eKtab
EN ع
التلمود
Read free sample

التلمود

by عمر أمين مصالحة

Page 1

تقـديــــم

يأتي كتاب "التلمود" الذي بين أيديكم لتسليط الأضواء على الظروف الدينية والسياسية والاجتماعية، للجماعات اليهودية عبر مئات السنين، فكتاب "التلمود" – الذي شارك في وضعه عدد كبير من رجال الدين اليهودي- اصبح بنظرهم كتاباً مقدساً، لا يقل أهمية عن كتاب "التوراة"، "فالتلمود"، اصبح المسير والموجه لحياة الفرد والجماعات في المجتمع اليهودي، واصبح يشكل الرابط بين اليهودية كديانة وكقومية، وذلك في عملية دمج بين القومية والديانة، ولا فارق بينهما في الفكر اليهودي المعاصر.

إن كلمة "التلمود"، مشتقة من الجذر العبري "لمد" وتعني الدراسة والتعليم، ويعتبر "التلمود" الثمرة الأساسية للشريعة الشفوية اليهودية، لتفسير ما ورد "بالتوراة" من شرائع، وتصنيف الأحكام الشرعية والقوانين الفقهية، بعد أن دون المناقشات التي دارت بين الحاخامات في موضوع "الهلاخاة" و "الاجداه"، وهما موضوعا القوانين والوعظ المتعلق "بالتوراة"، "فالتلمود" يضم في محتواه، وجهات نظر شتى، وفي كثير من الأحيان متناقضة، ليصبح عبارة عن "موسوعة" تتضمن الدين والشريعة، والتأملات الروحانية، والتاريخ والأدب والعلوم الطبيعية..الخ. ويشتمل "التلمود" على نواحٍ شتى، فيه فصول تتعلق بالمهن والتجارة والربا والضرائب وقوانين الملكية والزراعة والفلك، وكيفية التعامل مع غير اليهود "الأغيار"، وعن مكانة المرأة اليهودية، والتمييز بين الجماعات اليهودية المتدينة من جهة، ومع الجماعات غير المتدينة من جهة أخرى، وعن صعوبة اعتناق اليهودية لغير اليهود، فهناك "تلمودان"، "التلمود" البابلي، و"التلمود" الأورشليمي، وكلاهما مكونان من "المشناه" و"الجمراه".

ويدّعي اليهود أن موسى عليه السلام، أنزل "التلمود" على بني إسرائيل فوق طور سيناء، وحفظه عند هارون، ثم تلقاه من هارون "يوشع"، ثم "اليعازر"، وهلم جرا.. حتى وصل إلى الحاخام يهوذا الذي وضعه بصورته الحالية، وذلك في القرن الثاني قبل الميلاد كما يزعمون، "فالتلمود" –كما أسلفنا- موسوعة تضم كل شيء، من هواجس وخرافات بني إسرائيل، وله أهمية كبرى لدرجة انهم يعتبرونه الكتاب الثاني، والمصدر الثاني للتشريع، حتى انهم يقولون أن من يقرأ "التوراة" دون "المشناه" و"الجمراه" ليس له "إلهاً"، "فالمشناه" و "الجمراه" هما جزءا "التلمود" ومع أن "التلمود" كتاب تعليم الديانة اليهودية، فهو يحوي رموزاً وشطحات وسفاهات وأحقاد على العالم، فقد جاء في التلمود : أن الله إذا حلف يميناً غير قانوني، احتاج إلى من يحله من يمينه، وقد سمع أحد اليهود الله تعالى يقول: من يحلني من اليمين التي أقسمت بها؟، ولما علم باقي الحاخامات أنه لم يحله منها، اعتبره حماراً – أي اليهودي- لأنه لم يحل الله من اليمين.

إن كتاب "التلمود" الذي جاء بعد "التوراة"، وفتاوى حاخامات إسرائيل، وما يمارسونه من تطرف وتحريض، يؤكد من جديد، عدم وجود اختلاف يذكر بين اليهودية والصهيونية، إذ إن العرب كانوا يميزون بينها، ويعتبرون أن صراعهم هو مع الصهيونية وليس مع اليهودية، لكن الحقيقة والواقع انهما لا يختلفان عن بعضهما البعض.

إن الباحث عمر مصالحة واضع هذا الكتاب، اعتمد في إعداده على المصادر اليهودية الأصلية، وكان محايداً في سرده، محافظاً على الموضوعية، ليضع بين أيدي المتابعين والباحثين في الشأن اليهودي مرجعاً هاماً للتعرف على تاريخ الشعب اليهودي وديانته.

"أسرة دار الجليل"

Page 2

أصول التشريعات اليهودية

كانت بداية الديانة اليهودية في موقف جبل سيناء، حين تسلم سيدنا موسى علية السلام الوصايا العشر، التي تعتبر لُب الشريعة اليهودية "الموسوية" وهي تجمع بين فرائض العبادة والعمل الصالح بين بني البشر.

تسلم سيدنا موسى الوصايا العشر منقوشة على لوحين من حجر، وحُفظ هذان اللوحان المقدسان في صندوق سمي "بصندوق العهد" الذي اصبح فيما بعد، اقدس المقدسات في الديانة اليهودية طيلة اجيال حتى اختفى، واحتلت محله ما يسمى اليوم "خزانه القدس" والتي تحفظ في كل كنيس يهودي، وبدلا من اللوحين تحفظ في هذه الخزائن خمسة اسفار التوراة المكتوبة على صفحات من الجلد.

يؤمن اليهود بالتوراة والتي تسمى بالعهد القديم، تتكون التوراة من الكتب الخمسة الأولى من الكتاب المقدس: التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، والتثنية.

يتحدث سفر التكوين، عن تاريخ العالم، منذ تكوين السماوات والأرض، إلى استقرار أولاد يعقوب أو "بني إسرائيل" في أرض مصر، ويحكي بالتفصيل قصص آدم وحواء ونوح والطوفان ونسل "سام" أحد أبناء نوح، ونسل سيدنا ابراهيم الذي انحدر منه العرب وشعب إسرائيل، وخاصة إسحاق ويعقوب ويوسف والأسباط، ويتناول بقية الموضوعات بالإجمال.

يعرض سفر الخروج تاريخ بني إسرائيل في مصر، قصة موسى ورسالته وخروجه مع بني إسرائيل وتاريخهم في أثناء مرحلة "التيه" التي قضوها في صحراء سيناء، والتي استغرقت أربعين عاماً، وكان الله سبحانه قد وعدهم بأرض الميعاد "أرض كنعان"، والتي أطلقوا عليها "أرض اسرائيل". ويشتمل سفر الخروج إلى جانب هذه القصص، مجموعة من أحكام الشريعة اليهودية التي تشمل العبادات والمعاملات والعقوبات، وغير ذلك.

يحوي سفر التثنية، أحكام الشريعة اليهودية الخاصة بالحروب والسياسة وشؤون الاقتصاد والمعاملات والعقوبات والعبادات... وسمّي "التثنية" لأنه يعيد ذكر التعاليم التي تلقاها موسى من عند الله، وأمر بتبليغها إلى بني إسرائيل.

يعالج سفر "اللاويين" شؤون العبادات التي تتعلّق بالأضحية والقرابين والمحرمات من الحيوانات والطيور. وينسب هذا السفر إلى اللاويين، وهم نسل "لاوي" أو "ليفي" أحد أبناء يعقوب، ومنهم موسى وهارون، وكان هؤلاء سادة الهيكل والمشرفين على شؤون الذبح والأضحية والقرابين وكانوا القوّامين على الشريعة اليهودية.

Page 3

تتواجد في سفر العدد، الإحصائيات عن قبائل بني إسرائيل وجيوشهم وأموالهم والكثير من شؤونهم، والأحكام التي تتعلق بالعديد من العبادات والمعاملات.

ويعرف القسم الثاني بالأسفار التاريخية، وهي اثنا عشر سفراً تعرض تاريخ بني إسرائيل بعد استيلائهم على بلاد الكنعانيين، واستقرارهم في فلسطين، وتتحدث عن تاريخ القضاة والملوك والحوادث البارزة في حياتهم، وهي أسفار يشوع والقضاة وراعوت وصموئيل، "شموئيل" (سفران) والملوك (سفران) وأخبار الأيام (سفران) وعزرا ونحميا وإستير.

أما القسم الثالث، فيشتمل على خمسة أسفار من الأناشيد الشعرية، ومواعظ معظمها ديني مؤلفة تأليفاً شعرياً في صيغة بليغة، وهذه الأسفار هي: سفر أيوب، ومزامير داود، وأمثال سليمان، والجامعة من كلام سليمان، ونشيد الإنشاد لسليمان.

ويشتمل القسم الرابع أسفار الأنبياء، وعدد أسفاره سبعة عشر سفراً، يشرح كل منها تاريخ نبي من الأنبياء الذين أرسلوا بعد موسى وهارون، وهي أسفار أشعياء وأرمياء ومراثي أرمياء وحزقئيل ودانيال وهوشع ويوئيل وعاموس وعوبَديا ويونان وميخا وناحوم وحَبَقوق وصُفُنيا وحَجّاي وزكريا وملاخي، وجميع هؤلاء الأنبياء إسرائيليون وأرسلوا إلى بني إسرائيل.

بعد خروج بني اسرائيل من مصر، توفي "سيدنا موسى" وأخوه "هارون" في طريق الهجرة فقام من بعدهما بمهمة قيادة بني اسرائيل "يوشع بن نون" الى ان دخلوا الارض المقدسة من شرقها في منطقة اريحا، وكان ذلك في القرن الثالث عشر قبل الميلاد.

بعد وفاة يوشع بن نون ، اطلق اليهود على قادتهم الذين وقفوا على راس الحملات الحربية ضد الشعوب التي سكنت ارض فلسطين وما حولها اسم القضاه، "هشوفطيم" وبهذا الاسم سميت هذه الفترة من تاريخ الشعب اليهودي، كان عهد القضاة من أسوأ عهود بني اسرائيل، حيث إرتد فيه اليهود عن عبادة الله عز وجل وتمثلوا بالشعوب التي سكنت البلاد في عبادة الأصنام، كما حاربوا الأنبياء والمصلحين، وانتشرت بينهم الفواحش والموبقات وانتشرت في فترتهم ظاهرة الزنا. سلط الله عليم الشعوب المجاورة، فتعرضوا لغارات وغزوات ومن بينها غزو شعنائيم ملك النهرين، وحجلون ملك المؤابيين ويابين ملك الكنعانيين وغيرهم.(سفر القضاة الاصحاح الثالث).

Page 4

فيما يلي اسماء القضاة حسب التسلسل:عتنئيل، أهود، شمغار بن عنات، جدعون، أبيميلخ، تولاع، يائير، يفتاح، أبتسان، إيلان، دبوراه، عبدون، شمشون، علي وشموئيل.
كان آخر قضاة بني اسرائيل، شموئيل الذي أوكل إلى أبنائه شؤون القضاة نيابة عنه، ولكنهم فسدوا وارتشوا وجاروا في أحكامهم، الامر الذي دفع بني اسرائيل للثورة على شموئيل. أسس شاؤول مملكة يهودا وقد حكم أربعين سنة،وبعد وفاته خلفه ابنه داود عليه السلام، وخاض داوود معارك مع الشعوب المجاورة لهم، اتسعت المملكة، وعم الرخاء مملكة يهودا في عهد داوود، كمازاد النشاط الاقتصادي في المملكة، وتولى الحكم بعد داوود ابنه سليمان وحكم أربعين سنة وامتاز عهده بالرخاء والاستقرار، وبوفاة سليمان سنة 975 قبل الميلاد انتهى عهد الملوك الأول.
بعد وفاة سليمان عليه السلام أعلن ابنه رحبعام نفسه ملكاً على بني اسرائيل فبايعه سبطا يهودا وبنيامين، اللذين كانا يقيمان في منطقة أورشليم وما حولها إلى جنوب حتى بئر السبع، ورفض الأسباط العشرة الآخرون مبايعته لخلاف نشب بينهم، وهكذا انقسمت مملكة اسرائيل إلى مملكتين :
مملكة اسرائيل في الشمال : كان أول ملوكهم يربعام بن نباط وهو لا ينتمي لسلالة داود عليه السلام، وكانت عاصمتها في السامرة.

أشرك يربعام بالله فصنع أوثاناً وهياكل وطلب أتباعه من بني اسرائيل عبادتها بدلا من الذهاب إلى أورشليم، فأستجابوا له، ودامت دولتهم 250 سنة وانتهت سنة 721 قبل الميلاد، عندما غزاهم سرجون ملك آشور واستولى على السامرة وسبى الأسباط وأجلى اليهود إلى ما وراء نهر الفرات وبذلك انتهت هذه الدولة ولم تقم لها قائمة. كان ملوك مملكة السامرة بعد يربعام، ابنه نداب، بعشا بن أحيا، إيلا، عمري، أحآب، أحزيا، يهورام، يهوا، يهوآز، يهوآش، يربعام، زخاريا، شالوم بن يبيش، مناحم بن جدي، بكاحيا، بكاح بن رملياهو، هوشع بن ايله.

مملكة يهودا في الجنوب : كان أول ملوكها رحبعام بن سليمان عليه السلام وعاصمتها أورشليم وقد دامت أكثر من اختها اسرائيل،كان ملوك مملكة يهودا بعد رحبعام، ابنه أبيم، ثم آسا، يهوشفاط، يهورام، أحازيا، عتاليا، يهوآش بن أحج، أماتسيا، عزاريا، يوتام، أحاز، حزكياهو، منشه، أمون، ياشياهو، يهوكيام، يوهايخيم، تسدكياهو.

تعرضت مملكة يهودا لغزوات من الشمال والجنوب وكان آخرها على يد نبوخذ- نصر ملك بابل الذي غزاها سنة 606 قبل الميلاد. تغلب عليها ودفعت له الجزية ، ثم ثارت مرة أُخرى فغزاها سنة 593 فقام بسبى عشرة الآف من شعبها، كان من بينهم أعيانها وأشرافها وكنوز الهيكل ، وثارت مملكة يهودا على حكم نبوخذنصر سنة 593 قبل الميلاد، فأتاها سنة 586 قبل الميلاد وهدم أسوارها وأحرق الهيكل وسبى اليهود إلى بابل.

هدم الهيكل الذي بناه سليمان عام 586 قبل الميلاد، ثم اعيد بناؤه، واستناداً لهذا الحدث، اعتاد المؤرخون التمييز بين فترتين تاريخيتين للشعب اليهودي هما: فترة البيت الاول وفترة البيت الثاني الذي هدم في عام 70 للميلاد.

تسبب الاختلاط مع الحضارات المختلفة الى ضعف وتهلهل الديانة اليهودية، وهنا برز دور الانبياء في تاريخ الشعب اليهودي وكان اول الانبياء الياهو النبي "هتشبي" (هو الخضر) الذي عارض وندد بافعال الملك أحئآب التحررية، داعيا الشعب الى التمسك بديانه موسى.

اصبح النبي الياهو الذي انقذ اسرائيل من خطر الانصهار في الشعوب الوثنية، اكثر المحبوبين عند الشعب، حتى تبلور لدى اليهود الاعتقاد بحتمية عودة هذا النبي في اخر الزمان، ليبشر بقدوم "المشيح" المنقذ. لم يفلح الانبياء في الحيلولة دون خراب الدولتين الاسرائيليتين ولكن كان لهم الفضل في الحفاظ على الديانة اليهودية.

Page 5

احتل الاشوريون مملكة شومرون في العام 722 قبل الميلاد وقاموا بطرد قادة الشعب من الدولة وأحضروا الى البلاد الكثير من المستوطنين من القوميات الاخرى، وامتزج هؤلاء المستوطنون بالاسرائيليين وتبلورت طائفة سميت "السامريين".

يؤمن السامريون بديانة موسى، غير انهم لا يقدسون باقي الانبياء ولا قدسية اورشليم، والمكان المقدس عندهم هو جبل جريزيم القريب من مدينة نابلس (شخيم)، وما زالت هذه الطائفة حية ومتواجدة حتى ايامنا ويسكن افرادها في جبل جريزيم في نابلس، ومدينة اشكلون الاسرائيلية.

في عام 589 قبل الميلاد احتل الفرس مملكة بابل وسمح كورش الفارسي لليهود بالعودة الى يهودا وبناء الهيكل من جديد وكان من بين العائدين المعلمون والمرشدون للديانة اليهودية وبرز من بينهم عزرا ونحاميا.

جعل عزرا قراءة التوراة واجبا على الجميع، فتعرف عامة الشعب وللمرة الاولى على شرائع الدين، ويقال ان عزرا قام بتلاوة التوراة للمرة الاولى امام الشعب في رأس السنة العبرية وفي عيد المظلة، وفي اعقاب تلك القراءة، جرى اجتماع حافل وقع في ختامه المجتمعون على وثيقة تنص على ضرورة حفظ الشرائع اليهودية والتوراة.

لقد اخذت هذه الاجتماعات منذ ذلك الحين شكل مؤسسة ثابتة، من أهم اهدافها تسيير الشعب حسب شرائع اليهودية، وعرفت هذه المؤسسة باسم "الكنيست الكبرى" وسمي البرلمان الاسرائيلي بعد قيام اسرائيل باسم "الكنيست" نسبة لتسمية "الكنيست الكبرى". بعد مضي نحو قرنين على سقوط بابل على يد كورش، احتل الاسكندر المقدوني فارس ومعظم دول الشرق. بعد موت الاسكندر المقدوني قسمت البلاد بين قادة الجيش اليوناني الذين فرضوا بدورهم الثقافة اليونانية على الشعوب المحتله.

تأثر عدد كبير من اليهود بالثقافة اليونانية وتماثلوا مع هذه الثقافه، بالمقابل حافظ البعض على التراث الديني وبرز من بين هؤلاء "شمعون هتسديك" الصديق.

لقد وقع صراع بين الموالين لليونانيين وبين المحافظين على التوراة. احتد هذا الصراع حتى أخذ طابعا قوميا، دينيا واجتماعيا. تشكلت اثناء الصراعات المذكورة حركة سرية سميت بحركة "الحاسيديم" والتي دعت سكان يهودا من اليهود التمسك بالتقاليد والقيم القومية والدينية.

انتقلت حركة "الحاسيديم" من مرحلة الدعوة الى الثورة الحقيقية وقد اعطى شارة انطلاق هذه الثورة متتياهو من عائلة "الحشمونائيم" الذين اعتبروا كهنة، استوطنوا في منطقة موديعين شرقي مدينة اللد، وتمكن متتياهو من اجتذاب آلاف الفلاحين من ابناء المناطق المجاورة الى ثورته.

اسس متتياهو دولة يهودا من جديد، وخلفه في الحكم ابنه يهودا همكابي، وامتدت فتره حكم الحشمونائيم، منذ اندلاع ثورة متتياهو حتى تنصيب هوردوس ملكا، قرابه مائه وثلاثين سنه.

مع تطور الدولة الحشمونائية واتساع رقعتها، شرع قادتها في محاكاة الملوك المقدونيين بكل انماط الحياة الامر الذي اثار حفيظة الشعب.

لم يطبق زعماء الدولة شرائع التوراة، كما ورفضوا قبول رأي الحكماء الذين اطلق عليهم "الفروشيم" (الفريسيون) الذين تمسكوا بشرائع الدين والتوراة، مقابل الصديقين "هتسديكيم" الذين تقربوا من الملك وحاشية.

Page 6

انشقت عن حركة الفريسيين مجموعة رأت فيما يجري عالم الخطيئة، فقرروا الابتعاد عن الناس وعاشوا في مجموعات على امتداد السواحل الصحراوية للبحر الميت، اطلق عليهم اسم "الايسيون" وحرم هؤلاء انفسهم من تناول اللحوم والخمور، كما وانقطعوا عن الزواج.

بدأ الصراع اليهودي ضد روما ووثنيتها مع قدوم الجيش الروماني للبلاد، وكانت السنوات السبعين الفاصلة بين وفاة هوردوس وبين اندلاع الثورة الكبرى عام 66 للميلاد، سنوات نضال وصراعات مستمرة ضد الغازي الروماني وصراعات داخل المجتمع اليهودي ذاته.

ان ابرز الصراعات كانت نشوب حرب العصابات التي مارستها جماعات صغيرة ضد الرومان، كما وازدادت ظاهرة اغتيال الاشخاص اليهود المقربين للسلطة الرومانية. تكونت في تلك الفترة جماعة تحت اسم "القنائيم" وتعني الغيورين على الدين، كما وبرزت مجموعة تحمل اسم "السيقارقيم" اي حملة الخناجر، والذين عملوا على محاربة الطبقة الغنية المقربة من السلطة، دفاعا عن الفقراء والمهمشين.

اضطر الرومان الى الاعتراف بزعيم الفروشيم رئيسا للسكان اليهود، بعد ان اتضح لهم انعدام اي نفوذ لملوك عائلة هوردوس في اوساط الشعب، فقاموا بالغاء هذه "الملكية". كان اخر ملوك بيت هوردوس اغريباس الثاني (ابن اغريباس الاول) الذي حكم جزءا من شمالي البلاد، وهرب مع انصاره من الحكام الرومان، ابان الثورة التي قام بها اليهود.

حظي يوحنان بن زكاي بشرف تجديد السنهادرين والرئاسة في مدينة "يبنه"،كان بن زكاي كبير حاخامي جماعة الفروشيم في عصره، وكان قد غادر اورشليم قبل خرابها بوقت ما، و لم تكن له صلة بسلالة "هليل الشيخ"، لذا بقي رئيساً بالوكالة حتى يوم وفاته، وحينذاك عادت الرئاسة الى سلالة بيت هليل. اصبح الرئيس الفروشي زعيما رسميا للشعب، واصبح السنهادرين المؤسسة الفروشية التي ساهمت في توسع وتطوير سنن وشرائع الفروشيم او ما سمي فيما بعد " التوراة الشفوية"، واصبحت هذه السنن شريعة الحياة للجماعة والفرد عند اليهود، لقد اكثر الفروشيم من عقد الاجتماعات والندوات للتباحث في المشاكل الدينية والفقهية، والبت فيها. كان الفروشيم قد انتهجوا هذ السبيل قبل خراب الهيكل، وبعد اتساع نطاق هذه الدراسات والتجديدات، قاموا بتطوير المعهد التعليمي الديني "اليشيفاه" (بيت اللجنة) والتي أقيمت الى جانب السنهادرين في مدينة يبنه، واقام الحاخامون المدارس الدينية في المدن الاخرى، وخط كل رئيس طريقته الخاصة في تدريس التوراة الشفوية، وكان القول الفصل في امور الشريعة للسنهادرين.

لقد برز رجال الدين الضالعين في علوم الشريعة في هذه الفترة التي تلت خراب الهيكل الثاني، وعرف هؤلاء باسم "التنائيم" أي المعلمين.

Page 7

تسلم التنائيم القيادة العملية للشعب، وتبنوا مسؤولية مواجهه كل مشاكله، بما في ذلك المشكلة الامنية. عارض التانئيم التوجه الى ثورة مجددة، ولكنهم، وبعد ان لمسوا ازدياد التعسف لدى الحكام الرومان، لم يروا مفراً من تجديد النضال، ولكن بطريقة منظمة، موحدة، وبعد الاعداد والتحضير، برز من بين من ساروا في هذا الاتجاه الحاخام عقيبا ابن يوسف، اشهر تلامذة الراب يوحنان بن زكاي، وحين ثار اليهود من جديد عام 132 للميلاد، كان اليهود موحدين تحت قيادة بطل اسمه "شمعون بار كوخبا"، وقد آمن الشعب والحاخام عقيبا بهذا البطل، ورأوا فيه المشيح المخلص- المنقذ. كان اليهود خلال سنوات كثيرة، قبل نشوب الثورة، قد عملوا جاهدين في تحويل الكهوف الى حصون، وبناء الانفاق للمواصلات، كما وعملوا على صنع وجمع السلاح.

كان باركوخبا قائدا حازما، مهاجما، الا ان المساعدات الرومانية التي أتى بها من بعيد، كانت قد رجحت كفة المعركة لصالح الرومان، ومع انتهاء الثورة بدأت عملية الابادة والاضطهاد للجماهير اليهودية. قدر الرومان عدد الذين قتلوا من اليهود بنحو 580 الفاً، وكان الدمار الذي لحق بالمناطق اليهودية كبيرا جدا، اذ احتل الرومان ودمروا قرية بعد قرية، وقطعوا كل اشجار الزيتون، ولاقى باركوخبا حتفه مع من مكث من جنده عند سقوط قلعة "بيتار" قرب اورشليم، في التاسع من آب (والذي اصبح تاريخاً يحتفى بذكراه حتى اليوم)، وفي محاولة لقمع الروح اليهودية اقام ادريانوس على انقاض اورشليم (التي كان قد حررها باركوخبا في حينه) مدينة رومانية اسماها "ايليا كابيتولينا"، واقام مكان الهيكل المقدس معبدا للاله جوبيتر، والغى اسم "يهودا" وامر بتسمية البلاد "فلسطين"، كما جدد اجراءات انطيوخوس وحظر على اليهود ممارسة الطقوس الدينية. اقام الحاخامات حركة سرية لمكافحة هذه الاجراءات فكان جزاؤهم الاعدام بقسوة.

بعد فترة من الهدوء الغيت اجراءات ادريانوس وسُمح لليهود في البلاد بتجديد الرئاسة، والسنهادرين، والمدارس الدينية، ولكن اليهود كانوا من القلة في يهودا بحيث اضطر الرئيس والسنهادرين الانتقال الى الجليل، وتنقلوا في اماكن مختلفة في الجليل حتى استقر بهم الامر في طبريا، واتخذت اعمال المدارس هي الاخرى شكلا آخر، خشية اجراءات ادريانوس والتخوف من ضياع التوراة الشفوية، الامر الذي دفع بالقيادة الدينية السعي والعمل على تدوين التوراة الشفوية، وعكفوا قرابة السبعين سنة على تدوينها وتدقيقها واجمالها، وتم في النهاية وضع مجمل لها، يحظى بقبول الجميع. سُمي هذا المجمل "المشناه"، اي المثنى، وسمي بمثنى التوراة، وحرره الحاخام "يهودا هناسي" الذي اعتبر من أبرز الرؤساء وهو من سلالة بيت هليل.

Page 8

وضعت المشناه في اجزاء، قسمت الى ابواب ثانوية، على النحو التالي:

الزراعة (اصول واحكام خاصة بالزراعة)

المواسم (اصول واحكام الاعياد)

النساء (الاحكام الشخصية)

الاضرار (الاحكام الجنائية وانظمة المحاكم)

المقدسات (احكام القرابين في الهيكل)

الطهارة (احكام طهارة الجسم، والبيت، والادوات، والطعام)

كتبت المشناه بلغة رجال الدين التي كانت سائدة انذاك في المدارس الاسرائيلية، وهي العبرية الممزوجة باللغة الارامية، وكانت هذه اللغة دارجة على لسان الشعب بعد سبي بابل.

منذ وضع "المشناه" تم تسيير انظمة المدارس الدينية، على النحو التالي: تتم تلاوة المشناة في الدروس، يقوم الحضور بتفسير كل جملة وجملة، يتناولونها بالنقاش وبالتحليل مع كل ما يثور اثناء ذلك من تجديد وابداع، مع التطرق الى التقاليد والعادات التى سادت في حياة المجتمع اليهودي حينها.

يعرف حاخامو هذه الفترة باسم "الامورائيون" اي "المفسرون"، وذلك للتمييز بينهم وبين التنائيين، أي المعلمين، وهم رجال الدين الذين سبقوا تدوين المشناه. مع مرور الزمن ازدادت التفسيرات الشفوية لما ورد في المشناه المكتوبة. حتى دعت الضرورة والحاجة الى تدوين كل النصوص باسلوب مقبول عند جميع طبقات الشعب، وقد تم ذلك في مؤلف اسمه "الجمارا"، واصبحت المشناه والجمارا تشكلان سوية "التلمود". تشكل الجمارا غالبية التلمود من حيث الكمية، ويسمى التلمود كذلك باسم "الاجزاء السته"، ويقسم ايضا الى اجزاء كما هو الحال بالنسبة للمشناه.

هنالك نصان للتلمود: احدهما التلمود البابلي، والاخر التلمود الاورشليمي، وضع التلمود "الاورشليمي" في المدرسة الاسرائيلية في طبريا، اما التلمود "البابلي" فقد وضع في المدارس التي اقامها تلامذة الحاخام يهودا هناسي في اوساط الجالية اليهودية في بابل، بعد ان قل عدد اليهود في البلاد، الامر الذي ساهم في تركيز الاهتمام حول المدارس البابلية. لقد اصبح "التلمود البابلي" مقبولا اكثر من "التلمود الاورشليمي" لدى الشعب، وضعت اللمسات الاخيرة للتلمود في عام 500 للميلاد.

Page 9

كتبت "الجمارا" بنصيها باللغة الارامية، التي اصبحت فيما بعد لغة الخطاب اليومي ، ونظر الى الارامية كاقرب اللغات الى العبرية، فاصبح التقارب بينهما كبيراً وواضحاً، من خلال نصوص الكتاب المقدس الذي يحوي فصولا ارامية (في سفري دانئيل وعزرا).

وضعت المشناه على الغالب، في شكل قوانين عامة، وترد فيها احياناً وجهات النظر المتباينة بين الحاخامات في موضوع معين، في المقابل تحوي الجمارا الابحاث والمناقشات الخاصة باحكام المشناه واصول تطبيقها، ولهذا فهي بمثابة محضر للابحاث الخاصة باحكام المشناه واصول تطبيقها، وينظر اليها كمحضر للابحاث القانونية. تشمل الجمارا الى جانب ما قيل عن الاحكام ذاتها، اقوالا وقصصا ورد ذكرها في المدارس الدينية اثناء الدراسة والمناقشة.

سمي الحاخامات الذين عملوا في استخلاص النتائج المترتبة على هذه الابحاث باسم "هبوسكيم" اي الباتون في الامور المستعصية، وفي وقت لاحق، وُضعت مؤلفات تناولت مجمل الابحاث والاحكام الملزمة للشعب، وكان اكثر هذه المؤلفات قبولا على الشعب اليهودي مؤلف "شولحان عروخ" أي المائدة المصفوفة، التي وضعها الحاخام يوسف قارو، الذي سكن في صفد نحو اربعة قرون.

تعتبر الحلقتان او بالاحرى المدرستان اللتان تبلور فيهما التلمود البابلي: مدرسة مدينة سورا، ومدرسة نهاردعا ثم فومبديتا. كانت سورا انذاك مقر "رئيس الجالية"، اي رئيس يهود بابل، وانتقل هذا المنصب بالوراثة، بين سلالة ذرية داود، اما رؤساء المدارس فقد جرى انتخابهم من بين الحاخامات. كانت هذه المدن الثلاث واقعة في منطقة الفرات في العراق، لكنها اندثرت بسبب ما احدثه تهدم قنوات الري المقامة على نهر الفرات.

كانت نهاردعا في الشمال، والى الجنوب منها فومبديتا (قرب الفالوجة حاليا، وبالقرب منها يمر الجسر الذي تقطع منه وسائل النقل نهر الفرات في طريقها من بغداد الى الاردن)، كانت سورا الى الجنوب من فومبديتا، قرب مدينة الحلة حاليا، وقرب اطلال بابل القديمة.

ظلت مدرستا سورا وفومبديتا مركزين ثقافيين لليهود حتى بعد اتمام وضع التلمود. لقد اهتم الحاخامات في هاتين المدرستين، في تفاصيل وضع الصيغة النهائية للتلمود وتدقيقه وبايضاح تفاصيل مضمونة. سمي حاخامو هذه الفترة "السابورائيون"، وبعد هذه الفترة كرس الحاخامات جهودهم الى تدريس التلمود في حلقاتهم، وباصدار الردود (الفتاوي) على الاسئلة المتعلقة بالاحكام المختلفة التي وجهها اليهم اليهود في الاماكن المختلفة من العالم. كان اللقب الرسمي الذي اطلق على رؤساء الحاخامات في هذه الفترة "الغاؤونيم" اي النابغين، وباسمهم سميت هذه الفترة. استمر قيام هاتين المدرستين قرابة الثمانية قرون: منها ثلاثة قرون برز فيها الامورائيون، ونحو نصف قرن برز خلاله السابورائيون، في حين ترأس الغاؤونيم الفترة المتبقية والتي تتراوح مدتها 450 سنة. (في نهاية عهد الغاؤونيم انتقلت المدرستان الى مدينة بغداد الجديدة، واليها انتقل رئيس الجالية، ايضا).

انتشرت هذه المدارس، التي كانت طبق الاصل للمدرسة الدينية الاولى، في جميع اوساط الشعب اليهودي، وما زالت قائمة حتى اليوم، ولم يسمح لأي شخص بالتدريس في المعاهد التعليمية الدينية او القيام بمهمة حاخام (راب) الا لمن تأهلوا في مدرسة دينية معروفة. لقد ساهم التعليم والتأهيل في المعاهد الدينية المتخصصة بدعم الروابط بين الجاليات اليهودية المتفرقة، بحيث قدم الكثيرون من المناطق النائية الى المدارس المشهورة ليحصلوا على التأهيل الديني من خلال هذه المؤسسات.

بعد اغلاق الحلقتين في سورا وفومبديتا، حافظت المدرسة الاسرائيلية في البلاد على البقاء زمنًا طويلا (بحيث انتقلت الى اورشليم، ثم مدينة صور وبعدها الى دمشق). تـأسست في بغداد مدرسة جديدة، استمرت قرونا طويلة، لكن رؤساءها لم يحظوا من التقدير والنفوذ بمثل ما حظي به رؤساء مدرستي سورا وفومبديتا، بالرغم من كونهم حملوا، هم الآخرون لقب "الغاؤون". بعد اغلاق حلقتي سورا وفومبديتا انتقل المركز الثقافي للشعب اليهودي من العراق الى اوروبا، وفي اوروبا برزت وعلى فترات مختلفة، مدارس اسبانيا، وفرنسا، والمانيا، وهولندا، وبولندا، واخيرا في لتوانيا ومناطق شرق اوروبا

Page 10

سبق للجاليات اليهودية ان استوطنت اوروبا الجنوبية والغربية منذ ايام الحكم الروماني في البلاد، وكان معظم هؤلاء اليهود من اسرى الحرب الذين ابعدوا عن البلاد، او من اولئك الذين غادروا البلاد بمحض ارادتهم وبسبب مشاغلهم.

لم يفلح الرومان في اخضاع القبائل الجرمانية في اوروبا الوسطى، فشددت هذه القبائل هجماتها على الامبراطورية الرومانية في وقت لاحق، فقوضتها، واكتسبت هذه القبائل عن الرومان المنهزمين ديانتهم النصرانية وعدائهم لليهود، وان كان هذا العداء قد اختلف في مداه من بلد الى اخر، ففي ايطاليا سمح لليهود بممارسة حياتهم الدينية والثقافية وتوطدت الروابط بينهم وبين باقي التجمعات اليهودية التي بقيت في البلاد وشملت العلاقة القيام بفرائض الحج الى اورشليم، وارسال التبرعات، واستيراد الكتب الدينية، الامر الذي ساهم في ازدهار وانتشار ادب المواعظ والاشعار في العديد من الدول الاوروبية. أثر يهود ايطاليا بدورهم وبروحهم الابداعية على الجاليات اليهودية الكثيرة التي انتشرت في فرنسا، اما في اسبانيا فقد استمرت قبيلة الغوط الغربية التي احتلت البلاد في اضطهاد اليهود، محاولة اكراههم على ترك اليهودية والتنصر.

في غمرة هذه الاضطهادات اقتحمت الجيوش الاسلامية اسبانيا قادمة من افريقيا الشمالية، وساعد عدد من اليهود هذه الجيوش على احتلال البلاد، تكلم اليهود الذين استوطنوا اسبانيا بعد احتلال المسلمين لها، اللغة العربية، في حين تكلم اولئك الذين استوطنوا الشمال المسيحي والمناطق المجاورة لفرنسا، لغات اخرى. اراد الادباء اليهود في اسبانيا الاسلامية لاشقائهم ما وراء الحدود ان يفهموهم ويطلعوا على احوالهم فوضعوا مؤلفاتهم باللغة العبرية، كما وقاموا بترجمة المؤلفات التي وضعت في العربية الى اللغة العبرية، بحيث اصبحت العبرية عند اليهود في اسبانيا لغة العلوم الطبيعية، فضلا عن علوم الفقه التي حواها التلمود بالعبرية قبل ذلك، يمكن التلخيص بالقول: ان الحكم الاسلامي لم يعارض استخدام العبرية الى جانب اللغة العربية.

اهتم حاخامات اليهودية في اسبانيا بعلم اللغة، وسهلوا عملية الكتابة بالعبرية، بحيث اصبحت تستجيب لكل موضوع بشكل واضح ودقيق. تجددت في اسبانيا المفردات العبرية الكثيرة، واكثر الحاخامات من الاهتمام بقواعد العبرية، استناداً الى المبادئ العلمية التي حصلوا عليها من اليونانيين القدماء، ومن خلال ما ورد في المؤلفات العربية، ومبادئ الصرف والنحو عند العرب. لقد ساهم علم اللغة في وضع التفسيرات الحديثة للتوراة، وكان مهما بالنسبة للمفسرين معرفة الوضع اللغوي والمعنى الدقيق لكل كلمة وكلمة، وتفهم المبنى العام للجملة كلها.

اسهم يهود اسبانيا في اعمال التفسير والشروح الخاصة باصول الديانة اليهودية، كما واهتموا بصونها وفي الحفاظ عليها من التاثيرات الاجنبية. لقد تبع اليهود في اسبانيا نهج الحاخام سعاديا (الذي عرف ايضا باسم سعيد الفيومي) احد نوابغ سورا، والذي قام بترجمة التوراة الى العربية، وقام مناحيم بن ساروق بوضع اسس القواعد العبرية، وكان الحاخام دافيد قمحي (القمحي) احد كبار الباحثين في حقل اللغة العبرية، واعتبر ابرز المفسرين والشارحين للتوراة الحاخام ابن عزرا (الطليطلي) والحاخام دافيد قمحي والحاخام موشي بن نحمان، والحاخام ليفي بن غرشون والحاخام اسحاق ابربنئيل.

يمكن القول ان مؤلفات الحاخام بن عزرا، ومؤلفات القمحيين (عائلة الحاخام دافيد قمحي) قد ساهمت في نشر علوم اللغة العبرية بين يهود العالم كله.