eKtab
EN ع
التناذر الاسلاموي وتحولات الرأسمالية
Read free sample

التناذر الاسلاموي وتحولات الرأسمالية

by أحمد هني

Page 1

المقدمة

الإسلاموية السياسية المعاصرة ليست ظاهرة «غريبة عنا»، وقد باتت مصدراً كبيراً للهواجس لأنها أنجبت تياراً ناشطاً أقلوياً يحمل راية إسلاموية مسلحة. على أنها ليست موضوع تحاليل عادية. فبدلاً من أن تُعتبر ظاهرة في عالمنا الراهن، ينظر إليها معظم دارسيها على أنها ظاهرة نوعية، خاصة في المجتمعات المسلمة وفي نطاق الدين الإسلامي، منبثقة من عقيدة ألفوية جامدة أكثر منها تعبير عن تحولات العالم المعاصر. وفي رأي هؤلاء أن تفسيرها موجود بصورة جوهرية في الإسلام. وعلى هذا، ينبغي الرجوع إلى القرآن لإلقاء الضوء على هذا «السر المطبق» (1) في نظر العلوم الحديثة. إن مسعانا لن يكون غريباً ولا جوهرانياً ولا لاهوتياً. سنعالج الإسلاموية السياسية أو صيغتها المسلحة أسوة بأية ظاهرة اجتماعية تحصل في ظروف معينة في عالم اليوم.
خطوتنا الأولى هي تأكيد شديد: في قلب الإسلاموية السياسية المعاصرة نجد القرآن أقل مما نجد النفط. إن أول مظهر مسرحي لهذه الإسلاموية حصل سنة 1979 في ذلك البلد النفطي الكبير الذي اسمه إيران. في تلك الحقبة، كان شاه إيران، العاهل المسلم، المستبد الطامع بالظهور بمظهر المستنير والساعي إلى التطور، قد بيَّن، من خلال أبهة احتفالات برسيبوليس، ورغم علمانية معلنة على الملأ، أن الحنين إلى الإمبراطورية يداعب مخيلته. والإسلامويون الذين أطاحوا به، وعلى رأسهم آية اللَّه الخميني، تنكروا بالتأكيد لـ «تغربه»، لكن بالتأكيد ليس لعقيدته الألفوية.
في تلك الحقبة إياها، كانت العربية السعودية، جارة إيران، والبلد الكبير الآخر الذي تحكمه بصورة استبدادية أسرة آل سعود الوهابية، تقوم على المستوى العالمي، بنشر الكتابات الإسلامية، وتمويل إرساليات دينية وتشييد مساجد في العديد من البلدان. وهنا أيضاً، بالطبع، لا يسمح حكم آل سعود، على غرار حكم الشاه، بقيام أية معارضة، لكنه يشجع، بفضل دولاراته النفطية، المعارضات الإسلامية في البلدان الأخرى، حالماً ربما بإعادة إنتاج الهيمنة الإمبراطورية التي كانت لمكة في الزمن الغابر. هذه، على كل حال، هي الهيمنة على المسلمين التي يسعى إليها أحد أبناء العربية السعودية الذي صار عدو العالم ذا الرقم واحد، أسامة بن لادن، داعية الإسلاموية المسلحة.
في بلد مسلم نفطي آخر هو الجزائر، تحولت الإسلاموية إلى إسلاموية مسلحة، سنة 1992، فولّدت حرباً أهلية لا نهاية لها، واهتماماً فجائياً من المجتمعات الأوروبية المجاورة التي تضم «جماعات» مسلمة هامة.
وبدا الخميني كما بن لادن، المتحدران كلاهما من مجتمع نفطي، مدفوعين برغبة ألفوية في إعطاء الإسلام والمسلمين مكانة رفيعة في العالم، على مستوى الدول الكبيرة التي يستهدفانها. فعلى أي شيء يمكن أن يرتكز هذا الطموح؟ إلى أية دعائم مادية وإيديولوجية يمكن أن يستند؟ بتعبير آخر، لعل هذا الطموح تعبير عن موقف يسود العالم الراهن حيث يبغي كل فرد أن تكون له مكانة تُكسبه مساواة لم تعد تبنى على الاستحقاق بل على الانتماء إلى جماعة (أرض، جنسية، ديانة، عرق، جنس، إلخ.). كما سنرى لاحقاً، أن الإسلاموية السياسية المعاصرة لا يمكنها أن تستند، رغم النفط، إلى أي أساس مادي ذي شأن كي تصوغ طموحها، وذلك لأنها ليست في الواقع سوى تعبير خاص عن حركة أكثر عمومية تجتاح العالم الراهن، هي حركة المطالبة المكانية، حيث المكانة والانتماء إلى جماعة يعودان بمنافع أكثر من منافع العمل المسلسل (2)، وحيث يتجلى «تآزر ظاهرات مغرقة في القدم مع التطور التقنولوجي» (3).
إن الإسلاموية السياسية المعاصرة، شأنها شأن كل الحركات المضادة للعصر، تحاول أن تفرض الفكرة القائلة بأن العالم لم يعد يتوجه تبعاً لفعل الأفراد بل لفعل شعوب أو جماعات تحقق مصيراً. وهي لأجل هذا تجعل من السياسة لاهوتاً، على نحو ما حاول أن يفعل بالأمس أو اليوم، بعض الأوروبيين والأميركيين. من هؤلاء مثلاً كارل شميت، المؤلف الألماني في القرن العشرين (1888 ـ 1985)، الذي انضم إلى الحزب النازي فترة ما، والذي يقول «إن جوهر الفعل السياسي هو التمييز بين الصديقوالعدو» (4). «إن اللون المحلي الخاص بمختلف العصور لا يقلل بتاتاً من وضوح المسألة الأساسية التي هي معرفة مَن هو العدو الحقيقي» (5)، هذا ما كتبه. ليو شتراوس، ملهم المحافظين الجدد الأميركيين الحاليين الذي كان تلميذه. كما أن نظرية صموئيل هانتنغتن حول صدام الحضارات ليست منبثقة من تيار فكري غير هذا (6).
إن فكرة المكانة هذه وثيقة الارتباط بفكرة السيادة. ولعل النزاعات التي تجتاح المجتمعات المعاصرة والعالم المعاصر هي نزاعات سيادية بين جماعات بقدر ما هي نزاعات بين طبقات حول الملكية. إن الإسلاموية السياسية المعاصرة تخفي تماماً المشاكل المتصلة بالملكية، تلك التي كانت وراء اشتداد النضالات حول وسائل الإنتاج. ويسعى الإسلامويون، المسلحون خصوصاً، إلى ممارسة سيادتهم على باقي العالم. وهم ليسوا الوحيدين الذين يريدون ذلك. فإن شعارات الإيديولوجيا المكانية في الولايات المتحدة مثلاً تذهب من «تفوّق البيض» White supremacist إلى «حركة البيض من أجل البقاء» White survival movement . وفي كتاب بعنوان «الجمهورية الآرية الآتية» The Coming Aryan Republic (1989) ، يقترح مؤلف يدعى ج. كليركين إقامة جمهورية أرسطقراتية يكون فيها البيض الطبقةالمهيمنة والآخرون، كما في روما، العامة الخاضعة للسخرة (7).
العالم كله اليوم موبوء بالإيديولوجيات المكانية. إن هذا الظهور الجديد ليس مصادفة، وإنما هو يصاحب تكاثر الوضعيات الريعية. فالمكانة والريع يسيران جنباً إلى جنب، كما نعلم، منذ المجتمع الإقطاعي (8). والمجتمعات المعاصرة تنشط وتتحرك لكي تغنم الريوع بفضل آليات سيادية. وإذا كان بعضها، كالولايات المتحدة، يستخدم سيادته النقدية، فهناك بعض آخر يستخدم سيادته على باطن أرضه. ومن بين هذه، كان أول من فعل ذلك، سنة 1973، هو المجتمعات النفطية المسلمة، التي كانت ترمي حينذاك إلى التأثير في النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني ليس بواسطة القدرة المادية بل بواسطة سيادتها على النفط. وقد قطفت ثمار ذلك بمضاعفة سعر النفط ثلاث مرات وبتدفق دولارات النفط الذي أثار جنون طموحاتها وأسهم في تغذية العقيدة الألفوية الإسلاموية.
إذن، في ظل ظرف تاريخي محدد، تنمو الحركات المكانية والريعية، مثيرة نزاعات سيادية، من بينها الإسلاموية السياسية المعاصرة التي تستخدم الإسلام كإيديولوجيا خاصة ذات غائية ألفوية. إن هذه العقيدة الألفوية، إذ تتغذى بالريع النفطي وبآيات قرآنية، تمتُّ بالنسب إلى حنين إمبراطوري، ذاك الذي صنع عظمة إمبراطورية غابرة ويحض على تحدي الإمبراطورية الفعلية الراهنة، الولايات المتحدة. غير أنه إذا كان هذا الطموح يداعب أنا بعض الرسل، فإنه لا يستند، كما سنبين فيما بعد، إلى أي أساس مادي، ولا يفعل سوى صرف اهتمام مجموعات من السكان لا تزال تنوء تحت عبء الفقر عن مستقبل أكثر إنتاجية.
Page 2

العالم الإسلامي:بؤس كبير وبحبوحة صغيرة

إذا بدا العالم الإسلامي اليوم مهيباً من حيث عدد سكانه، فإن وزنه صغير في الإنتاج العالمي وفي تداول الثروات. إن معطيات الأمم المتحدة تعطي عنه صورة أكثر بؤساً منها عظمة. لماذا، والحالة هذه، أفلحت الإيديولوجيا الإسلاموية الجذرية في إقناع أنصارها بأن أفق استهلاك ريعي أمر ممكن؟ لأن هذه الإيديولوجيا وُلدت، أغلب الأحيان، وتطورت في البلدان النفطية العربية. لذا يحسن بنا أن نميز بين البلدان النفطية، العربية في الغالب، حيث تعيش قلة من الناس في بحبوحة كبيرة، وبين البلدان الأخرى حيث تعيش الكثرة العظمى في البؤس.
إذا نظرنا إلى البلدان الإسلامية الرئيسية (عدا العراق والصومال اللذين لا يوجد أي معطى موثوق عنهما، وأضفنا نيجيريا المسلمة رسمياً)، فإن أحدث المعطيات (2005) تسمح برؤية تناقض بين إيديولوجيا إسلاموية استهلاكية وعالم إسلامي يحتاج إلى الإنتاج قبل أي شيء. لذلك فإنَّ الإيديولوجيا السياسية الإسلاموية، غير المبالية بواجب التحذير الذي يمكن أن يوجد في كل مكان آخر، تبدو مزدهرة بصورة أساسية في البلدان النفطية ـ البلدان النفطية العربية، إيران، نيجيريا، أندونيسيا. والجدول التالي يتيح رؤية المفارقة المدهشة بين البلدان النفطية الإسلامية وغيرها.
البلدان النفطية التي تضم 46% من سكان البلدان الإسلامية المدرجة هنا تحوز على 60% من الناتج المعبّر عنه بالدولار. وفي داخل هذه المجموعة تبرز بلدان شبه الجزيرة العربية بوضوح من حيث قلة عدد سكانها وارتفاع ناتجها، وهي الوحيدة التي تتجاوز عتبة العشرة آلاف دولار بمعدل الفرد في السنة. أما المجموع فيتسم بتفاوت كبير بين اليمن ذات الناتج السنوي بمعدل الفرد الذي يبلغ 870 دولاراً، والإمارات العربية المتحدة التي تسجل 500.22 دولار كناتج سنوي بمعدل الفرد، وهو المستوى الأقرب إلى مستوى الولايات المتحدة.
إن وضع العالم الإسلامي بالنسبة إلى مجمل العالم يظهر مفارقة مدهشة بين وزنه الديمغرافي (027.1 مليون من أصل 255.6، أي 16% من سكان العالم) ووزنه الاقتصادي (230.1 مليار دولار من أصل 000.32 مليار دولار، أي 3% من الاقتصاد العالمي). وإذا طرحنا النفط لبقي الوزن الديمغرافي على حاله تقريباً لكن الوزن الاقتصادي يتدنى إلى 1.5%. يدل هذا، باستثناء تركيا، على ضآلة أهمية الاقتصاد الإنتاجي في الأصقاع الإسلامية ـ بدون نفط، تنتج تركيا مقدار ما تنتجه العربية السعودية النفطية. باختصار، إن الطموح الإسلاموي إلى هيمنة ما، في حال وجوده، لا يرتكز إلا على فراغ.
تبين هذه المعطيات أن محرك الإيديولوجيا الإسلاموية الجذرية لا يستند إلى شيء في الحالة الموضوعية لمجمل البلدان الإسلامية، وإن هذه الإيديولوجيا لا تستوحي، بوصفها أفق اقتسام أكثر عدلاً للاستهلاك، سوى الحالة الأقلوية لبلدان نفطية قليلة عدد السكان وتستطيع أن تستهلك دون أن تنتج. وبحسب هذه الإيديولوجيا، فإن الـ 16% من سكان العالم هؤلاء، والذين يحوزون 3% من الثروة العالمية، يحق لهم المطالبة بإعادة التوزيع. فالسراب هو الاعتقاد بأن عدم إعادة التوزيع مرده إلى «اختلاس» الثروات النفطية، وهنا تبرز مركزية مسألة السيادة السياسية في الإسلاموية السياسية. والحال أن البلدان النفطية بالذات لا تؤمن سوى ثروة وسطية تساوي 600.1 دولار للفرد سنوياً، لأن بينها بلداناً كثيفة السكان ـ أندونيسيا، نيجيريا، إيران، الجزائر، العراق. أما مجموع البلدان الإسلامية فلا يؤمن سوى ثروة سنوية بمعدل الفرد، بما فيه النفط، تساوي 200.1 دولار فقط. هذا يعنى أنه بمعزل عن مشاكل الاقتسام غير المتساوي للموارد النفطية، فمن الثابت أن البلدان الإسلامية، حتى لو «استعادت» مالها النفطي بكامله، لن تستطيع أن تؤمن لسكانها سوى مستوى عيش وسطي أكثر بؤساً أيضاً (200.1 دولار) فيما أن المستوى العالمي الأضعف هو 520 (سيراليون) والأعلى أكثر من 000.60 دولار (لوكسمبورغ). الواقع هو أن البلدان الإسلامية النفطية تحصّل مالها وتحوله إلى منتجات استهلاكية لا تنتجها هي (منتجات غذائية خصوصاً). كيف تجري إعادة توزيع هذا المال وكيف تفيد منه مختلف فئات السكان؟ هذه مسألة أخرى.
إن البلدان النفطية، فضلاً عن كونها ذات نشاط صناعي هامشي، تبقى عاجزة عن تغذية سكانها، إذ أنها تكتفي بتحويل عائدات تصدير النفط إلى مستوردات استهلاكية، راسمة لنفسها بذلك صورة بلدان «باركتها الآلهة» أو على الأصح اللَّه ، لكنها مرهونة تماماً للخارج. فلولا النفط لما كانت شيئاً، لكن، خصوصاً، لولا مال هذا النفط لما استطاعت حتى أن تتغذى. الإيديولوجيا الإسلاموية، المرتكزة على انطباعية دهمائية، تحاول الإيهام بأن هذا النفط ثروة أسطورية، يكفي أن يحسن المرء استخدام مواردها حتى يغرق السكان المسلمين في الاستهلاك الوفير.
Page 3
والحال أنه، ما خلا بضعة بلدان قليلة السكان (بروناي، عُمان، الإمارات، الكويت، قطر) لا تصل البلدان النفطية الإسلامية إلا بالكاد إلى مستوى عيش مقبول. بل أكثر من ذلك: إن بعضاً منها، نحوز على معطيات بشأنها، ذات مستوى عالٍ من الفقر (15% من السكان وأكثر). على أن النفط ولّد ثروات فردية خيالية ليست نتيجة تاريخ صناعي للجهد وللعمل. إن هذه الثروات، التي تعرض غالباً على نحو مشهدي، تحمل على الاعتقاد بسراب ثروة لامتناهية تجب إعادة توزيعها. فإذا كانت بعض شرائح المجتمع قد أثرت على نحو خيالي في البلدان النفطية، فإن مجموع السكان لا يفيدون بالتأكيد من نفط لا يزدهر عليه، في الغالب، سوى اقتصاد تجاري يقوم على التصدير والاستيراد. إن الجدول التالي يبين أن هذه البلدان النفطية، والبلدان العربية على الأخص، لا تنتج شيئاً آخر، وأنها ذات اقتصاد أقرب إلى التجاري (تصدير النفط واستيراد الباقي)، وأنها كناية عن مجتمع استهلاك متفاوت، بينما البلدان غير النفطية تحاول أن تغدو مراكز للإنتاج.
لا يبدو أن البلدان النفطية العربية، بالرغم من ثرائها، تحوز جهازاً إحصائياً موثوقاً لوضع معطيات عن الفقر عندها. بيد أنه بالنظر إلى وجود أجهزة ذات وزن للرقابة في هذه البلدان، فإن إخفاء معطيات تتعلق بإعادة التوزيع غير المتساوي هو على الأرجح وليد إرادة سياسية أكثر منه نقص في الإعلام. غير أن البنك الدولي قد نجح في احتساب مؤشرات التنمية البشرية في جميع البلدان، عن طريق جمع معطيات متنوعة ومتقاطعة. إن مؤشرات التنمية البشرية هذه، التي تتراوح بين صفر وواحد، تنبىء عن مستوى متوسط عيش السكان (الدخل، الصحة، التربية). الولايات المتحدة طبعاً تقترب من المستوى 1 (939.0). أما في البلدان الإسلامية، فالمؤشر يتراوح بين 465.0 (اليمن) و867.0 (بروناي). والأدعى للدهشة هو أن العربية السعودية (750.0) رغم نفطها، لا تتقدم على تركيا (751.0) أو الأردن (750.0). يشير هذا إلى أن البلدان النفطية الإسلامية الكثيرة السكان ليست في طليعة التنمية البشرية، ما يثير دون أي شك مشاعر حرمان عند مجموع السكان. كما أن الجزائر (642.0) ليست في حال أفضل من المغرب أو مصر، الأقل إفادة من سخاء العناية الإل~هية (620.0 و653.0).
ويبدو أن التحليل الكمي يشير إلى ترابط بين مشاعر الحرمان هذه في البلدان النفطية وبين نمو حركات إسلاموية احتجاجية سياسياً. وسواء أكان ذلك يتصل بالإنفاق على الصحة أو التربية، أو على وضعية النساء، فإنه يلاحظ وجود تقصير فاضح، حتى في أكثر بلدان النفط ثراء.
فإنه في أفضل الحالات (الإمارات العربية المتحدة) لا يمثل الإنفاق على الصحة بمعدل الفرد سوى 18% منه في الولايات المتحدة، بينما تسجل هذه الإمارات ناتجاً سنوياً بمعدل الفرد يزيد عن 000.22 دولار بالسنة. وعلى سبيل المقارنة، فإن إسبانيا، على الصعيد إياه، تخصص للصحة 1607 دولارات سنوياً بمعدل الفرد، أي زهاء الضعفين ونصف الضعف. وعلى مستوى ثرائي مماثل بمعدل الفرد، تخصص الجزائر 169 دولاراً فيما تخصص كوبا 229 دولاراً! ما من شك في أن هذه الأرقام تعبر عن تفاوتات في إعادة توزيع الريع النفطي. وتؤكد معطيات أخرى (الربط بشبكة ماء الشفة، نسبة التجهيز بالهاتف، الحواسيب، استعمال الإنترنت) أن البلدان النفطية الإسلامية، على عكس الصورة التي تعطيها عنها نخبها الحاكمة، تبقى بلداناً لا يبدو جميع سكانها يتمتعون بشكل مقبول بالعناية الصحية، والمدرسة، والعمل أو المواصلات. ففي العربية السعودية يوجد 136 حاسوباً صغيراً لكل 000.1 شخص مقابل 658 في الولايات المتحدة. ويتدنى هذا العدد في الجزائر إلى 8 فقط! وفي ليبيا، يستعمل الإنترنت 21 شخصاً من أصل كل 000.1 من السكان (551 في الولايات المتحدة) و66 في العربية السعودية، و230 في الكويت.
والبلدان النفطية العربية هي، بين البلدان الإسلامية، تلك التي يسمح فيها الثراء بإبقاء النساء خارج النشاط الاقتصادي (20% من النساء البالغات أكثر من 15 سنة من العمر يزاولن عملاً في عُمان، و42% في قطر) بينما يرتفع هذا الرقم إلى 56% في أندونيسيا وأكثر من 50% في بروناي. التعليم عند النساء لا يزال غير كافٍ في هذه البلدان الغنية حسب الظاهر: 70% فقط في العربية السعودية و60% في الجزائر. وفي البلدان غير النفطية، نجد أعلى مستوى لعمل النساء في بنغلادش: 66% من الإناث اللواتي تجاوزن الخامسة عشرة من العمر يزاولن نشاطاً اقتصادياً علنياً. وتبلغ هذه النسبة 51% في تركيا، و30% في كل من مصر والمغرب. وتبلغ نسبة التعليم بين الإناث اللواتي تجاوزن الخامسة عشرة من العمر 86% في تركيا، لكن أقل من 44% في مصر، و39% في المغرب.
يتبين من كل هذه المعطيات أن هناك هوة بين الأفق الاستهلاكي الذي تحمله الإيديولوجيا الإسلاموية والواقع المرير في البلدان الإسلامية. فإن الإيديولوجيا الإسلاموية، باستنادها إلى المنّ النفطي المتركز في أيدي نخب قائدة ذات استهلاك خارق، قد عللت السكان بوهم توسيع هذا الاستهلاك الخارق حتى يشمل كل المسلمين، فأثارت في البلدان الإسلامية النفطية «هيجاناً» للطموحات بعيداً كل البعد عن الإمكانات الاقتصادية الفعلية لهذه البلدان. إنها باختصار أنجبت مهووسين باللَّه أكثر مما أنجبت من نمو اقتصادي.
لقد قامت أول «ثورة» إسلامية معاصرة سنة 1979 في بلد نفطي بالضبط هو إيران. سنحاول الآن، من خلال مسألة النفط هذه، أن نلقي الضوء على الروابط بين ولادةالإسلاموية السياسية والأفق الاستهلاكي الذي ظهر فجأة في البلدان النفطية انطلاقاً من سنة 1973.
 
Page 4

الصدمة النفطية سنة 1973:من البداوة في الصحراء إلى روليت الكازينو

ارتفعت مداخيل البلدان النفطية سنة 1973 إلى أربعة أضعافها، فانتقل سعر البرميل من 2.5 دولار إلى 11 دولاراً. وفي مطلع الثمانينيات وصل إلى 30 دولاراً كما تجاوز في لحظة ما (2005) 60 دولاراً. فإذا كان أمير أبو ظبي يستطيع أن يكدس دولارات نفطه في صناديق قصره ويثابر على حياة البداوة كأبيه، فإن المنّ الذي نزل من السماء بعد سنة 1973 لا يمكن أن تسعه صناديق رجل واحد. وفي البلدان النفطية، لم يعد المال يحتسب بملايين الدولارات ولا حتى بمليارات الدولارات بل بعشرات المليارات. وقد بلغ فائض البلدان النفطية المنتسبة إلى منظمة البلدان المصدرة للنفط (OPEC) 68 مليار دولار سنة 1974 وتجاوز مبلغ 100 مليار دولار سنة 1980. وفي مدى ست سنوات، بين (1974 و1980)، وصل الفائض التراكمي للواردات عن النفقات عند بلدان (OPEC) إلى 600 مليار دولار، أي المليارات التي باتت جاهزة للاستعمال في السوق المالية الدولية، وما يقابلها من فرص إثراء لبدوٍ باتوا رجال أعمالٍ، ومن سراب بلوغ مجتمع استهلاك وفير.
إن الثروة النقدية المتأتية من النفط هي المثال النموذجي للثروة الريعية. وهي في بلاد الإسلام تتبدى هبة سماوية ينبغي لها أن تحرر المسلمين من مشقات العمل الإنتاجي. وهي تبث في العالم ثقافة جديدة هي ثقافة الإثراء العجائبي، نقيض العمل في المصنع.
1 ـ في البلدان المتطورة، صنعت هذه الثقافة صورة الإثراء السريع والخرافي، صارفة النحل عن القفير الإنتاجي. وابتدأ السباق على دولارات النفط: صار السماسرةوغيرهم من الوسطاء موضة رائجة، ما أدى إلى قضايا فساد فضائحية (9). إحدى الشخصيات البارزة في مضمار الوساطة هذا كان عدنان خاشقجي الذي اقترن اسمه بنمط عيشٍ باذخٍ، وبارتياد الأماكن الأكثر فخامة، والتنقل بواسطة طائرة خاصة، وتجارة اللوحات الفنية.
2 ـ في البلدان المنتجة للنفط، برزت فئتان من الناس: فئة المهيمنين على المنّ النفطي، والآخرون.
إن الصورة الزاهية المرتبطة بالثروة النفطية العجائبية هي صورة تلك الدول الخليجية المغرقة في الصغر التي يقطنها بضعة آلاف من الرحّل وحيث سرعان ما وصل الدخل بمعدل الفرد إلى مستوى دخل الفرد في الولايات المتحدة أو في سويسرا. إن هذه الإمارات تعطي عن الثروة صورة تحط من قيمة كل ثقافة للعمل الإنتاجي: يكفي أن تولد كويتياً كي تتمتع بريع مدى الحياة. والصورة التي تعطيها هذه الدول تجمع بين الثروة النفطية واخضرار الصحراء بواسطة ملايين الدولارات، والدارات ذات المرجات الخضراء في ظل حرٍ يبلغ 40 درجة في الظل، وأبنية من الزجاج والفولاذ، وقصور من ألف ليلة وليلة، ومستشفيات من أحدث طراز، وجامعة لأجل سكان يبلغ عددهم 10 000 شخص، ومكيفات هواء في كل مكان، وعملة قابلة للتحويل، ومقادير وفيرة من المنتجات اليابانية أو الأميركية، وغذاء مستورد (خبز طازج يأتي بالطائرة كل صباح)، إلخ.
وتبث شبكات التلفزة الوطنية في هذه البلدان صورة لنماذج مجتمعية جديدة: عائلات من أصحاب الريع تبتاع نساؤها الملابس من لندن أو باريس، ويدير رجالها مؤسسة تجارية أو مالية، ويرتاد جميع أولادها الجامعة حيث يدرسون الطب أو الحقوق، وتمضي إجازاتها في القاهرة أو نيس أو لندن محاطة برهطٍ من الخدم الساهرين على تلبية أصغر رغبة لآخر ولد غارق تحت جبل من الألعاب. لكن طراز الجموح الاستهلاكي هذا، الذي تتناقله وسائل الإعلام، لا يطال مجموع السكان، خصوصاً في البلدان النفطية الكثيفة السكان. غير أن الصورة التي يعطيها أمراء النفط الجدد تروّج لفكرة أن كل شيء ممكن للجميع. حتى فكرة استعادة المجد الإمبراطوري الغابر. وعلى هذا، فإنه إلى مطلب إعادة النظر في التوزيع الاستهلاكي، وتعميم الاستهلاك الجامح، تضاف العقيدة الألفوية والحنين إلى الإمبراطورية المنقرضة. هذان هما مفتاحا الإسلاموية السياسية الوليدة.
فها هو شاه إيران يدشن الدورة الألفوية فيقيم احتفالات برسيبوليس الباذخة، كمؤشر إلى الانبعاث الإمبراطوري، ولكنه في الوقت ذاته يغرق في الاستهلاك الجامح من خلال إقامة الأسرة الإمبراطورية في سان ـ موريتز مثلاً. فهو مسلم رمزي يعمد، بفضل النفط، إلى بعث الإمبراطورية، ويبلغ مستوى الاستهلاك الذي يتمتع به أفراد المركز العالمي للاستهلاك. وما قول الإسلامويين في ذلك؟ إن دولته «فاسقة» لأنها لا تؤمن توزيعاً عادلاً لهذا المجد وهذا الاستهلاك. لكنه ليس الوحيد. أنظروا إلى هذا الأمير الخليجي الذي يبدد بصورة ملوكية ريعه في كازينوات القاهرة أو بيروت، أو على موائد القمار في موناكو. أنظروا إلى هذا القصر في سين ـ أى ـ مارن أو تلك الدارة على الشاطىء اللازوردي اللذين اشتراهما أولئك الأثرياء المتباهون الجدد.
إن جموح الاستهلاك والمجد اللذين يتباهى بهما هؤلاء الأمراء ليسا ممكنين إلا في ظل تفاوت القدرة. فعلى عكس الإقطاعية، حيث السيد لا يعمل بل يضع العمل على عاتق أقنانه، وحيث يتأتى التفاوت بالتالي من الملكية، فإن الأمير في البلدان النفطية لا يملك باطن الأرض ولا يستمد ثروته لا من ملكية ولا من تشغيل أبناء رعيته، وإنما هو مدين بثروته لسيادته على البلاد. والتفاوت في هذه الحالة ليس وليد تمييز بين مالكين وغير مالكين، بل بين أسياد وغير أسياد. ولذا فإن مطلب المساواة لا يرمي إلى إلغاء الامتيازات المرتبطة بالملكية، وإنما يرمي إلى اقتسام السيادة ويدخل مباشرة في نزاع مع الحكم السياسي.
إن هؤلاء الأمراء مضطرون للاحتفاظ بسيادتهم على البلاد بأي ثمن كي يحافظوا على امتيازاتهم. ليس لهذا أية علاقة بمالكين قد يتكيفون مع تغير في السيادة، فيعلنون ولاءهم لملك الفرنجة يوماً، ولدوق بورغوني في اليوم التالي، دون أن يغيروا شيئاً في العلاقات الإقطاعية. أمير النفط لا يعود شيئاً إذا صار خارج الحكم. فهو غير قادر على التكيف مع تغير صاحب السيادة، ولا مع حلول شخص آخر محله وانصرافه هو إلى اكتساب الثروة بطريقة أخرى. في بلدان النفط، لا يصل المرء عموماً إلى الثراء عن طريق المشروع والملكية بل عن طريق السيادة على النفط.
وعليه، يكون من واجب الأمراء الريعيين تقريباً أن لا يقبلوا بو
Page 5
المواطنين القليل بطالة هانئة تدمّر كل ثقافة إنتاجية كما تشيع قراءات لنصوص دينية وطقوسية. أما العمل الإنتاجي هناك فمحصور بالوافدين الجدد: هنود، كوريين، فيليبينيين، مصريين. يعيش هؤلاء الوافدون بالحد الأدنى الدقيق من الحقوق، وهم يشكلون إنسانية دونية عرضة للاستغلال والسخرة بلا حدود، وفي كثير من الأحيان دون حماية اجتماعية ولا حرية دينية أو ثقافية. إنهم يستحضرون مجتمع المكانات ويعطون صورة عمل إنتاجي مقرون بشكل متحول للعبودية. فالعمل في نظر سكان البلدان النفطية يغدو انحطاطاً مخصصاً للـ «غرباء» أي الدونيين. غير أن الجميع، من أصحاب الريع أو الأرقاء، خاضعون لرقابة شرطة سياسية ولقبضة قوات مسلحة من أفضل القوات المسلحة تجهيزاً في العالم.
المواطنون المستفيدون من إعادة توزيع غير مباشر للريع تحت شكل عمل مأجور لا يعتبرون ذلك حظاً بل حقاً يمنحه النفط. إنه ليس أمراً مكتسباً بفضل حسن إدارة القادة. فقد كان في وسع أي كان من غيرهم أن يشتري مكاتب أو أوتوسترادات. إنهم ليسوا أكثر كفاءة من أي مواطن. لكنهم مع ذلك هم الذين يحكمون وليس أي مواطن. ونتيجة ذلك هي فقدان باطني لشرعية قادة البلدان النفطية.
قبل أن يعم هذا النموذج كل بلدان النفط الريعية، نجد بوادره في المكسيك منذ بداية القرن العشرين. فإنه بعد ثورة الفلاحين سنة 1910، ولّد الحكم العسكري سنة 1929 ما بات شبه حزب واحد: الحزب الثوري المؤسساتي، الذي يحكم المكسيك باسم العدالوية منذ 70 سنة. وجرى تأميم الثروة النفطية، أي انتقلت إلى سيادة الدولة، لكن لم يستفد منها في الواقع إلا تحالف بيروقراطيين ورجال أعمال. وعرفت المكسيك خضات عنيفة أسفر آخرها (1968-1970) عن سقوط آلاف القتلى. وأدى إقصاء قسم من السكان عن تداعيات النفط الريعية إلى نمو اقتصادٍ موازٍ لتجارة المخدرات يبدو أن رقم أعماله اليوم يتجاوز الناتج الوطني في المكسيك. وفضلاً عن أن الريع النفطي لم يسمح بإقامة اقتصاد إنتاجي جدير بهذا الاسم، فإنه ولّد اتجارية مالية أفضت إلى إعلان الدولة المكسيكية توقفها عن الدفع سنة 1982. إن هذا الإفلاس الذي ما زال يترجم بآلاف الاغتيالات القذرة أو المافياوية أو بثورة الشياباس الفجائية، هو في الحقيقة الإفلاس الاقتصادي والثقافي للنموذج الثقافي الذي يجمع بين النفط والتنمية والعدالة.
ونجد في إيران الثقافة إياها، ثقافة عصرنة إنتاجوية وعدالتية كان ينشرها النظام الإمبراطوري. على أنه هنا أيضاً أحدث الريع النفطي ظهور مجتمعين اثنين: الأول مرتبط باتجارية ريعية (مشتريات أسلحة، ومصانع، إلخ.) ويعيش على السمسرات، والتجارة، والوساطة أكثر منه على أرباح نمو صناعي؛ والثاني مهمل ولا يفهم سبب إقصائه عن هذه الهبة السماوية أي النفط. إن الأثرياء الجدد في بلدان النفط ليسوا رواد صناعة جنوا ثروتهم بفضل أرباح متأتية من عمل إنتاجي. فهم، حسب المتخيل الشعبي، إنما يحتكرون هبة سماوية تخص الجميع. فالنفط موهوب للبلاد، لا لبضعة أشخاص فقط. وفي غياب شرعية تعيد التوزيع وتفعل الخير، لا يستطيع الحكم أن يضمن بقاءه إلا بواسطة القمع المنهجي. إن النموذج المكسيكي يستقر في كل مكان: حزب واحد أو نظام ملكي، دكتاتورية واحتكار للريع، وبالتالي اتجارية جامحة وإقصاء متنام.
وهكذا، فإننا نجد هذه الملامح، مع بعض الفوارق، في كل من أندونيسيا، والعربية السعودية، والعراق، وليبيا، والجزائر، والغابون، ونيجيريا، وغيرها. الرساميل المستمدة من النفط لا تستعمل لمقاصد تعيد إنتاج نفسها بنفسها عن طريق تنظيم الناس حول أعمال إنتاجية. وإنما هي أشكال متداولة للإثراء تتوقف حركتها على استخراج متجدد للنفط. فهي تحدث تداولاً مالياً واستيرادات. وإذا احتاجت البلاد إلى شيء ما، فهي لا تسعى إلى إنتاجه، بل تشتريه. وهذا الشراء يعفي من الإقدام على مباشرة عمل إنتاجي محلي (صيرورة رائد صناعة)، وله خصوصاً تداعيات مالية (سمسرات ووساطات) يمكن الحصول عليها بسهولة أكبر وسرعة أكبر (سنة 1994 اعتقل رئيس للجمهورية في فنزويلا بتهمة الفساد). إن إثراء الأفراد في بلدان النفط ذو سرعة مذهلة. وهو يحط من قيمة التراكم البطيء، العسير وغير الأكيد، المرتبط بإنتاج الأشياء. وفيما أن الثروات الصناعية تبنى على امتداد أجيال، فإن ثروات المضاربة البضاعية حول النفط والريع تبنى ببضع مكالمات هاتفية. يكفي أن يكون المرء ابن نسب وأن تختاره الآلهة. يكفيه أن يكون صاحب السيادة أو مشاركاً في السيادة. إن درجة القرب من الملك أو الأمير هي التي تقرر درجة الإثراء لا كفاءة القيام بمشروع. من هنا كانت بنى المحسوبية والفئوية التي تستبعد الذين لا يعترفون بسيادة الأمير. حين أراد صاحب المليارات العجائبية النفطية الروسي خودوروفسكي أن يبتعد عن الأمير السيد أو حتى أن يزاحم، وجد نفسه بكل بساطة في السجن.
إن الطبيعة التداولية للثروة في البلدان النفطية إذن تجعل أصحاب الرساميل النفطية لا يعتبرون أنفسهم أصحاب مشاريع إنتاجية بل مجرد وسطاء أو تجاراً يفيدون من تداعيات سيادة الأمير. فالثروة لم تعد نتيجة غنم للعمل الحي وإنما فقط نتيجة غنم لمقدار من النقد يماثل ثروة غير منتَجة بل موهوبة (النفط).
وهذه الثروة الريعية تندرج تلقائياً في شبكة التداول المالي العالمية. فإن مؤسسة إنفستمانت أوتوريتي في أبو ظبي تبدو مهيمنة سنة 2006 على أضخم محفظة للسندات في العالم (ما بين 300 و500 مليار دولار). إن هذا الصندوق الذي تحوزه الأسرة الأميرية يتحاشى كل إعلان؛ ويقول أحد القيمين عليه إن «هذا غير مفيد، وربمامضاد للإنتاجية» (10).
Page 6
وعليه، فإن ثقافة الشركات الموجودة في البلدان النفطية تتمفصل حول بضعة عناصر أساسية:
ـ العمل الإنتاجي يفقد قيمته تماماً ويُحصر بخدام غرباء، دونيين. فالثراء لا يتأتى من العمل الإنتاجي، وإنما هو هبة سماوية محصورة بأبناء النسب. واستحقاق هذه الثروة ذو طبيعة ربانية. إن ثقافة الحداثة الرأسمالية التي تجمع بين العمل والنجاح الفردي غير موجودة هنا؛ وإنما هناك مكانات تثبت وجودها. هذا هو مصدر الصحوة الدينية عند أصحاب الريع، وفي الوقت ذاته، عند رافضيهم «العدالويين». إن انبعاث هذا التدين عند المجموعات التي أثرت بواسطة الريع يستدعي ضرورة شكر الآلهة إذ أنه لا يمكن مماهاة مصدر الثراء إلا مع مصدر عجائبي. على أي حال، إن سلطات بلدان الخليج بالضبط هي التي تبدو أشد محافظة في حقل الدين (السعودية خصوصاً)، والتي أسهمت، بفضل الريع النفطي، في إعادة نشر «الكتب الصفراء» الشهيرة لأجل توزيعها مجاناً تقريباً بملايين النسخ، وهي مؤلفات دينية منسية باتت فجأة في متناول كل من يحسن القراءة، كما أنها مولت المسلسلات المتلفزة التي تشيد بزمن الإسلام الغابر. نجد هنا الثنائية إياها دائماً: استهلاك وإسهام في انبعاث الإمبراطورية. وهنا، أكثر من أي مكان آخر، تتماهى الثروة فعلياً مع كمية من النقد يجنيها المرء مجاناً وتسمح له بشراء كل ما يريد دون أن ينتج شيئاً مقابل ذلك. حتى النفط بالذات تستخرجه شركات أجنبية.
ـ في البلدان ذات الكثافة السكانية (أندونيسيا، إيران، الجزائر، العراق) حيث لا يمكن إعادة توزيع الريع بصورة مباشرة، توجد مجموعة واحدة تحتكر استعمال هذا الريع، وذلك غالباً عن طريق تأميم الشركات النفطية، ما يتيح لها الظهور بمظهر «معاداة الإمبريالية». وهي في الواقع إنما تحل سيادتها محل الملكية وتجعل من هذه السيادة مصدراً للثراء. ثم أنها تعيد توزيع قسط كبير منها تحت شكل رواتب وأجور لموظفين في إدارات تغص بهؤلاء أو في مصانع تشترى في كثير من الأحيان على سبيل الديماغوجية التنموية والعدالوية. السلطة السياسية هنا تريد الظهور بمظهر الحداثة. على أنها، بالنظر إلى احتكارها إعادة توزيع الريع، تعتبر نفسها فاعلة خير (ولياً) أكثر منها مديرة رشيدة للإنماء عن طريق تنظيم أشغال إنتاجية. إن مثل إعادة التوزيع هذه، المرتكزة على خلق وظائف إدارية أو صناعية ينتج عنها إقصاء قسم كبير من السكان، وسيطرة الدولة على الريع تجعل الوصول إلى الثراء خاضعاً للسيادة أي لقرارات السلطة والإدارة. وربّ توقيع واحد يمكن أن يعني الثراء. من هنا كانت الرهانات القاتلة على الحكم وقيام أجهزة عسكرية وبوليسية تتميز بها كل المجتمعات النفطية. باستثناء بلدان ذات تقليد برلماني قديم حيث ظهر النفط بعد قيام الديمقراطية، وحيث يشكل النفط ملكية خاصة (بريطانيا العظمى والنروج)، لا وجود لأي مجتمع نفطي ديمقراطي. غير أن بريطانيا العظمى والنروج لم تنجوا من عدوى التصرفات الريعية. فالتاتشرية هنا دمرت الصناعة والعمل الإنتاجي لصالح الـ غولدن بويز في السيتي، وهناك، دفع الريع إلى انعزال مبني على منافع مكتسبة تتناقض مع الاندماج في أوروبا تنافسية (11).
إن انغلاق المجموعة التي تحتكر السلطة السياسية والأعمال النفطية يخلق تصلباً اجتماعياً إلى حد يجعل كل تبديل للأشخاص يبدو غير ممكن إلا بواسطة العنف، كما هي الحال في مجتمعات المكانة. وبالفعل، فإن المرء لا يدخل نادي الثراء العجيب هذا عن طريق العمل الإنتاجي، هذا النادي الذي لا يرتاده إلا أفراد تنتقيهم سلطة ملكية أو دكتاتورية. في مجتمع النفط يتماهى نادي الحكم مع نادي الحياة. وينجم عن ذلك في كل مكان تقريباً إعادات ترتيب عنيفة للحكم (انقلابات عسكرية، ثورات مدنية، حروب). الطامحون ينكرون كل شرعية سيادية للحاكمين، فيما يسعى هؤلاء إلى تحويل وظيفتهم إلى مكانة دائمة، وحتى وراثية. الرافضون، على عكس ذلك، يطالبون بتساوي المكانات، مستندين إلى إيديولوجيات تتوسل نعم العناية الإل~هية. حتى الحرب بالذات بين بلدين (الكويت ـ العراق) بررها قسم من الرأي العام العربي بوصفها حرباً عادلة مبنية على شرعية القسمة العادلة لثروة موهوبة من لدن اللَّه. إن عودة النزعة الدينية هذه، التي تلاحظ في الشرق كما في ثورة الشياباس المكسيكية، تدعم الفكرة القائلة بأن الثروة موهوبة وخاضعة للاقتسام. الثروة ليست بنت الإنتاج (12).
إن ثقافة اللاعمل هذه لم تظهر بعد إخفاق الشيوعية. وإذا ما بدا اليوم أنها تحل محلها من حيث وجوهها الاقتسامية، فهي في الواقع سابقة لها وتتبدى كنتاج للتحولات الريعية التي يسجلها العالم الاقتصادي.
نحن نجهل الدور الذي لعبه الريع في الاتحاد السوفياتي نفسه. فلا يجوز أن ننسى أن الاتحاد السوفياتي كان، ولا يزال بشكله الروسي، المنتج الثاني العالمي للنفط، وأنه كان ينتج أيضاً الغاز الطبيعي، والذهب، والألماس. هنا يطرح سؤال حول معرفة ما إذا كان الاقتصاد السوفياتي استطاع البقاء مدى عقود بفضل هذه الريوع. مثل هذا الاحتمال يمكن أن يفسر أمرين:
ـ العنف الراهن لإعادة ترتيب الأمور على مستوى قمة الحكم لأجل السيطرة على هذه الريوع؛
ـ الفكرة القائلة بأن فرض عمل إنتاجي على المواطنين لم يكن سوى وسيلة لقمع السكان مع العلم أنَّ هذا العمل كان في جزء كبير منه غير مجدٍ من الناحية الإنتاجية لكنه كان ضرورياً لأجل تحديد مكانات مجتمعية.
إن المجتمع الريعي، إذ يفصل بين الثروة والعمل الإنتاجي يبتعد عن إيديولوجيا فعل الجلب ليعتنق إيديولوجيا انتظار المجيء. يبدو أنه يقول: الرزق على اللَّه. فالأمر الجوهري هو إشغال مكان يسيطر على المنّ السماوي. وبعد احتلال هذا المكان يحسن بالمرء أن يشكر اللَّه ويوزع قسماً من الثروة على من هم دونه بركة أي من هم أفقر منه. يترجم هذا، من جهة، بعودة قوية للنزعة الخيرية. لقد استطاع الناشطون الإسلامويون أن يجتذبوا «المحرومين» بما يقدمون لهم من خدمات إنسانية (في مجالات التربية والصحة والتعاضد والإسعاف) لا تؤمنها سلطة الدولة الحاكمة (13)، ما ينعكس سلباً على سيادتها. ويجرى، من ناحية ثانية، تماه بعد حين بين الثراء والبركة الإل~هية من جهة، وبين الفقر والعقاب الإل~هي من جهة أخرى. فالاضطرار إلى العمل الإنتاجي عقاب. لهذا السبب يمكن للمجتمع النفطي أن ينجب رسلاً أكثر مما ينجب مهندسين.
ولقد أدرك الناس أنه لأجل الإثراء في ظل النظام النفطي، أي لأجل الحصول على قطعة من السلطة، يجدر بهم لا أن يعالجوا الأشياء بعمل إنتاجي، بل أن يعالجوا البشر عن طريق ترتيب متخيلهم، لذلك فإن قادة البلدان النفطية لم يقنعوا شعوبهم بواسطة منجزات في مضمار التنمية المادية. هذه المنجزات ليست وليدة عمل فعال في الأشياء، وإنما هي، في نظر الثقافة الشعبية، آتية من نعمة جاد بها نظام رفيع، هو النظام الأسمى، وهي فوق ذلك نعمة يحتكرها في الغالب دكتاتور. وعليه، فإن كل مطلب (سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي) لا يعود بالإمكان إلا أن يتخذ ملامح دينية. ولهذا فإن وجود إيديولوجيا دينية (الإسلام) جاهزة للاستعمال وتجمع بين هذه الوجوه الثلاثة في بلدان الشرق النفطية، كان لا بد من أن ييسر عمل رسل الريع الجدد، الداعين، باسم «العدالوية» إلى الطعن بالسيادة.
Page 7

الإسلاموية السياسية،الريوع الاستهلاكية والشرعية الحرفية الطقوسية

إن الإيديولوجيا الأصولية التي ازدهرت خلال السبعينيات والثمانينيات في البلدان النفطية الإسلامية لا تعرض أي مشروع للتنمية الاقتصادية بواسطة الإنتاج، وإنما هي تندرج فقط في تداول وإعادة توزيع الريوع النفطية. وهي تهدف بصورة أساسية، بواسطة شرعوية حرفية طقوسية، إلى إعادة تنظيم مجتمع المستهلكين، وبواسطة عقيدة ألفوية تاريخية، إلى استعادة الممارسة الاستهلاكية في الإمبراطورية المنقرضة. هذا الموقف نابع من متخيل يبعث الشواغل القديمة التي كانت تحرك المدينة الإمبراطورية الإسلامية المنقرضة، وفي الوقت ذاته، من غياب التساؤل عن مصدر الثروة ـ النفط، أو هبة من اللَّه. ولهذا، فهي لا ترفع من شأن الإنسان التقني بل القانوني، وأكثر منه القانوني الطقوسي الذي يحضرن الروايات العائدة إلى الإمبراطورية، وبكلمة، الإمام العالم.
إن الدليل الذي تقترحه الإيديولوجيا الإسلاموية المعاصرة لا يستهدف بصورة جوهرية إلا تصرفاتٍ في مجتمع ـ في فضاء عام بصورة رئيسية ـ تصرفاتٍ مرتبطة بالاستهلاك وحده (الغذاء، الملابس، العلاقات الجنسية). وهذه الرغبة في إعادة تنظيم المجتمع تصدم على الفور سيادة الدول القائمة. وهو لا يعارض البتة الملكية القائمة ولا أساليب إبراز قيمة هذه الملكية ـ أسلوب رأسمالي أو غير رأسمالي. ولا نجد في العقيدة الإسلاموية اهتماماً رئيسياً بالمنتجين.
مسألة اللباس هي الأكثر مسرحية مع أنها الأقل جوهرية. فاللباس يعبّر، فضلاً عن رغبة في التمايز، عن عقيدة ألفوية مضادة لانضباط المعمل: ثوب طويل للرجل والمرأة، لون أبيض، قلنسوة للذكور وحجاب للإناث، وفي البلدان الحارة، صندل أو خف. وتترجَم معاكسة أساليب المجتمعات المصنعية بالعودة إلى ممارسة تبرج الرجال (الكحل) وحظره على النساء، كما يوصى بإرخاء اللحية. استعمال السبحة يدل على التقوى. فالمضيف يستقبل ضيوفه غالباً والسبحة في يده، كما يتحدث وهو يسلسل حباتها بصورة آلية.
هذه الفروض لا تمليها الضرورات الصناعية للعمل في المصنع أو المكتب، وإنما هي فقط وليدة العودة الشرعوية إلى «النصوص» الأساسية وإلى حضرنة نمط للاستهلاك يُفترض أنه صنع مجد الإسلام. لا وجود في أي مكان لإشارة إلى حُرصٍ على حضرنة أنماط سابقة للعمل. وهناك مناقشات بيزنطية تغذيها في الغالب أسئلة يطرحها مستمعون أو قراء حول هذه المواضيع وتجتاح وسائل الإعلام. وتقوم سجالات، ليس حول خير وسيلة لوضع تشريع للعمل مثلاً، بل حول طول اللباس وما إذا كان يجب أن يغطي الرسغ، أو حول تحليل استعمال العطر... يستضيف التلفزيون مرجعيات علمية لمناقشة هذه المسائل.
وفي كل سنة، تثير طقوس الصوم (شهر رمضان) والحج سيلاً جارفاً من التفسيرات الشرعوية تصدر عن المرجعيات إياها، وتكون مناسبة للتعبير عن رفض سيادة الأمير. وإذا قررت الدولة اعتماد التقويم الفلكي العالمي لتحديد أول وآخر يوم من شهر رمضان القمري، يعترض بعض الأصوليين متسلحين بحرفية النصوص الشرعية الأساسية ويدعون إلى احترام التقليد الذي يقضي بالتماس الهلال لتعيين بدء الصوم. فينقسم المجتمع، فيصوم بعضهم يوماً قبل أو بعد الآخرين ولا يحتفلون بعيد الفطر في اليوم إياه. كيف يمكن لهذا أن يساعد في صناعة القدرة الإنتاجية وفي إيجاد حلول للجوع الذي يعاني منه المسلمون؟ لكن الأمر الجوهري، كما نرى، هو الطعن بسيادة الدولة.
وعلى الحياة المدنية أن تنتظم مجدداً، بتواطؤ السلطات الفاسدة غالباً، حول عيد للاستهلاك بعد انتهاء الصوم: نفقات متباهية، مساجد مشعشعة في الليل، مناقشات دينية في وسائل الإعلام، صلوات ليلية متأخرة، إلخ. فالإنسان التقي، في المجتمعات النفطية، يفطر عند مغيب الشمس، لأنه لم يعد ملزماً بالنهوض عند الساعة الرابعة في اليوم التالي ليبدأ نهاراً متعباً، ثم يبدل ثيابه كي «يخرج» مساءً إلى المسجد. هذا نمط عيش مركز إمبراطوري ذي استهلاك ريعي، وانبعاث لبغداد ألف ليلة وليلة .
من النادر أن تربط مشكلة الصوم بالإنتاج. فالمطلوب خصوصاً معرفة ما إذا كان يحق للصائم أن ينظف أسنانه صباحاً بمعجون الأسنان. ويتيح الاستماع إلى وسائل الإعلام وقراءة الصحف إحصاء ألف تفصيل من هذا النوع يدور حوله نقاش في الساحة العامة. بالطبع، عند مغيب الشمس يعود كل شخص إلى بيته لأجل الإفطار وتمسي المدينة قفراً. وإقدام الفرد على التضحية بساعة تناول الطعام أمر غير موجود. والعلاقة التناقضية القمعية لا تُعتبر استغلالاً في الإنتاج، بل مانعاً للمشاركة في هذا العمل العام الذي هو، في تلك الساعة، الاستهلاك الكبير.
وتجري في حلقات أكثر ضيقاً مناقشات قانونية جدية لمعرفة ما إذا كان مباحاً إجراء زرع للأعضاء، أو تشريح للجثث (ليس وارداً حتى الآن إحراق الجثث، فهو من المحرمات إطلاقاً).
Page 8
طبعاً إن مسألة مكانة الجنس والعلاقات بين الرجال والنساء هي الأكثر تناولاً في وسائل الإعلام في الغرب. وإذا ما تعمق حقوقيون ضليعون في بحث الفصل بين أموال الزوجين، أو الأنماط الوراثية، أو الموجبات المتبادلة بين الزوجين، فإن وسائل الإعلام لا تحتفظ عموماً سوى بلباس النساء وما يسوس حياتهن العامة. هنا أيضاً ترتبط الإيديولوجيا الإسلاموية بمجتمع الاستهلاك. عرض الأميركي ت. فيبلن في كتابه «نظرية طبقة الفراغ» (14) فكرة أن ذروة التباهي بالثراء هي إظهار أن الزوجة لا تعمل. من هنا كان تسلط الرجال على النساء وصيرورتهن حاجة جنسية ومجددات للنسل لا غير.
إذا كان في وسع البلدان النفطية الإسلامية أن تقصي نصف سكانها الأنثوي عن ميدان العمل، فالمسلمون كلهم لا يستطيعون ذلك. والحال هي أن الإيديولوجيا الإسلاموية التي ولدت في هذه البلدان تبث، حول النساء والتناسل، أفكاراً هي في نظرها صالحة أينما كان. كما أنها، بفعل إقصاء النساء وغياب منع الحمل، تزيد من تفاقم مشاكل التوازن بين عدد السكان والموارد في البلدان الإسلامية غير النفطية. باختصار، إن الإيديولوجيا الإسلاموية هي ترف لبلدان مستهلكة.
الإجهاض ومنع الحمل هما طبعاً محرمان، لأسباب تتعلق بمكانة المرأة كما بالتعاطي القمعي مع العمل الجنسي وكذلك بالحلم الألفوي بالدولة الإمبراطورية. فإذا كثر عدد المسلمين سيستعيدون الإمبراطورية. على أن المعطيات الموضوعية تبين أن معظم البلدان الإسلامية هي صاحبة أدنى دخل بمعدل الفرد في الكرة الأرضية. إن الإسلامويين السياسيين لا يدعون إلى إنتاج ثروات بل أولاد. والرزق على اللَّه.
وفي المسائل الاقتصادية، لا يستعان بالفقه الشرعوي لأجل معرفة ما إذا كانت الوتائر المفروضة في المصانع أو إذا كان العمل بالأسبستوس أو في عمق المناجم متفقاً مع «النصوص» أم لا. فالنشاط التجاري والمالي هو الذي يهتم به الاجتهاد (مسألة الفائدة). والإسلامويون المعروفون لم ينشئوا مصانع، بل مصارف وشركات استيراد وتصدير، وأصبحوا بالفعل منافسين في هذا المضمار، كما أنهم لا ينشغلون إيديولوجياً إلا بمسائل التداول. وهذه كلها مسائل (تشريعات الفائدة، الرسوم الجمركية) تدخل في نطاق السيادة السياسية للدول. كل ما له صلة بكيفية انتظام أرباب العمل والمستخدمين لا يحظى باهتمام الإيديولوجيا الإسلاموية. فالأولوية في نظرها تعود كما يبدو إلى السيادة على المدينة وتنظيمها الأهلي.
ربما كانت هذه المسائل مسائل مركزية في الإمبراطورية الإسلامية القديمة. وإذا كان شمال المتوسط قد تحول، في زمن الإمبراطورية الرومانية المتأخرة، إلى مركز للإنتاج، حيث باتت مسائل التضاد بين المالكين والشغيلة مسائل رئيسية، فإن الجنوب، الذي بات إمبراطورية إسلامية، قد انشغل أكثر، بوصفه مركزاً ريعياً استهلاكياً، بالمسائل القانونية لتنظيم المدينة. وكانت المعرفة المتعلقة بانتقال الأشخاص والبضائع والعملة تنتج فقهاً غزيراً، بينما بقيت التفكرات، التي تزامنت معها في أوروبا الإقطاعية، غريبة عن الغنم التجاري. في التجارة «شيء من الدناءة» كما كتب القديس توما!
إن الإمبراطورية المبنية على السيادة النقدية أقل سعياً إلى تعميق طرائق الإنتاج الطبيعانية منها إلى تفويض تطبيقها. وغرضها هو تنظيم الغنم بواسطة القوننة الحقوقية أكثر منه بواسطة هندسة طبيعانية، موكولة إلى منفذين تعاقديين.
Page 9

التقني والحقوقي

الطرح الأول الذي نعرضه هو التالي: التشكيلان المجتمعيان على ضفتي المتوسط هما إفرازان وارثان، من جهة، لممارسات طبيعوية مصدرها بلاد الإغريق السابقة للإسكندر، وهي ممارسات طبيعوية لمنعزَل إنتاجي رغم ازدهار التجارة فيه، لكنها تجارة مبنية على الملكية لا على السيادة الإمبراطورية، ومن جهة أخرى، لممارسات إمبراطورية تجمع بين السيادة والملكية، موروثة عن روما. والحال أنه إذا كان الشمال يتقدم نحو طبيعوية الإنتاج، معززاً، بواسطة الإقطاعية، دور الملكية، وبواسطة العلم، دور التقنية الإنتاجية، فإن الجنوب يتجه نحو تحايلية ضريبية وتجارية للغنم الخارجي ويتوسع في المسائل القانونية للقسمة. ويتبدى الشمال، حتى قطيعة 1492، كمجموع منعزلات إقطاعية، أياً يكن اتساعها الجغرافي، فيما الجنوب، حتى هذا التاريخ يعمق الغنم الضريبي والتجاري بواسطة السيادة الإمبراطورية.
تضم بلاد الإغريق تشكيلاً مجتمعياً يجمع بين طرازي العلاقات الاجتماعية:
ـ علاقات إنتاج متضادة بين أسياد وعبيد؛
ـ علاقات مساواة بين مواطنين.
الأسياد لا يحصرون نشاطهم في مضمار الإنتاج وفي استخدام العبيد؛ بل كانوا يتعاطون أيضاً تبادل البضائع مع مجموع شرق المتوسط. ومن هذه المبادلات يجنون ثروات تتيح لبعضهم ممارسة إعادة توزيع هامة على شكل إحسان فردي وليس منظماً من قبل الدولة كما في روما. هكذا يتبدى لنا المجتمع الإغريقي بصورة تناقضية ذا مكانات متضادة وينشد المساواة، كمجتمع إنتاجي وإحساني، وبكلمة، كمجتمع تراتبي وغير إمبراطوري، لأنه يقيم في داخله تمييزاً من حيث الطبيعة بين الأسياد والعبيد، بين المواطنين والبرابرة.
لقد أنتجت النقاشات الدائرة حول إعادة بناء البلاد، ابتداء من هزائم القرن الخامس قبل الميلاد، النماذج الثقافية والفلسفية التي نعرفها اليوم حيث انقسم المفكرون الإغريق آنذاك إلى معسكرين: كان بعضهم ينتمي إلى تيار «الجدوانية» المتمثل في الأفكار السفسطائية والذي يفضل في العلاقات الاجتماعية وجهها الفعال في غنم الثروات؛ وكان الآخرون يتجمعون حول التيار الأفلاطوني وينشغلون بأساليب تنظيم المدينة الفاضلة المتمركزة حول فرد متفوق.
هذه المدينة المثالية، التي تريد التوفيق بين العبودية والمساواة المواطنية الغائية والتوزيعية، لم تعرف الوجود في زمن أفلاطون. غير أنها أنجبت فيما بعد نموذجين تاريخيين من المدن:
ـ أحدهما عبودي وإنتاجوي، منغلق على ذاته، يسوده تفاوت طبيعوي ينتج فيه الإنسان التقني، بواسطة التقدم التقني، المساواة المواطنية الغائية، مجتمع الوفرة. إن المجتمع الإنتاجي غير المساواتي هو الذي يقود إلى المجتمع الاستهلاكي المساواتي.
ـ والآخر، المنشغل بالتنظيم القانوني والتوزيعي وبالتالي الفاتح والإمبراطوري، حيث التساوي في المكانة هو الهدف والاستهلاك عن طريق الغنم هو القاعدة.
في الشمال تعززت فكرة المنعزل الإقطاعي حول ملكية فرد متفوق يوفق بين تراتبية تضادية مباشرة ومساواة غائية ـ ملكوت اللَّه. وبات وجود هذا التعايش أحد العناصر المشكلة للمنعزلات الإقطاعية المطلقية في الشمال. مبدأ هذه المنعزلات هو أن لا تعيش إلا على ذاتها، مكرهة قسماً من سكانها على القيام بعمل إنتاجي وجاعلة له مكانة دنيا، لكنها تعتبره مساوياً في الطوباوية الانصهارية الغائية. والتجار هم أصحاب «المكان الضيف» (15) في هذه المنعزلات.
وفي الجنوب، يتجسد إرث الإسكندر ومن بعده إرث روما الإمبراطورية في ممارسة غنم ثروات الشعوب الخارجية مصحوباً بعروض للشراكة أو للانضمام. التراتبية هنا لم تعد تفرق بين منتجين وغير منتجين ينتمون إلى مدينة واحدة، بل بين مواطنين للمدينة و«برابرة» خارجيين. والنقاشات في المدينة لا تتناول المساواة في الأحوال بل المساواة في المشاركة في الغنم الحربي أو التجاري. ومشكلة المدينة، هنا، ليست مشكلة تشغيل جزء من سكانها بل اختيار أسياد الغنم الأفعل على الخارج وتحديد أساليب التوزيع المؤسساتية.
لقد ولّد التاريخ إذن طرازين لتشكلات مجتمعية متنافرة لكنهما في الواقع من أصل واحد. فهناك التشكلات الوارثة لممارسة التضاد الإنتاجي، المنغلقة على ذاتها بقواعد صارمة للملكية، من جهة، وهناك من جهة أخرى تشكلات تتبنى الملامح الإمبراطورية للغنم الخارجي عن طريق السيادة، متمسكة بالتضاد مع خارجها وزاهدة بنمط الغنم الطبيعوي.
إن إنتاج التمثلات، في تشكلات الضفة الجنوبية، ليس من صنع المسائل المتصلة بتقنيات الإنتاج الطبيعوي أو مسائل شرعية الربح التجاري وغنائم الحرب. هنا تظهر مسائل قانونية فقط: كيف ينبغي قوننة الشراكة في النشاط، والعلاقات بين البائعين والشارين، واقتسام ثمرة الغنم الخارجي، وأخيراً أنماط إعادة التوزيع. هذه الأخيرة ليست إحساناً بل هي حصة شرعية لكل فرد في ناتج الغنم الخارجي. وبعد ذلك كيف يجب تنظيم المدينة؟ هذه ليست سوى مسائل تخص الحقوقيين واختصاصيي القانون الدستوري (16).
ولما كانت الثروة تتأتى من التبادل أو من غنم على آخر خارجي، فإن العلاقة الرامية إلى تحويل المادة تعود إلى الآخر الخارجي لا إلى الذات. إنَّ العلاقة بالطبيعة ليست علاقة إنتاجية، فعلى الآخر الخارجي أن ينخرط في تضاد إنتاجي مع الطبيعة . لذا فإن المدينة أقل انشغالاً بتقنيات تحويل النظام الطبيعي والمادي، الذي يعتبر معطى وكاملاً، منها بإدارة نظامها الإنساني الداخلي بواسطة القانون . والعقلانية العلمية لا تهدف إلى معالجة المادة إنتاجياً بجعلها تُظهر كل أشكالها (الآخر الخارجي هو هنا لأجل ذلك) بل إلى معرفة نظام المادة فقط لتحسين إكمال النظام الإنساني للمدينة. إنَّ المرء لا يتساءل، هنا، حول الإمكانات الإنتاجية الكامنة في هذه المادة أو تلك بل حول الحق في استعمالها، لذلك فإنَّ المسألة ليست مسألة تنمية المعرفة عن شجرة الزيتون (مثلاً) بغية جعلها تنتج مزيداً من الزيتون، بل هي التعرف على هذه الشجرة كي نجد فيها تجلّي النظام الطبيعي الكامل (الذي لا يجوز تغييره)، ومن ثم، معرفة ما إذا كان الغنم من طبيعة (الزيتون) صالحاً للنظام البشري. نحن لا ندرس النجوم بغية الذهاب إليها بل لأجل معرفة الحركات التي تنظم الأفعال المجتمعية في المدينة (التقويم، ساعات الصلاة، إلخ.). وليس هنا تساؤل حول تساوي المواطنين في المدينة (إنه معطى نوعي)؛ وإنما هناك تنظيم مؤسساتي للأنماط المجتمعية لفعليته.
إن المبدأين المنظمين للمدينة ، أي الاقتطاع من الآخر الخارجي وتساوي الأفراد في المكانة، يبعدان كل شكل من أشكال السؤال حول إمكانية الجمع بين أساليب تنظيم البنية البشرية ووجود علاقات تضادية وتراتبية للإنتاج. وعلى عكس ما يجري في المنعزلات، لا يُسعى هنا إلى معرفة ما إذا كان الإثراء التجاري شرعياً، بل إلى معرفة كيف يجب عليه أن يسهم في اكتمال النظام في المدينة . فكل شكل من أشكال النشاط شرعي، وليس هناك أي تناف من نوع «طبيعي» بين شكل الإثراء هذا أو ذاك مع الانتساب إلى المدينة . إن تشكلات جنوب المتوسط لن تكون رأسمالية مصنعية، وهي ستراكم ثروات لا ماكنات.
Page 10

المساواتية الإمبراطورية

إن رفض تراتبيات المنعزل الإنتاجية الطبيعانية، وممارسة غنم تجاري مرتبط بالسيادة على الطرق التجارية والمراكز الإنتاجية، يستمد شرعيته من رسالة كونية لاستيعاب الخارج؛ فالانطواء على الذات لا يمكن أن يسمح بتحقيق أنسنة الجميع (روما).
القاعدة العامة هي مساواة مؤسّسية مباشرة مضادة لكل تراتب طبيعاني؛ فصيغ أساليب الاستثمار تقوم على تحاشي علاقة الغنم المباشرة بإمرة العمل وتفويض ممارسته كي يغدو علاقة اقتطاع ذات طراز نقدي وضريبي. نلاحظ هذا في كل الإمبراطوريات، المراكز العالمية للاستهلاك. إن روما سباقة في القانون الذي يشرع الغنم السيادي. وغلبة رجل القانون على رجل التقنية تحصل كلما تقدم مجتمع ما نحو مكانة مركز استهلاكي. التقني هو المهيمن في رأسمالية الإنتاج المادي، أما الحقوقي فهو المهيمن في رأسمالية الريع الراهنة. إن المركز الاستهلاكي، إذ يفوض العلاقات الإنتاجية التضادية إلى الغير الخارجي، يميل، من جهة، إلى «إلغاء أنظمة» العمل الذي لا يعود عملاً صناعياً، وإلى إنتاج مجموعة وفيرة من النصوص القانونية التي تسوس العلاقات المدنية التي تدور حول الاستهلاك والتداول النقدي، ومن جهة أخرى، إلى الانزلاق من تراتبية طبيعانية تنص على تفاوت الناس إلى مساواة مباشرة في الاستهلاك حيث تعلو حقوق الإنسان على حق العمل، وحيث تنحلّ النخبة في امتثالية كالرأي العام. إن هذه النخبة بالذات، لم تعد، حسبما نراها في ذاك المركز الاستهلاكي العالمي الذي صارته الولايات المتحدة، مكونة من مهندسين بناة بل من مديرين وقانونيين.
لقد أكثر الفقهاء الإسلاميون، من جهة أخرى، من وضع صيغ التملص من الإمرة التضادية المباشرة، فحولوها شكلياً إلى عقد شراكة كلما أتيح لهم ذلك (17). فالتشريع الإسلامي ينظم أشكالاً متعددة من المشاركة في الإنتاج أو التجارة (من المزارعة إلى الشراكة الدقيقة)، لكنه لا ينطق بكلمة عن العمل المأمور (18). إن المراكز الاستهلاكية تطور اليوم صيغاً للشراكة مع المراكز الإنتاجية (مؤسسات مشتركة)، وتأخذ حصصاً في المؤسسات وتتحاشى أن تكون أربابها التنفيذيين، متهربة بذلك من العلاقة التضادية المباشرة مع الشغيلة.
المبدأ الرئيسي المطبق في هذا الطراز المديني هو إحداث اقتطاع ذي طراز شبه ضريبي من نتيجة منتجين تُرك لهم استقلالهم في كيفية عملهم. والقاعدة هي ذاتها بالنسبة إلى الجماعات غير المواطنية العائشة داخل المدينة وبالنسبة إلى الجماعات الخارجية الخاضعة للجزية. فحرية الأجنبي تعطى لقاء دفع ضريبة. باختصار، إن المبدأ الضريبي ومبدأ الاستقلال يعملان معاً. ويتبدى هذا النوع من الاقتطاع كتعبيرٍ عن سيادة على الناس وعلى الوسائل أكثر منه تعبيراً عن تملك هؤلاء الناس وهذه الوسائل. فالولايات المتحدة اليوم تؤثر أن تعمل مع بلدان حرة، والمؤسسات الكبيرة تثري عن طريق جعل آخرين ينتجون تاركة لهم ملكية وسائل إنتاجهم (المقاولة الثانوية العالمية). وفي هذه الحال، فإن الصيغ القانونية التي تسوس الاقتطاعات هي التي تتقدم اجتماعياً على سبل ووسائل تملك الناس أو تملك الطبيعة. على هذا النحو، تتأسس صدارة لرجل القانون على رجل التقنية. المتعلمون أكثر اهتماماً بتنظيم المدينة منهم بتحويل المادة. والتقنية (بمعنى المهارة) قانونية قبل أن تكون ميكانيكية. ولفظة (عمل) العربية كانت تعني الممارسة القانونية قبل أي شيء، ثم تطور معناها فصارت تدل اليوم على العمل بصورة عامة.
هذه المهارة (العلم) لا تتوخى إيجاد السبل والوسائل لإنتاج المزيد وإنما لتحسين تنظيم المدينة وتحديد الترتيب البشري الذي يؤمّن، على خير وجه، اندماج كل فرد في شعب. في مثل هذا الترتيب لا تكون دوائر الحق الخاص (ميادين الملكية) مصدر الحق العام. فالحق العام يتقدم على الحق الخاص، وممارسة الاختلاف لها ثمن يُدفع، وناتج هذه الضريبة يسهم بإعادة توزيعه في تآلف الكل . إنَّ الفرد يشتري استقلاله الذاتي بدفع ضريبة، وعليه، فإن التشكل الإمبراطوري لا يتدخل في دائرته الخاصة ولا ينتظر منه سوى ضريبة عامة وامتثالية عامة. إنه شيء عام ، شعب من أفراد مقيدين بعقد مشترك وليس جماعياً عضوياً.
إن العولمة الراهنة ترتكز على هذا المبدأ: بلدان حرة مقيدة بعقد مشترك تضمنه سيادة إمبراطورية.