Page 1
المقدمة
ريتشارد جي غولدستون
شهد العالم خلال العقدين الماضيين بداية حقبة جديدة لحقوق الإنسان وهي حقبة شهدت المزيد من الأهمية والاهتمام بالقانون الدولي والرأي
العام العالمي. ففي مجال القانون الدولي طرأت آليات جديدة حوّلت طريقة التفكير لدينا وأسلوب تحقيق العدالة. في الوقت نفسه غيّر التفكير الخلاّق والروح المبتكرة لدى الأفراد والمنظمات أسلوب تفكيرنا حول ما هو ممكن في مجال حقوق الإنسان وبالتالي ما يمكننا تحقيقه
ويعمد الناس إلى ابتكار واستخدام تكتيكات خلاّقة لجعل عملهم أكثر فعالية وذلك في جميع أنحاء العالم وعلى كافة المستويات أكان في القرى الصغيرة أو داخل الحكومات الوطنية وكذلك على أعلى مستويات العدالة الدولية. ويستخدم مشروع التكتيكات الجديدة لحقوق الإنسان هذه التكتيكات المبتكرة ويتقاسمها مع آخرين يناضلون من أجل النهوض بحقوق الإنسان. إنني أدعوكم لمشاركتي الاحتفال بهذا العمل والاستفادة من هذا المورد القيّم المتوفر بين أيديكم الآن.
ولدى التفكير مليّاً في مجال عملي فقد تبين لي وجود فرص جديدة لتحقيق العدالة لضحايا أسوأ أنواع انتهاكات حقوق الإنسان. فتشكيل محاكم جرائم الحرب الدولية ليوغوسلافيا السابقة ورواندا؛ وهما أول محاكم من نوعها يجري استحداثها بدعم كامل من الرأي العام الدولي، قد فتح أبواب جديدة لتحقيق العدالة. وقد أدت الفِرَق الدولية العاملة في هذه المحاكم والمكونة من أشخاص وفدوا إليها من عشرات الدول مهمة لم يسعى إليها أحد من قبل حيث قام هؤلاء بوضع قانون جديد وسابقات قانونية جديدة، وتوجيه اتهامات لا تبدو مشابهة لمثيلاتها في الماضي في أي بلد. وقد قاما معاً بإيجاد تكتيك جديد مهّد الطريق لتكتيك آخر أكثر قوة وهو المحكمة الجنائية الدولية، التي يمكن من خلالها الآن توفير أداة لتحقيق العدالة بغض النظر عن المكان الذي تم ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية فيه أو الشخص الذي ارتكب تلك الجرائم.
وقد قمنا باستخدام تكتيك جديد آخر في إطار المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة حيث قمنا بجعل الاغتصاب جريمة حرب يمكن ملاحقة مرتكبها في إطار تلك الجريمة بدلاً من اعتبارها جريمة ثانوية مرتبطة فقط بجرائم أخرى. فعندما قامت المحكمة بتوجيه الاتهام إلى ثمانية ضباط من البوسنيين الصرب بارتكابهم جرائم اغتصاب منظمة ضد نساء مسلمات مثلت تلك الخطوة تغيّراً مفاجئاً في الأسلوب التي كان ينظر من خلالها العالم إلى الجرائم ضد النساء وإلى حقوق الإنسان. وقد أتاح هذا التكتيك تحقيق العدالة فيما يتعلق بعدد آخر من القضايا منذ ذلك الحين.
وربما أصاب الخبراء القانونيون الضحك قبل عشر سنوات عندما أثير موضوع توجيه اتهامات إلى دكتاتور قوي سابق مثل أوغستو بينوشيه أو تسليمه للعدالة حيث أن هذا التكتيك كان على ما يبدو غير متاح لنا. لقد كان المجرمون عند هذا المستوى بغض النظر عن وحشية الجرائم التي ارتكبوها وكانوا يتحركون في كافة أرجاء المعمورة بأمان ومنأى عن العقاب. إن اعتقال بينوشيه وتسليمه غيّر أسلوب تفكيرنا حول ما هو ممكن في مجال العدالة الدولية حيث أنه أضاف تكتيكاً جديداً لترسانة حقوق الإنسان، وهو تكتيك سيجري بالتأكيد استخدامه مرة بعد أخرى في المستقبل.
إنني أود أن أشيد بجهود المدافعين عن حقوق الإنسان لاستخدامهم المحاكم الوطنية والدولية وغيرها من المنابر العامة لجلب الانتباه إلى الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية حيثما تقع والدعوة بصوت عالٍ وبجرأة إلى تحقيق العدالة، إلاّ أن هذه التكتيكات تمثل عدداً قليلاً من التكتيكات الجديدة والمبتكرة التي يجري استخدامها من قِبَل الناس في كافة أنحاء العالم وفي مجالات ومناطق متنوعة ومختلفة كاختلاف التجربة الإنسانية نفسها، وذلك من أجل تعزيز وحماية الكرامة الإنسانية الأساسية.
إنني أفخر بانضمامي إلى مشروع التكتيكات الجديدة في مجال حقوق الإنسان بتقديمي هذا المصدر. وفي الوقت الذي لا يمكن لهذا المشروع الادعاء بأنه مرجع وافٍ إلا أنه يمثل خلاصة جامعة غنية لهذا التفكير الجديد والمبتكر والذي نأمل بأن يكون ذو قيمة لكم في مجالات عملكم.
- القاضي ريتشارد جي غولدستون
قاضي المحكمة الدستورية بجنوب إفريقيا (متقاعد)
رئيس هيئة الادعاء العام للمحاكم الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة ورواندا
رئيس مجموعة التحقيق الدولية بشأن كوسوفو
رئيس مجموعة التحقيق الدولية حول الإرهاب المنبثقة عن جمعية المحاميين الدولية
Page 2
شكر وعرفان
لم يكن في حدود المستطاع إخراج هذا العمل إلى حيّز الوجود لولا المساعدة والمشورة والدعم الذي تلقيناه من
عدد لا حصر له من الأفراد والمنظمات في كافة أرجاء العالم. إننا نشعر بالامتنان للأشخاص والمنظمات الواردة أسماؤهم في دليل العمل هذا لما قدموه لنا من مبادرات وللوقت الذي منحوه لنا للإجابة على تساؤلاتنا وإبلاغنا بعملهم وفي حالات عديدة قيامهم بكتابة وتحرير مقالات. كما نود أن نشكر أولئك الذين أوصوا منظمات ذات صلة بإجراء مقابلات لإدراجها في دليل العمل هذا.
لقد كتبت كيت كلش مديرة مشروع التكتيكات الجديدة لمشروع حقوق الإنسان ونسّقت الطبعات السابقة لدليل العمل كما قامت بتحرير هذه الطبعة والإشراف عليها بحيث أثر تفانيها التام لنوعية العمل ودقته علينا جميعاً. أما نانسي بيرسون فقد عملت على تطوير مصادر التدريب فيما وفرت لنا راشيل تشيدا التوجيه والخبرة. وقد قامت سوزان أفرسون بتحرير النصوص. وتولت بأم آرنولد كما تولى ماثيو ريزاك والموظفون في كلية مينيا بوليس للفنون والتصاميم برنامج أعمال التصميم بصبر ومهارة وقاموا أيضاً برعاية الكتاب من ألفه إلى يائه. أما دوغلاس جي جونسون فقد وضع الرؤية الأصلية وهيكل برنامج التكتيكات الجديدة اللذين لولاهما لما كان بالإمكان إطلاقاً إخراج هذا الكتاب إلى حيز الوجود.
لقد قام عدد من المتبرعين الكرماء بتقديم الدعم المالي اللازم لإيجاد الرؤية وجمع محتويات الكتاب بما في ذلك مؤسسة جون دي وكاثرين تي ماك آرثر ومؤسسة بول وفيليس فايرمان الخيرية وصندوق ائتمان سيغريد روزنغ (المعروف سابقاً باسم صندوق ائتمان روين وإليزابيث روزنغ) ومعهد السلام الأميركي ومتبرعون لا يرغبون في إعلان أسمائهم. وقام متبرعون آخرون بإيجاد مؤسسة قوية لهذا الكتاب وذلك من خلال دعم تداخل نشاطات مركز ضحايا التعذيب (CVT) في عناصر أخرى من مشروع التكتيكات الجديدة بما في ذلك المركز الدولي للنزاعات غير العنيفة والصندوق القومي الخيري ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبية ومؤسسة روكفلر ومركز بيلاغيو التابع للمؤسسة في إيطاليا ووزارة الخارجية الأميركية. ولقد تلقى شركاء مركز ضحايا التعذيب في المشروع أيضاً دعماً مالياً من عدد من المنظمات الأمر الذي جعل مشاركتهم ممكنة.
ونود أن نعرب عن تقديرنا للجنة الاستشارية للتكتيكات الجديدة ولأعضاء فريق العمل (المدرجة أسماؤهم جميعاً في القائمة المدرجة في صفحة 36) بالإضافة إلى آخرين دعموا هذا العمل من خلال مراجعتهم للكتاب والتعليق على ما ورد فيه. وقد أدت خبرة هؤلاء ومعرفتهم بحقائق الصراع القائم للنهوض بحقوق الإنسان وتفهمهم لما هو مفيد فعلاً بالنسبة للزملاء في كافة أنحاء العالم، أدت إلى توجيه التطور الذي حققه هذا الكتاب كما أدت إلى استمرار توجيه برنامج التكنيكات الجديدة.
ولقد قدم كل من القاضي ريتشارد أي غولدستون ومورات بلج ومورتن كيوروم وصوفيا ماخر وكايلاش ساتيارثي إسهامات كان من شأنها إضافة الكثير إلى محتويات الكتاب.
واستخدم آخرون مهاراتهم التحليلية والتحريرية رفيعة المستوى في مراجعة فصول الكتاب بما في ذلك سوزان أتوود وتانيا كرومي وفيل ديرنغ وباسيل فرناندو وباربرا فراي ودينا غلاغر وبول هوبت وكارين كانيزا وسلمى خان ومارك ريتشي وليز سيفشينكو وبروس فان فورهيس وزملاؤه في لجنة حقوق الإنسان الآسيوية. وقد ساعدنا كل من بول دالتون وكلارنس دياز وليام ماهوني وبول ميلني وسوزان ميريش وبوريس باستنتسيف والسير نايجل رودلي وأدسون سبنسر وراجش تاندون، على بلورة الفكر الذي يقف خلف ما يمثله الكتاب بوضعه الحالي.
إن الطبعة الحالية استمدت أسسها القوية من طبعتين سابقتين. هذا ونود أن نشكر بشكل خاص من بين أكثر من خمسين متطوعاً ساعدوا في الأبحاث والكتابة والتحرير والمراجعة لهذه المجلدات كلاً من أرون كريمر وبينيت فريمان وباربرا فراي وإدوارد هالبين وإيلين كوفمان ومورتن كيوروم وجون سالزبرغ وروبرت شوميك وديفيد وإيزبرودت. وقام وفيل ديرنغ بتحرير الطبعة الثانية بينما كتب فصول الكتاب كل من ودينا غلافر وكاني ساتو وكاثلين ويبر ووندي ويبر.
وفي الوقت الذي نشعر فيه بالامتنان لكل هؤلاء ولآخرين لا يمكننا إحصاءهم تجاه ما بذلوه من جهود موهوبة وما قضوه من وقت ولما يتمتعون به من بصيرة وكرم، فإننا نود أن نعترف طوعاً بمسؤوليتنا عن أي سهو أو خطأ يتضمنه هذا الكتاب. كما نود أن نؤكد أن الآراء والأحكام والنتائج أو التوصيات التي يتضمنها هذا الكتاب تعود لمشروع التكتيكات الجديدة ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر الممولين.
Page 3
الحاجة لتكتيكات جديدة
لدولاغلاس أي جونسون
خطت حركة حقوق الإنسان العصرية خطوات واسعة خلال العقود القليلة الماضية لتحقيق
التقدم باتجاه حقوق الإنسان المثلى ووضع أسس حماية بعينها. ووضعت الحركة معاهدات دولية جديدة تندد بالتعذيب وتوفر الحماية للنساء والأطفال كما توصلت إلى إجماع دولي حول تعريف النشاطات السياسية المشروعة التي تستحق الحماية والدعم. لقد تم توفير الحماية من الأذى للسجناء السياسيين كما وأن كثيراً منهم قد تم إطلاق سراحه. وتم في العديد من البلدان بناء مؤسسات متقدمة لتعزيز الالتزام بمعايير حقوق الإنسان الدولية على مستوى السياستين المحلية والخارجية. وليس بإمكاننا المبالغة في تحديد مدى أهمية هذه الإنجازات أو مدى الصعوبات التي كانت تقف حائلاً دون تحقيقها.
ولقد أدت ثلاثة تكتيكات في الغالب إلى تحقيق هذا التقدم وهي: (1) وضع معايير دولية أدت إلى إبرام معاهدات ومواثيق وقواعد؛ (2) مراقبة مدى الالتزام بهذه القواعد؛ (3) التنديد بالإجراءات التي تتخذها أو لا تتخذها الحكومات فيما يتعلق بخرق هذه القواعد ووصمها بالعار. ولقد نمت بصورة مؤثرة المهارات والبنى التحتية التي تطلبتها هذه الوسائل على مدى السنوات الماضية.
إن من الواضح أن هذه التكتيكات حققت تقدماً كبيراً مما يقتضي دعمها ومتابعتها. ومن الواضح أيضاً وجود معوقات كثيرة لما يمكننا تحقيقه بهذا الصدد، وأن هذه الوسائل ليست بحد ذاتها كافية لحل مشاكل حقوق الإنسان التي تبدو مستعصية.
ولنأخذ في الاعتبار مشكلة التعذيب حيث هنالك على سبيل المثال معاهدات ومعايير دولية ووسائل حماية دستورية وتشريعات وطنية ضد التعذيب أكثر مما يوجد ضد أية ممارسة أخرى من الممارسات المنتهكة لحقوق الإنسان. وهنالك رصد أوسع لأعمال التعذيب ليس فقط من قِبَل البنى التحتية لهيئات مراقبة تنفيذ المعاهدات بل أيضاً من جانب المنظمات الوطنية والدولية غير الحكومية بالإضافة إلى تأسيس أكثر من مائتين وخمسين مركزاً لإعادة تأهيل الناجين من التعذيب في شتى أنحاء العالم، حيث يقوم كل منها بتوفير مصادر طبية تعمل على توثيق عمليات التعذيب التي يتعرض لها آلاف الضحايا، كما وترفع من القدرة القضائية المؤدية إلى توثيق التعذيب الذي يحظى بأعلى قدر من التوثيق والتنديد بين كافة انتهاكات حقوق الإنسان.
وعلى الرغم من ذلك وعندما قامت منظمة العفو الدولية بإطلاق حملتها الدولية الثالثة ضد التعذيب عام 2000، أكدت أن التعذيب كان منتشراً بنفس القدر الذي كان عليه عندما قامت المنظمة بإطلاق حملتها العالمية الأولى في 1974.
ففي العقد الماضي وحده شاهدنا انتهاكات لحقوق الإنسان مذهلة في نطاقها في كل من البوسنة ورواندا وسيراليون وأكثر من مائة وخمسين دولة أخرى ما زالت ترتكب فيها أعمال التعذيب أو تسمح به مما يدفعني إلى القول بأن هنالك تقاعساً ما.
إن محور النقاش في هذا الكتاب يتركز حول ما يتطلبه التقدم في مجال حقوق الإنسان من ابتكار لإيجاد حقل أوسع في هذا المجال يضم أشخاصاً وقطاعات مجتمعية أكثر مما هو موجود حالياً. وهذا يتطلب أيضاً تطوير وسائل أخرى أكثر شمولاً للفهم، وهو ما لا يمكن تحقيقه إلاّ من خلال استخدام نظام أوسع من التكتيكات المستخدمة حالياً.
ولقد بدأ الممارسون المتفانون في عملهم في مجال حقوق الإنسان في كافة أنحاء العالم هذه المهمة بالفعل، وذلك من خلال تطوير وسائل مبتكرة وبناء تحالفات استراتيجية غير متوقعة وتلقّي العلم من قطاعات لم تكن في الحسبان. ويهدف مشروع التكتيكات الجديدة في مجال حقوق الإنسان إلى جمع هؤلاء المبتكرين وتمكين آخرين من تلقي الإلهام من عملهم. ويتضمن هذا الكتاب أكثر من خمس وسبعين قصة حول الابتكار التكتيكي، تناول فيها طلاب وفلاحون ومفوضون حكوميون وآخرون يستخدمون تكنولوجيا متطورة أو أدوات متوفرة فعلاً، أشخاص يعملون لتحقيق أهدافهم التي تبدو مختلفة كالانتخابات النزيهة وتوفير المياه النظيفة وتحقيق الحرية للسجناء السياسيين.
إن هذه القصص كلٌّ على حدة هي قصص ملهمة وهي تمثل بمجموعها في الكتاب اللاحق رؤى لما يمكن تحقيقه في مجال حقوق الإنسان.
Page 4
محددات الاستراتيجية الحالية
يمثل الإصرار على ممارسة التعذيب تحديّاً للمجتمع العالمي. ولقد حان الوقت في ضوء عدم نجاح استخدام التكتيكات الثلاثة الأكثر شيوعاً في تخفيف ممارسة التعذيب، كي ننظر مليّاً في محددات الاستراتيجية الحالية. وينبثق بعض الإدراك لهذه المحددات من عملية أطلق عليها أنا اسم «التطابق الثنائي الاستراتيجي».
ولنبدأ بالعلاقة ما بين من يقوم بالتعذيب والضحية. حيث قام فريق مكون من عشرة خبراء في التعذيب بوضع رسم بياني أو تخطيطي للعلاقات الأخرى التي تنطوي على هذا الانحراف الأساسي والتي تتيح ممارسة التعذيب. فعلى سبيل المثال، فإن الأشخاص الذين يقومون بالتعذيب، ينتسبون عادة لفريق يتمتع بقيادة قوية داخل الإدارة الحكومية، ويمكن أن يكون هؤلاء أيضاً جزءاً من مركز معين للشرطة أو وحدة عسكرية. ولقد تتبعنا هذه العلاقات عمودياً لكي نستوعب تسلسل القيادات التي تخطط وتنظم وتموّل استخدام التعذيب إلا أننا قمنا أيضاً بالنظر إلى كل واحدة من تلك العلاقات أفقياً من أجل أن نتفهم مواطن النفوذ والعلاقات المحتملة الأخرى. فمراكز الشرطة، على سبيل المثال، تضم أيضاً مدنيين وأطباء لهم علاقات مع العالم الخارجي الذي يمارس نوعاً من الرقابة والنفوذ عليهم. ولقد أبرزت الخريطة الأولية التي تم إعدادها باستخدام هذه العملية أكثر من أربعمائة علاقة، تراوحت بين العلاقات المحلية ذات المستوى الرفيع والعلاقات مع المجتمع الدولي.
ولقد افترضنا بأن كل علاقة ضمها الرسم التوضيحي كانت مكاناً محتملاً لبدء التدخل لاعتراض أو السيطرة على الثنائي الذي يضم مرتكب التعذيب والضحية. ولقد قمنا بوضع خريطة للعلاقات المستهدفة من قِبَل التكتيكات المختلفة ومن ثم سلسلة العلاقات المنطقية التي ينبغي أن تؤثر عليها وذلك بمساعدة الرسم التوضيحي لكي نتمكن من اعتراض هذا الثنائي المتطابق (والذي انبثق منه تعبير التطابق الثنائي الاستراتيجي)(1). ولقد توصلنا إلى عدد من النتائج الهامة:
1. لقد تم استحداث معظم التكتيكات عند الحواف البعيدة للرسم التوضيحي، كالمستوى الدولي، مما يعني أنهم اضطروا إلى شق طريقهم عبر العديد من شرائح العلاقات الأخرى قبل أن يؤثروا بطريق غير مباشر بالثنائي المتطابق الذي يضم مرتكب التعذيب والضحية. ولقد خمّنا أن هذا أضعف أو شتّت قوة الفعل.
2. أن الأنظمة التي تستخدم التعذيب تكون غالباً أنظمة معقدة للغاية وليست هشة أو سهلة الاعتراض، مما يمكن المؤسسات المختلفة التي تستفيد من استخدام التعذيب من دعم بعضها البعض. فعندما تتم مهاجمة جزء من النظام تتولى الأجزاء الأخرى (كنظام الشرطة ونظام الادعاء واللامبالاة التي يبديها القضاء) المساعدة في حماية الهدف والسماح له بإصلاح نفسه. إننا ندرك أن هذا يعني أن النظام لن يستسلم للتكتيكات الفردية وأن الأمر يتطلب أن يقع النظام تحت تأثير مجالات متعددة في آن واحد لخلق حالة من عدم التوازن والحيلولة دون حدوث إصلاح للذات. ويقتضي هذا استخدام التكتيكات المتعددة التي تعمل متكاتفة كجزء من استراتيجية أكثر شمولاً.
3. تدمج معظم المنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان عدداً محدوداً من التكتيكات وذلك في إطار الأدوار التي تؤديها. وتميل المنظمات نحو التركيز على مجموعة ضيقة من التكتيكات، كما وأنها نادراً ما تتهاون في تطبيقها. ولا يؤدي هذا العائق فقط إلى التأثير الضيق جداً على قطاعات في نظام معقد يتّسم بالتطبيق المتبادل، بل يتجاوزه بحيث تتولى كل منظمة تشكيل استراتيجيتها بناءً على هذه القدرة المعزولة بدلاً من الاعتماد على ما هو ضروري للتأثير على الوضع. إننا نفعل ما نستطيع أن نفعله لا ما نحتاج أن نفعله، كما افترضنا أن زيادة التنسيق بين التكتيكات المختلفة سيجعلها أكثر فعالية.
4. لم تتأثر الكثير جداً من العلاقات التي أدرجت على الرسم التوضيحي كما أنها لم تشارك بأي شكل من أشكال العمل الحالي. ولم يتم استقطاب مواطن القوة أو مجالات الاهتمام لاستخدامها في العمل مما دعانا إلى الاستنتاج بضرورة استخدام سلسلة أوسع كثيراً من التكتيكات اللازمة لتفعيل دور كل من هذه الأطراف المحتملة.
«أنا لا أناقش ما يقال بأن التفكير التكتيكي أو التدريب يسبق التفكير الاستراتيجي بل بأن التطور التكتيكي يثري الأفكار الاستراتيجية»
إنني أعتقد بأن هذه الاستنتاجات نفسها تبقى صحيحة بالنسبة لقضايا أخرى أكانت الاجتماعية منها أو تلك التي تتعلق بحقوق الإنسان. إننا بحاجة لأن نجد طرقاً أخرى للعمل متكاتفين، وإلى طرق جديدة لإيجاد استراتيجيات فعالة من أجل التغيير. إن بعض الاستراتيجيات الحالية تحتاج إلى هيكل كي يتم من خلالها تجميع الموارد المحدودة للعديد من الأشخاص بفعالية أكبر داخل حملة موحدة. وقد يتطلب هذا ما أطلق عليه اسم «جامع الشمل الاستراتيجي» والذي قد يكون مؤسسة أو شخصاً لها أو له مصداقية أخلاقية يمكن من خلالها جمعنا معاً في إطار علاقة عمل جديدة، إلا أن آخرين يمكن أن يبدأوا بدافع يأتي من منظمات تعمل على تفحّص وسائل جديدة للضغط على أنظمة معقدة، ولتحفيز أداء مشاركين جدد ضمن النسيج الاجتماعي. ويمثل هذا الكتاب جزءاً من مشروع مهيمن هو مشروع التكتيكات الجديدة في مجال حقوق الإنسان بهدف تطوير حوار داخل حركة حقوق الإنسان حول كيفية تحقيق ذلك، ولكي نبيّن بشكل واسع بعضاً من الأدوات المتوفرة لنا لتحقيق أداء أكثر فعالية.
Page 5
فكرة وليدة
تم تأسيس مركز ضحايا التعذيب (CVT) في 1985 كأول مرفق يقدم المعالجة الشاملة للناجين من التعذيب في الولايات المتحدة. ومنذ البداية، كان تصور قيادة مركز ضحايا التعذيب لعملها يتخلص في تطوير تكتيك جدي لاستخدامه من قِبَل حركة حقوق الإنسان. ففي الوقت الذي بدأنا فيه تفهّم أي من التكتيكات يمكن أن ينبثق من عملنا قمنا أيضاً بتشجيع تطوير برامج إعادة تأهيل أخرى للناجين من التعذيب. ولقد أوجدت هذه المؤسسات الجديدة فرصاً استراتيجية جديدة لحركة حقوق الإنسان تتلخص مثلاً في استعادة القيادة المفتونة بالقمع، ومساعدة المجتمعات على التوصل إلى موقف واضح من إرث الخوف، وتنظيم مجتمع الرعاية الصحية باعتباره جزء من حركة حقوق الإنسان. ولقد بدأنا من خلال عملنا أيضاً بجمع القصص عن الجماعات والأشخاص الذين يقومون بالإبداع خارج إطار بؤرة مجرى التفكير العادي.
لقد تم استحداث مشروع التكتيكات الجديدة في 1995، حيث تم بعد ذلك بفترة قصيرة عقد اجتماعات للمجموعات الاستشارية في تركيا لاستكشاف فكرة عقد ندوة حول «أفضل الممارسات» لتفحّص التكتيكات المستخدمة في كافة أرجاء العالم لإيجاد حلول – أو للكفاح بصورة أكثر فعالية – ضد الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان. لقد أردنا أن نركز على الحلول بدلاً من المشاكل وأن نتقدم انطلاقاً من الفكرة القائلة، ولو جزئياً على الأقل، بأن الانتهاكات تستمر نتيجة الإحباط الذي يشعر به المجتمع المدني والحكومة بسبب عدم توفر أمثلة محددة لما يجب أن يتم عمله. وعلى الرغم من أننا اعتقدنا بأن عمليات التنوير حول المشاكل كانت مفيدة، إلا أن هذه العمليات كانت تتم بالفعل وبصورة جيدة من قِبَل حركة مجرى التفكير العادي، وهكذا فلقد اعتقدنا بأنه لم يجرِ تركيز اهتمام كافي على الحلول الفعالة. لقد جرى التركيز الشديد بالفعل على كلمة «ماذا» فيما لم تلقَ كلمة «كيف» إلا القليل القليل من الاهتمام.
لقد وجدت الفكرة تجاوباً واحتراماً لدى قطاع واسع من القادة في تركيا. ففي 1997 أوجد مركز ضحايا التعذيب شراكة له مع مؤسستين تركيتين هما مجلس مواطني هلسنكي ومركز حقوق الإنسان التابع لمعهد الشرق الأوسط للإدارة العامة وذلك من أجل تطوير مشروع التكتيكات الجديدة في مجال حقوق الإنسان. ولقد بدأت الأبحاث المنظمة جول التكتيكات المبتكرة بنشاط في 1999 وذلك بدعم من مؤسسة جون دي وكاثرين تي ماك آرثر. وقمنا أيضاً بتشكيل لجنة استشارية دولية تضم تسعة قادة عالميين لتوفير الرؤية والدعم السياسي، كما قمنا بتشكيل مجموعة عمل حول حقوق الإنسان من واحد وعشرين من القادة البارزين في مجال حقوق الإنسان في كل منطقة من مناطق العالم تقريباً للمساعدة في التعرف على التكتيكات الواعدة، وللمساهمة في التوجهات الشاملة للمشروع.
ولقد اجتمعت مجموعة العمل مع أعضاء المجموعة الاستشارية التركية في 2000. وترأس الاجتماع رئيس وزراء كندا كيم كامبل الذي مثّل أيضاً اللجنة الاستشارية الدولية. وانهمكت المجموعة في مناقشات حول الوسائل المبتكرة لتحقيق التقدم في مجال حقوق الإنسان وصاغت وسائل تدريب متقاطعة كما وضعت خطط عمل مستقبلية للمشروع.
وعلق أشخاص عملوا معظم حياتهم في مجال حقوق الإنسان فبينوا كيف ساعدتهم الأفكار والمعلومات التي تم تبادلها خلال الاجتماع على التفكير بصورة مغايرة في الفرص المتاحة لضم أناس جدد والتعامل مع قضايا من خلال تبني منظور جديد. ولقد استمرت جهودنا لبناء هذه الرؤية المبدئية من خلال توفير الأدوات – بما في ذلك هذا الكتاب وموقع على الإنترنت (www.newtactics.org) ومن خلال تدريب مدافعين عن حقوق الإنسان حول الابتكار التكتيكي والتفكير الاستراتيجي باستخدام سلسلة من ورش العمل الإقليمية للتدريب المتقاطع.
Page 6
هيكل التفكير لدينا
لقد علمني العمل لدى مركز ضحايا التعذيب على مدى السنوات الست عشرة الماضية بأن هنالك ملابسات اجتماعية وسياسية هامة لتوفير العلاج للناجين من التعذيب، فقد أعادت تشكيل تفكيري حول التمييز المفترض ما بين منع التعذيب والعناية بالناجين منه. واكتشف العاملون في مركز ضحايا التعذيب بأن العناية بالناجين تتناول شفاء القيادة ومساعدة المجتمعات على التغلب على إرث الخوف. ولقد اكتشفنا بأن المجاز اللغوي لكلمة الشفاء توجد مجالاً سياسياً أكثر أماناً تسمح للمجتمعات بالتجمع والعمل وتعلم تحمل المخاطر. وتستقطب مراكز العلاج، كمركز ضحايا التعذيب، مجموعات جديدة كالمعلمين والمحترفين في مجال الرعاية الصحية وصانعي القرار لضمهم للعمل في مجال حقوق الإنسان. ومن خلال موقعنا كمركز للعلاج نكافح من أجل وضع نهاية للتعذيب ونسعى لوضع سياسات وقوانين للنهوض بمستوى معيشة ضحايا التعذيب. وعلى الرغم من أننا لم نسع لوضعها في هذا الإطار خلال السنوات الأولى على الأقل، إلا أننا كنا نعمل على توسعة تعريف العمل الخاص بحقوق الإنسان وتطبيق تكتيكات جديدة في هذا المجال.
ولقد كان دوري في الحملة الدولية لغذاء الطفل في حقبة السبعينات والثمانينات وضع أطر لأفكاري حول التكتيكات الجديدة. ففي أواخر 1976 ترأست مجموعة نشطاء ريفية تعمل في مجال مكافحة الجوع حيث كانت لدينا ميزانية سنوية متواضعة للبرنامج تبلغ خمسمائة دولار بالإضافة إلى راتبي الذي لا يكاد يكفي لسدّ رمقي. وبدأت مجموعة صغيرة منا بالعمل سوياً في أرجاء البلاد حيث أوجدوا «ائتلاف صيغة العمل من أجل الطفل» (INFACT).
ولقد قمنا بما كان متوفر لدينا من موارد ضئيلة بتنظيم مقاطعة ضد أكبر شركة عالمية للأغذية، وهي شركة نستلة، وذلك لإجبارها على إدخال تغييرات على طرق تسويق البدائل لحليب الرضاعة، كما قمنا ببناء شبكة تضم ثلاثمائة فرع أميركي، وأوجدنا ائتلافاً من أكثر من مائة وعشرين منظمة وطنية مساندة تضم أكثر من أربعين مليون عضو، ووضعنا أسس أول مقاطعة ريفية دولية تعمل في عشرة أقطار، وأسسنا أول شبكة إصدار عبر الحدود الإقليمية وهي شبكة (IBFAN) التي تعمل في سبعة وستين بلداً والتي أصبحت إحدى أول المؤسسات غير الحكومية التي تتم دعوتها على قدم المساواة مع الدول والشركات الكبرى للمشاركة في اجتماعات هيئة الأمم المتحدة، والتي تولت أخيراً التفاوض من أجل وضع قانون تسويق الشركات الأول والوحيد الذي يصدر عن المنظمة الدولية. ثم قامت، بعد أن ألحقت خسائر قدرت بخمسة مليارات دولار بشركة نستلة، بتوقيع اتفاقية مشتركة مع الشركة لتغيير ممارساتها التسويقية لتتماشى مع القانون الدولي، وهي اتفاقية وصفت بأنها «أهم انتصار في تاريخ حركة المستهلكين الدولية».
إنني أشعر بالفخر بتلك الحملة وبعملي الذي استغرق حوالي عقد من الزمن. ويمكنني التعرف على الكثير من الأخطاء التي تسببت بها معرفتي المحدودة بالتكتيكات. فعلى سبيل المثال لا الحصر قمت مبدئياً بالخلط ما بين التكتيكات والاستراتيجية، فالتفكير الاستراتيجي يتناول حقيقة كيفية الاستفادة القصوى مما هو متوفر لك، وحيث أنه لم يكن في ذهني سوى تكتيك واحد متاح لي فقد أصبح ذلك ربما خياراً أوحد وحتمياً. وكما هو الحال بالنسبة لقادة كثيرين انطلقوا من المستوى الريفي لإصلاح ما هو خطأ، فقد بدأت على مستوى النشاط إلى أن تخرجت في مجال التفكير حول التكتيكات وكافحت كي أفهم كيفية تشكيل الاستراتيجية دون أن تكون هناك سوى النذر القليل من الأدوات المتوفرة لدي.
وحيث أنني اكتسبت خبرة أوسع في مجال وضع استراتيجية لأية منظمة، فقد أصبح من الواضح أكثر بالنسبة لي بأنه كلما كان لدينا فهم أوسع حول التكتيكات فإنه ستصبح لدينا مرونة أكبر لتحديد اتجاهات استراتيجية جديدة. وهكذا فإنني لا أناقش بأن التفكير التكتيكي أو التدريب يسبقان التفكير الاستراتيجي، بل إن التطور التكتيكي هو الذي يثري التفكير الاستراتيجي.
Page 7
الأهداف والاستراتيجية والتكتيكات
في الوقت الذي يبدو فيه التركيز على التكتيكات ضرورياً فإن ذلك لا يشكل أولوية قصوى بالنسبة لأية منظمة. ويتعين على أية منظمة أن تضع أولاً أهدافاً عريضة تعكس القيم والعقائد التي يتبناها مؤسسوها وقادتها وأعضاؤها والتي تشكل رسالتها وأهدافها. ويتعين أن تكون تلك الأهداف واضحة وذلك من أجل التركيز على التخطيط. وتحتاج المنظمة أيضاً وضع أهداف متوسطة المدى تبين بصورة أوثق ما يمكن تحقيقه بمضي الوقت، وتنطوي على رؤية استراتيجية لما يمكن إنجازه.
ليس هنالك أي غموض بشأن الاستراتيجية وذلك على الرغم من أنه من الصعب غالباً التفكير بصورة استراتيجية. فالاستراتيجية ليست قراراً واحداً بل هي خليط من القرارات مقرونة باختيار أهداف رئيسية وهامة وإدراك لجمهور المناصرين الأساسيين، بالإضافة إلى الموارد والقرارات التي سيتم إخضاعها للتكتيكات التي سيجري استخدامها في الوقت الذي يتعين استخدامها فيه. فقبل أكثر من ألف سنة، قام صن تزو بتعليم تلامذته بأن الاستراتيجية تنبثق من فهم العدو «أهدافه واستراتيجيته ونقاط قوته وضعفه»، وفهم أنفسنا «حلفائنا ومصادر قوتنا ومحدداتنا»، وتفهم طبيعة الأرض «حيث ستقع المعركة». أن تكتيكات العدو تشكل مكوناً رئيسياً لاستراتيجيته ومعرفة مثل تلك التكتيكات يساعدنا على إبطالها. فما يمكننا إنجازه، بما في ذلك التكتيكات التي نعرفها والتي يمكننا تطبيقها بنجاح، سيؤثر في وضع استراتيجيتنا لذلك فالتفكير التكتيكي هو احد المكونات الهامة للتفكير الاستراتيجي.
إن التكتيك هو إجراء محدد يقوم به المرء في إطار استراتيجية، وهو طريقة لتنظيم مواردنا للتأثير على التغيير في العالم. ويمكن أن يكون التكتيك نشاطاً أو نظاماً أو حتى مؤسسة في حالة من الأحوال وتقنية في حالة أخرى. وستظهر التكتيكات نفسها بصورة مغايرة تعتمد على حجم المنظمة وقدرتها ومواردها. وتمثل التكتيكات الوسيلة التي يمكن للمرء أن يلجأ إليها لتحقيق التغيير، فيما تنطوي الاستراتيجية على القرارات المتعلقة باستخدام أي من التكتيكات والأهداف التي تستحق التركيز عليها والموارد التي يمكن توظيفها. إن معرفتنا بالتكتيكات تشكل أيضاً الاستراتيجية التي نختارها.
إن التفكير التكتيكي ضروري لأي نضال فعال في مجال حقوق الإنسان. واسمحوا لي بشرح هذا الاستنتاج بشيء من التفصيل:
1- إن ما نعرف كيف نفعله يؤثر في ما نفكر بأنه من الممكن عمله؛
التكتيكات تساعد على تحديد الاستراتيجية.
إنني لا أرغب في أن أكون قدرياً بصورة مبالغ فيها، فالابتكارات تحدث عبر التاريخ الإنساني كله عندما يقوم شخص ما بإيجاد ردّ فعل جديد لمشكلة ما، وعلى أي حال فالتاريخ الإنساني مليء بالأمثلة حيث تتم تجربة الحل نفسه مرة بعد أخرى دون تحقيق أي نجاح، أو حيث يتم استبدال تكتيك قديم بآخر جديد. وهنالك مثالان جيدان نابعان من التاريخ العسكري. (1) تطور كردوسة المشاة لدى اليونان والذي تم بموجبه إيجاد نظام للقتال يتغلب على الاعتماد التقليدي على المقاتلين الخيالة غير المنظمين وكثيري العدد. (2) دمج القوس الطويل في الجيوش الإنكليزية لهنري الخامس والذي تم من خلاله التغلب على الفرسان المدججين بالسلاح. لقد مهّد الابتكار التكتيكي الطريق أمام فرص استراتيجية جديدة.
ومن قبيل ذلك فعندما يتم تعريف تفكيرنا حول كيفية العمل بشكل ضيق فإننا نحصر وجهات نظرنا في ما يمكن تحقيقه. ولقد قمت برفض الكثير من النصائح الجيدة خلال حملة غذاء الأطفال لأنني لم أكن أعرف كيفية القيام بالنشاطات المقترحة، كما وأنه لم تكن لدى الإمكانيات المالية لدفع أجور من قاموا بتلك الأنشطة.
2- التكتيكات المختلفة هي تكتيكات فعالة ضد أهداف مختلفة.
لا تتساوى جميع التكتيكات في تأثيراتها على جميع الأهداف. إن حملات كتابة الرسائل الموجهة إلى الحكومات الديمقراطية تختلف في ردود أفعالها عن تلك المساوية لها في عدد الرسائل والموجهة إلى الحكومات الاستبدادية. وتحتاج المقاطعة الاقتصادية إلى هدف معني بوضعه الاقتصادي ويمكن إضعافه بطريقة يمكن ملامستها من جانب المشاركين.
ويتعين علينا أن نتعلم كيفية تفصيل تكتيكاتنا لتتلائم مع أهدافنا بحيث نهتدي لتلك التي يكون لها التأثير الأوفى. فعندما تفشل التكتيكات في إحداث التأثير على أهدافنا فإنه يتعين علينا عندئذ ابتكار تكتيكات جديدة أكثر فعالية.
3- التكتيكات المختلفة تلقى قبولاً من جمهور مناصر مختلف.
لكل منا أسلوبه الخاص في التعلم. ويعترف المدرسون الجيدون بهذا وهم بذلك يساعدوننا على التعلّم من خلال قيامهم بتغيير تكتيكاتهم في التدريس. ولكي نتمكن من تحفيز أكبر عدد من الأشخاص للانخراط في العمل في مجالات حقوق الإنسان فإننا نحتاج إلى اتخاذ الموقف نفسه تجاه تكتيكات التغيرات الاجتماعية.
ويجد بعض الناس بأن التظاهر أمام منزل أحد ممارسي التعذيب هو تكتيك مرعب للغاية، في حين يجد آخرون أن كتابة الرسائل أيضاً يبعد التغيير المطلوب عن هدفه. ويمكننا أن نناقش من هو على صواب، كما وأن بإمكاننا التأكد من أن الناس يتجاوبون بأشكال مختلفة تجاه تكتيك مبني على مفاهيمهم حول المسببات وتحملهم للمخاطر والوقت المتوفر لهم أو طريقتهم في التعامل مع المعلومات.
فإذا ما تجاوب مجتمع حقوق الإنسان بقيامه بتقديم تكتيك واحد أو اثنين لإشراك الجمهور فإننا سوف نتوجه لجمهور ضيق وهو الجمهور الذي يجد في هذه التكتيكات قدراً من المعقولية. فالتكتيكات القانونية، على سبيل المثال، هي تكتيكات يصعب جداً استخدامها لدى قطاعات عريضة من السكان إذ أنها غالباً ما تكون طويلة الأمد وذات طبيعة معقدة لا يفهمها إلا أصحابها، بحيث لا يتمكن من تفهمها سوى فئة قليلة من المهنيين مما يستدعي توظيفنا لتكتيكات أخرى تعطي المزيد من الناس فرصة للمشاركة بدلاً من البقاء مراقبين.
ولقد تعلم الناس في الثقافات التي مورس فيها القمع أن يعمدوا إلى الانسحاب من الحياة العامة. ولكي يتم تفعيل الناس في مثل هذه الثقافات فإننا نحتاج إلى تقديم تكتيكات تتجاوب مع مختلف مستويات تحمل المخاطر ومع وجهات النظر المختلفة، بشأن التغير الاجتماعي.
Page 8
4- مرونة التكتيك مصدر من مصادر المفاجأة.
عندما نعمد إلى تكرار التكتيكات نفسها فإن أعداءنا يعلمون كيف يواجهون تلك التكتيكات وكيف يحتوون تأثيراتها.
فعندما قمنا بإعلان المقاطعة ضد شركة نستلة كان رد فعل الشركة مبالغاً فيه مما أوقعها في العديد من الأخطاء التي أدت في النهاية إلى تقوية المقاطعة، إلا أنه مع استمرار الحملة لفترة طويلة تمكنت نستلة من تطوير خبراتها لتخفيف حدة الانتقادات، كما قامت بتطبيق وسائل هجوم مضادة فعالة. لقد كنا نعمد باستمرار إلى تغيير تكتيكاتنا لنفقد الشركة توازنها ونجعل هجماتها المضادة غير فعالة.
إن استمرار الانتهاكات لحقوق الإنسان يؤكد وجود أعداء أذكياء ومتنفذين يملكون موارد وفيرة. ويمكن للمرء تخيل فعالية أول حملة لكتابة الخطابات التي شنتها منظمة العفو الدولية وذلك لأن تكتيكها كان مفاجئاً للغاية، إلا أن بالإمكان التخيل وبعد ثلاثين عاماً كيف تعلمت معظم الدول استخدام البيروقراطية لاحتواء ردود الفعل وبالتالي حماية نفسها من هذا التكتيك.
وما من شك في أن عنصر المفاجأة يفقد العدو توازنه وهو بالتالي يؤدي إلى أخطاء تؤثر سلباً على موقفه، كما وأنه قد يؤدي إلى التعلّم حيث أن هدف التكتيك قد يكتسب بعد نظر جديد أو يؤدي إلى تفهم ضرورة إحداث تغير إيجابي. ويؤدي عدم المرونة إلى تكرار في تفكيرنا فيما تؤدي المرونة لدى العدو إلى تعزيز التعلم لدى الجانبين.
5- تؤدي التكتيكات إلى تعليم المشاركين والمراقبين كيفية المشاركة في شؤون العالم.
أدت أول حملة لغذاء الأطفال (1975-1985) إلى إيجاد وسيلة جديدة لإدارة السياسات العالمية. ولقد مثلت هذه الحملة تحدياً حيث أن كل مرحلة منها أوجدت أسبقيات جديدة. فلم يكن هنالك أحد ليدربنا على ما هي الخطوة التالية التي يتعين علينا اتخاذها. ومنذ ذلك الحين تشكلت حملات دولية أخرى وعملت في الإطار نفسه حيث تمكنت من التحرك بسرعة أكبر بكثير. انظروا إلى الحملة الدولية لحظر الألغام الأرضية التي استطاعت تحقيق أهدافها خلال ثمانية عشر شهراً فيما استنفذت (INFACT) منا عشر سنوات تقريباً. إنني انظر لهذه الظاهرة كشيء أقرب ما يكون لموسيقي يتعلم قطعة جديدة من الموسيقى، فكلما استمررنا في العزف تتعلم عضلاتنا كيف تتحرك بحيث تعطي المخ فرصة للتخطيط لنغمات موسيقية جديدة وتحسينات ذكية. وكلما استمررنا في الممارسة أصبحت العملية أكثر سهولة.
وهناك مثال آخر من أوروغواي، حيث لم يتم على الإطلاق وعلى مدى سبعين عاماً تفعيل نص في دستور أوروغواي يسمح بإجراء استفتاء شعبي لإبطال تشريع برلماني، إلا أن مجتمع حقوق الإنسان في أوروغواي نفض الغبار عن هذا النص وجمع تواقيع أكثر من خمسة وعشرين في المائة من الناخبين في محاولة لرفع الحصانة التي يتمتع بها أشخاص قاموا بتعذيب وقتل مواطنين خلال فترة حكم الديكتاتورية. وعلى الرغم من أن الاستفتاء فشل بفارق ضئيل، إلا أن الشعب في أوروغواي تعلم طريقة جديدة لممارسة السياسة، بحيث تم اللجوء إلى مثل هذا الاستفتاء ثماني مرات أخرى خلال السنوات الاثنتي عشرة التالية.
6- تعتبر التكتيكات أنظمة تدريب لإلحاق المشاركين والحلفاء بأعمال المنظمة.
قد تكون بعض التكتيكات قصيرة المدى (مثل التظاهرات)، فيما قد يكون بعضها الآخر أطول مدى (مثل المقاطعة) إلا أنها جميعاً، شأنها في ذلك شأن أنظمة النشاطات الفاعلة، تحتاج إلى تخطيط وتنسيق وتوجيه.وهي تخلق فرصاً للعديد من المواطنين للانخراط في هذه الأنشطة والتعلم والالتزام بصورة أوثق بأنشطة المنظمة أو الحملة. إن الانخراط في هذه الأنشطة على المستوى التكتيكي يوفر أرضية ممتازة لتدريب الموظفين الأصغر سناً والمتطوعين الجدد.
عندما اقترح مركز ضحايا التعذيب لأول مرة استحداث قانون مساعدة ضحايا التعذيب في مجلس الشيوخ بالولايات المتحدة (وهو تكتيك تشريعي) استخدمنا فرص إشراك منظمات أخرى تعنى بحقوق الإنسان بالإضافة إلى المجتمع الديني وغيرهم من الحلفاء المحتملين. وقد أصبح هؤلاء من خلال مشاركتهم أكثر اطلاعاً بأعمال برامج إعادة تأهيل ضحايا التعذيب وما اكتسبه الناجون من هؤلاء من تجارب حيث بدأوا بدمج مفهومنا للتعذيب في اللغة التي يستخدمونها.
ويعتبر الابتكار التكتيكي مهماً لتحقيق التطبيق الناجح لحقوق الإنسان في كافة أرجاء المعمورة. فمن خلال التوسع في تفكيرنا على المستويين التكتيكي والاستراتيجي أصبح لدى مجتمع حقوق الإنسان الفرصة ليصبح أكثر فعالية. ويمكن تلخيص ذلك بما يلي:
1. وجود سلسلة ضيقة من التكتيكات يؤدي إلى عدد أقل من الداعمين في حين تؤدي سلسلة أوسع من التكتيكات إلى تجاوب أكبر لدى مجموعة أوسع من المؤيدين.
2. إن الاعتماد المفرط على أي من التكتيكات يؤدي إلى تطبيقها في ظل ظروف خاطئة، كما يؤدي إلى إضاعة الفرصة لتوسيع الأهداف الاستراتيجية، في حين يخلق التفكير التكتيكي المرن الفرصة لتحقيق استهداف استراتيجي محسوب جيداً.
3. يشجع التكتيك المستخدم بإفراط العدو على القيام برد فعل منظّم، كما يجعل من الأسهل على الأعداء الدفاع عن مواقفهم، أما مرونة التكتيك تولد عنصر المفاجأة وتساعد على التعلم.
إننا لا نسعى لأن يكون هذا الكتاب بمثابة كتاب طبخ لإيجاد الاستراتيجيات أو لتعزيز أية مجموعة من التكتيكات بعينها، فالخيارات التكتيكية يجب أن تتأثر بقدرات الفريق وتحمله للمخاطر وتحليله للعدو أو الأوضاع العدائية بالإضافة إلى المضمون الذي سيتم استخدام التكتيكات فيه.
إننا نأمل عوضاً عن ذلك بإلهام ممارسي حقوق الإنسان بان يفكروا استراتيجياً وأن يثروا قاموس التكتيكات الخاصة بهم بحيث يتم توفير لمحة بسيطة لمجال العمل الخلاّق في كافة أرجاء العالم. إننا نتحدى أنفسنا داخل الحكومات ومؤسسات حقوق الإنسان بأن نستثمر في تطوير الأدوات الاستراتيجية التي تمكننا من العمل معاً بصور أكثر فعالية.
Page 9
التكتيكات الجديدة في مجال حقوق الإنسان
مورد للممارسين:التكتيكات والتفكير التكتيكي
أصبح التخطيط الاستراتيجي على مدى ربع القرن الماضي
المعيار لدى المنظمات غير الحكومية. ومن الغريب أن فكرة التكتيكات لم تصاحب تطور التخطيط الاستراتيجي، وهي ما زالت بالنسبة للكثير من الناس مجرد تعبير يقلل من شأنها. ونحن نقوم عادة بوصف شيء أو شخص بأنه «تكتيكي» وليس «استراتيجي»، بمعنى أنه خاضع لتفكير محدود وقصير المدى بدلاً من التفكير المتعقل طويل المدى. وتنطوي كلمة «تكتيكات» على المناورة لتحقيق مكسب أو الحصول على منصب على المدى القصير، ربما بأسلوب غير أخلاقي. ولقد أثارت كلمة تكتيكات عدداً من الأسئلة بسبب عدم استخدامها كثيراً في مجال حقوق الإنسان، ومن تلك الأسئلة: أليس هذا اصطلاحاً عسكرياً؟ أو «هذه الكلمة تسبب لنا الإرباك». أو «ماذا تعني بالتكتيكات؟» أو «إن الناس في منطقتي لا يستخدمون هذه الكلمة». ولهذا فإن بإمكانك أن تسأل: لماذا نستخدم كلمة «تكتيك» بدلاً من كلمة أخرى مثل مدخل أو منهاج البحث أو التقنية.
إننا نستخدم في التكتيكات الجديدة لمشروع حقوق الإنسان كلمة «تكتيك» بسبب علاقتها المتكاملة بمفهوم «الاستراتيجية». فالاستراتيجية تحدد ما هو المهم الذي يتعين علينا عمله، في حين تجسّد التكتيكات كيفية عمل هذا الشيء. فالعلاقة ما بين الـ «ماذا» والـ «كيف» هي علاقة مهمة لفهم وإزالة اللبس عن مفهومي الاستراتيجية والتكتيك. فالتكتيكات - قد تكون عبارة عن نشاطات أو أنظمة أو تقنيات أو حتى مؤسسات - هي واحدة من لبنات بناء الاستراتيجية.
وهنالك مصدر آخر للارتباك وهو أن ما يمكن تعريفه بأنه استراتيجية لمجموعة ما قد يكون تكتيكاً بالنسبة لمجموعة أخرى. فحكومة ما على سبيل المثال قد تعمد إلى تطوير استراتيجية لإيجاد مؤسسات جديدة لحماية حقوق الإنسان حيث قد تكون أحد تكتيكات هذه الاستراتيجية إيجاد لجنة وطنية لحقوق الإنسان، إلا أنه يتعين على هذه اللجنة باعتبارها كياناً أن تحدد استراتيجيتها الخاصة بها والتكتيكات التي ستستخدمها لتطبيقها بدقة أكثر.
ويعتمد بناء الاستراتيجيات الناجحة أيضاً على المرونة التكتيكية وتوفر سلسلة واسعة من التكتيكات. وكما شرحت في «الحاجة إلى تكتيكات جديدة» (ص 13)، فإن الناس والمنظمات والحركات التي تعتمد كثيراً على سلسلة ضيقة من التكتيكات قد يجدون أنفسهم يستخدمون تلك التكتيكات في ظروف خاطئة، أو أنهم قد يضيعوا على أنفسهم فرص استخدام تكتيكات أخرى أكثر ملائمة. وبذلك قد يفشلون في اجتذاب قطاع واسع من المؤيدين قد يكون بالإمكان اجتذابهم فيما لو لجأوا إلى تكتيكات أكثر تنوعاً. كما وأن الاستخدام المتكرر للتكتيكات نفسها يسمح للخصوم المستهدفين أو الأنظمة المستهدفة بالتكيف والتغيير بحيث تصبح التكتيكات نفسها أقل فعالية.
إن هذا الكتاب وإن لم يكن بأي حال من الأحوال وافياً يصور اتساع التكتيكات المستخدمة من قِبَل المجتمع الدولي لحقوق الإنسان، وهو عهد يعكس إبداع ممارسي حقوق الإنسان الذي ينجم غالباً عن الحاجة ويعكس قوة التفكير التكتيكي والاستراتيجي.
Page 10
استخدام الكتاب كمورد
مهما كان دورك في النضال الدائر لتعزيز الكرامة الأساسية للإنسان، أكنت منظماً للمجتمع أو مسؤولاً حكومياً أو رئيساً لشركة متعددة الجنسيات، فإننا
نأمل بأن يغيّر هذا الكتاب من طريقة تفكيرك حول ما هو ممكن في مجال عملك. إننا نريدك أن تستنبط من القصص التي سنسردها لك لاحقاً فرصاً جديدة وشراكات جديدة وأساليب تكتيكية جديدة تساعدك على تحقيق تقدم في مجال حقوق الإنسان.
كما وأننا نود أن نثير ذهنك كي تتفحص عملك من حيث التكتيكات والاستراتيجيات. وقد يجد المدافعون عن حقوق الإنسان في ظل هذا الكم الهائل من العمل الهام والموارد القليلة بأن هذا التمحيص هو مجرد ترف، إلا أننا إذا ما فكرنا تكتيكياً واستراتيجياً فإن بإمكاننا على الأغلب أن نقوم بعمل أفضل وفي وقت أسرع. إن جداول العمل المثبتة في الجزء الأخير من هذا الكتاب (ص ص243-244) قد تساعدك على تحديد هدفك، واختيار هدف استراتيجيتك وكيفية صياغتها، واختيار التكتيكات اللازمة لتطبيق تلك الاستراتيجية. إن المقال المعنون «الحاجة لتكتيكات جديدة ص13» بشرح أهمية التفكير التكتيكي في إطار حركة حقوق الإنسان بمجملها.
إننا نأمل بأن جداول العمل هذه وهذا الكتاب بمجمله سيشكلان نقطة انطلاق لتفكيرك الخاص أو للمباحثات التي تدور في منظمتك أو داخل أية مجموعة تعمل لتحسين واقع حقوق الإنسان. اجتمعوا كي تجدوا ما توحيه لكم القصص التي سنأتي على ذكرها فيما بعد، وابتكروا أفكاراً خاصة بكم ومن وحي أفكاركم. استخدموا الأسئلة التي يمتلئ بها هذا الكتاب لمساعدتكم على النظر عن كثب في التكتيكات الفردية وجوانبها التي يمكنكم استخدامها في عملكم.
وفي الوقت الذي تجولون بأبصاركم عبر صفحات الكتاب فإن أعينكم قد تقع أولاً على التكتيكات التي تم استخدامها في منطقتكم أو في مجالات عمل مماثلة لعملكم، إلا أن هذه التكتيكات قد لا تكون بالضرورة الأكثر فائدة لكم. لقد قمنا بتجميع التكتيكات وتصنيفها إلى أربعة أصناف بدلاً من ترتيب هذا الكتاب ترتيباً جغرافياً أو طبقاً لمناطق حقوق الإنسان، وهذه التصنيفات:
1. التكتيكات التي تهدف إلى الحيلولة دون حدوث انتهاكات وشيكة (فصل تكتيكات الوقاية ص251).
2. التكتيكات التي تتدخل لوقف انتهاكات مستمرة (فصل تكتيكات التدخل ص75).
3. التكتيكات التي تساعد على استعادة وإعادة بناء الناس والمجتمعات بعد انتهاء الانتهاكات (فصل تكتيكات الترميم ص ص128-175).
4. التكتيكات التي تعزز حقوق الإنسان من خلال بناء المجتمعات والثقافات، حيث تكون هذه التكتيكات مفهومة وتحظى بالاحترام (فصل بناء ثقافة حقوق الإنسان ومؤسساتها ص ص178-239).
وقد يتبادر إلى ذهنك التحدي الأولي الذي تواجهه – التدخل أو الوقاية مثلاً – وتبدأ في استعراض ذلك الفصل من الكتاب. ولسوف تجد في الوقت نفسه وبسرعة أن بالإمكان استخدام التكتيكات لأغراض عدة، وأنها يمكن أن تستخدم لعلاج أكثر من واحد من تلك الأهداف. ومهما كانت الوسيلة التي ستتناولها بها، فإننا نحثك على القراءة بعقل مفتوح واستعداد للنظر في ما يمكنك تعلّمه أو التكيف معه لأي من هذه التكتيكات. وستجد أن بعضاً من التكتيكات التي تقرأ عنها جاهز للاستخدام لمن هم في وضعك، فيما سيحتاج بعضها الآخر إلى تحليل أكثر وإلى إدخال تعديلات عليها. وتتضمن أوراق العمل في نهاية هذا الكتاب قائمة من الأسئلة التي يتعين النظر فيها لدى تبنّي أي من التكتيكات (ص251)، فإذا ما كنت ترغب في استعراض قائمة موسعة ومتنامية باستمرار يرجى زيارة موقع قاعدة معلوماتنا الإلكتروني على الإنترنت: www.newtacties.org.
ولا يسعى هذا الكتاب أو مشروع التكتيكات الجديدة إلى الارتقاء بأي تكتيك معين، أو إبلاغك بما هو مناسب عمله لمن هم في وضعك فالأمر يعود لك للنظر في التكتيكات التي تقع في إطار ما يخصّك من:
الاستراتيجية الشاملة:
الموارد المالية:
الموارد البشرية:
الفرص السياسية:
الاعتبارات الثقافية:
إننا نأمل بأن تجد في هذا الكتاب مورداً قيّماً يوحى لك بإعادة تفحص عملك واكتشاف احتمالات جديدة للنهوض بحقوق الإنسان. فإذا ما أخذنا في الاعتبار طبيعة محتويات هذا الكتاب فإننا سنجد أن هذا الكتاب هو عمل متقدم على الدوام، وليس فهرساً مستوفياً للتكتيكات. وسوف يستمر مشروع التكتيكات الجديدة في أعمال البحث عن تكتيكات مبتكرة تستخدم في كافة أرجاء المعمورة والنهوض بها من خلال استخدام أدوات أخرى سبق استخدامها – بما في ذلك قاعدة المعلومات على الإنترنت (المتوفرة على الموقع الإلكتروني www.newtactics.org) أو ورش العمل التدريبية أو مذكرات الملاحظات التكتيكية وغيرها. وستكون تعليقاتكم وإضافاتكم ومقترحاتكم موضع ترحيب دائماً. يرجى استخدام النموذج المدرج في نهاية هذا الكتاب أو الاتصال بنا على العنوان الإلكتروني ([email protected].).