eKtab
EN ع
التنشئة الاجتماعية السياسية في مجتمعات الخليج العربية-دراسة أنموذجي الكويت والبحرين
Read free sample

التنشئة الاجتماعية السياسية في مجتمعات الخليج العربية-دراسة أنموذجي الكويت والبحرين

by د. رعد حافظ سالم الزبيدي

Page 1

التنشئة الاجتماعية السياسية

دراسة نظرية

يمثل تحديد مفاهيم المصطلحات العلمية قبل استعمالها ضرورة لازمة لسلامة العمل البحثي الأكاديمي. فغالبا ما يؤدي إهمال تحديد مفاهيم المصطلحات المستعملة في الأدبيات، كأدبيات علم الاجتماع السياسي إلى الخلط بينها([1]). مما يقود إلى تشويه في فهم الموضوع نفسه. بعبارة أخرى ان عدم تكوين صورة واضحة عن المفاهيم المستعملة؛ أنما يؤدي إلى صعوبة تكوين صورة واضحة عن الموضوع موضع البحث نفسه. إذ "يشكل تحديد المفاهيم والتعاريف...العصب الذي يُفسّر أبعاد الظاهرة, والإلمام بكل تشعباتها وفروعها"([2]). كما يتعين الاحاطة بالمركبات النظرية الأساسية لعملية التنشئة الاجتماعية السياسية قبل الولوج في دراستها في نماذج معينة من المجتمعات كما في المجتمعين الكويتي والبحريني؛ لذلك هناك ضرورة للتعرف إلى تعريف التنشئة الاجتماعية السياسية بواسطة الإطلاع على الآراء والاتجاهات المختلفة التي جاءت بشأن تعريفها، ومحاولة معرفة سماتها وعلاقتها بالتنشئة الاجتماعية. فضلا عن ما تقدم هناك حاجة للإحاطة بالإسهامات العربية والأجنبية في مجال تحديد مفهوم التنشئة الاجتماعية السياسية، والبحث في جذور التنشئة الاجتماعية السياسية الأجنبية والعربية وتطور دراستها. ويتطلب الأمر أيضا قبل الشروع في دراسة نماذج تطبيقية للتنشئة الاجتماعية السياسية في الكويت والبحرين البحث في أهمية التنشئة الاجتماعية السياسية من حيث اهتماماتها وأهدافها والوظائف التي تقوم بها فضلا عن أن هناك حاجة إلى دراسة كيفية اكتساب التنشئة الاجتماعية السياسية بفضل دراسة النظريات المختلفة التي تبين كيفية اكتسابها، وتتطلب الدراسة أخيرا التعرف إلى أنواع الطرق التي بواسطتها يتم اكتساب التنشئة الاجتماعية السياسية، ومراحل اكتسابها، وعليه سيتم البحث في كل ذلك في أربعة مباحث على التعاقب.

Page 2

المبحث الأول : تعريف التنشئة الاجتماعية السياسية

تعني التنشئة من الناحية اللغوية معنى: الخلق "وهي إن انصرفت إلى البداية عنت: بدء الخلق؛ وإن انصرفت إلى النهاية عنت: البعث. وهذا المفهوم يرتبط بالعلو في الكائنات والذي هو بداية التأهل للإخصاب والإثمار. والنشئ مفهوم محايد العبرة فيه بمضمون ما تأهل لإثماره، فقد يكون نشئ سوء أو نشئ صدق([3]). ومن مضامين مادة نشأ كذلك: التأليف، والأصل، والحدوث والإحداث والتجدد والنمو، والتربية وإجادة استنباط المعاني، والحياة". وخلاصة المضامين اللغوية لمفهوم التنشئة تدور حول: "ارتفاع من تجاوز حد الصغر وشب، ولكنه لم يكتمل بعد ضمن عملية قد تأخذ أحد شكلين: الحركة التلقائية (الحدوث والتجدد)، والتغيير المخطط (الإحداث والتربية والتجديد)، وتقوم على استنباط ينطلق من سبر أغوار الأصول انطلاقا من الحاضر من أجل استشراف المستقبل..."([4]). وبغية دراسة مفهوم التنشئة الاجتماعية السياسية سيتم تقسيم المبحث إلى مطلبين: يتناول المطلب الأول مفهوم التنشئة الاجتماعية، في حين ينصرف المطلب الثاني إلى تحديد مفهوم التنشئة الاجتماعية السياسية.

Page 3

المطلب الأول : مفهوم التنشئة الاجتماعية

من أجل الاحاطة بمفهوم التنشئة الاجتماعية أقتضى الأمر تقسيم المطلب إلى فقرتين أثنين تتناول تعريفات التنشئة الاجتماعية أولا، وسمات التنشئة الاجتماعية وعلاقتها بالتنشئة الاجتماعية السياسية ثانيا.

أولا: تعريفات التنشئة الاجتماعية: هُنالكَ آراء مختلفة حول تعريف التنشئة الاجتماعية يمكن تصنيفها إلى ما يأتي:

1- التعريفات العامة للتنشئة الاجتماعية: وهي مجموعة من المحاولات الفردية التي تحاول تعريف التنشئة الاجتماعية. ومن التعريفات العامة للتنشئة يذكر: "أن العمليات التي تحدث في حياة الوليد البشري تعمل على تحويله من طفل عديم القدرة إلى إنسان ناضج، فلا يكون هناك أي نوع من الكائنات الحيّة يمر بعملية مكثفة طويلة في النمو مثلما نرى ذلك في حياة الكائن البشري. كما إننا لا نستطيع أن نلاحظ في نمو الفصائل الحيوانية التعدد والتناقض الذي نلاحظه في نمو الإنسان، فعندما ينمو الطفل يتعلم لغة أو أكثر من اللغات، ويكتسب ثروة، وأنواع متنوعة من المساعدة والإيذاء..."([5]). هذا التحول الذي نراه في حياة الوليد البشري (يحدث نتيجة لعملية التنشئة الاجتماعية)"([6]). كما عرفت التنشئة الاجتماعية بأنها: "عملية تعلم وتعليم وتربية ونضج ونمو وارتقاء تقوم على التفاعل الاجتماعي الايجابي، وتهدف إلى إكساب الفرد طفلا فمراهقاً فراشداً فشيخاً سلوكاً وقيمّاً واتجاهات مناسبة لادوار[7] اجتماعية معينة تُمكنهُ من مسايرة الجماعة والتوافق معها، وتكسبه الطابع الاجتماعي والثقافي، وتيسّر له سبل التكيّف[8] والاندماج في إطار الحياة الاجتماعية، (أي أنها): عملية تحويل الفرد من كائن عضوي حيواني السلوك إلى كائن آدمي اجتماعي التصرف في وسط أفراد آخرين من البشر، ومن كائن ذي دوافع فطرية غريزية إلى كائن ذي حاجات اجتماعية، ومن كائن يعتمد كليا على والديه إلى كائن يعتمد على ذاته، فهي إذن عملية إكساب الفرد صفة الإنسانية، وجعله آدميا متوافقا مع أفراد المجموعة التي يندمج فيها ويكون عضواً من أعضائها...أنها عملية تطبيع وتطويع وتنميط للمادة الخام للطبيعة البشرية في القالب الاجتماعي واستدخال واستدماج ثقافة المجتمع في بناء شخصية الفرد وتمثله لها، وإكسابه النمط الثقافي والاتجاهات والقيم والمعايير السائدة في الجماعة والمجتمع"[9].

يتضح من التعريفات العامة للتنشئة الاجتماعية بأنها: مجموعة من المحاولات الفردية لتعريف التنشئة الاجتماعية، وأنها تُعرف التنشئة الاجتماعية على أنها: عملية تحويل الكائن البشري إلى كائن اجتماعي نافع في المجتمع عبر نقل معايير وقيم وممارسات وثقافة المجتمع إلى الجيل أو المواليد الجديدة باللجوء إلى بعض الأساليب.

2- تعريف التنشئة الاجتماعية حسب أبعادها: هناك اتجاه آخر ينحو إلى تعريف التنشئة حسب أبعادها([10]). وطبقا لهذا الاتجاه فأن للتنشئة أبعاداً (بيولوجية)، واجتماعية، ونفسية، ونفسية اجتماعية، و(انثروبولوجية). يُعرف أصحاب التعريف الحياتي (البيولوجي) التنشئة الاجتماعية على: "أنها عملية من أهم العمليات الاجتماعية التي تحدث في المجتمع، والتي بها يتحول الطفل من كائن حي (بيولوجي) تتحكم فيه الغرائز إلى كائن اجتماعي يستطيع التفاعل مع أفراد المجتمع الذي ولد فيه، فالتنشئة وفقا لهؤلاء تعمل على "تحويل الوليد البشري من كائن (حي) يستجيب لكل نوازعه (الحياتية من غرائز ودوافع) دون ضابط أو رابط إلى كائن اجتماعي يتحكم في هذه النوازع، ويشبعها بطريقة ترضي المجتمع وقيمه؛ وبذلك يكتسب الفرد في أثناء هذه العملية السلوك الاجتماعي والقيم والعادات الاجتماعية والثقافية والدينية"([11]). أما أصحاب البعد الاجتماعي فيعرفون التنشئة على أنها: "العملية التي تتعلق بتعليم أفراد المجتمع من الجيل الجديد، كيف يسلكون في المواقف الاجتماعية المختلفة على أساس ما يتوقعه منهم المجتمع الذي ينشئون فيه، وتحديد هذا المجتمع ضمن الإطار العام له. ويكون دور الأفراد هنا تعلم النمط الثقافي لمجتمعهم بهدف تكوين شخصيتهم المناسبة للجماعة وثقافتهم وسلوكها المرغوب([12]). وحسب البعد النفسي والنفسي الاجتماعي تعرف التنشئة على أنها: "عملية تعلم وتعليم وتربية تقوم على التفاعل الاجتماعي، وتهدف إلى اكتساب الفرد سلوكاً ومعايير واتجاهات مناسبة لإدوار اجتماعية معينة تيسًر له الاندماج في الحياة الاجتماعية"([13]). ويُعرف المتخصصون في دراسة علم الإنسان (Anthropologists) التنشئة انطلاقا من اعتبار الإنسان مخلوق عضوي سلوكي ثقافي. فيرون بأن التنشئة هي: تربية الفرد وتوجيهه، والإشراف على سلوكه، وتلقينه لغة الجماعة التي ينتمي إليها، وتعويده على الأخذ بعاداتهم وتقاليدهم، ونظام حياتهم، والاستجابة للمؤثرات الخاصة بهم والرضا بأحكامهم، والسير ضمن الإطار الذي يرضونه للوصول إلى الأهداف التي يؤمنون بها، بحيث يصبح جزءا منهم وغير بعيد عنهم يفكر مثلهم، ويشعر بشعورهم، ويحس بما يحسون به ويصبح واحدا منهم([14]).

يتضح من كل ما تقدم بأن الاتجاه الثاني ينطلق في تعريفه للتنشئة الاجتماعية بالاستناد إلى أبعادها الحياتية، والاجتماعية، والنفسية، والنفسية والاجتماعية وأخيرا الانثروبولوجية. يُركز التعريف الحياتي على أن: التنشئة تقوم بتحويل الجانب الحيواني في الإنسان إلى جانب اجتماعي، أما التعريف الاجتماعي فأنه يُركز في دور هيئات التنشئة الاجتماعية السياسية كالأسرة والمدرسة في تحويل هذا الكائن الحيواني إلى كائن بشري. ويُشدد التعريف النفسي على استعدادات الفرد الفطرية في اكتساب عملية التنشئة الاجتماعية السياسية أما التعريف النفسي الاجتماعي فأنه يأخذ بالتعريفين الاجتماعي والنفسي معا. وأخيرا فأن أصحاب التعريف الانثروبولوجي يركزون في أكثر من جانب بحيث يُعرفون التنشئة الاجتماعية السياسية انطلاقا من اعتبار دور الجوانب الحياتية والسلوكية والثقافية مشتركة معا في تنشئة الفرد.

3- تعريف التنشئة الاجتماعية حسب شمولها: يذهب بعض المتخصصين إلى القول بان التعريفات المختلفة للتنشئة الاجتماعية يمكن أن تصاغ بطريقتين: طريقة تتسم بالتوسع والشمول في النظرة، وطريقة أخرى تتسم بالتركيز والتحديد. فمن جهة يرون أنه يمكن النظر إلى التنشئة الاجتماعية: كعملية اجتماعية مستمرة وشاملة تستهدف بناء الشخصية، ونقل التراث الثقافي من جيل إلى جيل. ومن جهة أخرى، يرون أنه يمكن النظر إلى عملية التنشئة الاجتماعية إذ تقتصر على ذلك الجانب منها الذي يتم داخل الأسرة، حيث يكتسب الفرد شخصيته الاجتماعية ويتحوّل إلى كائن اجتماعي([15]). يمكن القول أن أصحاب هذا الاتجاه يرون أن للتنشئة نطاق واسع يشمل كل المجتمع، ونطاق ضيق يشمل الأسرة وتحويل الفرد إلى كائن اجتماعي، وفي الحقيقة لا يمكن الفصل بين الاثنين. أي التنشئة يمكن أن تشمل المفهومين معاً؛ لأن الأسرة تؤثر في المجتمع كما أن الأخير يؤثر فيها.

ما يمكن أن يخلص إليه هو: أن المحاولات الثلاث لتعريف التنشئة الاجتماعية ينطلق كل واحد منها من آراء أو مدرسة خاصة في محاولته لتعريف التنشئة الاجتماعية، وأن كل واحد منها أسهم في تعريف جانب معين، ومهم من مفهوم التنشئة الاجتماعية بشكل يؤدي في النهاية إلى أعطاء صورة تامة عن مفهوم التنشئة الاجتماعية، ويمكن القول مما تقدم أيضا أن عملية التنشئة الاجتماعية: هي العملية المستمرة التي يكتسب بفضلها الفرد المعايير والقيم والممارسات والثقافة بواسطة هيئات متعددة فضلاً عن استعداده الفطري، وبوسائل مختلفة، بشكل تساعده على أتباع سلوك يتكيف مع حاجات المجتمع، وتُعين الأخير بالنتيجة على الاستمرار والاستقرار الاجتماعي.

ثانيا: سمات التنشئة الاجتماعية وعلاقتها بالتنشئة الاجتماعية السياسية: تتسم التنشئة الاجتماعية بجملة سمات ومعالم معينة لعل أهمها هو: إن سلوك الفرد يرتبط تدريجيا بالمعاني التي تتكون لديه في المواقف التي يتفاعل فيها.

إن هذه المعاني تتحدد بالخبرات السابقة التي مر بها الفرد وعلاقة تلك الخبرات بالمواقف الحالية وإن الطفل يولد في جماعة حددت فعلا معاني معظم المواقف العامة التي تواجهه، وكونت لنفسها قواعد مناسبة للسلوك فيها وإن الطفل يتأثر بهذه المعاني منذ ولادته، وتنمو شخصيته في مراحلها الأولى طبقاً لهذه المعاني([16]), وبعد أن تم التعرف إلى ما هي التنشئة الاجتماعية وسماتها، يبقى السؤال ما هي العلاقة التي تربط التنشئة الاجتماعية السياسية بالتنشئة الاجتماعية؟ وفي معرض الإجابة عن السؤال هذا فأن التنشئة الاجتماعية تشير إلى كونها عملية نمو وتطور عامة تشمل جميع جوانب شخصية المتعلم. أما الجانب المتعلق بنمو وتطور شخصية الناشئ السياسية([17]), أي الجانب الذي بفضله يستطيع الناشئ ان يطور ويُنميّ مجموعة من المعلومات, والقيم والاتجاهات التي ترتبط بالنسق السياسي لمجتمعه، فهو الجانب الذي يمكن أن يطلق عليه التنشئة الاجتماعية السياسية([18]). ويقول في هذا الاتجاه أحمد جمال ظاهر: "وحيث إننا ننظر إلى عملية التنشئة الاجتماعية، وما لها من دور في بناء الأمة فسوف ننتقل من بناء شخصية الفرد إلى بناء الأمة التي تقوم على بناء المواطن, وهنا يجد الباحث التقاء الاجتماع بالسياسة، فإذا كان مفهوم التنشئة متعلق بالعلوم الاجتماعية؛ فإن بناء الأمة يتعلق بالمفهوم السياسي. ويمكن أن نضيف على ذلك أن التقاء المفهومين معا التقاء ذو علاقة لا انفصام إذ يؤثر ويتأثر كل منهما في الآخر"([19]), وفي الاتجاه نفسه يقول عبد الله محمد عبد الرحمن: "... إلا أننا نلاحظ أن مفهوم التنشئة الاجتماعية السياسية يُعدّ أكثر تحديدا ولاسيما أنه يرتبط بعملية أو مظهر واحد من مظاهر التنشئة الاجتماعية، إلا وهو الجانب السياسي الذي يُعدّ جزءاً من الحياة الاجتماعية العامة, والتي ينبغي اكتسابها بواسطة أعضاء المجتمع، وخاصة أن العملية السياسية تُعدّ من العمليات التي يتم اكتسابها في الحياة اليومية, وعن طريق التنشئة الاجتماعية السياسية"([20]). خلاصة القول فأن التنشئة الاجتماعية يمكن أن تعرف أيضا على أنها، من جانب: العملية التي يكتسب الفرد بواسطتها النمو الحياتي والعواطف والمشاعر والمعارف والمعايير والمعتقدات والقيم والمواقف والأحكام والثقافة التي تؤثر في سلوكه الاجتماعي، وهي من جانب آخر: عملية تنشئة الفرد جسميا أو عضويا ونفسيا واجتماعيا وثقافيا.

Page 4

المطلب الثاني : مفهوم التنشئة الاجتماعية السياسية

يمكن الإشارة هنا إلى بعض الإسهامات العربية والأجنبية القيمة التي جاءت في تحديد مفهوم التنشئة الاجتماعية السياسية، وهي كما يلي:

أولا: الإسهامات الأجنبية: يرى سمير خطاب أن الإسهامات الأجنبية لتحديد مفهوم التنشئة الاجتماعية السياسية يمكن أن تصنف إلى اتجاهين على أساس ما أعتقده بعض الباحثين الأجانب في أدبيات التنشئة الاجتماعية السياسية بشأن الأهداف المتوخاة من وراء عملية التنشئة الاجتماعية السياسية ذاتها. فهناك الاتجاه المحافظ وهو الاتجاه الذي يستند في تعريفاته إلى أن التنشئة الاجتماعية السياسية أنما تهدف للحفاظ على الوضع القائم أو دعمه. بناءً على ذلك يعرفها (هربرت هايمان) بأنها: "تعني مجموعة الأنماط الاجتماعية التي يتعلمها الفرد من مؤسسات المجتمع وتساعده على التعايش مع المجتمع". ويعرفها (كنيث لينكتون)، على أنها: "عملية نقل الثقافة السياسية من جيل إلى آخر بواسطة المجتمع"، وعرفها (فريد كريينستين)، على أنها: التلقين الرسمي وغير الرسمي المخطط وغير المخطط للمعارف والقيم والسلوكيات السياسية عن طريق المؤسسات السياسية والاجتماعية. كما عُرفت على أنها: تضم أشكالا من التربية السياسية الشكلية وغير الشكلية للقيم والمعارف, وذلك في كل مراحل حياة الفرد([21]). أما الاتجاه الآخر الذي يمثله الاتجاه التحرري فهو الاتجاه الذي يتضمن التعريفات التي ترى بأن الهدف من التنشئة الاجتماعية السياسية هو محاولة التغيير أو خلق الأوضاع الملائمة التي تلائم النظام الاجتماعي السياسي القائم. ويؤكد أصحاب وجهة النظر هذه أنها: عملية يكتسب الفرد بواسطتها الاتجاهات والمشاعر نحو النظام السياسي، وهي تتضمن المعرفة، ماذا يعرف الفرد عن النظام السياسي؟ والمشاعر، ما هو مدى التزام الفرد وولائه للوطن؟ والكفاية السياسية، ما هو الدور الذي يجب أن يقوم به الفرد في النظام السياسي؟([22]), وعلى خطى هذا الاتجاه الثاني عُرفت التنشئة الاجتماعية السياسية على أنها: وظيفة النظام السياسي, وكل النظم التي تحاول الحفاظ على ثقافتها، وهي عملية تطبيع المواطن على الثقافة السياسية, ونتاج هذه العملية هو خلق قيم ومعايير واتجاهات نحو النظام السياسي بمختلف مستوياته المحلية والقومية, وعلى صعيد الاتجاه الآخر نفسه عُرفت التنشئة الاجتماعية السياسية في معجم المصطلحات السياسية، على أنها: "عملية تعلم يكتسب الأفراد بمقتضاها مجموعة من التوجهات, وهي من المنظور الاجتماعي بمثابة السبيل إلى الإبقاء على أو تغير الثقافة السياسية"([23]). يتضح مما تقدم بأن التعاريف الأجنبية تؤكد بشكل عام، إذا ما استثنينا تعريف (فريد كرينستين)، على النظر إلى التنشئة الاجتماعية السياسية؛ وكأنها تتعلق فقط بالسياسة, والحفاظ على الوضع الراهن لصالح النظام السياسي، وعلى أنها: عملية مقصودة ومباشرة, وحتى التغير الذي ينشده الاتجاه الآخر أنما يصب في الحفاظ على النظام السياسي ليلتقي مع أصحاب الاتجاه الأول, ويؤخذ على تعريف (فريد كرينستين) ذاته أنه يصور التنشئة الاجتماعية السياسية, وكأنها مقصورة فقط على إنتاج سلوك سياسي معين بالذات عندما يؤكد أنها: تلقين للمعارف والقيم والسلوكيات السياسية, ولكن التنشئة الاجتماعية السياسية لا تتعلق بالسياسة والحفاظ على النظام السياسي واكتساب القيم والمعارف والسلوكيات السياسية فقط؛ وإنما هي أشمل من الجانب السياسي؛ لأنها مرتبطة بأوضاع نفسية واجتماعية كما سيتضح لنا ونحن نتابع هذه الدراسة.

ثانيا: الإسهامات العربية: تم تعريب مصطلح ((Political Socialization، حسب بعض الإسهامات العربية التي حاولت تحديد مفهوم التنشئة الاجتماعية السياسية إلى ما يفيد معنى التسييس (Politicization) أكثر مما يفيد مغزى التنشئة الاجتماعية السياسية. هكذا لجأت محاولة قيمّة لباحث عربي على سبيل المثال لتعَريب مصطلح (Political Socialization) الذي جاء في كتاب (كينث لينكتون), على أنه: التنشئة السياسية, وليس التنشئة الاجتماعية السياسية([24]). أن تعريب مصطلح ((Political Socialization على أنه: التنشئة السياسية أنما يعني بصورة أو بأخرى معنى (التسييس), وهذا الأخير مختلف عن الأول. كما تم تعريب مصطلح (Political Socialization), على أنه: التربية السياسية([25]). وما يؤخذ أيضا على ما تقدم من الإسهامات العربية هو أن تعريب مصطلح ((Political Socialization إلى التنشئة السياسية أو التربية السياسية؛ إنما يعني أن عملية التنشئة الاجتماعية السياسية هي عملية سياسية مباشرة ومقصودة في الوقت الذي تنطوي فيه تلك العملية أساسا على جوانب اجتماعية عفوية وتلقائية غير مباشرة تؤثر بلا وعي في السلوك السياسي للفرد في حياته العامة([26]). وخير مثال على ذلك الطفل أو التلميذ أو العامل الذي ينشأ على تجارب تشاركية مثلا في محيط أسرته ومدرسته ومكان عمله فأنه من المحتمل جداً أن يعمم أو يطبق أو يمارس هذه التجارب التشاركية في كل حياته الاجتماعية بما فيها السياسية, أي أن الفرد قد ينشأ على ممارسات اجتماعية معينة بشكل غير مقصود وغير مباشر في سياق تجارب معينة مما يترك أثراً كبيراً في سلوكه الاجتماعي والسياسي. فضلا عن ما تقدم وصفت محاولات عربية أصيلة التنشئة الاجتماعية السياسية على أنها: "تلك العملية التي تسعى كافة مؤسسات التنشئة (الأسرة، المدرسة، وسائل الأعلام...) من خلالها إلى إكساب الفرد طفلاً- فمراهقاً- فراشداً، القيم والمعايير والتوجهات السياسية اللازمة والضرورة لتحقيق التكيف مع أهداف المجتمع"([27]). كما عُرفت التنشئة الاجتماعية السياسية على أنها: "عملية يكتسب بها الفرد الاتجاهات والمعتقدات والقيم التي تتعلق به كعضو في نظام سياسي واجتماعي معيًن....([28]). وقد عرفها (أحمد جمال ظاهر) على أنها: "نقل التراث من جيل إلى جيل يهدف إلى بناء شخصية الوطن والمواطن، وبناء الدولة والمجتمع"([29]). وميّز (كمال المنوفي) التنشئة الاجتماعية السياسية في الدول العربية بين اتجاهين رئيسين بصدد تعريف التنشئة الاجتماعية السياسية فقد نظر من جهة إلى عدّ "التنشئة السياسية" كعملية يتم بمقتضاها تلقين الفرد مجموعة من القيم والمعايير السياسية المستقرة في ضمير المجتمع بما يضمن بقائها واستمرارها مع الزمن وعدّها، من جهة أخرى عملية يكتسب الفرد تدريجيا هويته الشخصية التي تسمح له بالتعبير عن ذاته وقضاء مطالبه بالطريقة التي تحلو له([30]). كما تم تعريف التنشئة الاجتماعية السياسية على إنها: "عملية يكتسب الفرد من خلالها قيمه ومعتقداته السياسية باتجاه النظام السياسي القائم من خلال أدوات التنشئة المختلفة"([31]). ويعرفها (سمير خطاب) على أنها: "تلك العملية التي تسعى كافة مؤسسات التنشئة من خلالها إلى إكساب الفرد (طفلاً- فمراهقاً- فراشداً) القيم والمعايير والتوجهات السياسية اللازمة لتحقيق التكيف مع أهداف المجتمع، ليس فقط من أجل الحفاظ على الوضع القائم في نقل الثقافة السياسية من جيل إلى آخر بصورة جامدة وآلية، لكن تتضمن كذلك عملية تغيير أو خلق الثقافة السياسية الملائمة لاستقرار المجتمع"([32]). وهو يذهب أيضا إلى أن هناك بعض الخصائص يمكن التوصل إليها بفضل التعريفات المختلفة للتنشئة الاجتماعية السياسية، منها إنها: عملية من شأنها إكساب الطفل معارف وقيم واتجاهات سياسية؛ وأنها تساعد على تغيير أو دعم الثقافة السياسية السائدة؛ وأنها عملية مستمرة طوال حياة الفرد، وتقوم بها مؤسسات التنشئة في المجتمع كافة([33]). وهناك من يرى أن للتنشئة الاجتماعية السياسية ثلاثة مدارات: "أولها/ معرفي: تحصيل الفرد أو الجماعة أو الأمة معرفة جديدة عن الماضي والحاضر والمستقبل. وثانيها/ عقيدي: استعادة القيم الإيجابية ونبذ القيم السلبية. وثالثها/ عاطفي: تكريس صورة عن الذات والآخر"([34]). ولعل ما يؤخذ على الإسهامات العربية الأصيلة في تحديد مفهوم التنشئة الاجتماعية السياسية هو تركيزها الكبير في الجانب السياسي للتنشئة بقدر تركيزها في أهداف التنشئة الاجتماعية السياسية ودورها في دعم النظام السياسي حينما أكدت بناء شخصية المواطن واكتساب الهوية, ويمكن القول: إن خير محاولة أصيلة لتعريف هذه العملية يمكن ان تكون تلك التي تعدّ أن للتنشئة الاجتماعية أبعاداً سياسية أو لها أثر لا واعي في السلوك السياسي للفرد في حياته السياسية. مما يخلص إليه من كل ما تقدم؛ أنه بالرغم من المحاولات العربية القيمة لتعريب مصطلح ((Political Socialization بالتنشئة السياسية إلا إن هذا المصطلح يعني في الحقيقة التنشئة الاجتماعية السياسية؛ وبذلك يتفق الباحث مع ما ذهب إليه (صادق الأسود) حين عَرب المصطلح الإنجليزي ((Political Socialization, إلى التنشئة الاجتماعية السياسية, وليس التنشئة السياسية([35]). وعليه يمكن القول إن التنشئة الاجتماعية السياسية: هي العملية التي يكتسب الفرد بواسطتها النمو الحياتي والعواطف والمشاعر والمعارف والمعايير والمعتقدات والقيم والمواقف والأحكام والثقافة التي تؤثر في سلوكه الاجتماعي السياسي.

Page 5

المبحث الثاني : جذور التنشئة الاجتماعية السياسية

لقد أضحى موضوع التنشئة الاجتماعية السياسية محط أهتمام واسع من قبل الأكاديميين والمفكرين والسياسيين على حد سواء، ومنذ زمن ليس بالقصير ، فالمتتبع لتاريخ الفكر الإنساني يلمس اهتماما واضحا بالتنشئة الاجتماعية السياسية كإحدى العمليات التي يقوم بها المنشئون في ثنايا عملية التنشئة الاجتماعية، ففي الحضارات المختلفة الفرعونية والإغريقية والعربية الإسلامية نتلمس دلائل على انشغال الفلاسفة والمفكرين بالبحث عن أنجح السبل لتنشئة، وإعداد طبقات اجتماعية بعينها سياسيا وعقليا أو تحديد مواصفات المواطن الصالح في المجتمع، كذلك العناية بتربية طبقة الحكام أو الصفوة بعّدها محور الحياة الاجتماعية([36]). ومن أجل تتبع جذور التنشئة الاجتماعية السياسية تطلب الأمر تقسيم هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب: يتناول المطلب الأول الجذور الأجنبية للتنشئة الاجتماعية السياسية في حين يتناول المطلب الثاني الجذور العربية للتنشئة الاجتماعية السياسية. أما المطلب الثالث والأخير فيتناول تطوّر دراسة التنشئة الاجتماعية السياسية.

Page 6

المطلب الأول : الجذور الأجنبية للتنشئة الاجتماعية السياسية

أهتم جملة من الكتاب والمفكرين الأجانب من القدماء بالتنشئة الاجتماعية السياسية، ومن بينهم يذكر (كونفوشيوس) و (سقراط) و (أفلاطون) و (أرسطو). كما يمكن القول إن (نيقولا مكيافيلي) و (جان جاك روسو) في العصر الحديث قد تضمنت أفكارهم جوانب من التنشئة الاجتماعية السياسية. وسيتم تناول بعض من إسهاماتهم في هذا المجال تباعا إذ أكد الفيلسوف الصيني (كونفوشيوس) (551- 479 ق.م)، في مصنفاته الثلاثة: "عقيدة الوسط"، و "التعليم الأكبر" و "الأغاني"، ضرورة غرس معاني الحق والعدل والحب في نفوس بني الإنسان منذ الصغر عن طريق التعليم الجاد حتى ينشأ نظام اجتماعي قويم يتسنى معه قيام حكم صالح([37]). يُفهم من ما ذهب إليه (كونفوشيوس) بأن أعداد جيل صالح يؤدي بالنتيجة إلى قيام حكم صالح ما زال هناك أمكانية أن يتولى قسم من هذا الجيل الذي تلقى تنشئة صحيحة إدارة شؤون الدولة المختلفة كمعلمين وكضباط شرطة وكوزراء وما إلى ذلك. وذهب (سقراط) (469- 399 ق.م)، إلى أن العلم أساس الفضيلة. كما أكد كذلك دور التقاليد والعادات القائمة على الأصول والمبادئ الديمقراطية في تدبير شؤون المجتمع الإنساني، وهذا ما تم اعتباره الخطوة الأولى، والدعامة الأساسية (للتنشئة) الاجتماعية السياسية. كما بين سقراط بأن: الحوار هو الطريق الأفضل للوصول إلى الحقيقة([38]). أما (أفلاطون) (427 - 347 ق.م), فيرى بأن على الدولة تقع مسؤولية تولي عملية التنشئة الاجتماعية السياسية. فأفلاطون يؤمن بأن التنشئة الاجتماعية السياسية عملية مهمة وحيوية لبقاء واستمرار الدولة؛ لذلك يجب أن لا تترك للمؤسسات الخاصة. فضلا عن ما تقدم يعتقد أفلاطون بأن التنشئة الاجتماعية السياسية هي الوسيلة الايجابية التي تمكن الحاكم من إدراك جوهر الطبيعة البشرية, ومن توجيهها إلى الناحية التي تحقق مصلحة الفرد، ومصلحة المجتمع ليتحقق التجانس المنشود في الدولة الفاضلة؛ عليه فأنه من الأفضل أن تتولى الدولة مهمة التنشئة الاجتماعية السياسية([39]). وقد أخذت معظم دول العالم بأفكار أفلاطون بفضل جعل التعليم الأساسي إلزامياً؛ ونصح (أفلاطون) على ضرورة تنشئة أولاد المواطنين تنشئة خاصة بحيث لا يأذن لهم سماع كل أنواع الأساطير, ولابد من السيطرة على ملفقي الخرافات, واختيار أجملها, ونبذ ما سواه، وضرورة توجيه الأمهات والمرضعات بأن يقصصن ما اخترناه من الخرافات على الأطفال، وأن يكيفن في عقولهم أكثر مما يكيفن أجسادهم بأيديهن. فعلى سبيل المثال، يرى أفلاطون بأنه يجب أن لا نُعلم الأطفال بأن الآلهة في صدام دائم مع بعضها البعض، وتتآمر وتتحارب وتتقاتل مع بعضها البعض وتحرض جماعة من البشر ضد جماعة أخرى؛ لأن ذلك حسب رأيه سوف يطبع سلوك الأطفال وهم مواطني المستقبل بهذه الصفات عندما يكونوا حكاما؛ لأن الطفل لا يميز بين الحقيقة والمجاز عند سماعه هذه القصص, ومن أهداف التعليم الذي هو أحد أسس دولة (أفلاطون) المثالية هو تحويل الناس إلى مواطنين صالحين أو تدريبهم على ممارسة الفضيلة([40]). وأوضح (أرسطو) (384- 322 ق.م), في بداية الكتاب الخامس من الباب الأول من كتابه "السياسة": "أن لكل مجتمع سياسي أخلاقاً معينة تكفل قيامه واستمراره, فالأخلاق الديمقراطية مثلا، تعطي للمجتمع الديمقراطي صورته وتضمن بقاءه"([41]). لذلك بحث (أرسطو) في طبيعة تعليم الأولاد الملائمة لطبيعة الدولة, فالمواطن حسب (أرسطو)، لابد أن يكون بحيث يلائم نوع الحكومة التي يعيش في ظلها([42]). يمكن القول بعبارة أخرى أن تعود الأفراد في حياتهم اليومية على ممارسات تشاركية وسلمية والقبول بالآخر والتسامح ستضمن بقاء واستمرار نظام سياسي يتم فيه تداول السلطة سلميا, وقبول كل حزب بالآخر, ويتم التنافس السياسي على السلطة بشكل سلمي والتسامح مع الرأي الآخر. ويستخلص من بعض أفكار (نيقولا مكيافيلي) (1469- 1527م.), أنه بين أثر بعض هيئات التنشئة الاجتماعية السياسية مثل المؤسسة الدينية، في التنشئة الاجتماعية السياسية, وذلك حينما أوضح بأن المؤسسة المسيحية الممثلة بالكنيسة ورجال الدين في روما أقد أفسدت الروح المسيحية والأخلاق المسيحية التي هي ضرورية لتحصين المواطن والدولة من الاحتلال الأجنبي؛ ذلك لأن (مكيافيلي), قد وضع اللوم المباشر على المؤسسة المسيحية في الاحتلال المتكرر لايطاليا أو المدن الإيطالية آنذاك لسببين: الأول: عدم قدرتها على فرض سلطتها على جميع إنحاء ايطاليا بما فيهم الأمراء والحكام. والآخر عدم خضوعها أو التسليم لحاكم قوي عندما يكون ذلك ممكنا، وبدلا من التسليم بقوة حاكم قوي يسيطر على كل ايطاليا فأنها، أي الكنيسة كانت تلجأ إلى الاستعانة بالدول الأجنبية للقضاء على مثل هؤلاء الحكام الأقوياء الذين يريدون توحيد ايطاليا([43]). يمكن القول بشكل آخر أن التنشئة الدينية التي قامت بها الكنيسة أسهمت في التنشئة على عدم طاعة الحاكم, والتمرد ضده حتى لو تطلب ذلك الاستعانة بدول أجنبية الأمر الذي أدى بالنتيجة إلى أضعاف الوحدة الوطنية, والولاء لإيطاليا, وتسهيل احتلالها من الأجنبي. ما يمكن استنتاجه أيضا من بعض أفكار (مكيافيلي), أنه يعزو غياب الشعور بالمواطنة والروح الوطنية إلى غياب التنشئة الاجتماعية السياسية الديمقراطية في دول المدن الإيطالية, ويعلل (مكيافيلي) ذلك إلى عدم فسح الحكام المجال لسكان المدن الإيطالية من غير (فلورنسا) في المشاركة السياسية في الحكم, وقد أدى غياب الروح الوطنية إلى عزوف الأفراد من المدن الإيطالية الأخرى عن الالتحاق بالميلشيات التي حاول أن يؤسسها (مكيافيلي) نفسه للدفاع عن (فلورنسا), والمدن الإيطالية الأخرى مما تسبب في احتلال الأخيرة لأكثر من مرة([44]), ويمكن القول أيضا بناءً على تحليل بعض أفكار (مكيافيلي), أن للبيئة الجغرافية والاجتماعية أثر كبير في التنشئة الاجتماعية السياسية؛ وذلك للدور السلبي لسيادة القيم الإقليمية للإقطاع على وجود دولة ايطاليا الموحدة([45]), أي ان سيادة القيم الإقطاعية والإقليمية كانت عائقا إزاء قيام الدولة الموحدة القوية في ايطاليا نتيجة تنازع أو صراع أمراء الأقاليم الممثلين بالإقطاع مع السلطة المركزية. أما (جان جاك روسو) (1712- 1778م.), فقد جاءت معظم أفكاره في مؤلفيه "العقد الاجتماعي" و "إميل" أو "التربية" حين شدد على أهمية زرع المشاعر العامة الملائمة للديمقراطية السياسية([46]), ومن المفيد التأكيد على أن للديمقراطية السياسية التي بشر بها (روسو) مقومات قوامها التنشئة الاجتماعية السياسية للوصول أو أدراك الهدف منها, وتشبه فكرة روسو هذه بعض أفكار أرسطو المشار إليها أعلاه حين أشار إلى أن أتباع التنشئة الاجتماعية الديمقراطية لأفراد المجتمع يمكن أن تضمن نظاما سياسيا ديمقراطيا, وبعد أن تعرفنا إلى الجذور الأجنبية للتنشئة الاجتماعية السياسية, ودور المفكرين والأساتذة الأجانب في دراسة التنشئة الاجتماعية السياسية يبقى علينا البحث في الجذور العربية الإسلامية للتنشئة الاجتماعية السياسية، ومعرفة دور المفكرين والأساتذة العرب والمسلمون والعراقيون بضمنهم، وهذا ما يتطلب الانتقال إلى المطلب القادم.

Page 7

المطلب الثاني : الجذور العربية الإسلامية للتنشئة الاجتماعية السياسية

على صعيد الفكر السياسي العربي الإسلامي أسهم بعض المفكرين السياسيين العرب والمسلمين أمثال الفارابي، والماوردي، وابن سينا، وابن تيمية، وابن خلدون، وابن الأزرق، ورافع رافع الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي, ورشيد رضا في مجال التنشئة الاجتماعية السياسية, وسيتم التطرق إلى أفكارهم تباعا.

تطرق الفارابي (873-950 م.), إلى حاجة الفرد إلى الاجتماع الإنساني الذي يتضمن التعاون من اجل بلوغ الكمال الذي هو غاية الفرد وغاية النظام السياسي بقدر ما يحقق الكمال والسعادة, وقد شبه الفارابي المدينة التي يتحقق فيها التعاون بالمدينة الفاضلة، وشبه الأخيرة بالجسد التام الصحيح. كما أشترط الفارابي على رئيس المدينة الفاضلة بأن يكون معداً للرئاسة بالفطرة أولا والهيئة والملكة الإرادية بالتنشئة الاجتماعية السياسية ثانيا([47]). ويمكن القول بعبارة أخرى أن التنشئة على التعاون الاجتماعي يقود إلى التعاون السياسي بدل الصراع السياسي مما يحقق الاستقرار الاجتماعي والسياسي معا, كما أن التنشئة على القيادة أو التدريب على الأدوار منذ الطفولة يؤدي إلى الشعور بالكفاية السياسية, والرغبة في المشاركة, وتولي المناصب. وحثّ الماوردي (974- 1058 م.), الناس على ضرورة طاعة أولي الأمر من الحكام، وأكد ضرورة التنشئة الاجتماعية السياسية للحاكم عندما أشترط كأحد الشروط ان يتوافر في من يتولى الإمامة مؤهلات الثقافة السياسية والإدارية والحربية والكفاية النفسية والجسمية, وقد نصح الماوردي الملك بتقويم نفسه أولا التقويم الصحيح إذا ما أراد تقويم قومه، فإذا ما عجز الحاكم عن انتهاج الرغبة في سياسة الرعية فأن النتيجة ستؤدي إلى تنشئة شعب منافق، وان كان مستتر أو يلجأ إلى الشقاق، وان كانت مجاهرة, ويرى انه لا خير في حكم يتأرجح بين شعب نشئ على النفاق والشقاق, فضلا عن ما تقدم شدد الماوردي على أن التنشئة الاجتماعية السياسية إنما تتطلب من النظام السياسي أحيانا ان يستعمل الرهبة من اجل منع المعاندين, وحسم سعي المفسدين؛ وذلك أقوى الأسباب في تهذيب المملكة، ومنع العصيان, كما ينصح الماوردي صاحب السلطة ان ينشأ على الاستماع وتقبل آراء الغير. أما آبن سينا (980- 1037 م.), فقد أوضح حاجة الإنسان إلى الاجتماع مع غيره, وحاجة المجتمع إلى رئيس، وبيّن ان على الأخير ان يُعرّف الناس بالقوانين ويسوس المجتمع, وبين ان على الحاكم واجبات عدة لعل من بينها منع انحراف الناس عن القواعد المتعارف عليها في المجتمع. يمكن القول أن ما أوصى به ابن سينا في مجال التنشئة الاجتماعية السياسية هو ضرورة التنشئة على ضرورة الاجتماع بين الناس والطاعة لحاكمهم، فضلاً عن ضرورة قيام الأخير بالتنشئة على القوانين الضرورية لبقاء واستمرار المجتمع. وأكد ابن تيمية (1263- 1329 م.), وجوب طاعة ولاة الأمر, وحتى وان كانوا من الملوك, والاحتمال مع الصبر أفضل من الخروج على الحاكم؛ لان في ذلك انتقاض وفوضى وهدم([48]), أي أنه يشجع على التنشئة الاجتماعية السياسية القائمة على الطاعة التي تقود إلى الاستقرار الاجتماعي والسياسي, وهو غاية النظم السياسية من وراء عملية التنشئة الاجتماعية السياسية. ويستخلص من بعض أفكار آبن خلدون (1332- 1406 م.)([49]), بيانه لدور العصبية([*]) في الحصول على الحكم، أي بين أثر النسب على السلوك الاجتماعي والسياسي للفرد. كما بيّن أثر الثروة في الحراك الاجتماعي من البادية إلى المدن أو تحول البادية أو جزء منها إلى مدينة, ودور ذلك في قيام الدولة, وقد عزى ابن خلدون ظاهرة عدم استقرار الدولة وزوالها إلى أسباب حتمية وأخطاء بشرية([50]), وهناك من يرى أن ابن خلدون أول من استطاع ان يستخلص السياسة من الاعتبارات الدينية، وأول من استطاع أن يضع أسسها التربوية بشرحها بطريقة أصح من الوجهة العلمية؛ وذلك بفضل توضيح الأثر الاجتماعي والاقتصادي فيها([51]), أي أن أبن خلدون بّين كيف أن التنشئة الاجتماعية السياسية على التعاضد والتآزر في أيام المحن والأخطار القائم أساساً على النسب يؤدي إلى قيام الدولة، وأثر الثروة في انتقال خصائص التنشئة البدوية إلى التنشئة الحضرية, ومن ثم قيام الدولة بالمعنى الحديث, ويقول عالم الاجتماع العراقي (علي الوردي)، ان ما جاء به ابن خلدون قبل ستمائة سنة تقريبا يكاد يشبه ما يقوله علماء الاجتماع الآن حينما قال: "ان الإنسان ابن عوائده ومألوفه لا ابن طبيعته ومزاجه، فالذي ألفه في الأحوال حتى صار خلقا وملكه وعادة تنزل منزلة الطبيعة والجبلة, وعدّ ذلك في الآدميين تجده كثيرا صحيحا. والله يخلق ما يشاء", أي ان الإنسان كما علق على ذلك (علي الوردي)، هو نتاج أوضاعه الاجتماعية أكثر مما هو نتاج نسبه أو وراثته الطبيعية. هكذا يتفق (علي الوردي) مع عالم الاجتماع الغربي (دركهايم) حينما قال: "فإذا نشأ الإنسان في بيئة، تسلط عليه منها ضغط اجتماعي أو "قسر اجتماعي"([52]).

أما ابن الأزرق (حوالي 1427- 1496 م.), فيرى بأن العصبية تحقق التعاضد والتناصر، وأكد ضرورة طاعة السلطة, وعدم الخروج عليها, ويقول كلما كثرت العصبيات القبلية كلما ضعفت عوامل قيام دولة قوية([53]). فضلا عما تقدم بحث آبن الأزرق في مختلف العوامل التي تؤثر في انهيار هذا النظام أو حدوث تغيرات سياسية (العوارض)، وجاءت معظم أفكاره هذه في كتابه "بدائع السلك في طبائع الملك"([54]). يُفهم من أفكار آبن الأزرق أنه شجع على التنشئة على الطاعة التي تؤدي غالبا بالنتيجة إلى الطاعة السياسية التي تُعد عنصرا مهما من عناصر الاستقرار الاجتماعي والسياسي للنظم السياسية. كما أنه يشجع على التنشئة الاجتماعية السياسية التي تقود إلى الولاء للنظام السياسي القائم بدلا من الولاء إلى عصبيات عدة. وأكد رافع الطهطاوي (1801-1873 م.), ضرورة طاعة الحاكم والصبر بدلا من التغير العنيف الذي قد يقود إلى الفتنة واضطراب الأحوال, أي أنه يؤكد على التنشئة التي تقود إلى طاعة الحكام الضرورية التي من المحتمل جدا أن تقود إلى الطاعة السياسية ذلك أن تعود الفرد على ممارسة الطاعة في بداية حياته خصوصا يجعل التخلص منها أو مخالفتها أمرا صعبا عند الكبر. وقد بين جمال الدين الأفغاني (1838- 1897م.) أثر أسلوب (الدعاية والتضليل) الذي تمارسه البيئة الدولية المتمثلة بالدول الغربية الغازية للدول الشرقية مثل مصر والهند في التأثير على التنشئة الاجتماعية السياسية للناس في هذه الدول لضمان قبول الناس بالأمر الواقع, إذ بين بأن الدول الغربية الغازية تستعمل حجج كثيرة مثل حجة حماية الأقليات كوسيلة لإيهام الشعوب المستهدفة بالاحتلال من أجل السيطرة عليها مما يؤدي إلى عدم مقاومة المحتل. ويُستنتج من أفكار جمال الدين الأفغاني أن الدول الغازية أسهمت في فرض وشيوع نمط التنشئة التسلطية في هذه الدول الشرقية؛ وذلك بواسطة أبعاد الوطنيين من السكان الأصلين، وتفريق وحدة الصف الوطني بفضل خلق الفتن الداخلية وغيرها من الأساليب, كما دعا الأفغاني إلى التنشئة على التسامح الديني والطائفي، وعارض النمط التسلطي للحكم, وشجع على احترام رأي العقلاء في الحكم، كما أكد دور العصبية في بناء الأمة, وحمايتها من الغزو الأجنبي. أما الشيخ محمد عبده (1849- 1905 م.) فقد أكد ضرورة تربية الشعب, وتربية القادة الموجهين كوسيلة للتحرر من العبودية والاحتلال الأجنبي البريطاني، كما تنبه لتأثير العلمانية في شق وحدة صفوف المسلمين, وربط بين وجود المشاعر الوطنية بشعور المواطن بالحرية والأمن والسلم والعدالة الاجتماعية, ودعا محمد عبده إلى أهمية العصبية الدينية للوحدة الوطنية في الوقت نفسه رفض عدم التسامح الديني والعنصري، وأكد وجوب الشورى، والتكافل الاجتماعي. وعزى عبد الرحمن الكواكبي (1854- 1902 م.)([55])، ضعف الأمة إلى قصور في التنشئة الاجتماعية السياسية بسبب دور المؤسسة الدينية والنظام السياسي، وقصور في القيم الأخلاقية. كما أكد أهمية التنوع العرقي في قوة الدولة. وأكد رفضه للأساليب التسلطية في الحكم في الوقت الذي شدد من جانب آخر أهمية الأنماط التسامحيه والتشاركيه والحرة في التنشئة الاجتماعية السياسية الضرورية للدولة المستقرة, كما بيّن الكواكبي أثر التنشئة التسلطية في أفساد الأخلاق والدين والعلم والتربية, وأوضح الكواكبي أن خير وسيلة للتخلص من نمط الحكم الاستبدادي هو تهيأة البديل الأفضل, وعدم مقايضة الاستبداد باستبداد جديد. أي أنه أكد ضرورة التنشئة الديمقراطية, والصبر على الحاكم الظالم إلى حين توافر أجواء وحاكم ديمقراطي. وبيّن رشيد رضا (1865- 1935 م.), ان الإصلاح يمكن ان يتحقق بفضل اجتناب مقاومة السلطة, و قيام هيئات مثل المؤسسات الدينية بالتنشئة الاجتماعية السياسية، وتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية أيمانا منه بأثر تلك الأوضاع في سلوك الإنسان. وأكد هذا المفكر دور قادة الرأي من أصحاب الحل, والعقد والشورى في قيادة الأمة, ودعا إلى توحيد مناهج المدارس الدينية([56]). يمكن القول مما تقدم أن المفكرين العرب والمسلمين كان لهم دوراً متميزاً أيضا، فضلا عن دور المفكرين والعلماء الأجانب في الإسهام في دراسة التنشئة الاجتماعية السياسية.

Page 8

المطلب الثالث : تطور دراسة التنشئة الاجتماعية السياسية

تشير الحقائق إلى أن لعلماء الإنسان، وعلماء الاجتماع([57])، وعلماء، النفس، وعلماء نفس النمو([58])، فضلا عن التطورات التي حدثت في القرن العشرين تأثيراً في دراسة التنشئة الاجتماعية السياسية. وفيما يلي مناقشة البعض منها:

1- تأثير علماء الإنسان: من بين الدراسات التي قام بها الباحثون في مجال علم الإنسان تُذكر الدراسات التي أجرتها (ماركريت ميد) (Margaret Mead) في العام 1925، في (ساموا) (Samoa) وتوصلت بفضلها إلى أن هناك تأثيراً لمتغير السن في عملية التنشئة الاجتماعية([59]). ودرس الباحث (جيزه روحيم) (Geza Rohiem) تنشئة الأطفال في أستراليا, ودرس (أريك أريكسون) (Eirk Erickson) تنشئة الأطفال عند قبائل الهنود الحمر الأمريكيين، وقدمت دراساتهما تحليلات للتنشئة الاجتماعية بواسطة تفسيراتهم للشعائر والقيّم والعادات السائدة في المجتمع([60]), ثم تبع ذلك دراسات قام بها كل من (إبرام كاردنر)(Abram Kardiner) و (رالف لنتون)(Ralf Linton) , لدراسة بعض المجتمعات, وتحليل عملية التنشئة عن طريق دراسة العادات والتقاليد والقيم والممارسات داخل المجتمع([61]). كما توصل )جون وايتنج( (John Whitign) و)ارفن تشايلد( (Irvin Child) بفضل دراستهما المقارنة إلى أن هدف التنشئة الاجتماعية هو الحفاظ على الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية القائمة([62]), ويمكن القول إن علماء الإنسان أفادوا الباحثين في التنشئة الاجتماعية السياسية؛ وذلك لإمكانية تطبيق بعض النتائج التي توصلوا إليها والخاصة بالتنشئة الاجتماعية, والانتقال الثقافي, وتطوّر الشخصية على بعض المواضيع الخاصة في التنشئة الاجتماعية السياسية, كما أنهم أفادوا أولئك المراقبين السياسيين المهتمين بالمجتمعات البدائية، بتوفير بيانات لهم تخص تلك المجتمعات، إذ كان هناك نقص في المعلومات عن المجتمعات غير الغربية, فضلا عن ما تقدم ساعد المتخصصون في الدراسات الإنسانية على تحسين أساليب وطرق البحث التي يمكن تطبيقها مباشرة في التحليل السياسي الثقافي المقارن([63]).

2- تأثير علماء النفس (Psychologists): لقد أفادت البحوث التي قام بها عالم النفس المعروف (سيكموند فرويد) (Sigmund Freud), الباحثين في علم الإنسان في مجال دراسة التنشئة الاجتماعية, فقد استفادت الباحثة (ماركريت ميد) من إشارات ( سيكموند فرويد) في العديد من دراستها([64]). كما أفادت دراسات علم النفس دراسة التنشئة الاجتماعية السياسية في مجالات عدة([65]). يُذكر منها دراسات الشخصية بشكل عام والشخصية السياسية بشكل خاص. فقد ساعدت دراسات الشخصية وسماتها وتأثيرها في التنشئة الاجتماعية السياسية في فهم وتفسير كثير من الاتجاهات والمواقف السياسية للأفراد والجماعات, فالشخصية التسلطية على سبيل المثال قد تكون نتاج لتنشئة في أسرة أو مجتمع تسلطي. بالمقابل فأن الشخص التسلطي قد يقود إلى أعادة أنتاج تنشئة تسلطية إذا ما أتيحت له الفرصة في إدارة أسرة أو أية مؤسسة اجتماعية أخرى أو تولي أي مسؤولية بقدر ما يكون أنموذجاً للتأثير([66]).

3- تطورات القرن العشرين: لقد حدث في العقود الأخيرة من القرن العشرين زيادة هائلة في عدد الدراسات التي تناولت الشخصية بواسطة دراسة العلاقة بين سلوك الوالدين وأبناءهم في العالم المتقدم، واحتلت الدراسات التي تناولت العلاقة بين سلوك الوالدين, وسلوك الأبناء وسماتهم الشخصية مكانة مهمة؛ وذلك نتيجة أسباب عدة تُذكر منها على سبيل المثال تأكيد علماء النفس (الفرويدي) أهمية السنوات الباكرة في حياة الفرد، ودوام خبراتها في شخصيته وسلوكه ومستقبل حياته, ويكمن السبب الآخر في تركيز تلك الدراسات في متغيرات تتعلق بالنمو الجسمي والعقلي (المعرفي)، والانفعالي, والاجتماعي للأبناء وعلاقتها بسلوك الوالدين. والسبب الآخر هو التقدم في ميدان الصحة النفسية، الذي يركز في الاهتمام على معالجة سوء الصحة النفسية عند الفرد دفع إلى مزيد من الاهتمام لدراسة وتشخيص الخبرات السابقة لشخصية الفرد, وتكيفه والأسباب في الميل إلى الجنوح والفصام, وتنوع سلوك العدوان غير اجتماعي عند الفرد([67]). كما استفاد الباحثون في التنشئة الاجتماعية السياسية من مدارس الطب النفسي بفضل تأكيد هذه المدارس على موضوع تطور الشخصية, وكيفية تأثير تجارب الطفولة المبكرة في تكوين الاتجاهات والقيم السياسية([68]), فضلا عن ما تقدم فإن السبب الرابع يكمن في أن معظم المقررات والمتطلبات الجامعية التي تتناول أي مجال للشخصية تتناول العلاقات بين الوالدين والأبناء([69]). ومن أمثلة تلك الدراسات تُذكر على سبيل المثال دراسة (سيموندر، 1939), المبكرة عن دراسة تأثير الوالدين في التنشئة الاجتماعية للأبناء، إذ درس أبعاد السلوك الوالدي (التقبل في مقابل الرفض، والسيطرة في مقابل الخضوع)([70]). وقد ظهرت المحاولات الجادة والمباشرة لدراسة التنشئة الاجتماعية السياسية في نهاية الخمسينات مع صدور كتاب (هربرت هايمن)، الموسوم ب "التنشئة الاجتماعية السياسية"([71]), في العام 1959([72]), ثم ظهرت دراسة (فْريّد كريينستين), والدراسة المشتركة التي قام بها كل من (روبرت هيس وديفيد استن)([73]), في العام 1960, وتناولت تطور التوجهات السياسية لدى الأطفال الأمريكيين([74]). كما استعملت دراسات تحليل النظم السياسية التنشئة الاجتماعية السياسية كأداة لفهم النظم السياسية من حيث عملياتها الأساسية, وعوامل استقرارها وأسباب تغيرها([75]), ومن بين أهم الدراسات التجريبية التي أجريت في مجال التنشئة الاجتماعية السياسية تُذكر دراسة (كابريل الموند) و (سدني فيربا) (Sidney Verba) التي جرت في خمسة بلدان, ولمدة نحو ستة سنوات([76]), وحاول بعض علماء السياسة الأمريكان أمثال (شارلز ميريام) (Charles Merriam) التعرف إلى كيفية حدوث عمليات التنشئة الاجتماعية السياسية في العديد من الدول الأوربية خلال القرن العشرين، وذلك بفضل قيامه بتحليل هذه العملية في كل من ألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا، والولايات المتحدة([77]). وبعد ذلك استعمل مصطلح التنشئة الاجتماعية السياسية على نطاق واسع من قبل طلاب العلوم السياسية([78]), وعلى صعيد الدول العربية، تُعد دارسة (محمد عماد الدين إسماعيل وزملاءه)، في العام 1967, من أولى الدراسات العربية التي اهتمت بدراسة الاتجاهات الوالدية في التنشئة الاجتماعية، وعلاقتها بالمستويات الاجتماعية الاقتصادية المختلفة. وتوصلت الدراسة إلى وجود اتجاهات والدية لا سوية كالتسلط والحماية الزائدة، ووجود اتجاهات سوية كالأسلوب الديمقراطي([79]), وقام (فيصل السالم) بدراسة ميدانية عن التنشئة الاجتماعية السياسية في بعض دول الخليج العربية في العام 1980, تحمل عنوان "أساسيات التنشئة السياسية الاجتماعية: مع دراسة ميدانية في بعض دول الخليج العربي", كما قام (توفيق فرح) (Tawfic E. Farah) و (ياسوماسا كِِرودا) (Yasumasa Kuroda) في العام 1987, بجمع وتحرير كتاب "التنشئة الاجتماعية السياسية في الدول العربية", الذي تضمن بعض الدراسات في مجال التنشئة الاجتماعية السياسية من بينها دراسة (توفيق فرح) التي أجراها في الكويت([80]). وعلى صعيد الإسهامات العراقية، كان أول من قام بتعريب وتعريف مصطلح (Political Socialization) التعريب والتعريف الصحيحيين في الدول العربية، هو صادق الأسود([81]), ودرس (حسان محمد شفيق العاني) دور التنشئة الاجتماعية السياسية في المحافظة على بقاء النظم السياسية, وتحقيق الاستقرار السياسي، والنظريات المتعلقة بها، كما عرج على التطبيق الفرنسي للأنموذج الأمريكي في التنشئة([82]).

يتضح مما تقدم بأن جهود عدة أجنبية وعربية وعراقية قام بها علماء وأساتذة متخصصون أسهمت في تطور دارسة التنشئة الاجتماعية السياسية.

Page 9

المبحث الثالث : أهمية التنشئة الاجتماعية السياسية

تتجسد أهمية التنشئة الاجتماعية السياسية في كونها من أولى العمليات الاجتماعية, ومن أهمها شأنا في حياة الفرد, كما تظهر أهمية التنشئة الاجتماعية السياسية كون نتائجها لا تعود على الفرد فحسب، بل على المجتمع بأكمله أيضا على المدى الطويل على اعتبار أن التكوين السوي للفرد هو استثمار في البناء البشري([83]). وتكمن أهمية التنشئة الاجتماعية السياسية أيضا بأنها تُعد من أرخص الوسائل في ضمان الطاعة والاستقرار الاجتماعي والسياسي خصوصا إذا ما عززت بعوامل مساعدة أخرى كمنح حقوق المواطنة. فالتنشئة على الطاعة الاجتماعية من الممكن جدا أن تقود إلى طاعة أولي الأمر في المؤسسات الرسمية كالنظام السياسي وسلطاته التنفيذية وغير الرسمية كالأسرة، ذلك أن الفرد الذي تعود عليها سيرى من الصعوبة التخلص منها حتى في الحالات التي تتعرض فيها حقوقه للانتهاك؛ وأنه قد يلجأ في هذه الحالة إلى سلوك سلمي للمطالبة بحقوقه أكثر منه سلوك يتسم بالعنف الذي من الممكن أن يزعزع الاستقرار الاجتماعي والسياسي. من هنا يمكن القول إن الأهمية الأساسية للتنشئة الاجتماعية السياسية تكمن في المواضيع التي تهتم بها وأثرها في مسائل حيوية للمجتمع والنظام السياسي، وطبيعة الوظائف التي تقوم بها والأهداف التي تتطلع لها. وستتم معالجة كل ذلك في مطلبين على التعاقب.

Page 10

المطلب الأول : اهتمامات ووظائف التنشئة الاجتماعية السياسية

تكمن أهمية التنشئة الاجتماعية السياسية باهتماماتها فضلاً عن الوظائف التي تقوم بها لهذا ينصرف هذا المطلب إلى دراسة اهتمامات التنشئة الاجتماعية السياسية أولا، ثم دراسة وظائف التنشئة الاجتماعية السياسية ثانيا.

أولا: اهتمامات التنشئة الاجتماعية السياسية: تهتم التنشئة الاجتماعية السياسية في البحث في مشروعية الأنظمة السياسية، ودور الرموز الدينية أو التاريخية أو الثورية في حياة المجتمعات وتكون نظمها السياسية, وتهتم بالخلفية الاجتماعية للسلوك الانتخابي للأفراد, وانتماءاتهم الحزبية، والأسباب الاجتماعية للثورات والقلاقل والانقلابات، وللتطرف الديني وتوزيع المهمات السياسية على الأفراد وتطوير خبراتهم ومهاراتهم على صعيد الحياة السياسية([84]). كما تهتم التنشئة الاجتماعية السياسية بقضية بناء الأمة([85]), واستقرار الدول واستمراره من عدمه([86]). فضلا عن ما تقدم تهتم التنشئة الاجتماعية السياسية بالمقارنة بين النظم السياسية بواسطة البحث عن الأسباب الاجتماعية للتعددية الإيديولوجية والسياسية، وآثار التغير الاجتماعي في النظم السياسية([87]).

ثانيا: أهداف التنشئة الاجتماعية السياسية: يهدف كل مجتمع بواسطة التنشئة الاجتماعية السياسية إلى تحقيق أهداف معينة, فأي مجتمع ينبغي أن يكون لديه تصور ما لنوع الشخص الذي يرمي إلى تخريجه قبل تكوين رأي واضح عن التنشئة الاجتماعية السياسية التي يعتقد أنها أفضل من غيرها, فالتنشئة الصينية كما يقول (راسل) "أنتجت الاستقرار والفن، وجعلت اليابان ترفع شعار التفوق الوطني الهدف الأسمى للتنشئة في حين حققت التنشئة الأمريكية هدفا آخر هو تحويل مجموعة من البشر المتباينة إلى أمة متجانسة. فالتنشئة هي وسيلة لتحقيق أهداف يرسمها المجتمع, وتعكس قيمه وتطلعاته ومشروعه الحضاري"([88]). وفيما يلي دراسة لأهداف التنشئة الاجتماعية السياسية بشكل عام، والتي تشترك فيها معظم الشعوب، وأهداف التنشئة الاجتماعية السياسية في الإسلام والدول العربية. وفيما يتعلق بالأهداف الأساسية للتنشئة الاجتماعية السياسية التي تكاد تتفق عليها معظم هيئات التنشئة الاجتماعية السياسية في المجتمعات المعاصرة، فأن التنشئة تهدف إلى إتاحة الفرصة للطفل للنمو والارتقاء نموا تلقائياً سوياً تاماً ومتوازناً وشاملاً في نموه التكويني، وفي مظهره العام الخارجي والداخلي، وعقلياً وانفعالياً وجسمياً واجتماعياً. على ان يتم ذلك وفق قوانين النمو وحقائقه ومراحله؛ وذلك بتهيأة الأوضاع والأسباب اللازمة لهذا النمو كافة دونما ضغط خارجي أو تدخل استباقي للأمور قد يعطل هذا النمو, وعليه: "فالطفل الذي تدفعه إلى تعلم القراءة قبل الأوان، والذي يتعثر في القراءة يتكون لديه في الغالب شعور بعدم الثقة في النفس، وبأنه شخص فاشل، لأنه يحس بأنه لا يستطيع أن يفعل ما يريد له الكبار من حوله. وكذلك فأن "الطفل يولد بدافع طبيعي داخلي يدفعه للنمو والتقدم بأسرع ما يمكنه، فإذا أدركنا ان الطفل هو دلالة نفسه، وإذا لم نطلب منه أكثر مما تحتمل طبيعته بحيث لا نعطل تعلمه، فانه يتقدم في قوة في سهولة ويسر، فإذا ما تهيأ الطفل ونضج قبل كل خطوة، فسيتقدم بنفسه لتحقيق ما بعدها من خطوات"([89]).

يمكن القول إذن أن الهدف هو تنشئة الفرد على الاستقلال الذاتي والاعتماد على النفس, والاستقلال يجب ان يكون شخصياً واجتماعياً ونفسياً بغرس مفهوم المسؤولية والواجب في سلوك الفرد وتصرفاته. فالتدريب على الاستقلال يبدأ منذ الطفولة ويسير في شتى مراحل النمو([90]). كما تهدف التنشئة الاجتماعية السياسية إلى مساعدة الطفل على إشباع حاجاته الأساسية إشباعاً كافياً، قدر الإمكان في إطار من الأمن والحب والعطف والتقبل لإكسابه القدرة على التكيف والتوافق النفسي والاجتماعي([91]). فضلا عن ما تقدم تسعى التنشئة الاجتماعية السياسية إلى التكوين الاجتماعي لشخصية الطفل، وتطويعه في الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه([92]). ويتم التكوين الاجتماعي عن طريق تنشئة الفرد على القيم الروحية والوجدانية والخلقية من أجل غرس الضوابط المانعة للسلوك والاتجاهات المادية لتقيم نوع من التوازن بين الدوافع الغريزية الفطرية والرغبات والدوافع الاجتماعية المكتسبة في شخصية الفرد([93]). ومن هذه القيم على سبيل المثال الصدق والأمانة والكرامة والتعاون والإيثار وحب الآخرين([94]), وعليه فأن "عملية التنشئة الاجتماعية للطفل تهدف إلى إكساب الطفل اللغة الإنسانية, وجعله آدميا؛ وإكسابه صفة الإنسانية بتطويعه في القالب الاجتماعي بتكييف الطفل لبيئته الاجتماعية وتكوينه على صورة مجتمعه، وصياغته في القالب الذي يرتضيه المجتمع؛ وذلك من أجل أن يتعلم الطفل الامتثال لمطالب المجتمع, والاندماج في ثقافته, والخضوع لالتزاماته مع الاحتفاظ بقدر من الاستقلال بشخصيته لتحقيق ذاته بنجاح, فالهدف هو إكساب الفرد القدرة على التعاون والانضباط والتنظيم المستمر, والقدرة على التكيف النفسي والاجتماعي([95]), أي ضبط سلوك الفرد، وكفه عن الأعمال التي لا يقبلها المجتمع, وتشجيعه على ما يرضاه منها حتى يكون متكيفا ومتوافقا مع نفسه ومجتمعه([96]), ويعدّ حسن التكيف والتآلف مع الآخرين مؤشر أو معيار لنمو الصحة النفسية عند الأفراد، ومن مظاهر التآلف والتكيف الاجتماعي المصادقة, وحب تكوين الصداقات، وتنمية الذات الاجتماعية كبديل للذات الانفرادية والإذعان لقوانين المجتمع وتقاليده بقبول ورضاء"([97]). إن فشل الفرد في التكيّف والتآلف مع الآخرين؛ إنما سببه فشل أو قصور في التنشئة الاجتماعية السياسية([98]). كما أن فشل التنشئة الاجتماعية السياسية في إدخال الطفل في الإطار الثقافي, وإكسابه ثقافة المجتمع الذي يعيش فيه يعمل على عدم الحفاظ على التركيب الاجتماعي وتأييده([99]), وقد يؤدي كل ذلك إلى تهديد استقرار المجتمع وبقاءه([100]).

وأخيرا فإن المجتمعات تسعى من بين ما ترمي إليه من وراء عملية التنشئة الاجتماعية السياسية إلى تحقيق هدفين متكاملين هما: المحافظة على البقاء والاستمرارية، وتماسك المجتمع وتوازنه في بيئة مشحونة بالتغيرات المتواصلة والمستجدات المتلاحقة, ولا يتحقق هدف المحافظة على البقاء وهدف الاستمرارية إلا بالمحافظة على عادات ومعايير السلوك وضوابطه فيه وقيمه ومعتقداته, ولا يتحقق تماسك المجتمع وتوازنه إلا عندما يكون هناك قاسم مشترك من الاتفاق على تلك العادات والتقاليد والمعايير والقيّم, وتحقيق هذان الهدفان لا يتم إلا بفضل التنشئة الاجتماعية السياسية([101]).

يتضح مما تقدم بأن التنشئة الاجتماعية السياسية تهتم بمواضيع اجتماعية وسياسية عدة ومهمة للغاية كونها ذات صلة وثيقة بتحقيق الاستقرار الاجتماعي والسياسي, كما تقوم التنشئة الاجتماعية السياسية في الواقع بوظائف ذات أهمية جوهرية في أعداد وتنشئة الأفراد والجماعات, وبما يخدم المجتمع والدولة في مكان ما من العالم, ويحقق لهما الاستقرار والاستمرارية.