج. ومن أبرز فوائد ومنافع التقييم قبل العلاج، هو أنه يمكن عن طريق الاختبارات النفسية أن توفّر لنا معلومات عن الدافعية، وعن المخاوف، وعن الاتجاهات والمواقف، والأساليب الدفاعية، والأعراض التي قد يكون طالب العلاج غافلاً عنها. وكما سيتضح من هذا الكتاب، فأنه يمكن لنتائج الاختبارات النفسية أن توّفر لكلٍ من المفحوص والمعالج، على حد سواء، إطار معياري يمكن من خلاله النظر إلى هذه المشكلات بموضوعية ودقة. ومن الضروري أن يتمّ تقييم جميع المفحوصين، وفهمهم، وأحياناً مواجهتهم بالمعلومات التي قد تكون خارج وعيهم الشخصي. فهم بحاجة إلى معرفة مقدار شدّة مشكلاتهم موازنة مع الناس الآخرين. فالمرضى يريدون، وهم يستحقون الحصول على تغذية راجعة شخصية من معالجيهم عن طبيعة وحجم مشكلاتهم. كما توفّر لنا الاختبارات النفسية إطاراً ممتازاً يمكن عن طريقه تزويد المفحوص بتغذية راجعة أولية.
وعلى الرغم من أن الأوصاف والتنبؤات (آنفة الذكر) القائمة على الاختبار النفسي الموضوعي، قد تعيد تأكيد توقّعات الشخص أو معتقداته، فهي مع ذلك تخدم وظيفة هامة: فهي تركّز على أمورٍ مهمة لازمة للتبادل العلاجي. فعلاوة على ذلك، وعن طريق الاستفادة من مقاييس اتجاهات المفحوص في اختبار BTPI، يمكن تمييز انفتاح الفرد نحو العلاج من عدمه. ومن المفترض عادة أن المرضى الذين يدخلون في العلاج النفسي يحرصون على التماس وطلب المساعدة، وعادة ما يكونون منفتحين للمشاركة في المهمة المتعلّقة بوصف مشكلاتهم ومشاركتها مع المعالج. ومن المفترض كذلك أن المرضى، ولكونهم يرغبون في أن يتمّ فهمهم بشكل صحيح، فمن السهل الوصول باستفسارات المعالجين إليهم، وسوف يكشفون عن مشكلاتهم بشكل ملائم. ولسوء الحظ، فعندما نفترض أن المرضى مستعدين دائماً للدخول في عملية العلاج، فأن ذلك يعدّ افتراضاً غير صحيح. إذ توفّر لنا مؤشّرات صدق الاختبارات النفسية بشكل عام، واختبار BTPI بشكل خاص، فحصاً مباشراً لاستعداد المريض على تلقي العلاج. وعن طريق التقييم المباشر لاتجاهاته نحو الاستجابة، يمكن للمعالج أن يقيّم مستوى تعاونية المريض، وأن يقوم بتشجيع أو تعزيز استعداده للمشاركة في مهمة الكشف عن ذاته. فعلى سبيل المثال، إن المرضى الذين يظهرون آليات دفاعية كبيرة، وأنماط غير تعاونية مع الاختبار – كما ينعكس ذلك في درجات مقاييس صدق الاختبار – أو أولئك الذين يبدو أن لديهم "عقلاً منغلقاً" نحو تغيير السلوك، قد يكون من الصعب جداً على المعالج الوصول إليهم نسبياً في أثناء الجلسات العلاجية. وعندما يمتلك المعالج هذه المعرفة مبكراً في عملية العلاج، فأنه يمكن مواجهة مشكلات مختلفة مثل انعدام الثقة، أو التردّد في الكشف عن المعلومات الشخصية، وغيرها من المشكلات الأخرى.
إن لأدوات تقييم الشخصية ثلاثة تطبيقات رئيسة في التخطيط للعلاج النفسي: أولها في التخطيط قبل العلاج، وثانيها في تقييم التقدّم المحرز في أثناء العلاج، وثالثها في التقييم بعد العلاج. كما أن وظائف هذه التقييمات تختلف بعض الشيء فيما بينها، لذلك فهي تحتاج إلى أن يتمّ توجهيها ومناقشتها كلٌ على حدة.
التخطيط قبل العلاج: الحصول على "رأي خارجي":
ربما يبدو واضحاً أن الأفراد، الذين يدخلون العلاج النفسي، بحاجة ماسة إلى معلومات وثيقة الصلة، وموضوعية عن أنفسهم إذا ما أرادوا أن يعرفوا ما هي السلوكيات التي تحتاج إلى تغيير؟ وهكذا، فأن تزويد المرضى بمعلومات موضوعية عن أنفسهم ومشكلاتهم قد أصبح واحداً من أهم المهام التي يضطلع بها المعالج (Butcher & Perry, 2008). إذ أن نتائج الاختبارات النفسية توفّر لنا إطارا قيّماً يمكن للمفحوصين الحصول عن طريقه على معلومات عن أنفسهم. فعلى سبيل المثال، إن الأعراض والمشكلات التي يذكرها الشخص عن نفسه يمكن أن ينظر إليها في إطار موضوعي، بالموازنة مع الآلاف من الأفراد المضطربين الآخرين؛ كما يمكن الحصول أيضاً على أدلة تشير إلى استراتيجيات الشخص للتحمّل ضمن قائمة BTPI؛ وتتجلّى حاجة المريض إلى العلاج في الصفحات النفسية (اللمحة النفسية Profile). ويمكن للاختبار النفسي المعياري أن يوفّر منظوراً قيّماً يسمح للشخص بأن يظهر مشكلاته الشخصية من وجهات نظر مختلفة، فضلاً عن الحصول على قياس موضوعي عن مدى وحجم هذه المشكلات.
علاوة على ذلك، فأن الأشخاص الذين يسعون للحصول على مساعدة مهنية من المختصين لمعالجة مشكلاتهم النفسية أو الشخصية، عادة ما يكونون مندفعين لتعلّم كل ما في وسعهم عن أنفسهم. إذ إن جلسات التغذية الراجعة للاختبار يمكن أن تتضمن المرضى الداخلين في العملية السريرية. ولحد الآن فأنه يمكن للعلاج النفسي أن يكون مهمة صعبة بالنسبة لطالب العلاج، فهو طريق قد يكون مملوءاً بعقبات قد لا تحصى، وقد يؤدي إلى ثلمات عاطفية عميقة أيضاً؛ وعلى الرغم من كل ذلك، فأنه يمكن للعلاج النفسي أن يمدّ المفحوص بالمساعدة التي يحتاجها أثناء الأوقات الصعبة التي يمرّ فيها بالمتاعب. كما تتمّ مواجهة المفحوص بمهمة الكشف عن قدر كبير من معلوماته الشخصية إلى شخص غريب، والتي قد يكون من المؤلم جداً تذكّرها. وقد يشعر المفحوص في بعض الأحيان بأنه يمرّ في فوضى كبيرة ميئوس منها – ومن الصعب جداً الخوض فيها، وحتى أنها قد تكون أكثر صعوبة من أن يتمّ صياغتها والتعبير عنها بمجرد كلمات أو جمل قد يمكن نقلها إلى شخص آخر، والمقصود به هنا المعالج.
إن المشكلات التي يعاني منها المفحوص أو معتقداته، قد تكون مخزّنة بعيداً في ذاكرته لمدّة طويلة، وربما لا يمكن تذكّرها إلا بشكل انتقائي. وكثيراً ما يتمّ تشويش عملية التعبير عن الذات بالنسبة للأفراد المضطربين، بأجزاء ومقاطع من الذكريات التي تدخل الوعي بطريقة عشوائية. ومن الصعب على المعالج معرفة ما الذي يجب التركيز عليه؟ وما الذي يجب تجاهله؟. وبالتأكيد، قد يعتقد المفحوص أن البعض من تلك المقاطع من المعلومات، من الخطورة البالغة بمحل، بحيث لا يمكن إخبار أي شخص عنها – حتى لو كان ذلك الشخص أحد المختصين الذين يقوم بتقديم المساعدة له مثل المعالج. ولذلك، فأن جلسات العلاج المبكّرة في كثير من الأحيان تكون مليئة بثغرات و"بأسرار هائلة"، إما لأنه لا يمكن للمفحوص أن يتذكّرها بدقة، أو لأنه لا يمكنه أن يعبّر عنها بطريقة جيدة، أو أنه يختار متعمداً عدم تذكرها!!
وعلاوة على سبق، فأن الكثير من الأشخاص الذين يدخلون العلاج النفسي لأول مرّة، تكون لديهم صورة غير واضحة أو مشوّشة عن مشكلاتهم، وقد يجهلون في الواقع وجود أو حجم ما لديهم من معاناة نفسية. وهكذا، فأنه من المهم عادة إعطاء التغذية الراجعة إلى المرضى مبكراً في العلاج لتحديد ما إذا كانت هناك أي مشكلة معترف بها أو غير معلن عنها تتطلّب انتباهاً. ويمكن لعملية مواجهة المشكلات أن تكون عنصراً تحفيزياً هاماً في المراحل المبكرة من العلاج النفسي.
إن الفائدة المهمة الأخرى من استعمال الاختبارات النفسية في التقييم قبل العلاج هو أنها تقوم بتحديد مشكلات المفحوص التي قد لا تظهر بصورة جلية عن طريق المقابلات السريرية. وفي الحقيقة، فأن نتائج الاختبارات النفسية قد تكشف عن قضايا أو مشاكل لم يناقشها المعالج والمريض في المقابلات الأولية. فعلى سبيل المثال، فقد ذكر كل من بُتشر Butcher وبيري Perry عام (2008) عن إحدى الحالات لمريض فشل في الكشف عن مدى سوء استعماله للمواد المخدرة Substance abuse، وتأثير تلك المواد في حياته. إذ كانت درجته على مقياس ماك أندريو للإدمان MacAndrew Addiction (MAC-R) على اختبار مينيسوتا المتعدّد الأوجه للشخصية الثاني MMPI-2 (وهو مقياس التعرّض للإدمان) ضمن مدى (28 درجة خام) التي تقترح درجة عالية من سوء استعمال الكحول. وعندما قام المعالج بمناقشة مشكلات هذا المريض، اعترف، بعد إنكار أولي، أن الإدمان على الكحول كان العامل المرجّح لفشله في الكشف عن مشكلاته (Butcher & Perry, 2008).
الاعتبارات الخاصة: تقبّل العلاج في مقابل مقاومته
Receptivity Vs. Resistance:
إن إحدى الاعتبارات الرئيسة في الاضطلاع بالعلاج النفسي هو الدرجة التي تكون فيها مقاومة العلاج تؤثر في طالبي العلاج(1)؛ إذ يمكن للمقاومة أن تكون موجودة في وقت مبكّر من العملية النفسعلاجية، وربما تمنع المفحوصين من المشاركة في العلاج النفسي على الإطلاق. وتشير البيانات إلى أنه ربما نصف الأفراد الذين قد يحتاجون أو يستفيدون من العلاج النفسي لا يتلقونه أبداً، وبالنظر إلى التقديرات فإن حوالي (14٪) من الأشخاص يقابلون معايير اضطراب عقلي واحد في الأقل (Butcher & Perry, 2008)، ولكن فقط حوالي (6٪) من الأميركيين يتلقّونه فعلاً (Butcher & Perry, 2008). وفي أثناء العقود الماضية، تمّ تحديد مجموعة من العوامل على أنها تؤثر في هذا القرار، من مستوى التعليم والدخل(Rosenthal & Frank, 1958) وحتى العِرق (Raynes & Warren, 1971) إلى الاتجاهات التقليدية (Brody, 1994).
فضلاً عن ذلك، فقد أظهرت الأبحاث أن العلاج عادة ما يكون أقصر مما يتوقّعه المعالجون، وأن نسبة عالية من المفحوصين قد أنهوا العلاج مبكراً، قبل تحقيق النجاح فيه (ينظر: Koss & Butcher, 1986). وفي الآونة الأخيرة، وجد كل كونيل Connell وغرانت Grant ومولن Mullin في عام (2006) أن متوسط النسبة "المقدّرة" للنهايات غير المخطّط لها كانت محسوبة على أساس (50٪)، مع نسبة مرتفعة محدّدة على نحو (58٪) أو أعلى وأدنى نسبة على نحو (38٪) (Butcher & Perry, 2008).
ومن بين أكثر المؤشّرات شدّة لمقاومة العلاج النفسي هو النوع (الجنس)، فمع العديد من الدراسات التي بيّنت أن الاستعداد المتزايد للانخراط في العلاج النفسي بين النساء كان أكثر موازنة بالرجال (ينظر على سبيل المثال: Ryan, 1969; Cheatham, Shelton, & Ray, 1987; Johnson, 1988). فقد قام كل من بُتشر Butcher و روز Rouse وبيري Perry عام (1998) بالنظر بشكل محدّد نحو اتجاهات الرجل والمرأة نحو العلاج ضمن عينة من طلبة الجامعة، وذلك باستعمال "قائمة مسح الاتجاهات نحو العلاج Survey of Treatment Attitudes " ذي السبع فقرات. إذ قام (213) طالبة و (175) طالباً بالإجابة عن بعض الأسئلة مثل، "هل سبق لك إن طلبت إرشاداً نفسياً في الماضي؟" و "هل تعتقد انك ستكون راغباً في التماس المساعدة من مختص نفسي أو طبيب نفساني إذا كنت تعاني من مشاكل في التوافق النفسي؟". وقد أظهرت النتائج أن الطالبات كُنّ أكثر ترجيحاً للمشاركة في طلب الاستشارة النفسية من الطلاب الذكور. وكانت الطالبات أيضاً أكثر ميلاً للتفكير بالمشاركة في نوع معيّن من أنواع العلاج النفسي. فضلاً عن ذلك، فقد ذكرن النساء في الدراسة على أنهن أكثر استعداداً من الرجل على توصية المداخلات النفسية لأحد أفراد العائلة أو لأحد الأصدقاء (Butcher, Rouse, and Perry, 1998).
ففضلاً عن "المقاومة" التي تمنع الناس من التقدّم لطلب الرعاية النفسية، فهنالك "المقاومة" التي تؤثر في العلاج النفسي المستمر، وغالباً ما تكون موضع التنفيذ من حيث ضعف الاستجابة للعلاج. وقد يختلف هذا الشكل تبعاً لاعتبارات تشخيصية أو عوامل ذات صلة بالشخصية، وفي بعض الأحيان يكون مؤقتاً، وفي أحايين أخرى، يدوم طويلاً (ينظر على سبيل المثال: Beutler et al., 1995).
كما يعدّ تقبّل العلاج في مقابل مقاومته مهماً بغض النظر عن كيف يمكن تصوّر هذين المصطلحين. فقبل كل شيء، فأن درجة معيّنة من الفهم المشترك عن كيفية مضي العلاج، وما هي وكيف ستبدو المنفعة أو الاستفادة من ذلك العلاج، تعدّ أمراً مهماً وحاسماً للمفحوصين والمعالجين على حد سواء. إذ أن أعضاء هذا الزوج (المفحوصين والمعالجين) بحاجة لبعض التقدير الأساسي ليس فقط من أجل ما سيتشكّل من فوائد علاجية وتغيير، ولكن كم من المحتمل لهذه الأشياء أن تحدث؟ وما هي العوامل التي قد تعيق طريق تحقيقها؟. إذ توفّر لنا أساليب التقييم النفسي وسائل يمكن عن طريقها اكتشاف بعض هذه المعلومات بموضوعية. وأنها قد تمنح المفحوص والمعالج وسيلة لفهم السبب وراء عدم إحراز التقدّم المنشود في العلاج كما أُريد له، فضلاً عن الكشف عن المناطق المحتملة للمشكلات في العلاج النفسي التي سوف تحتاج إلى علاج. كما أنهما قد يقترحان سبلاً لتصحيح المسار. فعلى سبيل المثال، فإن مقياساً مثل (استبيان مراحل التغيير Stages of Change Questionnaire) لكل من بروكاسكا Prochaska، وفيليسر Velicer، وديكليمنت DiClemente، وفافاز Fava’s (1998) (Butcher & Perry, 2008) يمكن أن يقّيم استعداد المفحوص الأولي لإحداث التغييرات بحيث يمكن للخطة العلاجية أن تصمّم على وفق ذلك. وإن البيانات المستقاة من هذه الأداة يمكن أن تقترح أيضاً سبل مساعدة المفحوصين للانتقال إلى المرحلة التالية من الاستعداد، وخاصة إذا كانت المرحلة الراهنة ليست مؤاتية لإحداث هذه التغييرات.
ويبدو جلياً أنه بالنظر إلى مختلف السبل التي عن طريقها يمكن لمقاييس الشخصية أن تبرز العوامل ذات الصلة بالمقاومة، فمن المستحسن للمعالجين أن يوظفوها في المراحل المبكرة من العلاج وتكرارها بحسب الحاجة طوال مسيرة الرعاية النفسية.
ومهما يكن من أمر، فأن كلاً من تقبّل العلاج ومقاومته يعدّان قضايا رئيسة لمؤسسات الرعاية النفسية الناجحة وغيرها من مصادر التمويل الأخرى التي تمنح تخويل ممارسة الخدمات النفسية أيضاً. إذ يمكن لقراراتهم ذات الصلة بتخصيص الموارد أن تكون مطّلعة بدقة أكثر عند توافر البيانات الموضوعية مما هي من دونها. ويمكن للنتائج المستقاة من الاختبارات النفسية أن تصنّف احتياجات المفحوصين للمداخلة بطريقة ثابتة وصادقة، ولتزودنا بوسائل لتبرير الحاجة إلى وجود مجموعة معيّنة من الاستراتيجيات العلاجية من دون غيرها، أو لمجموعة تتألف من عدد من الجلسات (Butcher & Perry, 2008). كما أن المزايا الأخرى لطرائق التقييم النفسي لوضع الخطة العلاجية تتضمن السهولة الكبيرة التي يمكن عن طريقها تفسير بيانات الاختبار الآلي (الاختبار المعدّ على الحاسوب)، وفاعليتها من حيث التكلفة، وفي حقيقة الأمر فقد أظهرت التفسيرات الآلية بأنها أكثر صدقاً من التفسيرات المستندة على أحكام سريرية ذاتية (Butcher & Perry, 2008).
وكما ستتمّ مناقشته بشيء من التفصيل لاحقاً، فأن الناس الذين يسعون لطلب المساعدة، يشعرون بالحاجة إلى أن يتمّ فهمهم بطريقة جيدة من المعالج؛ فهم يقدّرون جهود المعالج عادة لمعرفتهم. ومن ثمَّ، فعندما يصرّح المعالج بحاجته إلى إجراء أو تطبيق اختبار معيّن قبل العلاج ليحصل على فهم أفضل للمفحوص، حينها سوف يتعرّف ذلك المفحوص عموماً غرض المعالج وسوف يستجيب لذلك على نحو إيجابي. وعلى المعالج أن يتعرّف، مع ذلك، أن المفحوصين الذين خضعوا لاختبار معيّن قبل العلاج سيشعرون بأنهم قد كشفوا عن الكثير من معلوماتهم الشخصية، وسيسعون لبعض الاعتراف بالمخاطر التي قد اتخذوها. كما يسعى معظم المرضى إلى معرفة نتائج ذلك الاختبار، ويودون من معالجهم أن يزودهم بتغذية راجعة مفصّلة عن معنى كل شيء.
تقدّم العلاج: تقييم الحالات المستمرة في العلاج:
قد يكون هنالك البعض من الحقيقة في التعليق المقصود به طرافة؛ إن العلاج النفسي هو العملية التي يقوم عن طريقها الشخص المضطرب انفعالياً بإقناع المعالج، تدريجياً، بأن وجهة نظره الثابتة إلى العالم – وان كانت غريبة – هي في الواقع حقيقية. إن المعالجين مشهورين بجهودهم الرامية إلى فهم وتقبّل خصوصيات الفرد وأعراضه المرضية. وفي الواقع، فأن واحدة من الصفات المرغوب فيها للمعالج هو القدرة على تقديم "اعتبارات إيجابية غير مشروطة" إلى الفرد الذي قد يكون سلوكه غير مقبول على ما يبدو إلى الآخرين. ولكن فضلاً عن تقديم الكثير من الدعم اللازم للمريض، فأن قبول أعراضه المرضية يمكن أن يؤدي أيضاً إلى خسارة وجهة النظر من جهة المعالج. وهكذا، فأن التقييم النفسي الدوري أثناء العلاج أو عند اكتماله، يعدّ مظهراً مهماً من مظاهر العلاج النفسي. وأن التقييم بإعادة الاختبار في أثناء العلاج يمكن أن يروّج لمسؤولية المعالج، ويعطي تشجيعاً آخر للتفحّص الذاتي للمريض (Butcher & Perry, 2008).
إن استعمال أداة موضوعية مثل قائمة BTPI أو اختبار MMPI-2 مثلاً لمراقبة التقدّم المحرز في العلاج، يمكن أن يوفّر لنا وجهة نظر خارجية عن الأعراض التي يعاني منها المريض (كما نوهنا آنفاً) فضلاً عن التقدّم الذي يتمّ إحرازه في العلاج. فعلى سبيل المثال، قام أحد الأشخاص ويدعى (ج) وهو بعمر (29) عاماً (ينظر بروفيل اختبار MMPI-2 في الشكل 1) بطلب العلاج لأنه كان يخشى من أنه سوف يُطرَد من عمله، وكان على يقين من أن الأمور كانت خارجة عن سيطرته بحيث كان غير قادراً على الذهاب إلى عمله. وقد بدا في المقابلة العلاجية الأولية خائفاً، ومجتراً، ومتوتراً، ومتلهّفاً، وكان منتقداً لذاته لأنه لم يتمكّن من أداء وظيفته على الوجه الصحيح. وقد ذكر أنه كان يعمل في وظيفته الحالية منذ (5) سنوات تقريباً، وتمّت ترقيته مؤخراً لموقع جديد يتطلّب مهارة شخصية وإصرار أكثر. لقد شعر بأن أداؤه لم يكن جيداً (على الرغم من أن مشرفيه كانوا مسرورين من عمله)، وأعتقد أنه سوف يطرد بسبب عدم فاعليته. وإن مستواه العالي من الكرب النفسي موضح في الشكل (1) وذلك من ملاحظة الارتفاع الملحوظ على المقياسين (2) و (7) (Butcher & Perry, 2008).
أُحيل هذا الرجل إلى مُعالِجَة نفسانية مع توصية بأن الأهداف العلاجية الأولية قد تقلّل المستويات العالية من قلقهِ، ولمساعدته في أن يصبح فاعلاً في التعامل مع مخاوفه الآنية على وظيفته. لقد أتبعت مُعالِجَتهُ، منهج العلاج المعرفي–السلوكي، ومن ثمَّ بدأت الجهود الرامية إلى الحد من ضغوطه وتوتّراته ذات الصلة بالعمل، ومن ثمَّ تمّ (تحصين) هذا المريض ضد العودة إلى مستوى الشدّة التي مرَّ بها. كرّست بعدها الجلسات العلاجية الثمانية الأولى على شكل جهود ساندة لمساعدته في التخفيف من توتّراته مع إقناعه بالعودة إلى عمله. وقد ساعدته المُعالِجة في حل المشكلة مع توفير التغذية الراجعة المناسبة. ولقد أظهر الرجل تحسناً ملحوظاً في العمل، وأصبحت مُعالِجَتهُ على ثقة من أنه سيكون قادراً على أداء عمله بصورة مُرضية. بعد ذلك أعيد اختباره ثانية على اختبار MMPI-2 بعد ثمان جلسات ليظهر لنا بروفيل اختبار MMPI-2 الموضّح في الشكل (2). ومن ملاحظة البروفيل فأنه يشير إلى انخفاض كبير في التوتّر والقلق، كما يظهر ذلك في انخفاض درجة المقياس (7).
بروفيل الشخص (ج) على اختبار MMPI-2 (بعد إعادة الاختبار أثناء العلاج).
لقد كان كلاً من طالب العلاج ومُعالِجَتهُ واثقاً من أن هدفه الأولي للتعامل مع ضغوط العمل كان قد تحقّق. وقد كشف بروفيل اختبار MMPI-2، مع ذلك، عن مشاكل سريرية هامة أخرى، لاسيما الاكتئاب، والانسحاب، والعزلة الاجتماعية. فعن طريق تزويد المريض بالتغذية الراجعة للاختبار، كانت المُعالِجة قادرة على التركيز على النجاح الكبير الذي حقّقه (ج) في التعامل مع مخاوفه وحالات عدم اطمئنانه على عمله. وأثنت عليه للمكاسب التي أنجزها في التغلّب على العديد من مشكلاته، فضلاً عن الإشارة إلى الحاجة إلى تحويل الأهداف العلاجية نحو تخفيض كآبته وعزلته الاجتماعية. ولتحقيق هذا التحوّل، قام كلاً من المُعالِجة والمفحوص باستكشاف توقّعاته غير الواقعية وتفحص كيف أثرت هذه التوقعات سلباً على تقييماته الذاتية. وفضلاً عن ذلك، فقد شجّعت مريضها على التعامل مع عزلته الاجتماعية بأن يصبح أكثر نشاطاً وحزماً في تطوير العلاقات الاجتماعية. وفي هذه الحالة فقد كشف الاختبار الوسيط عن التقدّم المحرز وعن أهداف جديدة يتعيّن الالتزام بها، لما لها من قيمة مهمة في النتائج العلاجية.
التقييم بعد العلاج:
يمكن للتقييم النفسي في نهاية العلاج أن يكون جانباً مهماً من العملية العلاجية أيضاً. فهو يمكّن المفحوص والمعالج على تقدير التغييرات التي تمّ إحداثها وعلى اكتساب البصيرة إلى المشاكل التي قد يواجهها المفحوص عند نهاية العلاج، فضلاً عن الموارد التي يمكن للمفحوص استدعائها لمواجهة مثل تلك المشاكل إن عادت للظهور. ونتيجة لانتهاء العلاج فأن اختبار المفحوصين يمكن أن يمنحهم الإحساس بتقدّمهم وإكسابهم الثقة التي تأتي عن طريق كونهم أكثر سيطرة على حياتهم الشخصية عما كانوا عليه عند بدأ العلاج.
كما يمكن للتقييم بعد العلاج النفسي أن يوفّر معلومات قيّمة للمعالج لأنه يتيح تقييم آثار العلاج على شخصية وأعراض المفحوص. وأنه يسمح للمعالج في أن يحدّد مثلاً، فيما إذا حدثت تغييرات في المزاج أو إذا كان المفحوص يعاني من مشاكل في السيطرة على غضبه. إن تقييم اتجاهات وسلوكيات الفرد عند هذه النقطة، التي يتمنى فيها المرء أن يتمّ حل معظم القضايا الهامة، يمكن أن يزود المعالج ببصيرة عن القضايا الرئيسة غير المحلولة، أو عن المشاكل التي من المحتمل أن يواجهها المريض عند إنهاء العلاج (Butcher & Perry, 2008).
دور المعالج في تقييم العلاج:
إن الأطروحة الأساسية لهذا الكتاب هو أن ثمة قاعدة متراكمة من المعرفة عن الشخصية وعن عدم توافقها، وهي وثيقة الصلة باتخاذ القرارات العلاجية بشأن الأفراد الداخلين في العلاج. إذ يوفّر لنا ميدان تقييم الشخصية كلاً من الأساليب والمعلومات الجوهرية لدعم التقييم النفسي ذي المنحى العلاجي (ينظر الفصل التاسع من هذا الكتاب، لمناقشة استعمال وتوفير التغذية الراجعة للاختبار في التخطيط للعلاج النفسي). وهدفنا هو استكشاف قاعدة واسعة من المعلومات، لاسيما عن طريق قائمة BTPI، التي يمكن تطبيقها في التقييمات النفسعلاجية لتسهيل فهم المريض ولتقدير فاعلية المداخلة العلاجية. ونظراً إلى أن توفير التغذية الراجعة لاختبارات الشخصية يعدّ جانباً مهماً من العلاج النفسي، فمن المثير للاهتمام أن نأخذ بنظر الحسبان لماذا يختار بعض المعالجون عدم إجراء تقييم رسمي لشخصية مرضاهم قبل بدء العلاج؟. إذ يخضع علماء النفس والأطباء النفسانيين لتدريب أكاديمي وعملي واسع النطاق لاكتساب المعرفة والخبرات اللازمة لمساعدة الذين يعانون من مشاكل نفسية. وعلى الرغم من اختلاف الخلفيات التدريبية للمحترفين في مجال الصحة النفسية وأدوار العلاج، إلا أن كل محترف يقوم بتوظيف المهارات والإجراءات اللازمة للمساعدة في تقييم المشكلة.
ويبدو أن تقييم الشخصية قبل العلاج يكون مرغوباً فيه بشكل حدسي إن لم يكن مهمة ضرورية؛ بيد أن الكثير من المعالجين المحترفين يستعملون فقط ما لا يزيد عن قبولهم لإجراء المقابلة قبل بدأ العلاج. ولكي نتعرّف أكثر، لماذا يختار بعض المعالجين عدم القيام بالتقييم النفسي لمرضاهم قبل بداية العلاج؟ يمكن تحديد عوامل محتملة عدّة، منها:
1. إن بعض المعالجين، وخاصة أولئك الذين لديهم توجهات ديناميكية طويلة الأمد، قد ينتهجون العلاج النفسي مع الرأي القائل أن العلاج هو في حدّ ذاته عملية تقييم، ومن ثمَّ فأنهم قد لا يشغلون أنفسهم نموذجياً في إجراء تقييم خارجي أو موضوعي لمشكلة المفحوص أو لشخصيته. وفي المقابل، فأن المعالجين مع المداخل العلاجية الأكثر توجّهاً أو الأكثر تركيزاً فأنهم يميلون إلى توظيف إجراءات تقييم خارجية بسهولة. وإن أحد أسباب التقييم قبل العلاج هو ضرورة التحرّك بسرعة في العملية العلاجية. وينطبق ذلك بصفة خاصة على المعالجين الذين يوظفون المداخل التوجيهية المختصرة.
2. من العوامل الأخرى التي تؤثر في التقييم قبل العلاج هو اعتقاد بعض المعالجين أن الاختبارات سوف تحيّزهم في نهجهم نحو المفحوص. وبالتالي، فأنهم يشرعون في العلاج مع قليل أو بدون أي فكرة عن طبيعة وحجم مشكلات المريض. إن المأزق المحتمل لهذا النهج هو أنه لا يمكن للمعالج تحديد ما إذا كانت العوائق الرئيسة المؤدية إلى العلاج من المحتمل أن تظهر، أو إذا كان النهج العلاجي الذي يقوم بتخطيطه هو الأنسب.
ولأن الكثير من تأثيرات العلاج محدّدة لعلاج معيّن بدلاً من أن تكون عامة لجميع أنواع العلاجات، يمكن أن تكون هناك بعض المزايا عندما يكون المعالج مدركاً للفوائد التي من المرجح أن تتحقّق من جهود العلاج مع نوع معيّن من المشكلات. فعلى سبيل المثال، عن طريق استعمال إجراءات موضوعية، يمكن للمعالجين تحديد ما إذا كانت (العلاقات الجدّية أو العيوب الشخصية التي من شأنها تخريب العلاج) موجودة من عدمها. فإذا كان الأمر كذلك، فقد يكون المعالج قادراً على أن يحدّد طرائق أكثر فاعلية منذ بدء العلاج. فعلى سبيل المثال، طلبت أمرأة تبلغ من العمر (37) عاماً علاجاً نفسياً بعد طلاقها الثاني([2]). وقالت أنها تريد أن تدخل في علاج دينامي طويل الأمد، لأنها نظرت إلى مشكلتها على أنها "فريدة من نوعها ومن الصعب فهمها" وقالت أنها "تتسوّق" معالجاً (بدون الكشف عن هذه الرغبة) وذلك عن طريق إبقاء المواعيد الأولية مع المعالجين قليلة، أخضعت أثناءها كل معالج قامت بزيارته لاختبار معيّن (والذي كان يفشل دائماً معها). ثمَّ تركت العلاج، فقط للبحث عن معالج آخر، وهكذا. وقد كشف بروفيلها النفسي على اختبار مينيسوتا المتعدّد الأوجه للشخصية (الغني عن التعريف) MMPI-2 (الفئة 46؛ الموضّح في الشكل 3) الخصائص الآتية:
متصلّبة، وأخلاقية، وحقودة، وعدوانية، وكتومة؛ تعطي تعميمات متسرعة؛ تظهر سلوكاً مريباً مفعماً بالشك؛ غير قابلة للتغيير في مواجهة الإدخال؛ مندفعة؛ معرضة لتبرير نشاطاتها الخاصة؛ ولديها صعوبات في تشكيل العلاقات.
ويبدو أن معالجيها السابقين اللذين شاهداها في العلاج، واللذين على ما يبدو كانا من دون أي معلومات تقييم، كانا منبهرين في المقابلة الأولى بها "مع ميلها لكسب بصيرة مفاجئة" ودافعها "الرغبة في فهم نفسها"، وعلى أية حال، فهم ربما كانوا غافلين عن أن سلوكها المعارض المتأصّل بشكل جيد قادها إلى الاستباق والقفز إلى الاستنتاجات عن نوايا المعالجين وكفاءتهم في فهمها، وبالتالي قادتاها إلى رفضهم.
وفي هذه الحال فأن استعمال اختبار مثل اختبار MMPI-2 قد زوّد معالجها الثالث بمعلومات عن اتجاهاتها السلبية نحو كل شكل من أشكال السلطة (بما فيها المعالجين)، وعن ميلها إلى اتخاذ وإجراء استنتاجات قاطعة على أساس معلومات قليلة، وميلها للتصرّف بشكل مندفع. هذه المعلومات قد قامت بتحذير المعالج، الذي هيأ نفسه ومريضته لجلسات علاج منفتحة عاصفة. وأصبحت المريضة نفسها غير مسلحة بصعوباتها عند المواجهة الودّية الأولى، وبخاصة في تشكيل العلاقات، لدرجة أنها تحدّت نفسها للبقاء والالتصاق بالعلاج أطول مما كانت عليه في الماضي.
3. إن بعض المعالجين لا يقومون بتوظيف استراتيجيات تقييم خارجية لوضع الخطة العلاجية، أو لمراقبة التقدّم المحرز في العلاج. إذ أن تدريباتهم في أساليب التقييم قد تكون ناقصة، أو أن تدريبهم المهني قد قادهم إلى الرأي القائل بأن التقييم النفسي ليس مهماً لفهم المفحوصين. إن المحترفين المدربين في أو الذين تعرضوا لنموذج علاجي واحد أو جلسة تدريبية واحدة سيتقولبون للقيام بعمل سريري بطريقة معيّنة. وبالنسبة لمعظم المعالجين، سوف يصبح المألوف "صحيحاً"، وغيرها من التقنيات الأخرى مستثناة من أن تؤخذ بنظر الحسبان.
أهمية التقييم النفسي:
إن الهدف الهام للمعالج هو توفير تغذية راجعة مناسبة ومفيدة للمفحوصين. وأن الوصول إلى هذه المهمة مباشرة يمكن أن يساعد في تعزيز جو من الصراحة والانفتاح في العلاج الذي سيؤتي ثماره لاحقاً. إذ أن تأسيس التواصل الصادق والصريح هو أحد أهم الأهداف المبكرة للعلاج. وفي الحقيقة، فأن التحدّي الأبرز في المراحل المبكرة من العلاج النفسي هو تطوير علاقة مريحة تسمح بالكشف والانفتاح. وإن ألأساس في الاتصال العلاجي المنتج والناجح هو دمج للعملية التي تسهل من تنمية الإخبار المتبادلة مع الاستكشاف البنّاء للمشاكل.
إن أكثر المعالجين، أياً كانت توجهاتهم العلاجية، يواجهون لغز وحيرة – المهمة المعقّدة التي تتعلّق بفهم الصعوبات الحالية للفرد ضمن سياق التجارب السابقة، والضغوط الحالية، والشبكة الاجتماعية، والتطلّعات، وغيرها من أنماط الحياة المختلفة، وتكامل النتائج وتطبيق خطة علاجية عملية وفاعلة. ومن المهم في المراحل المبكرة من العلاج هو زيادة تدفّق المعلومات ذات الصلة بين المريض والمعالج وتعزيز التواصل والتفاهم بينهما. ويعتمد بعض المحترفين بشكل أكثر على المقابلة والملاحظة؛ أما الآخرين، لاسيما علماء النفس، فأنهم يستعملون إجراءات تقييم معيارية موحّدة (تنظر مناقشة تكاليف وفوائد التقييم في التخطيط للعلاج في الجدول (1).
مهمة المعالج في التقييم النفسي:
يتضمّن إجراء أي علاج نفسي ناجح، ويحتاج إلى أشياء أكثر من مجرد الاستماع بشكل سلبي إلى شخص يقوم بوصف تجاربه اليومية أو تجارب حياته المبكّرة. فالمعالج يتحمّل مسؤولية التشكيل الأول لعلاقة المساعدة، وفهم مشاكل الشخص الآنية، وتقييم نقاط ومكامن قوته، وموارده، وإمكانياته، وبعد ذلك يقوم بتطوير برنامج مداخلة من شأنه أن يساعد في التخفيف من مشاكل الفرد.
إن العلاج النفسي الناجح، ببساطة، ليس مجرد مودّة أو تبادل اجتماعي بين شخصين، بل أنه يتطلّب من المعالج تقديم وتسخير الأدلة العلمية المتراكمة لعلم النفس إلى إجراءات وجلسات العلاج النفسي. فالناس الذين يسعون إلى طلب العلاج ينظرون عادة إلى معالجيهم النفسانيين على أنهم خبراء. ويتوقّع معظم هؤلاء المفحوصون أن المعالج سوف يقوم بتطبيق تقنيات خاصة أو معرفة مكتسبة عن طريق التدريب والخبرة التي سوف تساعدهم في حل مشكلاتهم. وعند دخولهم إلى العلاج، فأن المرضى يعتقدون أن اختصاصيي الصحة النفسية سوف يستعملون طرائق موضوعية وتأسيس إجراءات مثبت منها وصادقة. وحالما يقوم المعالج بتأسيس بيئة علاجية متسامحة، ومقبولة للمريض، فمن المهم تقييم مشاكل المريض وتوفير التغذية الراجعة المناسبة له.
وقد يكون المريض، على أية حال، أو قد لا يكون، مدركاً بأن التدريب المحدّد والخلفية الأكاديمية للمحترفين المختلفين يؤهلهم لتطبيق بعض الإجراءات وليس غيرها. فعلى سبيل المثال، إن امتلاك الخلفية الطبية اللازمة تمكّن الطبيب النفسي من وصف الأدوية للمريض، بينما أن امتلاك خلفية في علم النفس السريري أو علم النفس الاستشاري قد تقوده أو ألاختصاصي النفسي إلى استعمال تقنيات مختلفة – مثل الاختبارات النفسية – للمساعدة على تفهّم مشاكل المرضى (على الرغم من أن امتيازات وصف الدواء متاحة لبعض المختصين النفسانيين فقط).
وبغض النظر عن الاختلافات الموجودة بين المدارس المختلفة للعلاج النفسي والطب النفسي، نجد أن المرضى متّسقين في رغبتهم في الحصول على التغذية الراجعة المباشرة عن مشكلاتهم. فالتغذية الراجعة، التي ستساعد في تحسّن طالب العلاج، ومن ثمَّ تصبح عنصراً رئيساً في تحديد العلاج – تعدّ ضرورة لابد منها ضمن مُدد مناسبة في العملية العلاجية.
إن ضرورة توفير التغذية الراجعة – التي ستتمّ مناقشتها بمزيد من التفصيل ضمن فصول هذا الكتاب – تمّ تفسيرها بشكل مختلف من المدارس المختلفة للعلاج النفسي. فبعض المداخل إلى العلاج قد أعطت تغذية نفسية راجعة واسعة ومتعمّقة إلى المفحوصين مبكراً في العلاج؛ والبعض الآخر، ربما على نحو غير مباشر فقط، قد يتضمّنون مهمة توفير بيانات العلاقات الشخصية والذاتية للمريض لدمجها ضمن خطة علاجهِ. ولعل أكثر وجهات النظر تطرّفاً هي وجهة نظر التحليل النفسي (ومؤسسها سيغموند فرويد Sigmund Freud)، التي تتّبع استراتيجية التغذية الراجعة المحدودة (أي توجه محدود من المعالج) مبكراً في العلاج. والتفسيرات في أغلب الأحيان لا تدخل ضمن العلاج مباشرة؛ وعندما يفعلون ذلك، فالعلاج هو أبعد ما يكون عنها بكثير. أما التوجّهات العلاجية الأخرى، مثل المداخل التي تتمحور حول المريض، فأنها تعطي الحد الأدنى من التغذية الراجعة وتعمل على افتراض أن الأفراد سوف يقومون – تحت إطار إيجابي غير مشروط مع ضمان المعالج – في نهاية المطاف بإعداد وجهة نظر متّسقة وثابتة عن أنفسهم من دون تغذية راجعة موجهة كثيراً من المعالج.