eKtab
EN ع
التنظيم الاجتماعي في الإسلام
Read free sample

التنظيم الاجتماعي في الإسلام

by د. خليل محمد الخالدي

Page 1

الاهداء

الى رسول البشرية وأستاذ الإنسانية..

قائدنا وقدوتنا الى سبل الهداية...

والرشد والحق والعدل والمحبة...

الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وسلم)

Page 2

المقدمة

لقد حضت دراسة التنظيمات الاجتماعية،باهتمام أغلب العلوم الاجتماعية،ومنها علم الاجتماع بالذات،نظراً لما تؤديه من وظائف ومهام وأدوار.في الهيئة الاجتماعية.إن الاهتمام بدراسة التنظيمات الاجتماعية ليس امراً حديثاً،وإنما له جذوره التاريخية الضاربة في القدم ويتجلى ذلك من خلال الدراسات المقارنة التي اهتمت بمعرفة صور واشكال التنظيمات الاجتماعية في الحضارات البشرية القديمة من جهة وللوقوف على طبيعة تلك التنظيمات من جهة أخرى.

ان الذي دفعنا الى دراسة التنظيم الاجتماعي لكونه قد اصبح من الظواهر الاجتماعية المحيطة بالانسان،وفي مجالات حياته كافة،بل ان حياة الانسان أصبحت مرهونة بأنتمائه ألى تنظيمات اجتماعية،لأن التنظيمات هي التي تشكل أساليب الحياة وانشطتها،وتحدد نماذج السلوكية في المجالات الاجتماعية والاقتصاية والاسرية والدينية والسياسية،وهذا ماتمثل في الشريعة الاسلامية الغراء.

مما دفع علماء الاجتماع المحدثين الى القول أن مجتمعنا المعاصر هو(مجتمع التنظيم المعقد) لما تقوم به هذه التنظيمات من وظائف وادوار مهمة في تأمين وتطمين حاجات الافراد وتحقيق اهدافهم وطموحاتهم ومصالحهم في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية،فالتنظيمات هي ظواهر اجتماعية واقعية،ولا يمكن ان يخلو أي مجتمع بشري منها سواء أكان بدائياً أم متحضراً.وهذا مايؤكد أهميتها وفاعليتها في تطور المجتمع وتقدمه.

وهذا ماتطلب منا التصدي لدراسة الظاهرة التنظيمية ومعالجتها من حيث طبيعتها وبناؤها ووظائفها وادوارها في المجتمع الحديث،ليتسنى لنا فهمها أولاً ومن ثم معالجة مايعتريها من أزمات وإخفاقات،حينما تصير عاجزة عن القيام بمهامها ووظائفها المنوطة بها.

وفضلاً عن ذلك فأن من دواعي دراستنا هو الكشف عن ماهية التنظيم الاجتماعي في الاسلام،بوصفه الاسلام يمثل منهجا متكاملاً للحياة،فكان بدلاً من إظهار الرؤية الإسلامية في بناء التنظيمات الاجتماعية،من حيث الأسس والقواعد والمبادئ التي سنها الإسلام لإقامة هذه التنظيمات.

كما ان دراسة ومعالجة الظاهرة التنظيمية،يفيدنا في فهم السلوك الاجتماعي،والسيطرة عليه من جهة وفي حفظ النظام الاجتماعي بشكل عام على نحو يوفر له المزيد من الثبات والاستمرار والقدرة على تحقيق الوظائف المنوطة به.

فضلاً عن ذلك فأن المنهج الأسلامي في رسم البناءات التنظيمية يتميز بالتفرد والثبات،وهذا ماجعله يتميز في خصائصه وسماته،كونه يستمد تعاليمه ومبادئه من المنهج الإلهي.فالتنظيم الذي يكون مصدره الدين الإسلامي،لابد ان يتسم بالثبات،لا بل بالتفرد. كما دفعنا الى الاهتمام بدراسة هذا الموضوع،هو ندرة الدراسات ذات الرؤية الاجتماعية،في تحليل التنظيم الاجتماعي في الاسلام،فضلاً عن أهمية هذا الموضوع في بناء المجتمع وتقدمه لأن التنظيم الاجتماعي أساساً يهدف إلى إيجاد السبل والصيغ الكفيلة،بتقدم المجتمع ونهضته في المجالات والميادين جميعاً.

إن دراسة التنظيمات الاجتماعية توفر لنا الحلول والمعالجات الجاهزة للبناءات التنظيمية،وتمكننا من فهمها ورسم الخطط التنموية لتقدمها والنهوض بها،في ضوء التوجهات التي رسمها الإسلام لإقامة هذه التنظيمات.

إن الدراسة تظمنت ستة فصول متكاملة تبحث في ماهية التنظيم الاجتماعي في الإسلام،فقد اختص الفصل الأول منها بعرض تصويري لاطبيعة البحث ومفاهيمه، وقد تم فيه توضيح مشكلة البحث وحدودها، فضلاً عن إبراز أهميتها وأهدافها.

كما اشتمل الفصل على تحديد دقيق لأهم المفاههيم الواردة في البحث ولا سيما في عض وتحديد مفهوم التنظيم الاجتماعي وأهم المفاهيم المتداخلة معه فيما احتوى الفصل الثاني عرضاً وتحليلاً لأهم الدراسات السابقة، المناظرة لدراستنا، فضلاً عن مناقشتها ومقارنتها بدراستنا. في حين أكد الفصل الثالث، على معرفة طبيعة التنظيم الديني في الاسلام، من حيث أسسه وقواعده والمبادئ التي يرتكز عليها التنظيم الديني في الاسلام، وتمحور الفصل في تبيان ماهية العقيدة الاسلامية من خلال ثلاث ركائز هي (التوحيد، النبوات، المعاد )في حين أهتم الفصل الثاني، بتوضيح نظام العبادات في الاسلام، بأركانه الاساسية (الصلاة، الصوم، الزكاة، الحج )بينما تحدثنا في المبحث الثالث منه ، عن نظام المعاملات في الاسلام، مؤكدين فيه على التشريعات والاحكام والعلاقات التي شرعها الاسالم لتنظيم الحياة المعاشية للأفراد، في حين قصدنا في المبحث الرابع، معرفة آثار نظام العبادات والمعاملات، على سلوكيات الافراد واخلاقهم، من خلال معرفة آثار الايمان على مستوى الفرد من جهة وعلى مستوى المجتمع من جهة أخرى.

في حين أهتم المبحث الخامس بعرض أهم نماذج التنظيم الاجتماعي في الاسلام، مركزين على أنموذجين من تلك النماذج التنظيمية، من وآقع القرآن الكريم والسنة النبوية، وتمثل هذان النموذجان في أنموذج (( الوصايا العشر)) وأنموذج (الالحاكمية الاسامية) .

في حين تناولت الدراسة في فصلها الرابع، التنظيم الاسري في الاسلام من حيث بناؤه ووظائفه، وأهم القواعد والاسس التي وضعها الاسلام لبناء الاسرة السليمة، في ضوء الاحكام والمبادئ التي أكدها القرآن الكريم والسنة المطهرة. وجاء هذا الفصل في سبعة مباحث متكاملة عرضنا في المبحث الاول منه، بناء الاسرة الاسلامية ووظائفها، فيما كان المبحث الثاني يتوخى معرفة أسس التنظيم الاسري في الاسلام، فيما أختص المبحث الثالث بتبيان أهم الحقوق والواجبات التي أقرتها الشريعة الاسلامية لهذا التنظيم مركزين على طبيعة الحقوق والواجبات مابين الازواج أنفسهم، ومابين الابناء والآباء من جهة أخرى.

في حين تم في المبحث الرابع تحليل نسق العلاقات الأسرية، من زاوية الموازنة بين الأدوار القيادية والأدوار القاعدية، ومن زاوية الموازنة بين الحقوق والواجبات، من جهة، وبين عملية الموازنة بين نظامي السلطة والمنزلة من جهة أخرى.

بينما كان تنظيم الطلاق، وتعدد الزوجات في الإسلام، يمثلان مادة المبحث الخامس، فيما قصد المبحث السادس،الكشف عن آلية المنهج الإسلامي في مواجهة الخلافات الاسرية، وعلاجها في ضوء التوجهات الإسلامية . بينما أختص المبحث السابع، في شرح قواعد الميراث في الإسلام.

في حين ركزت الدراسة في فصلها الخامس، على التنظيم التربوي في الإسلام، من حيث طبيعته وخصائصه وقواعده التنظيمية التي يستند عليها. مستعرضين في المبحث الاول بشكل مسهب أهم الأسس التي ينهض عليها التنظيم التربوي في الإسلام، في حين مثلت أساليب التربية الإسلامية وطرائقها مادة المبحث الثاني، مؤكدين على أهم النماذج والطرائق التربوية في النهج الإسلامي، كنموذج القدوة الصالحة، والترغيب والترهيب، وأسلوب النصح والارشاد، والقصة، وأسلوب العقوبة، بينما ضم المبحث الثالث أهم ضروب التربية الإسلامية مركزين على ثلاثة ضروب منها، التربية الجسمية، والتربية العقلية، والتريسة الروحية. أما في المبحث الرابع، فقد تم توضيح أهداف التنظيم التربوي في الإسلام وتمحور في جانبين أثنين، أولهما إعداد الفرد، وثانيهما بناء المجتمع الإسلامي الفاضل.

بيد أن المبحث الخامس، كان مبحثاً تطبيقياً للمباحث السابقة، حيث تم فيه عرض أهم النماذج التربوية في الإسلام، شاطرين المبحث على قسمين، اختص الأول منه بتوضيح بعض النماذج التربوية في القرآن الكريم، بينما تناول القسم الثاني منه عرض بعض النماذج التربوية في السنة المطهرة وكان هذا خاتمة المباحث.

وقد خصصنا الفصل السادس من الدراسة، للبحث في قواعد وأسس التنظيم الاقتصادي في الإسلام، وتضمن خمسة مباحث متكاملة مع بعضها البعض، حيث اختص المبحث الأول منها بعرض قواعد التنظيم الاقتصادي الإسلامي، والتي تمثلت في المحاور الآتية، إقرار الملكية الفردية والموازنة بين مصالح الفرد والجماعة، والتوزيع العادل للثروات، فيما كان نظام الملكية في الاسلام موضوع المبحث الثاني، والذي بينا فيه نظرة الإسلام للمال والملكية، من حيث طبيعة الملكية وخصائصها وقيودها في الشريعة الاسلامية.

في حين تناول المبحث الثالث ، أهم وسائل كسب الملكية في الإسلام، والتي تمثلت في العمل كمصدر أساسي من مصادر اكتساب الملكية والتجارة، وإحياء الارض الموات، وكذلك الميراث، مبينين كل مصدر من هذه المصادر.

وأختص المبحث الرابع في الكشف عن أهم النماذج التنظيمية في الاقتصاد الإسلامي، مؤكدين على الزكاة بوصفها أنموذجاً اقتصادياً تنظيمياً، وعمليات البا، وعمليات الاحتكار في الشريعة الاسلامية، في حين كانت معرفة خصائص التنظيم الاقتصادي في الاسلام تشكل مادة المبحث الخامس والأخير من الفصل السادس، والذي تم فيه عرض ومناقشة أهم السمات والميزات التي جعلت من التنظيم الاقتصادي الاسلامي أنموذجاً فريداً بين النظم الانسانية كافةً.

وكما اشتملت الدراسة على خلاصة مقتضبة بأهم النتائج التي أسفرت عنها الدراسة، بشكلها النهائي، فضلاً عن ملخص لها باللغتين العربية والانكليزية، وقائمة بأهم المراجع العربية والاجنبية التي أستخدمت في الدراسة.

والله ولي التوفيق

خليل محمد الخالدي

Page 3

الفصل الأول
الإطار المنهجي والمفهومي للبحث
المبحث الأول : الإطار المنهجي للبحث
أولاً : تحديد مشكلة البحث
ثانياً : أهمية البحث
ثالثاً : أهداف البحث
رابعاً : منهج البحث
المبحث الثاني : الإطار المفهومي للبحث
أولاً : القرآن
ثانياً : السنة
ثالثاً : التنظيم الاجتماعي
رابعاً : البناء الاجتماعي
المبحث الأول: الإطار المنهجي للبحث
أولاً : تحديد مشكلة البحث :
لا يخفى علينا أن ظاهرة التنظيم الاجتماعي، ليست ظاهرة حديثة، إنما هي ظاهرة ثقافيةCultural Phenomena ، عرفها الانسان منذ أقدم العصور، حينما كان في صراع وتحدي دائب مع ظواهر الطبيعة والكون تارة، ومع مقدرات وأسباب وجودة الانسانية تارة أخرى كل ذلك لتوفير وتطمين أسباب العيش والبقاء.
وهذه الصيرورة من التحدي والاستجابة، حيال ظواهر الكون والطبيعة، دفعت الانسان للتفكير في إيجاد بناء أو تنظيم، يلم شعثهُ ويوحد صفه، ويحمي ذاته فيه، فكانت النتيجة ولادة هذه البناءات التنظيمية، التي جمعت الافراد والزمر والجماعات في إطار بنى اجتماعية.
ليتمكن من تحقيق أهدافه وإشباع احتياجاته البايولوجية والاجتماعية وليستطيع مواجهة التحديات الخارجية الطبيعية والبشرية فكان هاجس الانسان البدائي، النزوع نحو الاجتماع مع أبناء جنسه، وتلك لعمري هي طبيعة الفطرة الإنسانية الآيلة نحو الاجتماع وامؤانسة.
ولو استعنا بقوله (ارسطو) ((أن الانسان حيوان مدني )) لزدنا الامر إيضاحاً وتبياناً، فالأصل في الانسان ميل ونزع شديدان نحو الاجتماع مع ابناء سليلته.
ويسعفنا العلامة العربي ابن خلدون ( 1332_ 14.6م ) في هذا المقام بمقولته الشهيرة "إن الاجتماع الإنساني ضروري ,ويعبر الحكماء بقولهم الانسان مدني بالطبع "1(1) أي في طبيعته وفطرته ميلٌ وتودد للاجتماع مع أقرانه .
لأجل ذلك نشأت البنى التنظيمية في المجتمع البشري , كالجماعات , والزمر , والأسر , والتكوينات القرابية , التي كانت تؤدي وظائف وأدواراً ومهاماً بالنسبة للافراد في المجتمع البدائي . وإذا تقصينا جذور النظام ونشأته فإننا نلجأ إلى نظريات العقد الاجتماعي2(*) , social contact التي ظهرت في القرن الســادس عشر , والتي تزعمــــها كل من توماس هوبر وجون لوك الإنكليزي , والفرنسي جان جاك روسو .
وهذه النظريات تبحث في أصول النظام ونشأته , وكيفية العقد الذي نشأ بين الأفراد من جهة والحكومة من جهة أخرى . وتكمن دعوى هذه النظريات في أنه يجب على الأفراد أن يتنازلوا عن بعض من حرياتهم وحقوقهم للدولة , لقاء أن تقوم الدولة بحمايتهم من الأخطار والإعتداءات الخارجية , فضلاً عن إشباع حاجاتهم ضمن النظام الاجتماعي العام .
وإذا ما تقفينا جذور الظاهرة التنظيمية , لوجدناها ضاربة في القدم , من حيث نشأت في أغلب الحضارات القديمة , ظواهر ونشاطات تنظيمية , ففي حضارة بلد ما بين النهرين , ظهرت ظواهر تنظيمية في مجالات الحياة كتنظيم الاجتماعية كتنظيم الاسرة في شريعة حمورابي , والزواج والطلاق, وكذلك في جانب النشاطات المادية كإنشاء السدود والمعابد والطرق .
كما تميزت الحضارة المصرية , بإهاصات تنظيمية جديرة بالإهتمام في نواحيها الاجتماعية والمادية , منها بناء الاهرامات والمعابد والسدود , كذلك تميزت الحضارة الصينية والهندية , أيضاً في مجال التنظيم الاجتماعي والمادي كبناء السدود ومشاريع الري , وبناء المعابد .
وهذا ما يؤكد حقيقة بالغة الاهمية , ألا وهي أن إهتمام الإنسان بتنظيم حياته ونشاطاته , كان شغله وهمه الأساس في الحياة الاجتماعية , ذلك أنه لم يكن ليترك شؤون حياته الاجتماعية والدينية , تسير بغير نظام وانتظام . حيث أن إنسانية الإنسان تظهر في عمارته للأرض وفي بنائه الثقافي والاجتماعي الذي ميزه عن الحيوان , لاسيما في تنظيم علاقاته الأسرية والزواجية , وهذا ما يتناقض مع ما طرحه رواد النظرية الانثريولوجية , أمثال ياخوفن , موركان , إنجلز , ماركس , الذين يدعون بأن الصورة الاولى للحياة البشرية , كانت عبارة عن حياة فوضوية ومشاعية لا تحكمها قيم ومعايير وعلاقات تنظيمية سواء في نطاق الأسرة أم خارجها , ونحن هنا لسنا بصدد مناقشة هذه النظريات ذات الطابع الضني والتخميني , إنما لغرض الاستشهاد بها حصراً .
فالبناءات التنظيمية كانت ولاتزال تؤدي للانسان والجماعة طائفة من الوظائف والمهام الاجتماعية , منها إشباع احتياجاتهم البايولوجية والاقتصادية والدينية والثقافية , فضلاً عن أن هذه التنظيمات تطمح إلى تحقيق وتأمين التماسك الاجتماعي على مستوى الجماعة والمجتمع .
وبناءاً على ذلك فإنه لا يستطيع فرد أو مجموعة أفراد أن يعيشوا بعيداً عن التنظيمات , التي تحتوي الإجراءات والأساليب التنظيمية , التي بها تنتظم شؤونهم وأمورهم وحقوقهم وواجباتهم ومسؤولياتهم . ولذلك نشأت الحاجة الشديدة إلى فهم أصول النظام الاجتماعي في الإسلام , وفلسفته ومبادئه في بناء المجتمع , مقارنة بالنظم الوضعية , كالرأسمالية والاشتراكية , القاصرة في أصولها وتوجيهاتها في ترسيم صورة واقعية للمجتمع .
في حين يمثل الإسلام منهجاً متكاملاً للحياة الاجتماعية بجميع مفاصلها فهو دين ودنيا , أي أنه منهج رباني شامل ينظم شؤون الفرد وعلاقاته بربه من حيث العبادة , وينظم شؤون الآحاد فيما بينهم من حيث المعاملة .
وكما يقول نبيل السمالوطي "إن القيمة الكبرى للتنظيم الإسلامي أنه لا يقتصر على التنظيم الخارجي , ولكنه يعتمد وفي المحل الأول على الالتزام الداخلي الذي ينعكس على الافعال ويوجه السلوك الخارجي للانسان "3(1) .علماً أن الاسلام استطاع أن يقيم مجتمعاً فاضلاً في عصر النبوة وعهد الخلفاء الراشدين لانه منهج متكامل في شؤون الانسان دينياً ودنيوياً.
من هنا تبرز اشكالية ابحث في اصول التنظيم الاجتماعي في الاسلام، من حيث معرفة طبيعته قواعده وأسسه ومبادئه التي يبني عليها هذا النظام الاجتماعي، وعلى الرغم من كثرة الدراسات الدينية والاجتماعية4(2) التي كتبت في هذا المجال، الى انه كان يطفي عليها الطابع الديني الوصفي لحيثيات النظام واصوله في الاسلام.
أما دراستنا فهي تتبنى منظوراً سوسيولوجي تكاملياً فهو يمزج بين المنظور الاجتماعي والديني في إطار دراسته للتنظيم الاجتماعي، فهو يتجاوز النظرة التقليدية التي تبني نظرة حديثة تهتدي بما توصلت إليه نظريات التنظيم الاجتماعي الحديثة، من أطر نظرية ومنهجية استقتها من الدراسات النظرية والامبيريقية .
وتتحد مشكلة البحث في الاجابة عن التساؤلات الآتية :
ماهية التنظيم الاجتماعي في الإسلام ؟ وما مقوماته ؟ وما عناصره؟ ومن ثم كيف تمكن الإسلام من بناء مجتمعاً فاضلاً؟ ثم البحث عن القواعد والأسس التي يرتكز عليها التنظيم الإسلامي والوظائف التي يؤديها في المجتمع الإسلامي برمته.
ثانياً : أهمية البحث
لقد حضت دراسة التنظيمات الاجتماعية على إشكالها المختلفة باهتمام علماء الاجتماع بصفة خاصة في العقود الأخيرة من هذا القرن، لما أفرزته طبيعة التحول والتبدل السريع الذي طرأ على البنى الاجتماعية للمجتمعات، والذي أفرز بدوره إتساعاً وإنشطاراً تنظيمياً هائلاً لم تألفه المجتمعات البشرية من قبل بفعل عوامل التغير الاجتماعي من مادية وغير مادية والمتمثلة في (التقدم العلمي، والتطور التكنولوجي، والتنمية، والتحديث ).
وكما يقول عالم اجتماع التنظيم الشهير "روبرت برثيوس" R.Presthus في كتابه (المجتمع التنظيمي)" إن مجتمعنا المعاصر مجتمع التنظيم، ذاك أننا نولد في تنظيمات ونحيا ونعيش في تنظيمات، ونعمل ونقضي أغلب أوقات فراغنا في تنظسمات، ونؤدي الشعائر العبادية في التنظيمات، حقاً أصبحت حياتنا الاجتماعية كلها مرهونة بالتنظيمات الحديثة التي اوجدها المجتمع )5(1).
ولا يخفى علينا أن "التنظيم الاجتماعي"هو أساس بناء المجتمع وقوامه واستمراره، ذالك لأن التنظيم كأي بناء اجتماعي، توجد فيه نشاطات الحياة الاجتماعية كافة، والتي يؤديها ويقوم بها، من نشاطات اجتماعية ودينية واقتصادية وسياسية وعسكرية.
وهذه النشاطات على جانب كبير من الأهمية لأنها تتصل بشكل مباشر بحياة الأفراد والجماعات، في معاشهم وسلوكهم وتفاعلاتهم، ومن ثم لا يمكن أن نرى أي بناء تنظيمي، خالي من الأساليب والقواعد التي تنظم شؤون ذالك التنظيم داخلياً وخارجياً، وفي علاقاته مع البنى التنظيمية في المجتمع .
وتتجلى أهمية الدراسة وتسمو كونها تعالج موضوعاً حيوياً جديداً نشأ في نطاق علم الاجتماع، تحت مسمى " علم اجتماع التنظيم " الذي يكرس أطره النظرية والمنهجية في دراسة الواقع البنائي لمجمل التنظيمات الاجتماعية في المجتمع هادفاً الى معرفة مكوناتها ومقوماتها وأساليبها وقواعدها التنظيمية التي تسير عليها وتهتدي بها .
ولمعرفة ماتؤديه من مهام ووظائف، وأدوار اجتماعية، علماً أن لكل بناء تنظيمي في المجتمع طائفة من الأهداف التي يرمي الى تحقيقها.ومن ناحية أخرى فالدراسة تعد إسهامة جديدة متواضعة في حقل من حقول علم الاجتماع الديني، الذي يهتم بدراسة الظواهر الدينية والروحية في المجتمعات، من حيث نشأتها وتطورها والوظائف التي تؤديها تلك الظواهر الدينية في المجتمع.
ذلك هو علم الاجتماع الإسلامي أو (علم الاجتماع القرآني)6(1) الذي ظهر وتطور في مجتمعنا العربي في الفترة ما بعد عقد السبعينات والثمانينات من هذا القرن، ذالك الفرع الغض الواعد الذي تبنته نخبة خيرة من رجالات الاجتماع في المجتمع العربي . في ضوء تأطير وترسيخ سوسيولوجيا عربية خالصة، تتجاوز الطابع التقليدي، ذي القوالب الفكرية الغربية الجاهزة، الى البحث في الغاطس منم التراث العربي الإسلامي الثر، الكافي والقادر على تأصيل قاعدة معرفية سوسيولوجية عربية إسلامية خالصة وما أحوجنا الى هذا النوع من الدراسات، الذي تتجاوز الصيغ التقليدية، المستعارة من علم الاجتماع الغربي، نظرية ومنهجاً وآيديولوجية، لتبني مذهبية عربية إسلامية، تزلج بين الأصالة والمعاصرة في تبنيها للمشروع الحضاري السوسيولوجي العربي، بالاتكاء على خزين التراث المعرفي.والانفتاح على التيارات الفكرية العالمية الحديثة، ويضاعف أهمية الدراسة الخصوصية الحضارية للمنهج الإسلامي في فهم طبيعة المجتمع أللبشري وظواهره العمرانية والتنظيمية .ومما يعزز حيوية هذه الدراسة أمران أساسيان7(2)
أولهما: إن التيارات التي اصطلح تسميتها بالصحوة الإسلامية ترى أن الإسلام، باعتباره ديناً ودنيا، يجب أن يأخذ مكانه كأساس ومنهاج لتطوير المجتمع من كافة النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية.
وثانيهما : إن بعض من المفكرين الاجتماعيين واللاهوتيين (الدينيين) من راح يتحدث عن نموذج عربي إسلامي خالص لإحداث أي تنمية أو تطور في مجتمعنا العربي، يشدد على بعث وتأكيد الذات العربية كما تجسدها الحضارة العربية الإسلامية .وهذا ما سنحاول تأكيده وتوضيحه في إطار هذه الدراسة .
ثالثاً :أهداف المبحث
يرمي البحث إلى دراسة وتحليل ظاهرة التنظيم الاجتماعي في المجتمع الإسلامي , في إطار سوسيولوجي شامل , متوخيا تحقيق الأهداف الآتية :
1. معرفة الإطار العام للتنظيم الاجتماعي في المجتمع الإسلامي .
2. معرفة ماهية الأسس والقواعد البنائية التي يستند إليها التنظيم الاجتماعي في الإسلام .
3. معرفة طبيعة المنهج الإسلامي في بناء المجتمع ونظمه .
4. دراسة العلاقات المتبادلة والمتداخلة بين نظمه الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والدينية .
5. دراسة وفهم القواعد البنائية التي تنهض عليها المؤسسات الاجتماعية الإسلامية كالمؤسسة الاسرية والدينية والتربوية والاقتصادية.
رابعاً : منهج البحث
إن محاولة فهم طبيعة التنظيم الاجتماعي في المجتمع المسلم –فهماً شمولياً –تقتضي من الباحث الاعتماد على آلية منهجية اجتماعية متكاملة، لكي يتسنى لنا الإحاطة التامة بجميع مكونات وأسس التنظيم الاجتماعي في المجتمع المسلم.ولتحقيق هذه الغاية، قد تم الاستعانة ببعض من مناهج البحث الاجتماعي الملائمة لهذا النوع من الدراسات .
ولقد اعتمدنا منهج التحليل الاجتماعي بشكل عام، فضلاً عن الاستعانة "بالمنهج التاريخي"الذي يفيدنا في تتبع الجذر التاريخي لنشأة التنظيمات الاجتماعية وتطورها في المجتمع الاسلامي. وبالتالي فهو يغطي لنا مساحة أكاديمية كبيرة من الدراسة .
وكذلك اعتمدنا "المنهاج المقارن" الذي يفيدنا في الكشف عن ما تؤديه هذه النظم الاجتماعية، من أدوار ومهام ووظائف، وعما تحققه من أهداف اجتماعية متمايزة ومتكاملة، فالمنهاج المقارن يفيدنا في دراستنا حينما نعقد مقارنات بين التنظيمات الاجتماعية ذاتها، من حيث تلأدية الوظائف والمهام والأدوار المنوطة بها فيها في المجتمع سوف تبين لنا المقارنة، المهام والواجبات التي تؤديها هذه النظم في المجتمع .
فالمنهاج المقارن يساعدنا بشكل خاص، في الدراسة حينما نعقد مقارنة ومناضرة بين النتائج التي تتوصل إليها دراستنا، والنتائج والأهداف التي توصلت إليها الدراسات السابقة المماثلة لدراستنا .
وكما يرى بعض علماء الاجتماع إن المقارنة هي الهدف الاسمي الذي يرمي الى تحقيقه العلم إذ عن طريق المقارنات نتمكن من الوصول الى معرفة القرائن والنظائر من الظواهر ومعرفة جوانب الاختلاف والتشابه بين تلك الظواهر، ونصل الى قوانين عامة ترسم وتحدد وتنظم المجتمع الاسلامي.
 

Page 4

المبحث الثاني: الإطار ألمفهومي للبحث

إن عملية تحديد المفاهيم والمصطلحات العلمية الواردة في الدراسة، تعد من الأمور والخطوات المنهجية والعلمية لكل بحث، ذالك ليتسنى للقارئ فهم المعاني والدلالات المضامين التي تعكسها تلك المفهومات الواردة في الدراسة، فضلاً عن أن كثيراً من المفاهيم نظام السوسيولوجي لم تحظ بعد باتفاق الباحثين والدارسين في العلوم الاجتماعية وتلك حالة طبيعية لأنها تنجم عن صيرورة الحياة الاجتماعية المتغيرة، وهذا التغيير ينعكس على معاني المفاهيم واستخداماتها في الحياة الاجتماعية كونها تخضع عمليات التبدل والتحول الثقافي الذي يعتري المجتمع، والثقافة بشكل عام، لذلك سوف نقوم بتحديد وتوضيح تلك المفاهيم، بالرجوع إلى مصادرها الأساسية وفقاً لسياقات البحث المنهجية والنظرية.

أولاً : القرآن

ويؤول لغة (وقرآن الشي قرآناً) جمعته وضممت بعضه إلى بعض، وقرأت الكتاب قراءة وقرآناً، ومنه سمي القرآن لأنه يجمع السور فيضمها8(1)

قالوا : ومنه القرآن، كأنه سمي بذلك لجمعه ما فيه من الإحكام والقصص وغير ذلك9(2).

ويعرف اصطلاحا، هو كلام الله تعالى، المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بلسان عربي مبين، تبياناً لما به صلاح الناس في دنياهم وأخراهم . وقد جعله الله معجزة رسوله الكبرى، وتعبد المؤمنين بتلاوته، وألهمهم حفظه وكتابته في المصاحف، ويسر أمر نقله إلى الأجيال التابعة بالتواتر، تحقيقاً لقوله تعالى : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون / الحجر : 910(1).

وإن هذا الكتاب قد تضمن الأصول والقواعد التي ترجع إليها الفروع في شؤون الحياة كلها.فالقرآن الكريم غني عن التعريف .فلم يقم أئمة المسلمين الأوائل بتعريفه. وإذا تكلموا فيه تكلموا في بيانه للإحكام، وبيان السنة..له أما المتأخرون من العلماء، فهم الذين وضعوا تعريفاً له فقالوا :

"هو كتاب الله المنزل على سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم باللفظ العربي المعجز المنقول بالتواتر، المتعبد بتلاوته المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس "11(2)

والقرآن الكريم وحي من الله لفظاً ومعنى، في حين أن الحديث وحي بمعناه وسياقه بعبارات من كلام الرسل صلى الله عليه وسلم، والقرآن الكريم يعد المعين الأساسي للعلوم الإسلامية واللغة العربية، والمرجع الذي يهتدي به المسلم في بحثه عن الحقائق في مجالات المعرفة والوجود والقيم، وفيما يتعلق بالفكر والواقع والنظر والسلوك12(3)

والقرآن هو ذالك الكتاب المبين، والكنز الثمين، عمدة الله، وأساس الدين،أودع الله سبحانه وتعالى فيه علم كل شئ، وأبان به الرشد من الغي فهو ينبوع الحكمة وآية الرسالة ونور الأبصار والبصائر، والعالم به على التحقيق عالم بجملة الشريعة. وفي الحديث " إن هذا القرآن حبل الله المتين والنور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تقضى عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد" وعن أبن مسعود " إذا أردت العلم فأثيروا القرآن، فأن فيه علم الأولين والآخرين".13(4)

وكما عرفه الإمام محمد عبده تعريفاً إجمالياً " إن الكتاب هو القرآن المكتوب في المصاحف المحفوظ في صدور من عنيً بحفظه من المسلمين ألى اليوم، كتاب حوى مكن أخبار الأمم الماضية مافيه معتبرُ للأجيال الحاضرة والمستقبلة نقب عن الصحيح منها وغادر الأباطيل التي الحقتها الأوهام فيها، ونبه على وجوه العبرة فيها، حكي عن الأنبياء ما شاء الله أن يقصً علينا من سيرهم وما كان بينهم وبين أممهم وبرأهم مما رماهم به أهل دينهم المعتقدون برسالاتهم، وشرع للناس أحكاماً تنطبق على مصالحهم قام بهذا العدل ونظم بها شمل الجماعة "14(1)

والقرآن الكريم كتاب هداية ينظم شؤون المجتمع المسلم لذلك نجد أحكامه قد تظمنت ما يحتاجه الناس في أمور حياتهم ومن ذلك15(2)

1.العقائد: وتتضمن مايتعلق بالايمان وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر والقدر خيره وشره.

2.العبادات: وتشمل الصلاة والزكاة والصوم والحج، وغير ذالك مما يقترب به الانسان الى الله تبارك وتعالى ."نظام العبادات".

3.الاخلاق: ويتضمن كل مايتعلق بالخلق الفاضل، وآداب الحياة الاجتماعية.

4.الاحكام التشريعية :وهي التي تتعلق بنضم المجتمع ونظام الاسرة خاصة ونظام التشريع"المعاملات".

وجاء لفظ القرآن في صيغ متعددة في بعض الصور والأيات منها في قوله تعالى : إنا علينا جمعه وقرآنه، فأذا قرأناه فاتبع قرآنه / القيامة :17، 18

وقوله : مافرطنا في الكتاب من شئ / الأنعام : 38

وقوله : ذلك الكتاب لا ريب فيه للمتقين / البقرة 2

وقوله : ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شئ / النحل 89

وقوله : وأنزلنا اليك الذكر لتبين للناس مانزل غليهم ولعلهم يتفكرون /النحل 44

ويرى الباحث أن القرآن الكريم هو ذلك الكتاب الخالد الذي أقره الله دستوراً للبشرية جمعاء، ومنهجاً دينياً ودنيويا فيه تبيان كل شئ من أمور المسلمين، لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا واحصاها، من أخذ به نجا ومن تركه هلك.

ثانياً : السنة

"سن" السين والنون أصل واحد مطرد، وهو جريان الشئ واطراده في سهولة، والاصل قولهم سننت الماء على وجهي أسنةً سناً، إذا أرسلته إرسالا ومما اشتق منه السنة وهي السيرة، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم سيرته16(1)

والسنة : الطريقة. يقال استقامة فلان على سنن واحد، ويقال امضي على سننك وسننك على وجهك، والسنة السيرة قال الهذلي :

لا تجزعن من سنة أنت سرتها فأول راضٍ سنة من يسيرها17(2)

وفي الاصطلاح تعني السنة ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، وإذا كان في القرآن القران الكريم آيات مجملة وأخرى مطلقة فلابد من شرحها وإيضاحها فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفصل ما أجمله القرآن ويشرح غامضه ويقيد مطلقه ويخصص عامه18(3) فالسنة مفتاح الكتاب والنبراس الذي يهتدي به الى كشف حقائقه والوقوف على دقائقه، ومن ثم كانت السنة واجبة الاتباع19(4)

والسنة النبوية تتمثل في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم التي تكون بياناً للاحكام الاسلامية وشرحاً للقرآن الكريم وكذلك أفعاله التي يكون القيام بها عبادة كصلاته وحجه أو غير عبادة كمعاملته لاعدائه ولاوليائه، ومثل ذلك ماكان يقر عليه أصحابه من أقوال وأفعال , لذلك قسم العلماء السنة على :أقوال وأفعال وتقريرات ,والتقريرات هي أن أحد أصحابه يقول قولاً أو يفعل فعلاً فيقره عليه20(5).

والسنة النبوية المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي لسيرها في خط القرآن , وقيامها ببيان ما غمض منه , وتفصيل ما أوجز , فهي التي فصلت كثيراً من أحكام العبادات والمعاملات , وهي التي وضعت للمسلمين قواعد الحكمة والهدى .

والسنة قد وردت في القرآن الكريم في مواضع متعددة , لتعني بالعادة المستمرة والطريقة المتبعة , فقال تعالى :( قد خلت من قبلكم سنن / آل عمران :137 )21(1).

وفي الحديث وردت في قوله صلى الله عليه وسلم " فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ "22(2). ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم " من سنة في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء , ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء"23(3).

فالسنة هي : طريقة النبي المبينة بما يقوله , أو بما يفعله , أو بما يقر غيره على قوله أو فعله .. وصدق الإيمان يفرض التزام ما جرت به السنة .. أو مضت عليه24(4). والخلاصة أن كلمة " سنة " عربية الأصل والمنشأ , جاءت في القرآن , واقتبسها المسلمون للطريقة التي كان عليها الرسول صلى الله عليه وسلم , وأصحابه25(5).

ويرى الباحث أن "السنة " هي حصيلة الأقوال والأفعال والأعمال التي تواترت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو أحد أصحابه , واتخذها واعتقدها المسلمون منهجاً لتنظيم شؤون حياتهم كافة.

Page 5

ثالثاً : التنظيم الاجتماعيSocial organization :

يعرف التنظيم لغة، النظم والتأليف نظمه ينظمه ونظاماً، ونظمه فانتظم وتنظم، ونظمت ألؤلؤ أي جمعته في السلك، والتنظيم منه نظمت الشعر ونظمته، ونظم الأمر على المثل وكل شئ قرنته بآخر، أو جمعت بعضه إلى بعض فقد نظمته، والنظام ما نظمت فيه الشئ من خيط وغيره، واصل نظام، ونظام كل أمر ملاكه، والنظام الهدية والسيرة، وليس لأمرهم نظام أي ليس له هدى ولا متعلق ولا استقامة وما زال على نظام واحد26(6).

وفي الاصطلاح كان هذا التعبير يستخدم أولاً في معنى عام ليدل على النظم الاجتماعية في مجتمع ما، والوظائف التي يقوم بها الأفراد والزمر الاجتماعية والأدوار المرتبطة بهم . ثم أخذ العلماء يستخدمونه في معنى محدد، مفرقين بينه وبين البناء الاجتماعي على وجه الخصوص فعرفه "مالينوفسكي"بأنه الطريقة التي ينظم بها أفراد المجتمع وزمره أنفسهم، والبيئة المادية المحيطة بهم في سبيل إشباع حاجاتهم الحيوية والنفسية والاجتماعية27(1).

في حين يعرفه "ماكس فيير" "نسق من النشاط المستمر الهادف والمرتبط بالجماعات والزمر وإدارتها"28(2).

بينما يعرفه كل من "براون Brown وبارنتBarant عام 1942 بأن التنظيم الاجتماعي يشير إلى أنساق علاقات الالتزام التي تسود بين الجماعات وداخلها في مجتمع معين، بينما يشير البناء الاجتماعي إلى مكان وموقع الأفراد والجماعات في نسق من العلاقات الملزمة29(3).

وكذلك قام رادكلف براون Radciffe Brown بعقد مقابلة بين مفهومي التنظيم الاجتماعي والبناء الاجتماعي، الذي يشير إلى نسق من الأشخاص يشغلون اوضاعاً ترتبط بعضها ببعض، في الوقت الذي تتصل فيه مباشرة بتنظيم اجتماعي أو نسق للأدوار يخضع لقواعد وضوابط اجتماعية30(4).

أما رايموند فيرث R.Firth فيرى أن التنظيم الاجتماعي يشير إلى ترتيب النشاطات في المجتمع، أي عملية ترتيب الأفعال وانتظام العلاقات من أجل أهداف اجتماعية، وقد تغير الوسائل التنظيمية هذه البناء الاجتماعي، وإن هذه النشاطات الاجتماعية، ليست عشوائية إنما هي منظمة في علاقات متداخلة ومترابطة31(5).

هذا مفهوم التنظيم الاجتماعي لدى علماء الإنسان، وكذلك فأن علماء الاجتماع ينهجون نهج علماء الإنسان في تعريفهم للتنظيم الاجتماعي، فيعرفونه بأنه مجموعة من الأفراد أو الزمر تقوم بينها شبكة من العلاقات المتبادلة التي تحمل التزامات وحقوقاً وتأثيراً متبادلاً، بحيث يتكون من هذه المجموعة "كل" يضمها جميعاً "آلية" Entity لها صفاتها الخاصة بها، وهي صفات لا

توجد في الافراد أو الزمر الداخلين في تركيبها . وعلى هذا فالمجتمع يمكن أن يعرف بأنه مجموعة من التنظيمات الاجتماعية32(1).

وبناءاً على ذلك يرى تالكون بارسونز T.Parsons بأن جميع الأنظمة الاجتماعية تتميز بطابع التنظيم، أي أن لها تركيباً مكوناً من أجزاء مختلفة تجمعها وحدة الهدف والغرض33(2).

وأيضاً يرى علماء الاجتماع بأن مصطلح "التنظيم الاجتماعي" يشير إلى بناء وعملية في الوقت ذاته، فهو كبناء يقصد به أي نوع مستقر للعلاقات المتبادلة بين الأجزاء المكونة بحيث يشكل كلا له خصائص لا توجد في الاجزاء المستقلة34(3).

أي أن التنظيم الاجتماعي يتميز بخصيصتين أساسيتين : أما الاولى فإن لكل تنظيم اجتماعي بناء Structure يتكون من مجموعة عناصر ومقومات لذلك البناء، تضفي عليه الحيوية والديناميكية والاستمرارية في المجتمع، أما الثانية فهي أن لكل تنظيم اجتماعي مجموعة مهام وأدوار يؤديها لأعضاء التنظيم أولاً وللمجتمع ثانية وهذه يطلق عليها "الوظائف"Functions، وعلى هذا فالأسرة كتنظيم له بناء يتكون من الزوج والزوجة والأبناء، وله وظائف منوطة به كالإنجاب والتنشئة وإشباع الحاجات البايولوجية والاقتصادية.

فالتنظيم الأسري يشتمل على أدوار (Roles) محددة بموجب قيم المجتمع وثقافته فدور الأب محدد سلفاً، ودور الأم محدد أيضاً ويمكن للأب أن يمارس أكثر من دور في الأسرة وخارج الأسرة، فالدور كما يعرفه (تالكت بارسونز)، هو نسق منظم لمشاركات الأفراد في النظام الاجتماعي، تحكمه مرجعية محددة في النسق الاجتماعي إجمالاً35(4). وعلى هذا فالتنظيم الاجتماعي مفهوم واسع يظهر حينما يتأسس نهج واضح يتم من خلاله تنسيق النشاطات الاجتماعية في جماعة معينة لإنجاز أهداف محددة36(5).

ويرى الباحث أن التنظيم الاجتماعي (مجموعة من الوسائل والأساليب والعلاقات الملزمة، التي تنظم شؤون الجماعات البشرية والوحدات الاجتماعية، وهذه التنظيمات لها أهداف ووظائف محددة تسعى إلى تحقيقها، وهي تختلف من مجتمع إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى) .

رابعاً : البناء الاجتماعي : Social Structure

البناء لغة، من الفعل بنى، بنى في الشرف يبنو وعلى هذا تؤول قول الحطيئة , أولئك قوم بنو فأحسنوا البنا والبناء المبني والجمع أبنية وأبنيات , واستعمل في بناء السفن وكأنه إنما سموه بناءاً لانه لما لزم ضرباً واحداً فلم يتغير. وسمي بناء من حيث كان البناء لازماً موظعاً لايزول من مكان الى غيره37(1).

ويشير البناء الاجتماعي مفهوماً الى تنظيم متمايز لنظم اجتماعية متخصصة ومعتمد بعضها على بعض اعتماداً متبادلا وقد تطورت بشكل طبيعي , نتيجة للوقائع الاجتماعية السائدة في المجتمع , ونتيجة لتفاعل انواع الظواهر الاجتماعية بعضها مع بعض.

فالبناء الاجتماعي عبارة عن اتصال تلك النظم الاجتماعية التي تنظم الحياة الاجتماعية من اسرية وتربوية ودينية واقتصادية بعضها مع بعض , واعتماد بعضها على بعض اعتماداً متبادلاً38(2).

ويرى "فورتس: أن البناء الاجتماعي هو ذلك الترتيب المنظم لأجزاء المختلفة التي يتكون منها المجتمع، والمؤسسة، والجماعة، والعملية، والمراكز الاجتماعية، أما (ايفانز برجارد) فيعرفه في كتابه "النوير" هو العلاقات الاجتماعية التي تقع بين الجماعات39(3).

أما رايموند فيرث فيرى أن البناء الاجتماعي، يعني تنظيم وترتيب مصالح الأفراد وسلوكياتهم تجاه بعضهم البعض، وجماعاتهم سوية، نحو أفعال مشتركة، ولهذ فالعلاقات التي تربط بينهم تعبر عن نمط من التخطيط أو التنسيق . فضلاً عن أن البناء الاجتماعي للمجتمع يتضمن مختلف نماذج الجماعات والمؤسسات التي يشكلها ويشترك فيها الناس40(4).

كما يشير البناء الاجتماعي بشكل عام إلى مجموعة العلاقات الاجتماعية التي تربط كل أعضاء المجتمع، لتحقيق أغراض اجتماعية من جهة، كما يشير إلى الروابط الاجتماعية التي تتمثل في سلوك الافراد بعضهم حيال بعض وحيال جماعاتهم الاجتماعية من جهة ثانية، لذا فالبنى نوع من الترتيب المنظم للأجزاء والمكونات، وتحديد واضح لسلوك الأفراد، وفق نظم إجتماعية ضمن شبكة العلاقات الاجتماعية41(1).

في حين يرى قيس النوري، إن البناء الاجتماعي يحوي من النماذج السلوكية ما يكفي لتنظيم أنشطة الافراد، لتحقيق الأهداف المقصودة منها42(2).

لذا فأن البناء يتكون من مجموعة مراكز ومجموعة أدوار وأن شاغل المركز الواحد يؤدي مجموعة أدوار، ولا يؤدي دوراً واحداً، وان مجموعة الادوار هذه تحددها النظم التي تتجسد فيها المراكز الاجتماعية43(3).

أما الباحث فيرى أن البناء الاجتماعي هو اتحاد واندماج المؤسسات البنائية الستة التي يتكون منها البناء الاجتماعي للمجتمع، كالمؤسسة الأسرية والدينية والاقتصادية والتربوية والسياسية والعسكرية، علماً أن هذ1ه المؤسسات في حالة من التكامل والتساند والاعتمادية المتبادلة، فأي تغيير يحصل في أحدها يؤثر على الأخرى .

وفي ختام هذا الفصل لابد لنا أن نقول أن مضامين هذا الفصل قد حددت المفاهيم والمصطلحات الرئيسية التي سوف تشيع في الرسالة وفصولها من أولها إلى آخرها.

Page 6

الفصل الثاني
الدراسات السابقة
أولاً : الدراسات العراقية
ثانياً : الدراسات العربية
ثالثاً : الدراسات الأجنبية
رابعاً : مناقشة الدراسات السابقة
تمهيد
لابد للباحث العلمي من الإطلاع على الدراسات السابقة في مجال بحثه أو ذات العلاقة بموضوع بحثه، لكي يتسنى له معرفة طبيعة تلك الدراسات من حيث اتجاهها ومنطلقاتها ومنهجيتها، وكذلك معرفة نتائجها والقضايا الاساسية فيها . وهذا مايغني البناء المعرفي للباحث أولاً، ويعطيه القدرة على التحليل والتنظير وبالتالي تتوسع وتتضح لديه آفاق الدراسة.
وثانياً أن هذه الدراسات ترسم للباحث المساحات الفكرية والنظرية والعملية التي سوف يهتدي بها في كتابة بحثه، فضاً عن هذا فأنها تكون مصدراً خصباً للمفاهيم والفروض والقضايا الأساسية التي تعد العناصر الأساسية في صياغة التصورات النظرية في علم الاجتماع.
وهذه المفاهيم والقضايا والاستنتاجات الواردة في الدراسات السابقة من شأنها أن تمهد للباحث المسارات العلمية الرصينة في البحث عن الوسائل والأدوات الفعالة للوصول إلى اكتشاف الحقائق والضواهر الاجتماعية.
طالما أن البحث العلمي في ذاته مبني على التراكمية المعرفية التي يسهم بها البحاث، لهذا كان لابد لنا من الاطلاع على الدراسات العلمية ذات العلاقة بموضوعنا.
الدراسات العراقية
أولاً : دراسة عقيل نوري محمد 1994 .
الموسومة بـ " أثر القرآن في الفعل الاجتماعي "44(1)
تعد هذه الدراسة من الدراسات الاجتماعية الميدانية المماثلة لدراستنا فهي تنطوي تحت نطاق "علم الاجتماع الإسلامي"، لأنها ترى أن القرآن الكريم يمثل منهجاً اجتماعيا متكاملاً دينياً ودنيوياً لحياة الفرد والجماعة أو أي مجتمع . أما أهداف الدراسة فهي على النحو الأتي :
1. معرفة اثر القران الكريم في ضبط السلوك الاجتماعي للفرد .
2. كما هدفت الى معرفة مستوى الالتزام الديني لدى الشباب المسلم ممثلة بشريحة من طلبة جامعة بغداد
3. معرفة الكيفية التي يرسم بها القران الكريم الفعل الاجتماعي.
4. كما ان الدراسة تنظر اثر القران كونه مركب من الايات الاجتماعية التي تتعامل مع السلوك والظاهرة الاجتماعية من خلال منهج معين هو المنهج الإلهي الذي يرسم الأطر الهامة للسلوك الانساني.
اما المنهج الذي اتبعته الدراسة فهو منهج البحث الاجتماعي بطرقة العينة، والعينة التي استخدمتها الدراسة هي عينة عشوائية طبقية ذات مراحل متعددة فالباحث قسم مجتمع البحث على قسمين : كليات علمية وكليات إنسانية، واختار من الأولى الطب والصيدلة، ومن الثانية الآداب والتربية، فاعتمد الباحث على قوائم اسماء الطلبة باختيار وحدات العينة بطرقة عشوائية مضبوطة . اما ادات البحث، فكانت عبارة عن استمارة استبيانيه على شكل مقياس يتضمن مجموعة من الفقرات بينما أهم الوسائل الإحصائية التي استخدمها الباحث فهي (تحليل التباين، باستخراج نتائج الفرضيات الأساسية في البحث، ومعامل ارتباط بيرسن، واختبار(كا2)، فضلاً عن استخدام النسب المئوية والأوساط الحسابية والانحرافات المعيارية .
ولقد أبرزت الدراسة اثر نضم العبادات والمعاملات في توجيه سلوك الافراد وضبطه، وذلك لان القران قد حدد طبيعة العلاقة ما بين العبد وربه "عبادة" وبين افراد المجتمع انفسهم"معاملة" وجاء ذلك في نظم العبادات "كالصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، وقرآة القران " . حيث بين طبيعة الوظائف الاجتماعية التي تؤديها هذه الفروض .
بينما في جانب "المعاملات"، قد أبرزت الدراسة، أن المعاملات تشمل كل جوانب الحياة الأسرية والدينية والاقتصادية والسياسية والقانونية، وأسهب الباحث في عرض كل جانب من هذه الجوانب من حيث البناء والوظيفة والأهداف التي يؤديها في المجتمع.
اما اهم النتائج التي توصلت اليها الدراسة فيمكن إجمالها بما يأتي :
إن التنظيم الاجتماعي الإسلامي يتكون من اجزاء متساندة ومتكاملة، وتحتوي هذه الأجزاء على الأدوار الوظيفية التي تهئ للفاعل المسلم فرداً او جماعة النماذج السلوكية المرغوب فيها .
ان الالتزام الديني العام لدى طلبة جامعة بغداد هو التزام متوسط.
لا توجد فروق معنوية بين المبحوثين في الالتزام الديني، استناداً لمتغيرات "الجنس، المرحلة الدراسية، الانحدار العائلي " .
توجد فروق معنوية بين المبحوثين في الالتزام الديني بالاستناد الى المناطق السكنية في كونها دينية او غير دينية45(1).
 

Page 7

ثانياً : دراسة صبيح علي عيد الحسين 1996

الموسومة بـ "دور التنظيم الاجتماعي في بناء المجتمع "46(2)

تعد هذه الدراسة من الدراسات المقاربة لدراستنا في طبيعتها وموضوعاتها وأهدافها، فهي دراسة ميدانية تحليلية أجريت في مدينة بغداد لمعرفة دور التنظيم الاجتماعي في بناء المجتمع، ومعرفة ماهية العلاقات الاجتماعية السائدة في نظم ومؤسسات المجتمع، طالما ان المجتمع مجموعة جماعات او مؤسسات مترابطة بعضها ببعض وتتأثر بالعلاقات الاجتماعية التي تربط الافراد بالتنظيم او المؤسسات التي يتكون منها البناء الاجتماعي.

كما هدفت الدراسة من ناحية اخرى الى معرفة ماهية الإشكاليات التي تعاني منها العلاقات الاجتماعية في المؤسسات التي ركزت عليها الدراسة، كالمؤسسة الأسرية والمؤسسة التربوية، والمؤسسة الاقتصادية، فضلاً عن قيام هذه الدراسة بمحاولة الجمع والتوفيق واقعياً بين الثنائيات المتطرفة والوصول الى علاقات انسانية سليمة ترفض التطرف والتعصب لكي تحقق علاقات متوازنة يمكن ان تهم في تنمية المؤسسات وتنظيمها على نحو هادف وبناء.

وتنقسم هذه الدراسة على قسمين أساسين : القسم الاول :

ويحتوي على الدراسة النظرية والذي يشتمل على أربعة فصول مترابطة ومتكاملة، فقد اشتمل الفصل الأول على تعريف المفاهيم بينما اشتمل الثاني على أهم الدراسات السابقة والمماثلة لذات الدراسة، كما تناول الفصل الثالث، أساسيات التنظيم الاجتماعي وتضمن الخلفية التاريخية للنظام الاجتماعي والابعاد البنائية للتنظيم ونظريات التنظيم وأقسامه، في حين تضمن الفصل الرابع على تقنيات تحليل المجتمع والنظم الاجتماعية الى عناصرها الاولية وهي تحليل البناء الاجتماعي وتحليل المؤسسات الاجتماعية وتحليل الادوار والعلاقات وتحليل الحقوق والواجبات وتحليل الشخصية.

اما القسم الثاني من الدراسة فاشتمل على الجانب الميداني والذي جاء بخمسة فصول متكاملة، فقد تضمن الفصل الخامس على الاطار النظري والمنهجي وتحديد الفرضيات، كما استعان الباحث بمجموعة من المناهج الاجتماعية، منها المنهاج المقارن، ومنهاج المسح الاجتماعي، كما استخدم الباحث الطرق والمقاييس الاحصائية لاثبات مصداقية الفرضيات التي تبنتها الدراسة.

اما عينة الدراسة فقد استخدم العينة العشوائية الطبقية والتي اشتملت على 21. وحدات من مجتمع البحث الذي دار في المؤسسات الأسرية والتربوية والاقتصادية وبواقع 7. وحدة لكل مؤسسة اما أهم نتائج الدراسة فهي ما يأتي :47(1)

كلما كان المجتمع منظماً كان أكثر قدرة على التقدم والتطور.
إن لكل تنظيم اجتماعي ايديولوجية أو فلسفة معينة يؤمن بها.
إن المؤسسات الاجتماعية هي أجهزة يكمل بعضها البعض ولا يمكن لأحدها العمل بدون الأخرى مهما امتلكت من قدرات وامكانات.
كلما كانت العلاقات متفاعلة وبناءة كلما كان التنظيم فعالاً وقادراً على النهوض بمهامه وأهدافه.
التنظيم هو بناء ديناميكي متفاعل الأجزاء، وهو مجال سلوكي له علاقاته المتبادلة، والتي تتساند وتتوازن وتتكامل بعضها مع بعض.
إن المجتمع السليم في التنظيم السليم.

Page 8

الدراسات العربية

أولاً : دراسة الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور48(1)

الموسومة بـ "أصول النظام الاجتماعي في الاسلام" 1964 .

كان الهدف الاساسي من هذه الدراسة هو البحث عن روح الاسلام وحقيقته ودوره في نشأت المجتمع والحضارة الانسانية، واثر ذلك على حياة المسلم وسلوكه في الحياة الاجتماعية. قاصداً المقارنة بين ماضي الامة حينما كانت تتمسك بتعاليم الدين وأسسه وبين ماهم عليه من تفسخ وانحلال اخلاقي لابتعادهم عن روح الدين وتعاليمه.

انطلق الاستاذ الطاهر بن عاشور من أهمية الدين في الحياة الاجتماعية، مؤكدا على الوظيفة الاجتماعية للدين، لانه كما يرى "ان الدين مجموعة من التعاليم اراد شارعها ان تكون عادة وخلقاً لطائفة من الناس، تبعث فيهم الفضائل والأخلاق الكريمة "فأن هدف الدين يتجلى في اصلاح القوم الذين ظهر فيهم.

فاقتضت الإرادة الالهية ان يكون هذا الدين دولة، لان التشريع يتطلب تنفيذ قوانينه . وفي قوله تعالى ان الدين عند الله الاسلام / آل عمران : 19 . فيه إقرار رباني للإنسانية كافة بان يكون منهجاً وعقيدة، فالله هو الذي سماه الاسلام، هو الذي شرح حقيقته شرحاً جامعاً شاملاً كما ورد في الاية الانفة، فالدين الاسلامي يشتمل على عقائد وتشريعات الهية.وهو كما يرى ان جميع اصول الاسلام وعقائده تنبعث من الفطرة، لان الله جعل الاسلام دين الفطرة، أي انه اراد ان يجعل دينه عاماً لسائر البشر . ومصداق ذلك قوله تعالى فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها / الروم : 3.

فالنظام الاجتماعي في الاسلام بني على الفطرة لانه دين التوسط والاعتدال، وكون التوسط من خصائص الاسلام فذلك ثابت بدلائل كثيرة عند الموازنة بين الاحكام والاشياء في الاسلام واحكام نظائرها في الشرائع السابقة ويتجلى ذلك في قوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطاً / البقرة : 143 . لذلك جاءت تشريعات الاسلام ونظمه الخاصة والعامة مساوقة لهذا الوصف.

ويستدرج الاستاذ الطاهر بن عاشور ليبين في دراسته بان الاسلام قد وضع اصول "الاعتقادات، والعبادات، والمعاملات، والمعارف" وشرع للعبادات أفعالاً وأقوالاً تزكي الانفس وتروضها

على التنزه والاكتمال .

كالصلاة وما فيها من اقوال وافعال، وكذا الصوم والزكاة والحج والصدقات. فهذه تمثل العناصر والأركان الأساسية للدين الاسلامي.

وتنقسم الدراسات عنده على قسمين اساسيين : أما الاول :

فيبحث في "أصول إصلاح الفرد" الذي منه يتكون المجتمع، اما الثاني فيبحث عن "أصول اصلاح المجتمع" من حيث ان المجتمع كل متكون من مجموع أجزائه، وهنا يقترب الباحث من الاتجاهات السوسيولوجية في دراسة البنى الاجتماعية والوحدات الاجتماعية، التي تبدأ اما بدراسة الفرد لفهم المجتمع، واما ان تبدأ بدراسة الكـل "المجتمع" لفهم اجزائه وأنساقه الفرعية وتظهر نزعة الباحث على المستوى الاول "إصلاح الفرد" بإصلاحه وتهذيب جميع خصائله، وبعد ذلك الاهتمام في إصلاح أعماله أي اصلاح الاعتقاد واصلاح التفكير، واكد الباحث على اهمية الوازع النفساني، الذي يتعلق بجهاد النفس وإصلاحها من دواعي الفساد والانحراف.

واما على المستوى الثاني "أصول إصلاح المجتمع" فقد بين الباحث فيه إن الاصلاح الاجتماعي هو الهدف الأسمى في الإسلام، ويكمن ذلك في إيجاد المجتمع الإسلامي المنظم عن طريق تكوين "الجماعة الإسلامية" القائمة على الاخوة الاسلامية. كما يقررها الله سبحانه وتعالى في قوله : إنما المؤمنين اخوة / الحجرات : 1. وكما ورد في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم "المسلم اخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره بحسب أمرء من الشر أن يحقر أخاه المسلم"49(1) وفي قوله صلى الله عليه وسلم "لا يؤمن احدكم حتى يحب لاخيه ما يحب لنفسه"50(2) وحسب قاعدة الاخوة هذه كما يرى الباحث يتسنى للمسلمين التعارف والتواصل والاتحاد على اختلاف الأمم الداخلة في الإسلام وجعلهم أمة واحدة.

وكما يرى الباحث ان اعظم ما بناه الاسلام دعوته الى مكارم الأخلاق وتهذيبها إذ يعنى الإسلام بتربية النفس وتنشئتها على الهدى والنصح والارشاد في علاقاتها ومعاملتها الاجتماعية ويتم كل ذلك وفقاً لنظام التربية الاسلامية، القائم على ترسيخ كل عناصر الاخلاق ومكارمها في شخصية النشئ الجديد، كالعدالة والمروءة والمواساة والإيثار والصدق والامانة وهذه تعد أهم القيم الاجتماعية التي تؤكد عليها التربية الاسلامية وهذه العناصر كما يرى الباحث تحكم سلوك الافراد والجماعات الاجتماعية في المجتمع طبقاً لتعاليم الدين الاسلامي51(3).

Page 9

ثانياً : دراسة الشيخ محمد أبو زهرة، 1965 .

الموسومة بـ تنظيم الإسلام للمجتمع "52(1)

ان دراسة ابي زهرة هي دراسة دينية اجتماعية تحليلية يتعرض فيها الى اهم الدعائم والركائز التي يقوم عليها المجتمع الاسلامي، من خلال القيم والقواعد التي اقرها الإسلام لبناء المجتمع وتنظيمه، اما اهداف دراسته فكانت تتجلى في معرفة مصادر التنظيم الاجتماعي في الاسلام، ومعرفة ماهية الأسس والقواعد التي تقوم عليها النظم الاجتماعية كالأسرة والمجتمع المحلي والمجتمع الانساني في ظل الاسلام.

فضلاً عن تفصيل القول في أنظمة الزواج والمواريث والتربية الإسلامية وكذلك معرفة ماهية الاسس التي يبنى عليها نظام العلاقات الاجتماعية ونظام المعاملات المادية في الاسلام. فهو يرى في دراسته إن المصادر الاساسية للتنظيم الاجتماعي الاسلامي هي مصادر دينية بالدرجة الأساس، لأن الاسلام دين ودولة، فهو دين ينظم علاقة العبد بربه من جهة، وينظم علاقات الأفراد فيما بينهم من جهة أخرى، فالمصادر تنقسم الى قسمين. أولاً النصوص الدينية هي القرآن الكريم والذي نزل بحروفه ومعانيه على النبي صلى الله عليه وسلم وثانياً أقوال النبي صلى الله عليه وسلم التي تكون بياناً للاحكام الاسلامية وتوضيحاً وشرحاً للقرآن الكريم وهذه المصادر هي التي نضمت شؤون المجتمع كافة سواء من النواحي الاجتماعية أو المادية . وتبرز النزعة الاجتماعية التحليلية في دراسة الشيخ ابي زهرة عندما يتحدث عن بناء النظم الاجتماعية في الإسلام، فهو يبدا بالتنظيم الاسري ويرى أن الشريعة نظمت بنصوصها مجتمع الأسرة من حيث العلاقة بين الزوجين وعلاقة الآباء بالأبناء وربطت ما بين الأقارب، وفصلت الحقوق والواجبات لكل واحد تجاه أقاربه وغيرهم وجعلت اساس الحقوق والواجبات في الاسرة المودة والرحمة والتواصل وبينت إذا ما فقدت الرحمة أو المودة تقطعت أوصال الاسرة.

أما بالنسبة للمجتمع الصغير "المجتمع المحلي"فقد تعرضت النصوص لتنظيم المجتمعات الصغيرة، فنظمت فيها العلاقة بين الجيران والخلطاء في مصلحة واحدة مشتركة، وذكرت أن التعاون أساس الروابط الموثقة بين أعضاء هذه المجتمعات. أما فيما يخص المجتمع الإنساني فيرى ابو زهرة إن النصوص الغسلامية قد نظمت العلاقة بين بني الإنسان بعضهم مع بعض وعلاقات الدولة الاسلامية على اساس تكريم الانسان، لمجرد انه انسان لا فرق بين لون ولون، وجنس وجنس، وغني وفقير . ولقد فصلت الشريعة ما فصلت من حقوق وواجبات بين الآحاد بعضهم مع بعض، وبين الاسرة التي تعد اللبنة الأولى في البناء، ثم في المجتمعات الصغرى والكبرى، حتى تظمنت التنظيم الاجتماعي للأسرة الإنسانية كلها، في مثل قوله تعالى ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله اتقاكم / الحجرات : 13 وفي مكان آخر يوضح ابو زهرة اهم الاهداف الاجتماعية في الشريعة، فهو يرى بأن للشريعة الإسلامية أهدافاً لابد ان تتحقق في كل مجتمع ولو بين الآحاد بعضهم مع بعض، إذا جمعتهم بيئة، ولو كانوا جوارا في سفر أو جلوساً في مركب أو اجتماعاً في مسجد لأو لقاءاً عابراً لا استقرار فيه . كما نتحقق هذه الاهداف في المجتمعات المستقرة كالاسرة والمجتمع المحلي والمجتمع الكبير في الامة الواحدة. وان الشريعة تتجه في كل احكامها الى تحقيق هذه الاهداف الاجتماعية وهي المقاصد العليا للشريعة الاسلامية، فقد جاء الاسلام الحنيف ليشكل مجتمع فاضلاً يضم الانسانية جمعاء، وابتدأ فاتجه الى تربية المسلم ليكون عضواً صالحاً في المجتمع، فالعبادات لاسلامية والفضائل التي دعا اليها الاسلام تتجه نحو تحقيق هذه الاهداف وتوجيه اليها فالعبادات شرعت اتهذيب النفوس وتنمية روح المساواة وروح الاجتماع الذي لا اعتداء فيه، وإذا كانت العبادة لا تحقق ذلك فهي ليست عبادة ولا يقبلها الله.

وكذلك اسهب أبو زهرة في توضيح العلاقات الاجتماعية في المجتمع وعدها الأساس الأول لبناء المجتمع والتي تنبثق من الأخلاق الفاضلة التي يعمل الإسلام على تنميتها وتربيتها في العبادات والمعاملات. فالمجتمع الذي ينظمه الإسلام يحكم بقواعد عامة، وهذه القواعد تبدو في الاسرة وفي المجتمعات وفي الدولة وفي العلاقات الإنسانية بين الناس مهما اختلفت الوانهم وأجناسهم وأديانهم، وهذه القواعد تتلخص في المحافضة على الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية بكل صورها، والتعاون العام والمودة والرحمة بالإنسانية، والمصلحة ورفع الفساد عن هذه الارض.

كما تحدث أبو زهرة عن النظام التربوي في الاسلام وبين أهم ركائزه وعناصره. فهو يقرر بأن التربية الإسلامية تستند الى عناصر أربعة :

أولها ـــ تهذيب النفس، وتربية الوجدان، وتقويم اللسان.
وثانيهما ـــ تمكين كل عامل من ان يعمل بمقدار طاقته، وانتفاع الجماعة من كل الكفايات وتسهيل ذلك.
وثالثهما ـــ الانتخاب الطبيعي، وإشراف الجماعة على توجيه القوى المختلفة للعمل.
ورابعهما ـــ التربية العسكرية العامة، بحيث يكون كل مسلم مجاهداً مقاتلاً إذا طلب للميدان.
هذه عناصر التربية الإسلامية، وهي تسير بالناشئة الى غاية التدرج والاعتماد على أدوار السن في كشف المواهب والخواص التي تؤهل كل واحد لما يستطيع. ويمكن تلخيص أهم ما توصل إليه أبو زهرة بما يأتي :

إن الإسلام نظام اجتماعي عام وشامل للبشرية جمعاء لم يترك صغيرة ولا كبيرة من أمور الدين إلا فصلها تفصيلاً دقيقاً، فقد أرسى الدعائم التي ينهض عليها نظام الاسرة ونظام الزواج، وفصل في حقوق الزوجين وحقوق الأبناء وحقوق الأقارب، ولا سيما ما يتعلق منها بنظام المواريث فقد بين أسس هذا النظام وبين اركانه وعناصره وانصبته ومستحقيه من الاصول والفروع ضمن الاسرة ودائرة القرابة للموروث.

كما أوضح طبيعة التكافل الاجتماعي للإسلام، وبين ان الاسلام ينظر الى المجتمع على انه كيان متوازن متواصل الرحم، فالأسرة ترتبط بالمودة والرحمة. وقد بين القران الكريم بأن الناس أمة واحدة على اختلاف الوانهم واجناسهم. تجمعهم وتوحدهم أسباب العدالة الاجتماعية التي تعد من أهم الأسس التي يرتكز عليها المجتمع الاسلامي.

ثالثاً : دراسة الدكتور نبي السمالوطي، 1985 .

الموسومة بـ "الأسس البنائية للتنظيم الاجتماعي في الاسلام"53(1)

وردت هذه في كتابه "المنهج الاسلامي في دراسة المجتمع" وقد افرد لها فصلاص خاصاً، يبحث فيه عن ماهية الأسس البنائية التي يستند عليها التنظيم الاجتماعي في الاسلام، فهي دراسة اجتماعية تحليلية لمعرفة أهم المبادئ والاسس التي يرسمها الاسلام لبناء المجتمع ونظمه.

فقد بدأ دراسته بالقول "وتتضمن الشريعة الاسلامية التي تستند على كتاب الله الكريم وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوى المبادئ والأسس التي تنظم العلاقات الاجتماعية بين الناس بعضهم ببعض، وبينهم وبين خالقهم، ولعل القيمة الكبرى للتنظيم الاسلامي أنه لا يقتصر على التنظيم الخارجي ولكنه يعتمد على الالتزام الداخلي الذي ينعكس على الاعال ويوجه السلوك الخارجي للانسان"54(2)

ويؤكد الاستاذ السمالوطي على معيار التقوى أساس في بناء المجتمع فالتقوى أساس الايمان لأن تقوى الله هي الأساس الأول في ضبط علاقات الانسان داخل مختلف الجماعات الاجتماعية Social groups التي ينتمي اليها مثل جماعة الاسرة وجماعة العمل وجماعة الاصدقاء وداخل المجتنمع المحلي Community والمجتمع العام، كما تضبط علاقاته بالله سبحانه وتعالى،

وتضبط سلوكه وتجعله فاعلاً ملتزماً بالداخل وليس مجرد رد فعل للمثيرات الخارجية فحسب ويقول تبارك وتعالى يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته / آل عمران : 1.2 وقال تعالى : فاتقوا الله ما استطعتم /التغابن : 16 وقال تعالى يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً / الأحزاب : 7. .

وكذلك ورد في الحديث الشريف تأكيد على معيار التقوى. عن ابن مسعود ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول "اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى"55(1) ويستدرج السمالوطي في دراسته ويرى ان الشريعة الاسلامية تضمنت كل ما ينفع الانسان في حياته وبعد موته ويكفل قيام مجتمع صالح، فالاسلام أقام مجتمعاً فاضلاً في عهد النبوة، وعهد الخلفاء الراشدين، لأنه ينظم شؤون الانسان في دنياه وفي علاقاته الأسرية وعلاقاته الاقتصادية، السياسية وبالآخرين وينظمها مع ربه.

إن الاسلام يتوخى تحقيق مجتمع فاضل غير مغرق في المثالية غير القابلة للتحقيق، بل أنها تجمع بين السمو الروحي والاشباع الانساني من غير تطرف. ويتم ذلك عن طريق نظام العبادات ونظام المعاملات التي أقرها الاسلام، واللذان يهدفان الى تهذيب سلوك الانسان وتقويمه وترويض نفسه وشخصيته.

كما بين أسس العلاقات الاجتماعية الصالحة الكفيلة لقيام المجتمع الصالح، فهو يؤكد على العدل واجتناب الظلم في أية علاقة اجتماعية سواء بين الافراد أم بين أولياء الأمور وعامة الناس ويتجلى ذلك في قوله تعالى : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وإلى الأمر منكم / النساء : 59 وعن ابن عمر صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم" على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره ألا أن يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " (متفق عليه).

ومن هذه الأسس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الناس التناصح فيما بينهم وترشيد بعضهم لبعض بما يتفق مع الشريعة السلامية حتى يستقم الناس في أجسادهم ونفوسهم وعقولهم وعلاقاتهم في جميع المجالات.

وكذلك من دعائم العلاقات الاجتماعية هو التخلق بالأخلاق الإسلامية والتي تقتضي من المسلم الإخلاص والتوبة النصوحة والاستغفار والصبر والصدق ومراقبة ربه في كل أعماله وعلاقاته.

ولقد أسهبت الدراسة أيضاً في عرض الأسس والمبادئ التي تقوم عليها التربية الاسلامية الصحيحة تلك التربية التي تستهدف الحفاظ على الفطرة النقية فكما ورد في الحديث الشريف "كل

مولود يولد على الفطرة فأبواه ينصرانه أو يهودانه أو يمجسانه"56(1)

فهو يوجز أهم خصائص التربية الإسلامية بما يأتي :57(2)

التربية الإسلامية تربية تكاملية.
التربية الإسلامية تربية متوازنة.
التربية الإسلامية تربية سلوكية وعملية.
التربية الإسلامية تربية تجمع بين الفردية والجماعية.
التربية الإسلامية تربية ترتكز على تقوية جانب المراقبة لله.
وأن هذه الأسس والمبادئ المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله باعتبارهما المصدرين الأساسيين في التشريع الإسلامي . وخلاصة القول فالشريعة الإسلامية تكفلت بتقديم بناء متكامل للنظم الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والسياسية والدينية، هذه النظم التي تحق النمو الروحي والعقلي والأخلاقي والاجتماعي لبناء المجتمع الإسلامي.

Page 10

الدراسات الأجنبية

أولا : دراسة المستشرق هاملتون جب 1959 .

الموسومة ب "بنية الفكر الديني في الإسلام"58(1)

بدأ الباحث دراسته بإعطاء صورة عن المنهج العلمي في دراسة الدين "فهو يرى انه يمكن أن يدرس بنزعتين :

إما بالنزعة الاعتقادية او بالنزعة العلمية التاريخية , ويبدو ان الباحث تبنى هاتين النزعتين , حيث يفرد لهما جانباً مهماً في مقدمة دراسته .

أما أهداف الدراسة عنده فتحدد بمعرفة ماهية الدين الإسلامي , ومعرفة ماهية الأسس والقواعد التي يستند اليها التفكير الديني في الإسلام وبتعبير ادق معرفة آلية التفكير لدى الفرد المسلم , فضلاً عن كشف الخصائص الحيوية التي تميز الدين الإسلامي كنظام رباني سماوي .

والمحاور التي يناقشها في هذه الدراسة عن بنية الفكر الديني في الإسلام _يتناول فيها تحليل المواقف الدينية الإسلامية والمنابع التي منها تستمد المفاهيم التي تحدد تفكير المسلمين بوجه عام , في موضوع الإله , وفي كيفية تصورهم للعلاقات الماثلة بين العالم اللامرئي والعالم المرئي , فالتفكير الاجتماعي في الإسلام يتميز بتفاعل هذه الأفكار وصياغتها صياغة عقلانية منطقية .

فهو يرى أن مصادر التفكير الديني في الإسلام تكمن في العناصر الاتية :

1. المواقف والعقائد الاولية التي رسبت في الامة الإسلامية .

2. تعاليم القرأن واثارها والسنة الموضحة لها .

3. دور العقائديين في ترسيخ الإيمان والأخلاق في الإسلام.

4. ومن الجماعات الصوفية .

ويذهب الباحث "جب" إلى تحليل الشريعة الإسلامية وتبيان اسسها وقواعدها التي تنظم المجتمع الإسلامي فهو يرى بأن القرأن قد رسم قواعد جدا مفصلة في ميدان المؤسسات الاجتماعية الرئيسية مثل الزواج والقرابة والإرث والنظم الإقتصادية والحربية ويقول لما كانت تعاليم القرآن غير وافية لجميع المشكلات التي ظهرت في حياة الأمة الإسلامية , لذلك كانت الحاجة تدعو الى الرجوع الى المصدر الأخر في الإسلام وهو الحديث .

فالواجبات التي تنادي بها الشريعة الإسلامية تنقسم على قسمين , أولهما الواجبات نحو الله "وهي ما يتعلق بالفروض الدينية "وثانيهما الواجبات نحو الناس "المعاملات".

وكما يرى الباحث أن النظام الأخلاقي في الإسلام يتحدد بعد فحص كل حالة على إنفراد وفق سلم خماسي يبين طبيعة القيم الأخلاقية والدينية وهي كالاتي : "الفروض ,المستحبات , المباحات , المكروهات , المحرمات ".

وبناءاً على ذلك تصبح الشريعة الإسلامية في نظر المسلم هي " الدستور " الذي ينظم حياته , بل أكثر من ذلك فهي ترسم للمؤسسات الاجتماعية الأسس والقواعد التي بقيت الى يومنا هذا تمثل حجر الزاوية في الثقافة الإسلامية59(1).

ثانياً :دراسة "موريس غودفروي ديمومبين "

الموسومة بـ "النظم الإسلامية "60(1)

تتسم هذه الدراسة بالطابع الوصفي التحليلي للنظم الاساسية في الإسلام , ويمكن تصنيفها في حقل "التأريخ الاجتماعي " ذلك الحقل الذي يهتم بالجذر الاجتماعي التأريخي لنشأة النظم وصيرورتها . أما أهداف هذه الدراسة فكانت تسعى للوقوف على طبيعة النظم الاجتماعية في المجتمع الإسلامي , ومعرفة أبعادها ونشأتها وتطورها ,كما هدفت الدراسة إلى معرفة ماهية الوظائف التي تقدمها هذه النظم في المجتمع الإسلامي .

أما طبيعة الدراسة فتتقسم إلى أربعة عشر فصلاً يكمل بعضها البعض الأخر ,فأما الأول فكان وصفاً لطبيعة الحكم في الإسلام , وأما الثاني فكان يبحث في طبيعة الجماعة الإسلامية من حيث النشأة والتكوين ,كما عرض في الثالث منها طبيعة الحركة الفكرية في الإسلام .

كما تضمن الفصل الرابع توضيحاً لأصول العقيدة الإسلامية تلك العقيدة التي تستمد تعاليمها من القرآن والسنة , بينما تضمن الفصل الخامس , وصفاً لإصول الشريعة الإسلامية , المستمدة من القرآن , والسنة , والاجماع , والقياس , ومذاهب السنة .

أما السادس فكان تحليلاً لطبيعة الفرائض وأنواعها في الإسلام , بدأ من الشهادة , والصلاة , والحج , والزكاة , أما في السابع فقد تحدث عن الخلافة ونظمها , أما في فصلها الثامن , فبينت الدراسة أصول النظام الأسري في الإسلام ومقوماته وعناصره , كالزواج والطلاق والمراسيم التعلقة بهما ,فهو يرى بأن الأسرة الإسلامية لا زالت أسرة أبوية يحتفظ رئيسها بسلطة على زوجاته وأبنائه وأحفاده .

وفصل القول في نظام الزواج وطبيعته في المجتمع الإسلامي , فبين أن القرآن أقر نظام تعدد الزوجات وحدده باربع زوجات , وبين شرائطه وأسبابه .

كما تناولت الدراسة في فصلها التاسع نظام الأملاك والوصايا فيذهب الباحث بالقول إلى أن القرآن قد ثبت أحكام الإرث الذي يؤلف فصلاً هاماً في الفقه الإسلامي وقد حدد القرآن قواعد الميراث وسبيل توزيع التركات على مستحقيها61(2).

ويمكن إجمال أهم نتائج الدراسة بما يأتي :

1.أن الإسلام نظم نظام الحكم وبين طبيعته وأدواره .

2. أنه نظم جوانب الحياة الاجتماعية كافة بدءاً بالفرد والجماعة والأسرة والأمة ككل .

3.نظم جوانب الحياة الاقتصادية , من المعاملات , والحرف والمهن , والإعمال الزراعية والتجارية والإنتاجية .

4. كما بينت الدراسة طبيعة التربية والتعليم الإسلامي سواء في البيت أم المدرسة أم الكتاتيب .

5. أما تصورات الدراسة المستقبلية , فإنه يرى أنه لا يمكن خضوع الجماعة الإسلامية في ظل الظروف الحالية إلى خليفة واحد .

6. إن الحضارة الإسلامية لا تتلاءم مع الحضارات الأجنبية .

7. إن للدين سلطة كبيرة على المجتمع منوطة بتطوره اجتماعياً وثقافياً.