الزقاق الأخير
1
لمْ يفهم أحد من الحاضرين في المقبرة يومها لمَ تصرّف عبد النّاصر بذاك الشّكل العنيف. ولمْ يجدوا حتى في صدمة موت الحاج محمود سببًا مقنعًا.
كان الإحساس العام أنّ النار تخلّف الرّماد. فأين وقار الحاج محمود وأناقته في جبّته السكرودة التونسيّة وشاشيّـته الإسطنبوليّ أو في بدلته الإفرنجيّة وقبّعته المستديرة، على حدّ سواء، من طيش ابنه بسروال «الدجينز» وسترة «الدّنقري» والشّعر الأشعث واللّحية المعفاة؟ فحتى وسامة الفتى، التي جمعت جمال الأصول الأندلسيّة لأمّه وجدّته ومخايل الوسامة التّركيّة لأبيه وجدّه، تلاشت في تلك الهيئة التي جعلته أقرب ما يكون إلى «هبّاطة» الميناء و«بانديّة» الحيّ الذين لم ينالوا ولو حظًّا يسيرًا من التّعليم.
كانت مقبرة الزلّاج في حالة خشوع، لا تسمع في أرجائها إلّا التّكبير وأصوات القرّاء يرتّلون ما تيسّر من آي القرآن الكريم. وكان موكب الدّفن كبيرًا على قدر ما يكنّه أهل الحيّ للحاج محمود وللعائلة كلّها من تقدير. فالموتى لا يتساوون، والجنازة دليل على رأس مال المتوفّى وعلى ما في رصيد العائلة من المعاني والرموز والمكانة.
حضر يومها، إضافة إلى العائلة الموسّعة، الجيران وأبناء الحيّ والأحياء المجاورة وأناس عاديّون عديدون وأصدقاء ابنيْ المغفور له من الفنّانين والمثقّفين والجامعيّين ورجال الإعلام وحتى رجال السّياسة وبعض الوزراء. وأكثرهم كان من أصدقاء عبد النّاصر وأخيه صلاح الدّين الباحث الجامعيّ المرموق والخبير لدى مؤسّسات ماليّة دوليّة.
أقيمت صلاة الجنازة في الباحة الكبرى للمقبرة. فخيّم الصمت واصطفّ النّاس يؤدّون الواجب. كنت، منذ سمعت النبأ، إلى جانب عبد الناصر الذي لم أفارقه إلّا لساعات قليلة. كان معنا جمع من رفاقنا. وقفنا على الجانب الأيمن من الباحة حذو عرصة ننتظر الفراغ من صلاة الجنازة لنشيّع الحاج إلى مثواه الأخير مع المشيّعين. اقترب منّا توفيق خال عبد النّاصر. سمعته يوشوش له، يدعوه إلى الوقوف مع الواقفين للصلاة: «عيب! التحق بأخيك في الصّفّ الأوّل ماذا يقول عنّا النّاس؟ استرنا على الأقلّ يوم دفن والدك». نهره عبد الناصر ممتعضًا حانقا: «تعرف كما يعرفون أنّني لا أصلّي ولا أصوم».
سار الحشد وراء سيارة البلديّة في اتّجاه طريق سيدي أبى الحسن الشاذلي فتقدّم عبد النّاصر الصّفوف. التفت فلمح الإمام. كان بدينًا يلبس جبّته العكريّ. حدّق متثبّتا فوقعت عيناه على عينيه. طأطأ الإمام رأسه مرتبكًا. ظلّ ينظر إليه وهو يسير في الموكب وراء سيّارة دفن الموتى مثلنا.
حين وصلنا إلى مكان الدّفن علت أصوات المكبّرين من كلّ جانب. وُضِع التّابوت قرب حفرة القبر وشرع في قراءة الفاتحة ثمّ تتالت الأدعية. لم يبسط عبد الناصر يديه عند تلاوة الفاتحة وترديد الأدعية دون بقية الخلق المتحلّقين حول القبر والتّابوت. رأيته شاخصًا في جارهم الإمام الذي كان يتحاشى أن ينظر إليه ويتعمّد تلاوة القرآن وترديد الأدعية مغمضا عينيه. كانت عمامته تكاد تحجب تينك العينين.
بدا عبد النّاصر متوتّرًا. ربّت خاله على كتفه ثمّ تفطّن صلاح الدين إلى توتّره فعانق أخاه الصّغير. سالت على خدّيه دمعات حين احتضنه. أغمض عينيه ومسح دموعه. ما إن فتحهما حتى رأى الإمام داخل الحفرة على يساره يتسلّم الجثّة استعدادًا للحدها.
لا أحد من الجمع الغفير المتحلّق حول القبر فهم لِمَ علا صراخ الإمام. لم يشهد الحادثة إلّا من كان في الدّوائر الأولى.
-«يلعن دين والديك، يا منافق، يا نذل، يا ساقط، اُخرج من غادي يا نيـ***..».
كان الإمام يتأوّه ويئنّ أنينًا مرًّا. نزفت الدّماء من فمه فاختلطت بقميصه السّكري وبدعيّته فاتحة اللّون ولطّخت قطرات منها جواربه البيضاء. كان يتألّم ويتوجّع في شبه غيبوبة.
تعالى الصّخب واختلطت الأصوات: «الإمام غارق في دمائه»، «عبد النّاصر الطلياني ضرب الإمام»، «لقد جنّ ابن الحاج محمود المسكين»، «لا أدري ماذا وقع، لا أرى إلّا الإمام ينزف فمه دمًا»، «الطلياني يصرخ ويسبّ الإمام»، «ابن الحاج في حالة هستيريا»، «عيب والله عيب أن يقع هذا في جنازة»، «أستغفر الله العظيم، عشنا وشفنا»، « استرنا يا ربّ».
من كانوا في الدّائرة الأولى رأوْا عبد النّاصر يوجّه ضربة بحذاء « البرودكان» إلى وجه الإمام الذي كان في الحفرة يستعدّ لدفن المرحوم. كانت صرفقتها مسموعة ممّا يدلّ على قوّتها. دخل عبد النّاصر في حالة هيجان صارخا يرمي الإمام الشّيخ علّالة بأقذع النّعوت التي لا تليق إلّا بأسافل القوم. لم يكفه ذلك، ارتمى عليه يريد إشباعه لكمًا وربّما نوى خنقه لولا أنّني انتزعته منه ثمّ أخذته مع بعض الأصدقاء بعيدًا وهو سادر في صياحه وسبابه وتهديده، يرغي ويزبد إلى أن فقد الوعي.
عجّل الحاضرون بدفن الحاج محمود ولم يقف أيّ من أفراد العائلة لتقبّل العزاء من الحاضرين. فقد ألهت الدّهشةُ الجميعَ، صلاح الدين والخال توفيق وكبار العائلة والمعزّين أيضا، عن إتمام مراسم التعزية.
حصل هذا في أواخر شهر جوان أو بداية شهر جويلية من سنة 1990 تاريخ وفاة الحاج محمود. كان الحاضرون يومها، قد عاينوا أوّل فضيحة في الحيّ، وربّما في البلاد، يذهب ضحيّتها الميّت.
2
لئن لازم صلاح الدّين الصّمت معبّرا عن أسفه فإنّ بقيّة أفراد العائلة، من النساء بالخصوص،نهشوا لحم عبد النّاصر نهشًا.
أمّا أخته الكبرى«جويدة» التي طلّقت منذ سنوات بعد زواج لم يدم أسبوعا فقد بادرت إلى اتّهام الكتب الفاسدة التي كان يقرؤها منذ صغره، كتب تدعو إلى الكفر والفساد والعياذ بالله!
وأمّا أمّه، الحاجّة زينب، سيّدة البيت الحديديّة، فقد اتّهمت خلطة السّوء من الصّعاليك الذين كانوا يدرسون معه بالجامعة ويأتي بهم إلى غرفته في الطّابق العلوي يملأونها دخانًا كثيفًا مُتَهامسين أحيانًا، متحدّثين بصخب يصل حدّ العراك أحيانًا أخرى. وهمهمت في خضمّ التعليقات الغاضبة: «ولد الحرام لا ينتظر منه غير العيب».
وأمّا أخته الصّغرى «يسر» التي يكنّ لها محبّة خاصّة فقد كانت تلحّ على تفهّمه بعد خيبته في زواجه. كانت تردّد في صيغة حكمة لا حكمةَ فيها: «اعذروا عبد الناصر،كلّ ُإنسان وظروفه».
أمّا أختاه الوسطيان فقد ظلّتا صامتتين تكتفيان بالتعبير عن الامتعاض من كلّ ما تسمعان بحركات الشفتين والحاجبين وإدارة الوجه والتحديق في الحاضرين والنظر إليهم شزرا. فـ«سكينة» قالت، بعد أن سمعت أختها الكبرى تفسّر ما أتاه عبد الناصر: «.. هذا ظاهر من صلاتك وعبادتك، لو اعتنيت بسلوكك لكان أفضل». كانت تهمس إلى «بيّة»، وهي أكبر من سكينة بسنتين. فبادلتها همسا بهمس إذ مالت برأسها لتعلّق على ما جاء في كلام الحاجة أمّها ساخرة: «ولد الحرام، من هي أمّه؟».
وأمّا خاله توفيق، وهو متديّن حديثًا، فأرجع الأمر إلى فساد متأصّل في أخلاق الطلياني تدلّ عليه ملابسه وهيئته وشربه الخمر وعيشته البوهيميّة.
وعبّر الجيران، من جهتهم، عن تعاطفهم مع العائلة الكريمة الفاضلة معلّلين ما وقع بحكمة الأقدمين من أنّ في كلّ عائلة بيضة فاسدة، «حارمة».
الشّخص الوحيد الذي كان يبتسم، ابتسامة غامضة ملتبسة تجمع الرّضى إلى شيء من الخبث وبعض الشّماتة هو زوجة الإمام، جارة العائلة بنفس الزّقاق، «للّا جنينة». قالت لهم:
- «عبد النّاصر على حقّ ولو كنت مكانه لفعلت أكثر ممّا فعل».
اندهش الجميع وأشاحوا بوجوههم عنها. فهم يعتبرونها، رغم أنّها لم تتجاوز الأربعين إلّا بسنتين أو ثلاث، قد بدأت منذ سنوات تخرّف وصغُر عقلها لأنّها تخالط كثيرًا أطفال الحيّ تعويضًا عن حرمانها من الإنجاب. ويستدلّون على ذلك بأنّها متحجّبة وزوجة إمام ولكنّها لا تؤدّي واجباتها الدّينيّة. وحتى زوجها الإمام الشّيخ علّالة نفض يديه منها ويدعو لها، صباح مساء في صلاته وفي غير صلاته، بالهداية.
ولكنّ هذا كلّه إنّما هو ظواهر الأمور. فما وقع أمرٌ فعلاً شنيع وبقيت أسئلة عديدة معلّقة. إذ تساءل من تبقّى من أصدقائنا المشتركين أسئلة لم أجد الشجاعة لإجابتهم عنها وقتها: لِمَ فعل عبد النّاصر ما فعل؟ هب أنّ له مبرّرًا لضرب الشّيخ علّالة فلِمَ اختار يوم دفن أبيه؟ لِمَ انتابته تلك الحالة الهستيريّة ليجد نفسه في المصحّة يحقنون له حقنًا لإزالة التّشنّج؟ وهل يليق تصرّفه الأرعن بشخص في الثلاثين من العمر؟
وإلى الآن لم يفهم أحدٌ من أبناء الحيّ أو ممّن حضروا في المقبرة أو ممّن قَدِموا للعزاء في البيت أو ممّن واسوا العائلة في حفل الفرق شيئًا من أسرار تلك النازلة.
لا أحد فهم عدَا للّا جنينة على ما بدا للحاضرين ولكنّها لم تبحْ بشيء وتركت الأمر في مجمع أسرارها.
شعاب الذكريات
1
انتهت جميع المراسم وبقي السّرّ علكة يلوكها أفراد العائلة خلال زياراتهم العائليّة وتستذكرها الجارات على عتبات منازلهنّ ويستعيدها أبناء الحيّ في جلساتهم الخمريّة. ولكن لا أحد كان يجرؤ على أن يتحدّث إلى عبد النّاصر. فقد انهار إثر الحادثة وبدأ ينحدر إلى نحبه في ما ظنّ الجميع. شحب وجهُه وذهب ألقُه ونحل نحولا مرضيًّا بعد أن غرق في الكحول والسّجائر والعزلة حسب المعلومات الشّحيحة التي ذكرتها باقتضاب شديد أخته يسر، الوحيدة التي كان يحبّ أن يراها في بيته. فقد كان يترك لها مفاتيح البيتين اللّذين سكنهما بعد أن كلّفها خلال فترات عديدة بالبحث عن معينات منزليّة من الحيّ والإشراف عليهنّ في التنظيف. كان يغدق عليها الأموال منذ أن أصبح صحفيّا مترسّما في الجريدة الناطقة باسم الحكومة. فتح لها حسابًا جاريًا بالبريد تجمع فيه أموالها. وحين كانت تستكثر ذلك كان يجيبها:
- «أريدك أن تشتري لجهازك أفضل ما يوجد. بعد أسبوع سيأتي الخطّاب».
كانت تضحك وتمازحه:
- «بعد أسبوع! لا.. لا أستطيع الانتظار، أريد عريسا غدا».
كانت تضع رأسه بين يديها وتقبّل جبينه وقد اغرورقت عيناها دمعًا. ولكن آخر مرّة أعادا فيها هذه الإسطوانة، وهو يستعدّ للطلاق من زينة، قالت له لترفع من معنويّاته:
- «ومن أين لي برجل حقيقيّ مثلك؟».
أجابها ببرود وهدوء محذّرًا:
- «إيّاك أن يكون مثلي!».
- «يا حسرة عليك! أنت سيّد الرّجال ولكنّها لم تكن من «كارك».. لم تكن مناسبة».
ابتسم ابتسامة صفراء. وامتلأ صوته بشجن لم تألفه منه أبدا وردّ عليها:
- «أنا الذي كان غير مناسب. تأكّدي ممّا أقول.. أنا لا أصلح لشيء البتّة».
2
طلبت الحاجّة زينب من صلاح الدّين أن يؤدِّيَ دوره بصفته أخًا أكبر ويقرّع عبد النّاصر على الأقلّ أو يفهم أسباب الفضيحة التي تسبّب فيها. كلّفته من موقع الأمّ القويّة التي كانت تسيطر على العائلة كلّها بدءًا من المرحوم إلى يسر أصغر بناتها ولم يخرج، في الواقع، عن طوعها إلّا عبد النّاصر. كان، في عينيها، صعلوكا خارج السرب. إنّه الحبّة السّوداء الفاسدة في بيدرها. كلّفته بأنْ يطفئ النّارَ التي أشعلها «ولد الحرام» وينظّف عرض المرحوم والعائلة كلّها. فقد تركهم أضحوكة بين النّاس بعد كلّ الاحترام والتّقدير وكلّ الإجلال والعزّ.
كان صلاح الدّين يستمع إليها متظاهرًا بالتّفاعل والموافقة والحرص على أداء المهمّة الجسيمة إلى حدّ كادت معه الأمّ تقتنع بأنّها استعادت شرف العائلة. قالت له:
- «أموتُ وأعرف لِمَ فعل ما فعل؟».
كانت «جويدة» تؤدّي معها دورها المعهود بصبّ الزّيت على النّار. وقع بين كمّاشة لسانين سليطيْن.
والواقع أنّ ما فعله عبد النّاصر بدا لصلاح الدّين أمرًا مشينًا ولكنّ واقعيّته وتعفّفه عن التفاصيل وبراغماتيّته جعلته يرى أنّ المسألة انتهت ولا فائدة من العودة إلى الوراء. ثمّ إنّ أخاه الأصغر قد اختار منذ سنوات نمطًا آخر من الحياة واختطّ لنفسه مسارا شخصيّا مختلفا حاد به عن مواضعات العائلة. ما عساه يفعل معه وهو في الثلاثين؟لم يعد ذاك الطّفل أو المراهق الذي يمكن تأديبه أو نصحه أو تقويمه. ومن الأجدى تفهّمه وتركه على حاله تلك.
لم يبق لصلاح الدّين إلّا أن يُظهر الإدانة الشّديدة لعبد النّاصر أمام أمّه وأخته الكبرى وأنْ يربح الوقت حتى يقفل راجعا إلى سويسرا بعد يوم أو يومين. انقطعت صلته بالبلاد منذ سنوات عديدة. ولا يحبّ العودة إلى العائلة ومشاكلها التي لا تنتهي. كان صلاح الّدين، خلال بعض عطل الصّيف، يأتي إلى تونس، برفقة كارلا زوجته، ليصطاف في شواطئ جربة أو طبرقة أو سوسة أو الحمّامات دون أن يُعلم العائلة ودون أن يرى أيَّ واحد منهم عدا عبد الناصر إذا سنحت الفرصة. لم يكن يزورهم إلّا عندما يشارك في بعض النّدوات التي تنظّمها هذه الجامعة أو تلك أو عند حضوره إلى تونس بصفته أستاذًا زائرًا أو خبيرا ضمن وفود عمل تابعة لهيئة دوليّة للتّباحث مع المسؤولين التّونسيّين في ملف من الملفّات الاقتصاديّة. فهو من كبار الخبراء ويُعتمد عليه كثيرًا في كلّ ما يتّصل باقتصاد المغرب العربي وإفريقيا وسياستيْهما الماليّة. وحتّى البيت الذي اشتراه في حيّ النصر وأثّثه أحسن تأثيث لا يشغله إلّا أيّاما معدودات. لذلك طلب من عبد الناصر، إثر طلاقه من زينة، أن يتّخذه مسكنا.
3
صبيحة يوم عودته إلى سويسرا حمل صلاح الدّين باقة زهور وذهب ليعود أخاه. رتّبت يسرُ اللّقاء بعد استشارة عبد النّاصر. كان مايزال منهكًا ولم يدخل بعد في عزلته التّامّة. رفض أن يرى من طلب رؤيته ولم يقبل إلّا أخاه الأكبر.
كان من الواضح أن عبد النّاصر لا يريد الحديث في أيِّ شيء. ولولا بقيّة احترام يكنّه لأخيه واعتزازه به لنجاحه العلميّ والمهنيّ الدّوليّ وأياديه البيضاء عليه في أوقات تحصيله الجامعيّ وبعيد تخرّجه سنة 1986 لرفض زيارته.
كان يعتبر نفسه نقيضًا لأخيه ولكن حين يسأله أصدقاؤه أو من يلتقي بهم من أصحاب الأعمال ورجال الإعلام والسّياسيّين عن صلاح الدّين وما قد يكون من قرابة بينهما كان يجيب «هو أخي الأكبر» وكان يسمّيه «الباشا» ويسترسل في ذكر خصاله العلميّة وتواضعه وخبرته ونزاهته وتعويله على نفسه للوصول إلى أعلى المراتب.
والحقّ أنّ العلاقة بينهما ملتبسة. فصلاح الدّين بحكم رتبته الجامعيّة ومكانته الدّوليّة كان يفسّر ما يبلغه عن أخيه الأصغر حين يقارن أحدهم بين مسيرتيهما على أنّه إنسان حرّ له أسلوب تفكير شخصيّ وربّما كان نمط عيشه لا يناسب مجتمعًا محافظًا مثل المجتمع التّونسي لا يعترف بالحرّية الشّخصيّة ولا يحترم اختيارات الفرد. فلو لم يعش في سويسرا لكان ربّما مثل عبد النّاصر.
بيد أنّ هذا الاحترام المتبادل بين الأخوين جاء بأَخَرة. ففي أوائل الثّمانينات، ولمّا يزل عبد الناصر طالبًا وإن طالت به فترة طلب العلم (أو قل طلب السّياسة في الجامعة!)، كانت تدور بينهما نقاشات حادّة في البيت أثناء الزّيارات القليلة التي كان يؤدّيها صلاح الدّين إلى تونس وإلى العائلة.
كانت نقاشات تنتهي بتوتّر سرعان ما يقطعه صلاح الدّين لأنّه قد يجرّ إلى ما لا يحمد عقباه. فالأخ الأصغر كان معارضًا شرسًا لسياسة الدّوائر الماليّة العالميّة وعلى رأسها البنك العالميّ وصندوق النّقد الدّولي. ويعتبر سياسة التّكييف الهيكلي للاقتصاد التّونسي الذي شارف على الإفلاس، على حدّ تعبيره، تدخّلاً إمبرياليًّا في القرار السياديّ يمنع بناء اقتصاد وطني ويكرّس نهج التبعيّة والاستعمار الجديد والعمالة والسّياسة اللّيبيراليّة المتوحّشة.
أمّا صلاح الدّين فكان يرى، بمنطق رجل الاقتصاد والخبير المطّلع على الاقتصاد العالمي وتوجّهاته، أنّ المسألة ترتبط باختيارات محدّدة للتّموقع في الفضاءات الاقتصاديّة وبالخصوص في علاقة الاقتصاد التّونسي بالاقتصادات الأوروبيّة وعلى رأسها فرنسا وألمانيا. ويركّز على أنّ السّياسة الاجتماعيّة في التّعامل مع الملفّ الاقتصادي مجرّد شعبويّة أدّت إلى أزمة مع الاتّحاد العامّ التونسيّ للشغل سنة 1978 وإلى أحداث الخبز سنة 1984.
كانت نقاشات بيزنطيّة لم يتمكّن فيها طالب الحقوق من إقناع الخبير الاقتصادي. وبالمقابل عجز الجامعيّ المدافع عن اقتصاد السوق عن الحدّ من فورة الشابّ المفعم بقيم الثورات الاشتراكيّة وبما التهمه من الكتب الحمراء. وعادة ما تنتهي المناقشة باتّهام الطّالب بالتّطرّف اليساري القائم على الجهل بقوانين الاقتصاد واتّهام رجل الاقتصاد بأنّه لا يعرف «رأس المال» لكارل ماركس ولا يفهم التّناقض الجذري بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، وأنّه يسير، عن وعي أو عن غير وعي، في ركاب مصّاصي دماء الشعوب.
بيد أنّ ما لم يتصارحا به هو أنّ صلاح الدّين كان معجبًا بحماسة أخيه ويرى أنّ وعيه السّياسي قد نضج وأنّه فتى ملتزم يبني شخصيّته على طريقته. وكانت تعجبه جرأته وفصاحته وقدرته على الاحتجاج لآرائه. وأمّا عبد النّاصر فكان منبهرًا بالمعرفة الدّقيقة التي يمتلكها أخوه خصوصًا حين يقدّم له تجارب اقتصاديّة لم يسمع بها من قبل في حلقات النّقاش بالجامعة ولم يطّلع عليها رغم مطالعاته الكثيرة أو حين يقدّم أرقامًا ومؤشّرات محلّية وإقليميّة ودوليّة تسند كلامه. وأكثر ما يعجبه في أخيه هدوؤه أثناء النّقاش ورصانته ووضوح رؤيته إلى الأشياء رغم الاختلاف الجذري بينهما.
4
كان سي محمود، رحمه الله، يتدخّل بين الفينة والأخرى ليعلّق منتصرًا لابنه الأكبر متّهمًا الأصغر بأنّه يتجاوز الحدود ويدعوه إلى التّأدّب عند الحديث مع «سيّده» صلاح الدّين!.
وكم كان عبد النّاصر يعجب بدفاع أخيه عنه حين يردّ على أبيه «دعه يتكلّم، في حديثه أشياء مهمّة» أو «لم يقلّل أدبه إنّه متحمّس في الدّفاع عن رأيه» أو «رجاء أبي لكلّ رأيه». وكان الأب يصمت منكسرًا. فيرى عبد النّاصر في أخيه وغريمه السياسيّ محاربًا فكريًّا شهمًا يحترم عدوّه. فيزيد انبهاره بشخصه دون أن يصبح لديه مثلا أعلى.
وقد نُقشت في ذهنه حادثة مازال صداها يرنّ في أذنه إلى الآن. كانت العائلة مجتمعة في فناء الدّار ونسائم الصّيف تحمل معها عبق «عنبر اللّيل». وفي غفلة من الجميع بدأ النّقاش يحتدّ بين عبد النّاصر وصلاح الدّين حول الوضع السّياسي أو الاقتصادي أو شيء من هذا القبيل. تعالى صوت عبد النّاصر رغم محافظة صلاح الدّين على هدوئه. خرج الأب إلى وسط الدّار بعد أن صلّى العشاء، كان الجميع ينصت إلى الأخوين ولا أحد على الأرجح فهم شيئا عدا توتّر عبد النّاصر. صرخ سي محمود في وجه ابنه الأصغر:
- «متى ستكفّ عن وقاحتك وأنت تتحدّث إلى سيّدك خوك؟!».
أجاب عبد النّاصر منفعلا:
- «ليس لي سيّد ولست عبدًا لأحد. لقد تركت أخلاق العبيد لكم».
- «اِخرس يا كلب!».
قالها الأب ويداه ترتعشان ويهمّ بضرب الفتى الوقح. نهض عبد النّاصر بعد هذه الإهانة على مسمع من الجميع. أمسكه صلاح الدّين من يده وهو يتمنّع ويتفلّت. هدّأ من روعه والتفت إلى أبيه موجّها إليه الخطاب:
- «يا حاجّ، عليك أن تفخر بابنك. إنّ النّاس يحسدونك عليه. وهو أفضل منّي ثقافة وتجربة وعمقًا في التّفكير مقارنة بي حين كنت في سنّه. لا تكن قاسيًا. ليس بين طلبتي ولا زملائي الأساتذة في سويسرا مَنْ يناقش نقاشا رفيعا مثله. تأكّد ممّا أقول».
تسمّر الأب في مكانّه صامتًا مندهشًا. رأى عيون سكينة وبيّة وقد احمرّت جرّاء الدّموع التي كانتا تداريانها.
ظلّت الحاجة زينب، ولم تكن وقتها حاجّة، جامدة في مكانها. والأرجح أنّ مديح صلاح الدين لم يرق لها ولكن ما بيدها الحديديّة من حيلة.
ابتسمت جويدة ابتسامة عريضة مصطنعة على سبيل مجاملة الأخ الأكبر ولا ريب. أمّا يسر فقد ربّتت على كتف عبد النّاصر الذي احتضنه صلاح الدّين بحنوٍّ.
أجال الفتى المشاكس نظره في الجالسين على البسط المفروشة أرضًا. نظر مبتسمًا إلى أبيه ابتسامة تحدٍّ وغادر الفناء في اتّجاه السّقيفة.
حدّثته يسر، بعد أيّام، عمّا دار من نقاش بعد خروجه. لقد غيّر صلاح الدّين نظرة الجميع إليه ولامهم جميعًا على فكرتهم الخاطئة عنه. فارتفعت، إثر تلك الحادثة، أسهمه في سوق العائلة.