eKtab
EN ع
التكثيف البلاغي
Read free sample

التكثيف البلاغي

by أحمد محمد دعسان

Page 1
المقدمة
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين .
 
لعل السببَ في اختيار " جزء عم " تميزُه بأسلوب خاص في التعبير عن الموضوعات المختلفة، إذ سعى الباحث للوقوف على بعض أسرار هذا الأسلوب وقدرته على نقل رسالة مُوجهة إلى قوم حديثي العهد بالدين، وقومٍ شهدت لهم الدنيا بالبلاغة والفصاحة، لنرى كيف جمع التعبير القرآني بين الفكرة المؤثرة، والحِلية المُبهرة، دون أن يُغلِّب جانباً على آخر.
 
ولم تقمْ هذه الدراسة على عودها دون دراسات أخرى، بل كان للدراسات والبحوث السابقة أثرٌ في التئامها واكتمال نضجها، ومن ذلك:
 
1. كتاب (دراسات قرآنية في جزء عمَّ ) لمحمود أحمد نحلة:
 
يُعد هذا الكتاب دراسة لغوية لأسلوب القرآن الكريم في جزء عمّ، حيث وقف فيه الباحث على الثروة اللفظية في جزء عمّ، وعلى المستوى الصوتي والصرفي، وتناول البناء للمجهول والتنكير والتعريف والصيغ المركبة، وإحلال صيغ محل أخرى، والحذف والاختيار في الصيغ، ثم تحدث في آخر الدراسة عن المستوى التركيبي مُفصِّلاً الحديث عن الجمل الاسمية والفعلية والشرطية والاستفهامية.
 
2. كتاب ( لغة القرآن في جزء عمّ):
 
وهو كتاب ثانٍ للباحث نفسه ( محمود نحلة ) تناول فيه اللغة الأدبية قبل الإسلام، والثروة اللفظية ، وعالج المستويات الصرفية والصوتية والنحوية، ويُلاحظ أنَّ موضوعات كتابه هذا تتقاطع مع بعض موضوعات كتابه السابق .
 
3. رسالة ماجستير بعنوان ( جزء عمّ دراسة أسلوبية) للباحث (إبراهيم الحجاج):
 
وقعت هذه الدراسة في نحو ثمانين صفحة، قسمها الباحث إلى ثلاثة فصول ، عرض في فصله الأول ظاهرة التقديم والتأخير ( تقديم الخبر ، وتقديم المفعول به ، وتقديم الفاعل على الفعل ) ، ثم انتقل للحديث في الفصل الثاني عن الحذف ( حذف الفاعل وحذف المفعول به وحذف الفعل ) ، وختم دراسته بالفصل الثالث الموسوم بـ ( ظواهر أسلوبية أخرى ) تحدث فيه عن التكرار ( تكرار الحرف ، والكلمة ، والجملة ) ثمَّ الاستعارة ، والمقابلة ، والجناس .
Page 2
هذه هي الدراسات السابقة – مبلغ علم الباحث – المتخصصة بجزء عمّ ، ولا ينفي قوله هذا وجود دراسات أخرى إلا أنه آثر ذكر الدراسات التي تتقاطع مع جوهر دراسته، فضلاً عن استعانته بدراسات وبحوث أخرى أشار إليها في هوامش الدراسة .
 
وهي جهود قيِّمة استفاد منها الباحث، إلا أنَّ هذه الدراسة تتسم بخصوصية المصطلح والموضوعات في أغلب الأحيان، حيث ابتعد الباحث عن تكرار بعض المفاصل التي تحدث عنها السابقون مثل: (ظاهرة الحذف، والثروة اللفظية ...)، وتناول القضايا الأخرى من منظور آخر - على الأغلب- منظور يبرز فيه مفهوم التكثيف البلاغي . وقد أشارت الدراسات السابقة إلى دواعي هذا الشكل من التعبير في السور المكيِّة، عندما أجمعت على وجود نمط تعبيري خاص يتسم بالإيجاز والسرعة الإيقاعية، إلا أنَّها لم تتفق على مصطلح خاص يمثل ذلك الشكل من التعبير.
 
واستخدم الباحث المنهج التحليلي الأسلوبي، الذي تجاوز من خلاله حدود التفسير اللغوي، ليطالَ المستويات اللغوية الأخرى، فوقف على الآيات وذكر آراء المفسرين، مُركزاً على عنصر الانتقاء للفظة أو الأسلوب الانزياحي ومبيناً الأسباب التي تقف وراءه، مع استعانته بالمنهج الإحصائي – أحياناً – للخروج بسمات أسلوبية .
 
وتبقى هذه الدراسة محاولة مجتهد لإضافة شيء مذكور إلى جهود السابقين، وإيماناً منه بأنَّ باب الاجتهاد ما زال مفتوحاً، مع أمله عدم تجاوز حدود الاجتهاد إلى العبث والخطل، والله من وراء القصد .
Page 3
التمهيـد
 
مفهوم التكثيف البلاغي وغاياته
 
قبل البدء بإعداد هذه الدراسة، حاول الباحث استقراء أغلبِ مصادرِ البلاغة والأسلوبية عَلَّه يجد هذا المصطلح أو نظيره، فوجد - مبلغ علمه – هذا المصطلح في عدة بحوث ودراسات،هي:
 
1- (التكثيف) عند عبد السلام المسدي في كتابه (الأسلوب والأسلوبية)، يقول: " التكثيف: مادة فصيحة في بنيتها الفعلية، كثَّف ويكثِّف كثافةً، وتكاثف غلظ والتف فهو كثيف، وتستعمل صيغة استكثف الشيء كان كثيفاً، واستكثفت الشيء كثيفاً، وأما المُطَّرد الحديث دون أن يكون قياسياً، فهـو استعمال صيغة فعَّل وتفعَّل" (1)، يُلاحظ أنَّ مفهوم التكثيف عند (المسدي) لم يتجاوز حدوده المعجمية، وقد أورده في ملحق كتابه – هكذا- دون تفصيل على غير عادته في تفصيل المصطلحات الأخرى الواردة في ملحقه.
 
2- (التكثيف) عند محمد حسن عبدالله في كتابه (الصورة والبناء الشعري)، وهو مصطلح منقول عن الإنجليزي ( هربرت ريد ) يقول: " فالتكثيف- هو أهم أسرار المجاز- ليس اختصاراً فحسب، بل إنه اختصار في سبيل العمق والإطناب- إنْ صح التعبير- وحرية التصور، بل قد نظر (هربرت ريد) إلى أنواع المجاز على أنها من نـوع الإطناب المركـز... وهو وسيلة رئيسية في تنمية الذكـاء وتنمية اللغـة أيضاً " (2)، وقد سيق هذا القول في إطار الحديث عن المجاز وأثره في التعبير، وأنَّ المجاز ليس اقتصاداً لفظياً فحسب، بل يعطي القارئ حريةً وحركةً قد لا تمنحه الكلمات المُجردة، فهو اقتصاد في اللفظ لا الدلالة، وبذلك اقتصر(عبدالله) على أهمية التكثيف في الصورة المجازية، وقصد به اختزان المجاز للدلالات رغم اقتصاده اللفظي.
 
3- (التكثيف) عند أحمد زكريا ياسوف في كتابه (دراسات فنية في القرآن الكريم) يقـول: " وسوف نبتعد عن اختلاف القدامى في المصطلح، فهذه الجمالية اللغوية مُوزعة تحت عناوين الإشارة، والكناية، والإيجاز، والتلميح، والتلويح، والتعريض، كما أنَّ مفهوم الاختزان ههنا لا يطابق الإيجاز كما ورد في كتبهم؛ لأنه يتضمن عندهم الإيجاز في الحذف، كحذف جواب الشرط مثلاً، وقد يعني إيجاز الآية بكليتها، وغايتنا الإيجاز في المفردة فقط " (3)، وقد أورده في إطار برهنته على جمالية المفردة، ومنبع ذلك الجمال قدرة اللفظة على حمل المعاني الكثيرة، وبذلك انحصر مفهومه في المفردة .
Page 4
وأما مصطلح التكثيف البلاغي- عند الباحث- فهو: اختزان اللفظ أو الأسلوب للدلالات المُراد نقلها إلى المتكلم، بحيث تنزاح فيه الكلمة عن حدودها المعجمية، وينزاح التركيب عن حدوده النحوية، والأسلوب عن حدوده النمطية، مع اصطباغ هذا الاختزان بصبغة الإيجاز والقصر، وتتعاضد معه بعض الملامح الأسلوبية التي تُقدم المعنى بالشكل المطلوب في الموقف المناسب، وبذلك نُدْخِلُ في حساباتنا عنصر الموقفِ والسِّيَاق، إذْ تتلون الدلالات وتتفاوت باختلاف الموقف، ويخرج من هذا المصطلح كل حشد بلاغي متكلف لا يسهم في تقديم الدلالة على النحو المطلوب، وكل إيجاز مُخل لم يتناول الدلالات جميعاً .
 
وبذلك تظهر أوجه الاختلاف والتشابه بين مصطلح التكثيف في هذه الدراسة مع ما ذُكر سابقاً، فيتفق مصطلح الدراسة مع مصطلح (ياسوف) في اختزان اللفظ للدلالة، ومع إثباته وجود هذا المصطلح عند القدماء لكن بمسمَّيات أخرى، كما يختلف معه في إلغاء دور الحذف إذْ يُعد الحذف شكلاً من أشكال التكثيف، ويختلف - أيضاً - في اقتصاره على المفردة فحسب؛ لأنَّ التكثيف لا يقف عند حدود المفردة فقد يأتي في التركيب أوالأسلوب .
 
ويتفق مصطلح الدراسة مع ما ذهب إليه (عبدالله) من اقتصاد هذا المصطلح للفظ دون الدلالة، ويختلف معه في تجاوز - مصطلح الدراسة- ميدانَ الصورةِ المجازية، مع استبعاد مصطلح (المسدي) لعدم وضوح ملامحه في إطار هذه الدراسة .
 
وتجدر العودة إلى الحديث عن هذا المصطلح عند القدماء، فقد عرضوا لبعض المُسمَّيات التي تتقاطع مع مفهوم التكثيف أو تتصل به بوجه من الوجوه، ومن ذلك ما أشار إليه الجاحظ (ت255هـ) في كتابه الحيوان تحت مسمّى (الإيجاز) يقول: " ولي كتابٌ جمعت فيه آياً من القرآن لتعرف فضلَ ما بين الإيجاز والحذف، وبين الزوائد والفضول، والاستعارات ... فإذا قرأتها رأيت فضلها في الإيجاز للمعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة " (4)، وكذلك قول الباقلاني(ت403 هـ): " إنَّما يَحسن (أي الإيجاز) مع ترك الإخلال باللفظ والمعنى، فيأتي باللفظ القليل الشامل لأمور كثيرة، وهو نوعان: إيجاز حـذف عن طريق الإسقاط، وإيجاز قصر ..." (5)، وقد سمَّاه بعضهم (الاقتصاد) وهو: "أنْ يكون المُضمر في العبارة على حسب ما يقتضيه المُعبَّر عنه في منزلته"(6) وهذا ضرب من الإيجاز إلا أنَّ فيه ضبطاً لحدود المعاني الكثيرة لكي تتناسب مع الموقف دونما إفراط .
Page 5
ومن التكثيف ما يقع تحت مُسمَّى (الاتِّساع) يقول ابن رشيق (ت 456 هـ): " وذلك أنْ يقول الشاعر بيتاً يتسع من التأويل، فيأتي كلُ واحد بمعنى، وإنَّما يتَّسع لاحتمال اللفظ وقوته واتِّساع المعنى" (7)، ومن التكثيف - أيضاً - ما يقع تحت مسمَّى (الإشارة) وهي " أنْ يكون اللفـظ القليـل دالاً على معاني كثيرة " (8)، أو ما سمَّاه بعضُهم ( الإيماء) وهو " الاختصار المُفهم، والإطناب المفخم، وقد يقع الإيماء إلى الشيء فيغني عند ذوي الألباب عن كشفه كما قيل لمحة دالَّة " (9)، ومنهم من أطلق عليه (التعريض)، يقول الجرجاني: " إثباتك الصفة للشيء تثبتها له، إذا لم تلقه إلى السامع صريحاً، وجئت إليه من جانب التعريض والكناية والرمز والإشارة " (10) .
 
وقد يتَّصل مفهوم التكثيف بـ (الاقتدار) وهو: " أن يُبـرز المتكلم المعنى الواحد في عدة صور اقتداراً منه على نظم الكلام وترتيبه، وعلى صياغة قوالب المعاني والأغراض"(11)، ويُلاحظ هذا الجانب في القصص القرآني، فالمُسمَّيات – المذكورة سابقاً- وغيرها تدخـل في مفهوم التكثيف بوصفها طرقاً او أشكالاً له مع ملاحظة تقاطعها – أحياناً- مع بعضها بعضاً، ولعل من غايات التكثيف – في جزء عمَّ – ما يلي :
 
1- غاية إعجازية: تتمثل هذه الغاية في إظهار سمات القرآن الكريم البيانية، من خلال قلة الألفاظ وكثرة المعاني، وقد تنبه لذلك "محمد دراز" حين وضع خطوطاً عريضة لأوجه الإعجاز في القرآن، منها: " القصد في اللفظ والوفاء بحق المعنى" و "البيان والإجمال" و "الإيجاز بالحذف مع الوضوح والطلاوة"(12).
 
2-غاية دعوية: إذْ إنَّ طريقة عرض قضايا جزء عمّ - المتعلقة بـ ( التوحيد والعقيدة، والبعث والحساب، والجنة والنار )- على هذا النحو من التكثيف البلاغي، أسهم إلى حد كبير في نقل المعنى المنشود بجميع تفصيلاته وظروفه النفسية، وهنالك العديد ممن لاحظ وجود سمة خاصة للتعبير المكي، من ذلك:
 
- قول (سيد قطب) في مفتتح حديثه عن جزء عمّ: " هذا الجزء ذو طابع غالب، سوره مكية عدا (البينة) و(النصر) وكلها من قصار السور على تفاوت في القصر، والأهم من هذا هو طابعها الخاص الذي يجعلها وحدة – على وجه التقريب- في موضوعها واتجاهاتها، وإيقاعها، واتجاهاتها، وإيقاعها، وصورها، وظلالها، وأسلوبها العام " (13) .
Page 6
 قول (محمد سليمان العبد): " ومن أسرار الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم مناسبة الخطاب اللغوي في السور المكية لطبيعة المكيين، فقد كانوا قوماً جبابرة... يقتضي خطابهم لغةً سريعة آخذة، غير مسترسلة، وقول حاد، حاسم، مُحذر، تَقْصُر معه الجمل ويبرز التجانس الصوتي ...، وترتبط هذه السمات بحرارة التعبير على المستوى الأسلوبي، إذ يكثر في السور المكية أسلوب القسم وأسلوب الاستفهام الإنكاري، وضرب الأمثال .." (14) .
 
فيُلاحظ مما سبق تَميُّز هذا الجزء بنوع خاص من التعبير حمل على عاتقه إحداث الأثر في نفوس لم تألفْ الدين بعد، فاحتوى على أشكال بلاغية متنوعة بإيقاعات متباينة منصهرة في قالب واحد أطلقنا عليه – اجتهاداً- "التكثيف البلاغي" .
 
3-غاية إقناعية: وتأتي هذه الغاية- في نظر الباحث - بعد الغاية الدعوية، إذْ تتولد - بفعل هذا التكثيف- الدلالات التي من شأنها أنْ تدفع المتلقي إلى التفكر والاتِّعاظ، وبعد ذلك التحرك والعمل بموجب ما فَهِم وعَقِل، وحينئذٍ يبـرز التكثيف بوصفه إحدى وسائل الإقنـاع والترسيخ .
 
______________________________________________
 
(1) عبد السلام المسدي- الأسلوب والأسلوبية ، ص 145 .
 
(2) محمد حسن عبد الله- الصورة والبناء الشعري ، ص128.
Page 7
(3) أحمد زكريا ياسوف- دراسات فنية في القرآن الكريم، ص496 .
 
(4)  الجاحظ- الحيوان، ج3، تح: عبد السلام هارون، ص86.
 
(5)  الباقلاني- إعجاز القرآن، تح: أحمد صقر، ص262-263.
 
(6)  ابن الأثير- المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ، ج2، ص316.
 
(7)  القيرواني- العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده ،ج2، ص93.
 
(8)  ابن أبي الإصبع- بديع القرآن، تقديم: محمد حفني شرف، ص82.
 
(9)  المبرد- الكامل ، ج1، ص40.
 
(10)  الجرجاني- دلائل الإعجاز، ص 306.
 
(11)  ابن أبي الإصبع- بديع القرآن ، ص289. 
 
(12) ينظر: محمد دراز- النبأ العظيم ، ص109، وما بعدها.
 
(13) سيد قطب- في ظلال القرآن ، ج30، ص6. 
 
(14) محمد سليمان العبد- من صور الإعجاز الصوتي في القرآن الكريم ، ص88 ، وينظر: صبحي الصالح- مباحث في علوم القرآن ، ص194 وما بعدها.
Page 8
- الباب الأول –
 
التكثيـف فـي الصــورة
 
تمهيد
 
تعد الصورة إحدى وسائل التعبير الموجودة منذ القدم، ولعل أول النصوص التي لامست مفهوم الصورة في تراثنا القديم ما ورد في قول الجاحظ (ت255هـ) عندما تحدث عن الشعر بأنه " ضرب من النسج، وجنس من التصوير " (1) وكأنه أراد بلفظة (التصوير) الصورة، تلك العملية التي تصنع الشعر، وتقدم المعنى للجمهور.
 
وإذا ما تقدمنا قليلاً نرى من القدماء من مزج الصورة بالأشكال البلاغية، ومن هـؤلاء: أبو هلال العسكري (ت395هـ)، فقد ذكر الصورة في أقسام التشبيه، إذْ جعل من أقسامه " تشبيه الشيء صـورة، وتشبيهه لـوناً وصـورة " (2)، وكذلك الأمـرعند ابن الأثيـر(ت 637هـ) عندما عدَّد أقسام التشبيه قائلاً: إما تشبيه معنى بمعنى، وإما تشبيه صورة بصورة ... وإما تشبيه معنى بصورة .. (3) .
 
وكان من القدماء من تجاوز هذه النظرة للصورة، فأدخل (الشكل والمعنى) في الصورة، إنَّه الجرجاني ( ت471هـ) عندما قال في كتابه دلائل الإعجاز: " إنَّما سبيل هذه المعاني سبيل الأصباغ التي تُعمل منها الصور والنقوش، فكما أنَّك ترى الرجل قد تهدَّى في الأصباغ التي عمل منها الصورة والنقش في ثوبه الذي نسج، إلى ضربٍ من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ، وفي مواقعها ومقاديرها، وكيفية مزجه لها، وترتيبه إياها، إلى ما لم يهتدِ إليه صاحبه، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، وصورته أغرب، كذلك حال الشاعر والشاعر في توخيهما معاني النحو، ووجوهه التي علمت أنها محصول النظم " (4) .
 
أما مفهوم الصورة الحديث فقد تعددَ بتعددِ أصحابه ووجهات نظرهم ومدى اجتهاداتهم في وضع مصطلح شامل للصورة، ومن هذه التعريفات ما قاله علي البطل: " الصورة تشكيل ُلغوي ُيكوِّنها خيالُ الفنان من معطياتٍ متعددة، يقف العالمُ المحسوسُ في مقدمتِها " (5)، وعرفتها ريتا عوض بأنها "البعد المكاني للنص الشعري المُحوِّلِ اللُغة عن طبيعتها التقريرية المباشرة عن سياقها الزمني إلى سياق رمزي فني متميز" (6)، ويرى محمد حسن عبد الله أنَّ "الصورة متمردة على جميع التعاريف وهي التشبيه والاستعارة والكناية، وهي صورة رسمت بالكلمات، أوهي الوصف بالكلمات، شُحنت عاطفة وانفعالاً، وهي التعبير ذو الدلالات وهي التجسيد للمجرد" (7) .
Page 9
وبهذا يتضح أن الوقوف عند تعريف جامع مانع للصورة الفنية أمر ليس بالسهل، وقد اعترف بذلك عبد الإله الصائغ عندما حاول أن يجد تعريفاً وافياً للصورة الفنية، عندما قال:" وإذا كان لا بدَّ من الإشارة إلى الجهود التي درست الصورة، فإن الذي وجدناه كان مزاجاً من الاجتهادات المتأثرة بثقافة الدارس ورؤيته لطبيعة الشعر، ووظيفته فضلاً عن موقفه من التراث والمعاصرة، ولم نجد التعريف الجامع للصورة الفنية في سائر المصادر التي عرضت لها " (8) .
 
وأما عن نظرة الأسلوبية للصورة فترى فيها دوراً حاسماً في تحديد الأسلوب فتتميز الصور في جميع أحوالها بصيغتها التشكيلية، وبتعدد وظائفها، وكثرة علاقاتها مما يجعلها من أقدرِ الوسائل على تقديم الرؤية الشخصية والمزاج المتفرد للكاتب، فاللغة البشرية مَصُوْغَة بشكل يجعل من هذه الصور الأداة الرئيسية لتوصيل تلك الرؤية بشكل مباشر، وأصبح قابلاً للاستيعاب والتلقي المركز (9)، والصور عندهم قاعدة لنظرية (الزخرفة) هذه الزخرفة التي جاءت على نوعين، الأولى: (الزخرفة السهلة) وتقوم على استخدام الألوان البلاغية أي: صور التركيب والتفكير، والثانية: (الزخرفة الصعبة) وتتميز باستخدام الاستعارات " (10) .
 
وخلاصةُ القول إنَّ النقد الحديث تجاوز مفهوم الصورة الضيق ، الذي انحصر لدى الباحثين القدماء في التشبيه والاستعارة والمجاز والكناية ، " فلم تعد الصورة البلاغية هي وحدها المقصودة بالمصطلح، بل قد تخلو الصورة - بالمعنى الحديث - من المجاز أصلاً، فتكون عبارات حقيقية الاستعمال، ومع ذلك فهي تشكل صورة دالة على خيال خصب " (11)، وبهذا جمع مفهوم الصورة بين النظرة القديمة والنظرة الحديثة .
 
ولا يتسع المقام - هنا - لترجيح تعريف أو رأي يتعلق بالصورة الفنية، بل الأجدى من ذلك الكشف عن الصورة الفنية - في جزء عمّ- التي تسعى إلى تجلية المعنى وكشف المراد بأسلوب مُشوق يلفت انتباه القارئ، فالصورة البيانية تُضخم الدلالة أو توسعها بمعنى أنها لا تنقل المعنى مباشرةً، بل تستدعي من القارئ سعةَ أفق ٍ وعمقِ تفكيرٍ، يسهمان إلى حدٍ كبير في التقاط الدلالة بشكل أفضل مما لو طرحت الفكرة مباشرة دون بيان.
Page 10
والقرآن الكريم يستعمل الصورة الفنية في مواطنَ كثيرةٍ ؛ لنقل الفكرة إلى المتلقي وتوضيحها، وبَعْثِ إيحاءاتٍ متعلقة بالفكرة الأساس في نفسه، يقول سيد قطب: " التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن، فهو يعبِّر بالصورة المُحَسَّة المتخيلة عن المعنى الذهني والحالة النفسية، وعن الحادث المحسوس، والمشهد المنظور ..." (12) .
 
فمخاطبةُ الناسِ بطريقة مباشرة خالية من التصوير، تلامس أذهانهم ولا تقتحمها ؛ إذْ بدون التصوير - غالباً - تصبح التعابير جامدة ضعيفة الأثر والتأثير، فمن خلال الصورة " يواجه القرآن النفس من جميع أقطارها، فلا تصير الدعوى إلى الإيمان مجردَ جدلٍ منطقي مؤسسٍ على مقدماتٍ عقليةٍ وبراهينَ فلسفيةٍ، بل تصبح كشفاً روحياً لا يَحتاج معه الإنسان إلا أن يخلص النظر إلى أعماقه " (13) .
 
ويتسع معنى التصوير في القرآن ليشملَ " التصوير باللون والتصوير بالحركة، والتصوير بالتخييل، والتصوير بالنغمة، التي تقوم مقام اللون في التمثيل، ويسهم الوصف والحوار، وجرس الكلمات، ونغم العبارات، وموسيقى السياق في إبراز هذه الصور" (14) .
 
ولم يُعمد - في هذا الباب- إلى دراسة الصورة بالتوقف عند القضايا الشكلية والعلاقات الحرفية بل سُعي إلى دراستها من منظور تتبدى فيه آلية البناء الفني التصويري في جزء عمّ ، وأثره في نقل الإحساسات والعواطف كي تعبر الصورة عن الفكرة بطريقة حيوية " تزخر بالعاطفة والتجربة والانفعال لا مجرد تصوير عادي ميت ، وتصبح وكأنك أمام مناظر تصوير متحركة ومؤثرة " (15)، ولعل هذا المنظور هو (التكثيف) الذي نبحث من خلاله عن عنصر اختزان اللفظة - التي بُنيت عليها الصورة - للدلالات المُرادة ، وأثر هذا التكثيف في إكمال ملامح الصورة المرسومة ، مع تبيان بعض السمات الأسلوبية التي تتعاضد مع التكثيف لإبراز الصورة وشحذها بما يلزم لتكون أشدَّ وقعْاً وتأثيراً .
 
______________________________________