eKtab
EN ع
التنوير في فنون التعبير
Read free sample

التنوير في فنون التعبير

by مجموعة مؤلفين

Page 1
مقدمة
 
الحمد لله على ما أنعم، وبعد:
 
فالأصل في هذا الكتاب محاضرات ألقيت على طلبة الهندسة في كلية الهندسة التكنولوجية في جامعة البلقاء، ولذا جاءت مادة المنهاج "مادة اللغة العربية 102"، وهي مادة أساسية لطلبة جميع الكليات في الجامعات الأردنية من غير المتخصصين باللغة العربية، وقد استقيت هذه المادة بشكل أساسي من المراجع التي نصت عليها خطة المنهاج، مضافاً إليها مصادر أخرى لاستيفاء بعض القضايا وتقديمها بطريقة تكاملية من خلال عرض منسق.
 
وانسجاما مع الخطة المشار إليها، روعي في تبويب الكتاب تقسيمه إلى الوحدات التالية:
 
الوحدة الأولى: اللغة والكتابة.
 
الوحدة الثانية: من النثر القديم.
 
الوحدة الثالثة: من النثر الحديث.
 
الوحدة الرابعة: الكتابة الموضوعية والوظيفية.
 
الوحدة الخامسة: الكتابة أصولها ومشكلاتها.
 
الوحدة السادسة: فن الإلقاء.
 
وإن هذا الكتاب ليس أكثر من محاولة متواضعة نرجو خلالها أن نكون وفقنا في تجلية المهارات الأساسية للكتابة العربية، والله نسأل أن يلهمنا الصواب، ويهدينا سواء السّبيل.
 
المؤلفون
Page 2
خصائص اللغة العربية
 
إن اللغة العربية لغة تجمع ما بين رسالة السماء، ورسالة الأرض، ففيها نزل القرآن، وفيها أدب بالغ الروعة، وتراث غزير، وإن اختيار الله تعالى لغة العرب لساناً لوحيه، ودعاء لكتابه الكريم، إشارة واضحة لمن يتدبرون حكمة فنونا، وإنّ هذه اللغة صالحة للحياة بكل ضروبها، وألوانها، وعلومها، وآدابها وفنونها، وإنها، لذلك، صالحةٌ للبقاء، وقادرةٌ على حمل رسالة السماء ما دامت الحياة مستمرة إلى يوم الدين، ولهذا نجد خصائص اللغة العربية تتمحور حول الخصائص الآتية:
 
1- العربية لغة القرآن، ولغة السنة الشريفة، وهي تشكل عنصراً مهماً من عناصر توحد العرب ووجودهم.
 
2- الاقتصاد والإيجاز: وتتجلى خاصية الاقتصاد في:
 
‌أ. تعدد المعنى للمبنى الواحد (بَر=بًر)، (حُر=حَر)، وتعدد المعنى المعجمي للكلمات.
 
‌ب. طلب الخفة في الصياغة كما في الإبدال، مثـل: (أعطى=أنطى)، (لبيش=لبيك)، (أكياس=أكيات).
 
‌ج. عدم استخدام الألفاظ المتشابهة في الصوت لصعوبتها في النطق كما في المقاطع الآتية: قج، ضش، سص.
 
وتتجلى خاصية الإيجاز في اللفظ والكتابة؛ فالحركة تكتب فوق الحرف أو تحته، ولا تكتب منفصلة عنها، كما أن الحروف التي لا نحتاج إليها نحذفها أو ندغم بعضها في بعض مثل (عم): فأصلها (عن ما). و(عمن): فأصلها (عن من). (إلام) وأصلها (إلى ما)، إلا أو ألا: فأصلها إن لا وأن لا على التوالي.
 
3- الإعراب: لتمييز المعاني ومنع التداخل والاختلاف بينها، والسماح لمستخدم اللغة، مثلاً، بالتقديم والتأخير نقول: ذهب الولد إلى المدرسة، وإلى المدرسة ذهب الولد، والولد ذهب إلى المدرسة.
 
4- السهولة والمرونة: تظهر سهولة العربية في كتابتها، وفي السهولة تصريف أفعالها إلى ماض ومضارع وأمر ، كتب يكتب اكتب. وتظهر مرونتها في التعبير عن المعنى بجمل متنوعة.
 
5- النمو والتوليد الذاتي: وقد ظهر النمو عن طريق اكتساب كثير من الألفاظ معاني جديدة أضيفت إلى معانيها الأصلية التي كانت تعنيها قبل الإسلام، كالصلاة تساوي الدعاء، والزكاة والصوم والنفاق، وغيرها، كما ظهر التوليد الذاتي في وضع معاني جديدة لألفاظ لم تكن معروفة من قبل عن طريق:
 
‌أ. الوضع اللفظي، مثل: سيارة، طيارة، هاتف،.... وغيرها.
Page 3
‌ب. الوضع المجازي، مثل: ناطحات السحاب، السوق السوداء.
 
‌ج. الاشتقاق: وهو أخذ لفظة من أخرى،مع المحافظة على ما بينهما من قرابة اللفظ والمعنى، وله عدة أنواع:
 
أ‌- 1- الاشتقاق العام الصغير: هو الاتفاق بين المشتق والمشتق منه في الحروف وترتيبها، فنشتق من (الفعل) ضرب، ضارب، مضروب، ضراب، ضربة، مضرب.
 
ومنه الاشتقاق من الأسماء، مثل: (حجر = استحجر)، (نسر = استنسر)، (أسد = استأسد).
 
ومنه المصدر الصناعي الذي يكون بزيادة ياء النسب والتاء كالرهبانية، والفروسية، الخ.
 
ب- 2- الاشتقاق الكبير (القلب): وهو ارتباط مجموعات ثلاثية من الأصوات ببعض المعاني، مثل: (ج ب ر) وتقليباتها الستة؛ فكلها تدل على الشدة والقوة؛ فقولنا: جبر قد تعني أنّ (تجبر إنساناً على ما لا يريد فعله، أو أن تّجْبُرَ كَسْراً)، وأما ربج، فمنها رَجَبَ (شهر رَجَبَ، وكانت العرب تُرجِّب، وكان ذلك لهم نُسُكاً، كما كانت لهم ذبائح في رجب، وهو وصف للأردية)، ومن بَرَجَ، بُرْج (الحصن أو البرج الفلكي)، ومعنى بجر (السُّرَّة الناتئة)، وأما جرب فمنها (المرض المعروف).
 
ج- 3- الاشتقاق الأكبر (الإبدال): كما في كشط وقشط، واحتفى واحتفل.
 
د- 4- الاشتقاق الكًبّار (النحت): انتزع لفظه من لفظتين أو أكثر، كما في (بسمل) من بسم الله الرحمن الرحيم، و(عبدلي) من عبدالله.
 
هـ- 5- وفرة المفردات وقدرتها على التعبير عن المعاني: فـ(المشي) لفظ عام؛ فـ(الدَرَجان) مشية الصبي الصغير، و(الخَطَران) مشية الشاب، و(الحَبو) مَشيُ الرضيع، و(الاختيالُ والتبخترُ) مشية الرجل المتكبرِ والمرأةِ المعجبةِ بجمالها وكمالها.
 
* الترادف:
 
ويتأتى عن وفرة مفردات العربية ظاهرة (الترادف) أي استخدام الألفاظ المتشابهة في المعاني أو القريبة من أن تكون متشابهة، كما في (نظر، لحظ، رنا، رأى، أبصر، شاهد)، أو (جاء، أتى، حضر، قَدِم)، وغيرها من الألفاظ، إلا أنها تتميز في سياق النص.
 
ولعل ترادف مفردات العربية جعلها في غنى عن التوسع في قبول (الدّخيل) أي ما دخل لغتنا من مفردات أجنبية.
Page 4
* التعريب:
 
وعدم اللجوء كثيراً إلى (التعريب) أي إخضاع اللفظة الأجنبية للغة العربية بصياغتها على أحد أبنيتها، ومن ذلك الكوز، والفلسفة، والأرائك، واليم، وغيرها.
 
وهكذا نجد أن هذه الخصائص قد مكنت اللغة العربية على مواكبة التطور من خلال العناصر التالية:
 
- غنى اللغة العربية وغزارة مفرداتها إذ إنها تمتلك أكثر من: (1200) وزناً قياسياً للأسماء والأفعال.
 
- لها القدرة على المحافظة على أصولها، وخضصائصها من خلال ما يلي:
 
1. الابتكار.
 
2. التحديد.
 
3. التوليد.
 
4. وسائل الاشتقاق.
 
5. النحت.
 
6. التعريب، مما جعلها قادرة على مواكبة كل ما يستجد من متطلبات: 1- القول، 2- والتعبير، 3- والبحث العلمي.
 
- وللعربية مناعة لغوية ضد أي دخيل مكنتها من الصمود في وجه الصراعات الداخلية من مثل: (1- العامية، 2- الفصحى)، والخارجية ومنها (1- العبرية، 2- اللغات الأجنبية).
 
- قدرة العربية على هضم ما يستجد من ألفاظ علمية أو أدبية، أو فنية في اللغات الأخرى، وتمكنها، بما تمتلكه من وسائل لغوية متعددة، من إيجاد المقابل اللغوي العربي لتلك الألفاظ في ضوء مفهوم لغوي عرفه العرب منذ القدم، ونعني به (التعريب).
 
* مدخــل اللغة والفكر: العلاقة بينهما وتطورّهما:
 
يختلف تعريف اللغة من عالم إلى آخر حسب الزاوية التي ينظر منها إلى اللغة، ولارتباط اللغة بعلوم عدة منها: علم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم المنطق، والفلسفة والبيولوجيا وغيرُها من العلوم، ولعل أفضل تعريف للغة هو: اللغة ظاهرة سيكولوجية اجتماعية ثقافية مكتسبة، تتألف من مجموعة رموز صوتية، اكتسبت عن طريق الاختيار معاني مقدرة في الذهن، وبهذا النظام الرمزي الصوتي تستطيع جماعة ما أن تتفاهم وتتفاعل، ويُميٍّز الباحثون بين أنواع عدة من مراتب اللغات، منها:
Page 5
1- اللغة الفصحى: وهي لغة التراث والأدب والكتابة.
 
2- اللغة العامية أو اللهجة العامية: وهي لغة الشعب في مخاطباته اليومية.
 
3- اللغة الميتة: وهي التي كانت شائعة في مرحلة زمنية معينة، ثم توقف الناس عن استخدامها نطقاً وكتابة، مثل اللاتينية والآرمنية والسريانية والاكادية وغيرها.
 
4- اللغة الوضعية: وهي جملة الرموز والإشارات المتفق عليها في سبيل خلق وسيلة للتفاهم العالمي، وقد اشتهر من هذه اللغات الوضعية لغة" سبرانتو" ولكن هذه اللغة لم تلاق النجاح الذي كان يتوقعه لها واضعوها.
 
وقد اهتمّ الباحثون منذ أقدم العصور بموضوع نشأة اللغة، ذلك لأن اللغة من أكثر الظواهر الاجتماعية عند الإنسان أهمية، وهي، من ثم، إحدى مميزاته الرئيسة التي تميزه من الحيوان، ولذلك قيل: الإنسان حيوان ناطق، ولما كان موضوع نشأة اللغة من أقدم المشكلات الفكرية، التي شغلت الإنسان، كثرت فيه البحوث وتعددت النظريات بصدده، وقد تداول علماء العرب في هذا المجال نظريتين.
 
1- نظرية التوقيف: ويذهب أصحابها إلى أنّ اللغة وحيٌ من عند الله. ومن القائلين بذلك أحمد بن فارس. ويعتمد هؤلاء على قوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) البقرة: 31.
 
2- نظرية الاصطلاح والتواضع: وتذهب إلى أنّ اللغات نشأت بالتواضع والاتفاق. ومن القائلين بهذه النظرية ابن جِنَّى الذي يعبر عن ذلك بقوله: غير أنّ أكثر أهل النَّظر على أنَّ أصل اللغة إنَّما هو تواضع واصطلاح لا وحي وتوقيف.
 
أمّا علاقة اللغة بالفكر فمن المعروف أنّ اللغة طريق تُسَهٍّل الفكر، أو هي كما يقول سابير (Sapir):طريق ممهّد أو أخدود كالأخاديد التي نراها على سطح أسطوانة تُمهِّد السبيل للإبرة لتمرَّ فيه لتردِّدَ الصّوت. وإذا كانت اللغة تُسِّهل الفكر وتساعد على نموّه فإنّ الفكر نفسه يعود فيؤثر في نموّ اللغة وتطوّرها. ولقد أكّد أكثر الباحثين أنَّنا نفكّر بجُمل وأنّ اللغة وعاء للفكر كما أنّه لا وجود للفكر دون لغة.
 
ونتيجة لهذه الوظيفة، تصبح اللغة سجلَّ تاريخ الشعب، ترتقي برقيٍّه، وتنحطُّ بانحطاطه. ونحن نستطيع أن نتبيّن من دراسة اللغة الكثير من الآداب والعادات وضروب التفكير وأنواع المشاعر التي تسودُ مجتمعاً ما. ولعل هذا ما يحفزنا إلى دراسة الأدب العربي في مختلف موضوعاته من شعر ونثر وما يحملان في أثنائهما فكر عربي ناصع. وسنتطرق في هذا الصّدد إلى موضوعين: نشأه اللغة والرواية والتدوين.
Page 6
(1) نشأة الكتابة العربية وتطورها
 
للكتابة معنيان: أولهما التعامل بالحروف ورسم الخطوط على القرطاس. وثانيهما الكتابة الفنيّة والإبداعيّة، ويطلق عليها اسم النثر الفنّي. ولاشك أنّ المعنى الأول يؤدي إلى الثاني ويتّصل به، على الرغم من أنّ التعامل بالحروف له صلة وثيقة بالدراسة والتدريس، ويُسمّى الخط، كما أنّ التعامل بالكتابة الفنية له صلة وثيقة بالموهبة والإبداع والحياة على رُحبها. ويذكر المؤرخون أنّ الخط في مبدأ ظهور الإسلام كان هو الخطّ الأنباري والجيري. وقد سُمِّيَ بعد انتقاله إلى الحجاز بالحجازي وهو أصل النسخ. وكان يكتب به النّزْر اليسير من العرب عامة وبضعة عشر من قريش خاصة. فلما انتصر النبي × على قريش في يوم بدر وأسر منهم جماعة كان فيهم بعض الكُتّاب قبل الفداء من أُميِّتهم، وفادى الكاتب منهم بتعليم عشرة من صبيان المدينة، فانتشرت الكتابة بين المسلمين. ولما فتح المسلمون الممالك ونزلت جمهرة الكتّاب منهم الكوفة عُنوا بتجويد الخط العربي وهندسة أشكاله، حتى صار خطُّ أهل الكوفة ممتازا واستحق أن يسمّى باسم خاص هو (الكوفي) الذي كتب به المصحف وحُلّيت به القصور والمساجد والنقود.
 
وقد كان الخط العربي في أول عهده يشكو ضروباً من الغموض وعدم الدِّقة؛ لأنّ الكتابة بدأت بدائية لا عناية بها ولا تدقيق في أصولها. وقد رَدَّ ابن خلدون ذلك كله إلى ما كان يتصف به العرب من بداوة وجهل وبُعد عن الحضارة؛ لأنّ الخط في رأيه من جملة الصناعات التي لا يتقنها إلا أهل الحضارة. بيدَ أنّ عناية الخطاطين بنسْخ القرآن واشتغالهم بالأعمال الديوانية جعلهم يدأبون على تحسين الخط العربي، بحيث أدخلوا عليه الإصلاحات الآتية:
 
1- وضع الحركات من ضمّة وفتحة وكسرة على أواخر الكلمات، وقام بهذه المهمة أبو الأسود الدّؤلي ت 69هـ؛ وذلك بأن أثبت نقطة فوق الحرف كنايةً عن الفتحة، ونقطة بين يدي الحرف كنايةً عن الضمّة، ونقطة تحت الحرف كناية عن الكسرة. وكان يكتب هذه النقاط بصِبْغ يخالف لون المِداد الذي كتبت به الآيات القرآنية، ويغلب على الظنّ أنه الأحمر.
 
2- تنقيط الحروف المتشابهة منعاً للبس ودفعا لاختلاط المعاني، وقام بهذه المهمة نصر بن عاصم ت 89هـ، وقيل يحيى بن يعمر ت 129هـ، وقيل هما معاً. وقد فعلا ذلك بأمر من الحجاج بن يوسف الثقفي بعد أن كثر التصحيف(1).
 
3- إثبات الحركات بدل النقاط على أواخر الكلمات خشية أنْ تلتبس نقاط الحركات بنقاط الحروف، وقام بهذه المهمة الخليل بن أحمد الفراهيدي ت 171هـ، فوضع الفتحة والضمة والكسرة بدل النقاط التي كانت تُكتب بمداد أحمر.
Page 7
4- وضع علامات الترقيم أو الوقف (Punctuation)، وهي علامات خاصّة توضع في مواقعها المناسبة من الكلام، دفعاً لما يُمكن أن يخالطه من لبس أو غموض. وهي ابتداع عالمي ليس خاصاً بالعرب. وأوّل من دعا إلى استعمالها من العرب الكاتب المصري أحمد زكي باشا الملقب بشيخ العروبة ذلك سنة 1912.
 
وكانت الكتابة قليلة في العصر الجاهلي، واتسعت بظهور الإسلام. وفي أواخر العصر الأموي توافرت دواعي الكتابة بعد أن رسّخَ رسول الله ×، دعائمها بتدوين القرآن الكريم عن طريق كتاب الوحي. وازدادت الحاجة إلى الكتابة والكتّاب لتدوين العهود والمواثيق والرسائل، كما ازدادت الحاجة إليها أيام الفتوح، ممّا أدى إلى التوسّع فيها وكثرة الإقبال عليها، ومما شجع على أنْ تصبح فناً قائماً بذاته، وأن يكون لهذا الفن أعلامُه، كما سنرى.
 
(2) الرواية والتدوين:
 
الرواية: هي الاعتماد على الذاكرة في نقل المواد اللغوية والأدبية وعدم تجاوز الفم والشفتين في هذا النقل، ولذلك يقال فيوصفها إنها شفوية، لا تقوم على استخدام القلم والقرطاس، وقد كانت أول محاولة لنشر العلم عند العرب، وحتى عند جميع الشعوب.
 
وقد كان للرواية أهمية خاصة عند العرب؛ فاقترنت بالحرص البالغ والدّقة الكاملة، والأمانة الشديدة؛ لأن الدين الإسلامي يدعو لذلك، ولأن كثيراً من نصوص القرآن والسُّنة كانت من شواهد التشريع الأساسية، فالتزم القوم الأمانة والحرص فيها حين كانوا يروون كلام الله، وكلام الرسول ×، بل حين كانوا يروون أشعار الجاهلين والإسلاميين وأيامهم ووقائعهم.
 
ومن المعروف أن الشعر العربي في قديم عصوره كان يتم تناقله في الأغلب الأعم مشافهة، وأن الشاعر الناشئ كثيراً ما كان يتتلمذ لشاعر أرسخ منه قدماً في الشعر، فيختص به ويصبح روايته الموكل بحفظ شعره وإذاعته.
 
وقد روى المؤرخون أن الحطيئة الشاعر المخضرم المعروف كان راوية الشاعر الجاهلي الحكيم، زهير بن أبي سُلمى وابنه كعب، وأن زهيراً هذا كان في عصره راوية زوج أمه الشاهر الجاهلي التميمي أوس بن حجر.
 
ويروي المؤرخون أيضاً كُثيّر بن عبدالرحمن الخزاعي، الشاعر العذري الإسلامي المشهور بكثير عزة، كان راوية لجميل بن عبدالله بن معمر العذري المعروف بجميل بثينة، وأن جميلاً كان راوية لشاعر عذري تقدمه اسمه هدبة خشرم، وكان هو بدوره رواية للحطيئة.
Page 8
وليس في مثل هذا النوع من الرواية التي تختص بشاعر معين ما يستغرب بل هي على العكس طريقة في الرواية معقولة وباعثة على الطمأنينة والثقة؛ لأنها قائمة على أساس من المحبة والإعجاب.
 
وإلى جانب هذه الرواية ظهر في الجاهلية وصدر الإسلام رواة كثيرون لم يكونوا يقصرون عنايتهم على شاعر واحد، بل يروون جيد الشعر العربي مهما اختلف قائلوه.
 
وقد ذكر المؤرخون عدداً من هؤلاء الرواة مثل مخرمة بن نوفل وعقيل بن أبي طالب وعبدالله بن عباس في القرن الأول الهجري.
 
أما في القرن الثاني والثالث فقد ظهر عدد كبير من رواه الشعر واللغة، من أشهرهم: أبو عمرو بن العلاء، والمفضل الضبي، وخلف الأحمر، وحماد الرواية، وعبد الملك بن قريب الأصمعي، وأبو زيد الأنصاري، وابن سلام الجُمحي، وأبو سعيد السكري، وأبو عمرو الشيباني وغيره.
 
ولا يسع الباحث المنصف إلا أن يقر بفضل هؤلاء العلماء والرواة الذين حفظوا لنا ما أمكنهم حفظه من الشعر القديم، ولولا جهودهم لأسدل ستار كثيف دون ماضينا الأدبي البعيد ولواجهت المواد اللغوية والأدبية، والدينية من جراء ذلك عنتاً كبيراً.
 
ولم يقتصر عمل الرواة في هذا القرن على الرواية الشفهية شأن رواة القرن الأول، بل عطف كثير منهم على التصنيف الجدي، فصنفوا الدواوين (ومن هنا أخذت كلمة التدوين التي تعني الكتابة والتسجيل)، وجمعوا أشعار القبائل، ووضعوا المجموعات الشعرية وكتب المختارات المتنوعة، مما ترك للباحثين بعدهم ذخيرة كبيرة من الوثائق يتعرفون منها ملامح الشعر العربي في أبعد عصوره ومراحل تطوره.
 
ولو رجعنا إلى كتب التراجم نسألها عما جمع هؤلاء الرواة من دواوين القدماء، لما وسعنا إلا أن نعجب بالجهود العظيمة التي بذلوها في هذا السبيل؛ فهذا أبو عمرو الشيباني يجمع دواوين امرئ القيس ولبيد بن أبي ربيعة، وتميم بن مقبل ودريد بن الصمة، والأعشى والحطيئة، وسواهم.
 
وهذا الأصمعي يرتب دواوين النابغة الذبياني والنابغة الجعدي وامرئ القيس، ومهلهل، وبشر بن أبي خازم، وغيرهم، وهذا محمد بن حبيب يجمع أشعار ذي الرُّمة، والفرزدق، وهذا أبو العباس الطّوسي يجمع دواوين زهير ولبيد والأعشى، وحُميد بن ثور، والطّرماح، والعباس بن مرداس.
Page 9
وإلى جانب هذه الدواوين الكثيرة التي وصلنا بعضها، وفُقد الكثير منها صنف بعض الرواة مجموعات شعرية بنوها على الاختيار والاصطفاء لا على الاستيعاب والشمول، كما هي الحال في الدواوين.
 
هذه المجموعات الشعرية يختلف بعضها عن بعض من حيث الفِكرةُ الموجِّهةُ وفائدتها تختلف عن فائدة الدواوين؛ فالديوان ضيق الأفق، واختصاصي الموضوع، ويدرس شاعراً بذاته، أما المجموعات فهي أوسع أفقاً لتنوع موضوعاتها وتعدد شعرائها، ولذلك كان تصويرها للحياة الفنية والاجتماعية أكمل، إضافة إلى أنها تدل على ذوق العصر الذي صنفت فيه، كما تدل على ذوق مصنفها.
 
ومن أشهر هذه المجموعات التي صنفت في القرنين الثاني والثالث الهجريّين:
 
المفضليات للمفضل الضبي، والأصمعيات لعبد الملك بن قريب الأصمعي، وجمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي، وديوان الهذليين لأبي سعيد السكري.
 
وأخذت طريقها أيضاً في تدوين غزوات الرسول ، وأحاديثه، فدون عروة بن الزبير غزوات الرسول ، وحروبه، ودون زياد بن أبيه كتاباً في (المثالب) وهي العيوب، وهكذا امتد التدوين فشمل الموضوعات اللغوية والأدبية والتاريخية والدينية والأنساب، واتسعت حركة الكتابة والتأليف مما لا نستطيع ذكره في هذه العجالة.
Page 10
أولاً: الكتابة في عصر صدر الإسلام
 
شجّع الإسلام الكتابة والقراءة منذ نزول القرآن، فذكرت غير مرة في آياته البيــنات ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ 1. خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ 2. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ 3. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ 4. عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ 5. ).
 
وفي قوله تعالى: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) القلم:1، (بَلْ هُوَ قرآن مجيد 21 فِي لَوْحٍ محفوظ 22) البروج وغير ذلك كثير.
 
* وشجع الرسول الكتابة أيضاً وعمل على نشرها:
 
1- جعل تعليم الأسرى في بدر المسلمين الكتابة فداءً لهم.
 
2- حث القرآن على استخدام الكتابة فـي المعاملات (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ )البقرة: 282.
 
3- كتّاب الوحي الذين دونوا كل ما نزل على الرسول من القرآن .
 
4- استخدم الرسول الكتابة في عهوده ومواثيقه.
 
* ومن الكتابات الرسول صلوات الله عليه:
 
1- كتابة بين المهاجرين والأنصار واليهود بالمدينة.
 
2- كتاب عهد الحديبية (كتبه علي بن أبي طالب).
 
3- كتابه إلى هرقل ملك الروم.
 
4- كتابه إلى كسرى ملك الفرس.
 
5- كتابه إلى النجاشي ملك الحبشة.
 
6- كتابه إلى المقوقس عظيم القبط.
 
7- كتابه إلى الحارث بن أبي سمر الغساني صاحب دمشق.
 
8- كتابه إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين.
 
9- كتابه إلى أهل البحرين.
 
10- كتابه إلى أهل هجر.