مفهوم التقويم التربوي
قال تعالى في محكم كتابه العزيز "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم" (التين4) وهذا يعني انه سبحانه صور الإنسان بشكل حسن وميزه بالعقل والتفكير وأحسن خلقه بصورة قويمة أي سليمة دون اعوجاج أو خلل.
ويعرف التقويم التربوي بأنه عملية منظمة لجمع البيانات ثم تفسيرها وتقييمها، فالحكم عليها، وبالتالي الشروع باتخاذ إجراءات عملية في شأنها بهدف التغيير والتطوير. (دروزة، 2005) كما أنه عملية تربوية تتطلب الدراسة المستفيضة والبحث والنظر والإمعان والتحقيق والتمحيص والتثمين للموضوع المراد تقويمه. وهذا يتطلب العمل المنظم لجمع البيانات والمعلومات بطريقة صادقة وموضوعية ومن ثم تحليلها وتفسيرها وتبويبها بهدف التوصل إلى نتائج يمكن الحكم بواسطتها على قيمة الموضوع وبيان حسناته وسيئاته، بهدف اتخاذ القرار واتخاذ الإجراءات الفعلية اللازمة لسد النقص والإصلاح. (المرجع السابق)
والتقويم بحد ذاته إصدار حكم شامل وواضح على ظاهرة معينة بعد القيام بعملية منظمة لجمع المعلومات وتحليلها بغرض تحديد درجة تحقق الأهداف واتخاذ القرارات بشأنها.
والتقويم التربوي هو تقرير رسمي حول جودة أو قيمة برنامج تربوي أو مشروع تربوي أو منهج تربوي أو عملية تربوية أو هدف تربوي أو منتج تربوي. وتستخدم في التقويم طرق الاستقصاء وإصدار الأحكام حيث يشمل: تقرير معايير الحكم على الجودة وما ينبغي لتلك المعايير من أن تكون نسبية أو ضمنية، جمع المعلومات والبيانات ذات العلاقة بالجوانب المختلفة لعملية التقويم، وتطبيق المعايير المرتبطة بتقرير الجودة. وهو عملية واسعة تتضمن قياس مخرجات أي نظام تربوي، وتقويم نواتجه، ومن ثم علاج ما قد يظهر من قصور فيه. كما أنه عملية منهجية منظمة مخططة تتضمن إصدار الأحكام على السلوك أو الفكر أو الوجدان أو الواقع المقاس وذلك بعد مقارنة المواصفات والحقائق لذلك السلوك أو الواقع الذي تم التوصل إليه عن طريق القياس القائم على معيار أو أساس تم تحديده بدقة. وهذا يعني أن التقويم التربوي هو الحكم على مدى تحقيق الأهداف التربوية. (يوسف والرافعي، 2001)
والتقويم التربوي هو عملية نظامية مستمرة ترمي إلى تحديد مدى تحقيق العملية التربوية لأهدافها، أي تحديد نواحي القوة ونواحي الضعف في كل مكونات المنظومة التربوية لكي يتم علاج نواحي الضعف وتعزيز نواحي القوة فيها. (سيد وسالم، 2005)
ويعتمد التقويم بصفة عامة على تحليل البيانات التربوية التي يتم الحصول عليها باستخدام وسائل القياس المختلفة وأهمها الإختبارات التربوية والنفسية بهدف التعرف على التغيرات التي تطرأ على نمو المتعلم، وتمثل العملية التربوية منظومة ذات حلقات مترابطة ومتفاعلة يؤثر بعضها في البعض الآخر ويتأثر به وتشتمل هذه الحلقات على الأهداف التربوية والمناهج الدراسية والوسائل التعليمية وأساليب وطرق التعليم والتعلم ونظم التقويم التربوي ومبدأ التفاعل بين هذه المكونات يؤكد على أن أي تحديث في احد هذه المكونات يؤثر في المكونات الأخرى، ولذلك فإن التقويم التربوي يعكس صورة النظام التعليمي بكل ما يشتمل عليه من أهداف وأساليب وممارسات ونواتج. (شعلة، 2000)
ويعرف التقويم من ناحية اللغة، تقدير قيمة الشيء أو الحكم على قيمته وتصحيح أو تعديل ما أعوج. فإذا قال شخص ما أنه قوم الشيء، فذلك يعني أنه ثمنه وجعل له قيمة معلومة. وإذا قال انه قوم غصن الشجرة، فمعنى ذلك أنه عدله وجعله مستقيماً. أما في مجال التربية، فالتقويم هو إصدار الأحكام على قيمة الأشياء أو الموضوعات أو الأفكار. وهو أيضاً إصدار الأحكام القيمية واتخاذ القرارات العملية. (كاظم، 2001) والتقويم هو فعالية تربوية ترمي إلى معرفة نمو الطالب في اتجاه الأهداف الشاملة للتربية، ويعتمد على أساليب متعددة. (علام، 2003) وقد عرف ثورندايك وهيجين المشار إليهما في (خضر، 2004) التقويم على أنه وصف شيء ما ثم الحكم على قبول أو ملائمة ما وصف، وهو أيضاً إعطاء قيمة لشيء ما وفقاً لمستويات وصفت أو حددت سلفا. وعملية التقويم هي عملية منهجية، ومنظمة، ومخططة، تتضمن إصدار الأحكام على السلوك أو الفكر أو التوجهات أو الواقع المقاس وذلك بعد موازنة المواصفات والحقائق لذلك السلوك التي تم التوصل إليها عن طريق القياس مع معيار جرى تحديده بدقة ووضوح. (الحيلة، 2002) والتقويم عملية تعاونية مستمرة تشمل كل الوظائف الإدارية بدءً بالتخطيط وانتهاء بوظيفة التقويم ذاتها. (البنا وآخرون، 2004)
ويعتبر التقويم التربوي اسلوبا علمياً يُعنى بالتشخيص الدقيق لأي موضوع، ومؤشراً له دلالته في تحديد مدى كفاءة جميع عناصر العملية التعليمية وفي مقدمتها الإدارة المدرسية باعتبارها المحك الرئيسي في إنجاح بقية العناصر الأخرى. والتقويم هو استخدام وتحليل البيانات التي يوفرها القياس بغية اتخاذ قرارات تتعلق بإنجاح العملية التعليمية. وهو بهذا يركز على التقدير الكمي والكيفي للظواهر. (الأغبري، 2000) وعملية التقويم تشمل مدخلات الموضوع والعمليات التي تجري عليه والمخرجات التي تنتج عنه. (عريفج وآخرون، 1987)
ويعرف التقويم تربوياً بأنه: "عملية منظمة لجمع وتحليل المعلومات بغرض تحديد درجة تحقق الأهداف التربوية واتخاذ القرارات بشأنها لمعالجة جوانب الضعف وتوفير النمو السليم المتكامل من خلال إعادة تنظيم البيئة التربوية وإثرائها". (الصمادي وزميله، 2004)
نستخلص مما ذكر أعلاه، بأن التقويم التربوي هو عملية إصلاح وتعديل، وهو العملية التي يتم من خلالها تشخيص جوانب القصور في العملية التربوية ووصف العلاج اللازم لتعديل جوانب الضعف، وهو العملية التي يتم من خلالها اكتشاف مواطن القوة في العملية التربوية وتعزيزها. والتقويم عملية مستمرة شاملة لكل العناصر التي تتداخل وتتشابك فيما بينها لتشكل كل أركان العملية التربوية وذلك بغية تحقيق الأهداف المرجوة. وتهدف عملية التقويم إلى التطوير والتجديد، إضافة إلى معرفة مدى ما تحقق من الأهداف، ووضع المقترحات لتحقيق ما لم يتم تحقيقه منها.
التقويم التربوي والتقويم التعليمي
يختلف مصطلح التربية عن مصطلح التعليم، حيث أن التربية أشمل وأعم من التعليم والتعليم جزء من العملية التربوية، وعليه فإن مصطلح التقويم التربوي Educational Evalucation يختلف عن مصطلح التقويم التعليمي Instructional Evaluation ويعمد الكثير من الأشخاص إلى عدم التفريق بين التربية والتعليم حيث ينظرون إلى هذين المصطلحين على أساس أنهما مترادفان وذلك بسبب عدم توخي الدقة في ترجمة المصطلحات الأجنبية إلى اللغة العربية فكلمة Education والتي تعني تربية تترجم بعض الأحيان على أنها تعليم وهناك فرقاً كبيراً بين كلمتي Education التي تعني تربية و Instruction التي تعني تعليم. (صبري، 1999)
ويؤكد (مسعود، 1992) والمشار إليه في (يوسف والرافعي 2001) بأن الفارق في اللغة العربية بين مصطلحي (تربية وتعليم) واضحاً، فأصل كلمة تربية هو الفعل (ربى) ومضارعه (يربي) بمعنى يهذب وينشئ ويؤدب، أما أصل كلمة تعليم هو الفعل (علم) ومضارعه (يعلم) ويقال (علم الفرد) أي جعله يكتسب المعارف ويدرك. والتربية تؤدي إلى تعليم وتعلم، والتعليم هو أحد أهم أساليب التربية، وأن عملية التعليم كما اشرنا آنفاً هي جزء من عملية التربية.
ومن هذا المنطلق يتضح أن التقويم التربوي أشمل وأعم من التقويم التعليمي الذي هو جزء من التقويم التربوي وهو الجانب الإجرائي منه. والتقويم التعليمي هو عملية الحكم على مدى تحقق أهداف أي نظام أو مؤسسة تعليمية وهو عملية منهجية تقوم على أسس علمية تستهدف إصدار الحكم بدقة وموضوعية على مدخلات ومخرجات أي نظام تعليمي، وتحديد مواطن القوة والضعف في كل منهما واتخاذ القرارات والإجراءات اللازمة لعلاج وإصلاح ما يتم تحديده من مواطن القصور، وهكذا نجد أن الفرق بين التقويم التربوي والتقويم التعليمي هو فارق في درجة العمومية والشمول، أي أنه فارق في الدرجة وليس في النوع، وتبقى العلاقة وثيقة بينهما، ويلتقي التقويم التربوي مع التقويم التعليمي في عدة نقاط هي: الأهمية، الهدف، الأساليب، الإجراءات، الوسائل، والنظم، لكنه يختلف عنه في عمومية المجال فهو أي التقويم التربوي يشمل كافة الميادين والمؤسسات والمشروعات والعمليات التي تستهدف تحقيق أهدافا تربوية مباشرة أو غير مباشرة، فهو يتعدى المؤسسات التعليمية التي يركز عليها التقويم التعليمي ليمتد إلى غيرها من المؤسسات التربوية الأخرى التي يمثل العمل التربوي هدفاً مباشراً لها، أو التي يكون لها أهدافاً تربوية ضمنية غير مباشرة. ولذلك فإن التقويم التعليمي يمثل جانباً واحداً من جوانب التقويم التربوي الذي يتضمن إصدار أحكام عن العملية التعليمية. (يوسف والرافعي، 2001)
العلاقة بين مفهوم التقويم التربوي وكلآ من التقويم والقياس
Evaluation, Assessment and Measurement
سبقت الإشارة إلى أن عملية التقويم التربوي هي العملية التي يحكم بها على مدى نجاح العملية التربوية في تحقيق الأهداف المنشودة وهي عملية ترمي إلى معرفة مدى تحقق التغييرات المرغوب بها في سلوك المتعلمين أو معرفة مدى تقدمهم نحو الأهداف التربوية المراد تحقيقها.
والتقويم هو عملية منظمة ينتج عنها معلومات تفيد في اتخاذ قرار أو إصدار حكم على قيمة معينة للأشياء أو الموضوعات أو المواقف أو الأشخاص اعتماداً على معايير أو محكات معينة. (الزيود وعليان، 2002)
أما التقييم Assessment أو التقدير فهو تحديد قيمة الشيء وهو عملية إصدار حكم على قيمة الشيء أي أنه ينطوي على شق تشخيصي فقط، والتقييم في مجال التربية يعني تقدير قيمة أي عنصر من عناصر المنظومة التربوية، وإصدار الحكم على مدى جودة تلك المنظومة.
وفي المجال التعليمي فإن التقييم هو العملية التي يمكن من خلالها تقدير قيمة مدخلات وعمليات ومخرجات أي نظام تعليمي، وإصدار الحكم على مدى جودة وفاعلية هذا النظام وتشخيص مواطن القوة والقصور في أي عنصر من عناصر النظام، وقد يتم ذلك من خلال عمليات قياس أو بدونها.
والتقييم أقدم من القياس وسابق عليه وهو يعتمد على تحديد قيمة الشيء بالحدس أو التخمين دون الاعتماد على مقاييس، ولكن في مجال التربية والتعليم لابد أن يكون التقييم معتمداً على عمليات قياس باستخدام مقاييس واختبارات على قدر كبير من الدقة والموضوعية. (يوسف والرافعي، 2001)
والتقييم يعني تقدير قيمة الشيء فهو يتناول تثمين تحصيل المتعلم وإنجازه ثم الحكم عليه بالنجاح أو الفشل في ضوء معايير صادقة وموضوعية بينما تعكس عملية التقويم معنى الإصلاح والتعديل والتغيير، بالإضافة إلى التثمين، فالمعلم على سبيل المثال يثمن تحصيل المتعلم وانجازه بهدف تشخيص نقاط القوة والعمل على تعزيزها، ونقاط الضعف والعمل على إصلاحها وعلاجها. فتقييم نتائج الاختبار الشهري للمتعلمين بهدف التعرف على المهمات التعليمية التي أتقنوها والتي لم يتقنوها بعد، والعمل على دعم مواطن القوة وعلاج مواطن الضعف هي عملية تقويم، بينما ينظر إلى تقدير المتعلمين في نهاية العام الدراسي وإعطائهم درجة تحدد مدى نجاحهم أو فشلهم ثم اتخاذ القرار الذي يقضي بترقيتهم أو إعادتهم هي عملية تقييم. (دروزة، 2005)
أما القياس فيعرف على أنه العملية التي تحدد بواسطتها كمية ما يوجد في الشيء من الخاصية أو السمة التي تقاس (خضر، 2004) والقياس عملية يتوجه من يقوم بها إلى تعيين دليل عددي أو كمي للشيء الذي يتفحصه. وغالباً ما يتم تعيين الدليل المشار إليه بالنسبة لوحدة قياس مختارة. فالقياس إذاً عملية كمية يعبر عن نتائجه بالأرقام. (إبراهيم وآخرون، 1989)
والقياس لغة التقدير، فإذا قيل أن فلان قاس الشيء بغيره أو على غيره، فهذا يعني أنه قدرة على مثاله. وهو عملية إعطاء الأشياء أرقاماً وفق قواعد محددة. (كاظم، 2001) والقياس كما يقول بين المشار إليه في (الطيب، 1999) هو مجموعة مرتبة من المثيرات أعدت لتقيس بطريقة كمية أو كيفية بعض العمليات العقلية أو السمات أو الخصائص النفسية. ويعني القياس بالتحقيق الكمي من مدى فاعلية استراتيجيات وأهداف الإدارة المدرسية بعناصرها المختلفة، وذلك من خلال استخدام وسائل وأدوات كالملاحظة، والمقابلة، والإختبارات، والإستفتاءات والإستبيانات، وقوائم المراجعة، ومقاييس التقدير، والسجلات، وغيرها. (الأغبري، 2000) ويعرف ستيفنز المشار إليه في (الصمادي وزميله، 2004) القياس على أنه إعطاء قيم رقمية لخاصية ما بحيث يتمثل مقدار ما يتملكه الفرد أو الشيء من الخاصية وفق شروط أو قواعد معينة. وهو العملية التي يتم من خلالها التعبير عن الخصائص المختلفة للأشياء أو الحوادث أو الظواهر أو الأشياء بقيم كمية تحدد بناء على قواعد وشروط محددة. ويرى كينيث (المرجع السابق) أن القياس يتضمن التقدير، والتقدير عملية يتم من خلالها تفرقة وتمييز الأشياء، فمثلاً يمكن قياس طول الطاولة بالمتر لمعرفة طولها الحقيقي، ويمكن أيضاً تقدير طول تلك الطاولة من خلال إدراكاتنا وإحساساتنا للمثيرات البيئية المختلفة. وتعتبر عملية القياس أشمل وأدق من عملية التقدير.
وهكذا نجد من خلال التعريفات المذكورة، أن عملية القياس تمثل جزء من عملية التقويم حيث أنها تأخذ الصفة الرقمية فقط دون إصدار أي حكم على الشيء المقوم، أو تشخيص الحالة وطرح العلاج اللازم. وتتضمن عملية التقويم القياس والتقدير بينما يتضمن التقدير عملية القياس.
أنواع القياس ومستوياته
القياس على نوعين هما:
1-القياس المباشر:
القياس غير المباشر: وهو القياس الذي يحدث في حالة قياس تحصيل التلاميذ في مادة معينة بواسطة عدد من الأسئلة أو قياس درجة الحرارة بواسطة الترمومتر (إبراهيم وآخرون، 1989)
ويعتبر القياس المباشر أدق من القياس غير المباشر.
مستويات القياس
للقياس مستويات يمكن من خلالها معالجة المتغيرات وهذه المستويات هي:
1-المقاييس الاسمية:
المقاييس الرتبية: وتدل هذه المقاييس على امتلاك الشخص لسمة معينة أكثر أو أقل من غيره، لكنها لا تدل على مدى أو مقدار ما يمتلكه كل شخص من هذه السمة. ومن أمثلة هذه المقاييس ترتيب أحسن خمسة طلاب في الصف مثل الأول، الثاني، الثالث، الرابع، الخامس. وإذا أردنا مثلاً ترتيب أفراد أسرة ما حسب العمر فإننا نرتبهم كالتالي: أ، ب، ج، د، هـ، وهذا يعني أن (أ) أكبر من (ب) و(ب) أكبر من (ج) وهكذا (الظاهر وآخرون، 1999).
1-المقاييس الفئوية:
2-المقاييس النسبية:
وهكذا نجد أن هناك علاقة وثيقة بين التقويم والتقييم والقياس وأن هناك فروقاً بين تلك المصطلحات الثلاثة، حيث أن التقويم يشتمل على التقييم والقياس، وأن القياس يقودنا إلى التقييم والتقدير. أي أن كل عملية من العمليات الثلاثة تقود إلى العملية التي تليها وتساعدها في إتمام مهامها بنجاح ودقة وهي بالترتيب