eKtab
EN ع
التوأم المفقود
Read free sample

التوأم المفقود

by سليم مطر

Page 1
المخاض
 
حتى الآن لا أدري كيف بدأت حكايتي· بعض من سردتها لهم لم يصدقوني واعتبروني واهماً· إني أتفهم موقفهم هذا، لأني أنا ذاتي اشك بذاتي وبصحة الأحداث التي مرت بي· لكني رغم ذلك أدرك جيداً في قرارة نفسي أني قد عشت فعلاً تلك الأحداث ولا زالت آثارها على بدني وفي روحي·
 
إني في الحقيقة منذ زمن متردد بالكشف عن هذه الحكاية· لو تعلق الأمر بي وحدي لما تراجعت عن كتماني وتركها طي النسيان· لكن المشكلة أن الأمر يتعلق بإنسان آخر هو شيخي وشفيعي( توما الحكيم)، إذ ما كف ضميري عن تعذيبي لأني تباطأت عن ابلاغ رسالته لكم·
 
مهما بدت الكثير من وقائع حكايتي غرائبية، فإن تجربتي الطويلة مع شيخي الحكيم لا يمكن أن أشك بصحتها أبداً· ليس من المعقول أن أكون توهمت ذلك الزاهد العجيب الذي أمضيت معه حقبة طويلة في صومعته في بادية الشام· هو الذي كشف لي الكثير من أسرار الواقع والتاريخ، ومنها سر(سيدة القارورة) التي أمضيت معها شطراً من حياتي حاشداً بالمغامرات العجاب· (توما الحكيم) هو الذي علمني من الحكمة والمعرفة ما جعل حياتي تتغير بأكملها· بفضله وحده أستطيع الآن أن أمتلك إرادة التشبث بالحياة وأن أسرد لكم حكاية ترحالي العجيب في عوالم الوجد والفقدان خارج حدود الزمان والمكان، بحثاً عن توأمي المجهول·
 
بدأت حكايتي منذ سنوات، بالضبط في شتاء عام 1991، عندما كنت نائما وحدي في شقتنا في جنيف· كان نومي قلقاً بعد أن أمضيت المساء في مستشفى الولادة مع زوجتي (مارلين) وهي تعيش المخاض بإنتظار وليدنا الأول· لا أدري كم انقضت من الساعات حينما استيقظت فزعاً على رنين الهاتف· لم يتسن لي حتى أن أضيء المصباح· قفزت مرتعبا متلهفا وتعثرت بالسلك وسقطت أرضاً· رفعت السماعة وأنا على يقين أنه المستشفى· وسط ظلام وبرد ثلجي متسلل عبر نافذة نسيتها مفتوحة، سمعت استغاثة أرعبتني وجمدت دمي· كان صوتاً مخنوقاً صارخاً:
 
ـ غريب إلحقني يا أخي تعال·· أرجوك أنقذني من الضياع والموت·· أنا أخوك يا غريب·· أنا توأمك أرجوك خلصني أرجوك··
 
لم استوعب في البدء معنى الكلام· احتجت لا أعرف إلى كم من الوقت لكي أدرك أن الأمر لا يتعلق بزوجتي، بل بشخص آخر لم أكن انتظره أبداً!
 
كان صوتاً عجيباً· رغم إلفته فأنه بدى غريباً· فيه وحشة استغاثة وموجات صدى كأنه يأتي من أعماق بئر عميق· عن أي توأم يكلمني؟ لم أعرف أبدا أن لي توأماً· صحيح أن لي العديد من الإخوة والأخوات، لكن ليس فيهم أي توأم·
 
الحقيقة أن فكرة التوأم هذه ليست منقطعة الجذور تماماً· أنا منذ أن وعيت الحياة يتملكني إحساس مبهم بأن لي نصفاً آخر ينتظرني في مكان ما على الارض·· إحساس لا أدري كيف أصفه، اشبه بمن ينتظر لقاء إنسان عزيز· إنسان أراه في الخيال ولا يفصلني عنه غير جدار من الأثير· إنسان يشبهني تماماً، ليس في الشكل، بل خصوصاً بالشخصية والميول والأفكار حتى أننا يمكن أن نتفاهم مع بعضنا في كل شيء· لقد أمضيت حياتي وأنا أحس بتوأمي هذا يراقبني ويحاورني ويتفهمني ويتعاطف معي، بل حتى يوحي لي بالكثير من الأفكار والحلول·
 
منذ طفولتي تملكني إحساس بغربتي عن اهلي ومجتمعي وحاجتي لإنسان مثلي يشاركني توحدي· كنت ممسوساً بفكرة خرافية بأني في حقيقتي كائن هابط من سماء أو كوكب بعيد، ولابد أن يأتي اليوم القريب الذي ستبزغ فيه طاقتي الجبارة لأنتقم لحياتي من إذلالها وفقرها وأساعد الضعفاء على الخلاص من ظلم الأقوياء·
 
يقول شيخي الحكيم إن لدى جميع البشر ثنائية في شخصيتهم الواحدة وانقساماً بين ميول مختلفة متناقضة: أنوثة وذكورة، حسية وروحانية، عقلانية وعبثية، واقعية وخيالية·· الخ· لكن هذه الثنائية تختلف درجتها وحدتها بين شخص وآخر· عادة ينجح أغلب الناس بفرض شخصية واحدة على ذاته لتسيطر تماماً على الشخصية الثانية التي تبقى مكبوتة ومنسية· هنالك أقلية تعاني من تقارب وتوازن بقوة الشخصيتين إلى حد صعوبة التوفيق بين الطرفين والتقلب الدائم بينهما· قد تبلغ هذه الحالة من الحدة بحيث أنها تتحول الى أزمة تفجر صراعا بين الشخصيتين حتى بلوغ ما يسمى بجنون الانفصام (الشيزوفرنيا)·
 
لسوء الحظ انا مثل الكثير من أبناء بلادي· بسبب حدة ميراثنا التاريخي والشخصي، نشبه تلك الأقلية ذات الشخصية اللنفصامية المتوترة· أنا بحاجة لهذا التوأم لكي يتضامن معي ليس بمواجهة الآخرين فقط، بل خصوصاً بمواجهة نفسي· أن يعين نفسي على نفسي ويكون حكما في الصراع المحتدم بين أقوام ذاتي·
Page 2
هنا في جنيف بدأت أنسى توأمي مع اندماجي بالحياة وانسلاخي عن ماضيّ الشاحب· رغم ذلك بقيت على اتصال سري متقطع بهذا التوأم الذي ظل يأتيني في أحلامي· سبق لي قبل ذلك، من أجل إرضاء فضولي، أن اتصلت بأختي وطلبت منها أن تبحث مع أمي وإخوتي الكبار إن كانوا يعرفون شيئاً عن ظروف ميلادي· ربما كان لي توأم وإنفصل عني في ظروف غامضة· أنا كما تعرفون مثل الكثير من العراقيين أجهل تاريخ ميلادي الحقيقي· كما يقال، أنا من جيل(1ـ7)· أي من أولئك الذين شملتهم رحمة الحكومة عندما قررت أوائل الستينات توحيد تواريخ ميلاد جميع العراقيين في يوم واحد هو الأول من تموز باعتباره وسط السنة· شاء القدر أن يكون يوم شؤم تاريخي، لأنه نفس يوم موت (تموز) إله الخصب والحياة·
 
كم تقت هنا في أوربا لمعرفة يوم ميلادي الحقيقي من أجل معرفة برجي· المعلومة الوحيدة التي عرفتها من أهلي بأني قد ولدت في أوائل ربيع (1956) وفي فجر يوم جمعة· لهذا فإن (جمعة) كان اسمي العائلي الخاص· هذا يعني كما يقولون بأني سيد (واشوّر) ومنذور للإمام العباس (أبو الراس الحار)· أي أنا مقدس والله يعاقب من يؤذيني· كم سمعتهم يتحدثون عن الناس الذين (شوّرت) بهم وعاقبتهم بالمرض والمصائب لأنهم آذوني!
 
لكن تاريخ ميلادي لم يكن يهمني قدر ما كان يهمني معرفة ظروف ميلادي وحقيقة توأمي· عندما طلبت من أختي الاستفسار عن هذا السر، أنكرت أمي مثل هذا الأمر· بعد الحاح قالت إنها لا تذكر جيداً، فهي قد أنجبت ثلاثة عشر طفلاً، مات منهم خمسة في سن الرضاعة· أضافت بعد تردد طويل، بأنها تعتقد ربما قد ولدت توأماً في ذلك الطوفان الذي حدث في نفس عام ميلادي واجتاح بغداد وضاع أحدهما بعد ان جرفت سلته المياه· لكن أحد أبناء عمتي الذي التقيته هنا في اوربا، والذي يكبرني ببضع سنوات أباح لي بأحد أسرار العشيرة الذي كان يتهامس به الجميع من دون أن يبلغ العائلة: أن لي أخا توأماً انفصل عني بعد بضعة أشهر من ولادتنا· البعض يقول أن أهلي باعوه إلى عائلة غنية تبحث عن طفل تتبناه· والبعض يقول أنه ضاع أثناء الطوفان وانقذته احدى العوائل· رغم أن أهلي عرفوا بالعائلة إلا أنهم وافقوا على بقاء الطفل لديهم ماداموا هم الذين أنقذوه، وبقي الأمر طي الكتمان·
 
عندما سمعت بهذه الحكاية طرحت عشرات الأسئلة من دون أن احصل على جواب: لماذا بقي الأمر مخبئاً عني وعن إخوتي·· لماذا انقطعت أخبار توأمي ولم تحافظ العائلة على العلاقة·· وتوأمي هل اكتشف الحقيقة·· ولماذا لم يحاول الاتصال بي·· ربما هو مثلي يجهل الحقيقة·· أو ربما الأمر كله وهم مختلق ومحض إشاعات مغرضة ضد عائلتي·
 
أسئلة كثيرة لم أستطع أن أجد لها سوى تكهنات غير مؤكدة· مشاغل الحياة ورغبتي بالانقطاع التام عن بلادي جعلتني أتردد كثيراً في التوغل بالتحقيق، وتركت الأمر معلقاً حتى إشعار آخر·
 
هاهو توأمي المجهول ينبثق فجأة من أعماق النسيان وبصورة لم تخطر على البال· في هذه الليلة الشتوية الكئيبة أتاني ليرعبني بصوته المستغيث· انتبهت الى السماعة لم تكن بيدي، فمن أين أتاني الصوت إذن! رأسي كان مستلقياً بجانب السماعة بعد أن أسقطت الهاتف معي على الأرض· أمسكتها لأقربها مني· من دون انتباه سحبت السلك أيضاً الذي أسقط معه كتباً وأدوات فوقي· شعرت بنيران قد شبت في عيني وامتلأ رأسي بنجوم وانطلقت مني صرخة غضب مكتومة·
 
لكن نداءات الاستغاثة صمتت فجأة· عندما قربت مني السماعة كانت باردة وليس فيها غير وشوشة متقطعة امتزجت بدقات قلبي وبدت كأنها طبول بدائية·
 
وجدت نفسي أرتدي ثيابي بسرعة وأترك الدار· استغربت أن شوارع حينا (الكهوف ـ Les Grottes ) القريب من محطة جنيف، كانت تضج بالحركة، مع أن الساعة تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل· رغم البرد كانت هناك بعض النوافذ مفتوحة وأخرى مضاءة بشموع· جماعات متفرقة هنا وهناك تتداول أحاديث قلقة تتردد فيها كلمات: الحرب·· العراق·· الكويت·· أمريكا··
 
حينها تذكرت اننا في ليلة (17 كانون الثاني) موعد تنفيذ الأمريكيين لهجومهم· قلت إذن قد اندلعت الحرب··
 
الحرب الحرب الحرب·· رحت العن الحرب ومن يهتم بالحرب· كنت في تلك الأعوام أعيش حالة انقطاع تام عن بلادي وعن كل ما يمكن أن يمتني بها بصلة، حتى لغتها وأغانيها وطعامها· لكي أنساها تجنبت ليس العراقيين وحدهم بل كل من يتكلم العربية وكل من ينتمي إلى الشرق· أصبحت حياتي بكاملها أوربية· إكتملت المسألة عندما اقترنت بامرأة طيبة من نفس مدينة جنيف·
 
بالحقيقة أني منذ أن وصلت جنيف خريف 1981، قررت أن أبدأ حياة جديدة أحقق فيها أحلامي الشخصية بعد أن فقدت أملي بأحلامي الثورية الحمقاء· منذاليوم الأول وحال تقديمي لطلب اللجوء سجلت في مدرسة اللغة·بدأت تعلم الفرنسية متخلياً من دون أسف عن كل ما يذكرني باللغة العربية من كتب وصحف وأغانٍ· في السنوات الأولى أبقيت على بعض العلاقات مع أبناء وطني، لكني سرعان ما قطعتها تماماً يوم أدركت بأنهم لا يجلبون لي غير التعاسة والسأم والحسد والنميمة والغيرة والأحقاد التي لا تنتهي· بلغت قناعة مطلقة بأن الناس المنكسرين المهزومين لا يرتضون أبداً ان ينجح فرد منهم بالتخلص من انكساره وهزيمته، لأنه بذلك يفضح ضعفهم وانعدام قدرتهم على الخلاص· تيقنت بأن بقائي بينهم يعني ديمومة بقائي في الذل والأحقاد·
Page 3
بعد إتقاني الفرنسية رحت أدرس نهاراً في معهد التوثيق وفي المساء زاولت مختلف الأشغال البائسة في التنظيف والمطاعم· كنت أقاوم كل يوم وكل ساعة مشاعر الخيبة واليأس مثل وحش محاصر ينهش حتى الحجر من أجل الخلاص·
 
بعد سنوات طويلة من ضنك وتوحد وكفاح وحشي من أجل البقاء والإستمرار في جنيف، هذه القرية العالمية الغريبة الأطوار، تمكنت من الحصول على الجنسية السويسرية ومعها وظيفة نظيفة في مكتبة متحف الفن والتاريخ·
 
أهم سبب لقدرتي على النجاح في كفاحي هذا، أني تمكنت من التخلص من أكبر عائقين في حياتي: ماضيّ المعتم وأبناء جلدتي· كنت اناضل في كل ساعة وفي كل يوم لكي أنقطع تماماً عن كل ما يربطني ويذكرني بماضيّ الشرقي التعس، وأنا أردد شعار المهاجرين الأوربيين الأوائل إلى العالم الأمريكي الجديد: أينما توجد الحرية، هناك وطني لكي أندمج في هذه الحياة الأوربية التي كنت أحلم بها منذ صباي اخترت جميع اصدقائي من الأوربيين أو من قارة أمريكا· تعلمت الرقص الحديث في إحدى المدارس وتعودت على المراقص والمعارض والمسارح ودار الأوبرا· رحت أغصب نفسي على أن يكون حتى تفكيري يجري باللغة الفرنسية· بلغ نجاحي ذروته عندما استيقظت ذات صباح واكتشفت بأني قد حلمت باللغة الفرنسية!
 
الشيء الوحيد الذي لم أجرؤ أن اتخلى عنه هو اسمي· بالحقيقة أني رغبت بشدة تبديله باسم اوربي لكني لم أتجرأ لأسباب مبهمة لم استطع تحديدها· أسباب مزيجة، منها خجلي من نفسي وتمسكي ببعض الكبرياء أمام السويسريين وخشيتي من سخرية أبناء جلدتي· أمور عديدة قد تبدو تافهة لكنها كانت كفيلة بأن تردعني عن مشروعي· مع الزمن أتقنت طريقة الإلتفاف على تلك الأسئلة المقرفة عن وطني السابق وعن ديني· بل إني بلغت حداً مقبولاً من القدرة على التحكم بأعصابي والابتسام أمام كآبة ذلك السؤال المكرر كلما رآني أحدهم احتسي الكحول: ها أنت مسلم وتتناول الكحول !؟ ظلّ جوابي الدائم هو الابتسام وتغيير الموضوع بصورة دبلوماسية مؤدبة·
 
أثناء سنوات الثمانينات ظلت تواجهني يومياً مشكلة أخبار الحرب الدائرة بين بلادي وإيران· أخبار الكوارث ومشاهد الدمار والمسالخ البشرية كانت رغماً عني تثير فيّ الكآبة والقرف· كنت أفعل المستحيل لكي أفلسف الأمور وأنا أردد مع نفسي جميع اللعنات وتلك العبارة المعروفة: عسى نارهم تأكل حطبهم، وانا أبصق على الأرض· كم من الليالي بينما أنا في عز ثمالتي وانتشائي وسط الأصحاب والموسيقى والأنوار، من دون أي سبب واضح تجتاحني موجات من الكآبة ومشاعر الإثم· تلتف الأحزان حول صدري كشرنقة عنكبوت، ثم تجتاحني رغبة جياشة بالبكاء فأغرق بالثمالة وأطلق العنان لنفسي رقصاً جنونياً حتى يتفككك بدني ويتبعثر مرتعشاً كطير منحور·
 
آه منك يا بلادي لا أتذكر منك غير التعب والوجع والإذلال· لم أتذوق فيك براءة طفولة ولا طيش مراهقة ولا حلم شباب· هجرتك ولم آخذ منك حتى حفنة تراب· رغم هذا فأنت ورائي ورائي، بذكرياتك الحزينة وأبنائك المشاكسين وأخبار كوارثك ورعبك الذي لا ينتهي· بلغ بي الأمر أني طالما تمنيــت وبصورة واقعية وصادقة بأن يكتشف الطب ذات يوم طريقة ممكنة لإجراء عملية اقتلاع لكل الخلايا الخازنة للماضي· لكنت اقتلعتها كلها عن بكرة أبيها· سوف لن أبقي إلاّ على خلايا الحاضر والمستقبل· سأكون مرتاح الضمير بالتخلص من كل ما يتعلق بهويتي، حتى اسمي وشكلي· سأعمل المستحيل لكي أغير لون جلدي وشعري وعيوني، ولتحل اللعنة على ماضيّ وعلى بلادي وعلى أهلي وأصحابي وذكرياتي حتى الجميل النادر فيها، وعلى الشرق كله·
 
قبل أن تصدروا حكمكم علي، أود أن أعترف لكم بأني قد تغيرت الآن· بعد خوضي لتلك التجربة العجيبة التي سوف أحدثكم عنها ولقائي بشفيعي الحكيم، أدرك بأني كنت ساذجاً ورومانسياً وأحادي النظرة في أحكامي· إن نقمتي على ماضيّ وعلى بلادي جعلتني أتعامى عن مساوئ حاضري· إن تصديقي الطفولي لأحلام الحداثة والتطور جعلني اتقبل مظالم هذه المدينة على أنها أمر طبيعي وعابر، وإن العيب فيّ انا لأني لم أتمكن من تفهم واكتشاف محاسنها· كنت أخفف عن اوجاعي بتدعيم الآمال الكبيرة بأني قريباً سوف أنجح بمساعيّ واخلق حياة جديدة أكثر انسانية في مجتمع عادل طيب يتفهمني ويتبناني ويعوضني عن مظالم مجتمعي السابق·
 
احتجت الى سنوات طويلة وخيبات ثم خيبات لكي أدرك أن هذه الحضارة ليس جنة الخلد وأن البشر فيها يبقون بشراً لهم محاسنهم وعيوبهم· إذا كان لكل جماعة بشرية محاسنها ومساوئها، فإن محاسن اهل جنيف تتمثل بميلهم إلى المسالمة وتعلقهم الإيجابي بروح الإتقان والنظافة ورغبتهم الصادقة بالتضامن مع المحتاج· لكن أبشع عيوبهم تكمن في انغلاقهم الاجتماعي وعدائهم الطفولي النزق لكل إنسان له بعض الطموح والشعور بالرفعة، خصوصاً إذا كان أجنبياً ولاجئاً· إن كنت منذ البدء قوياً وكبيراً فهم معك لكي تدوم عظمتك وتنمو، لهذا فإن جنيف ظلت ملجأً لكل أغنياء وأقوياء العالم· لكنك إن أتيتهم فقيراً ضعيفاً فيجب عليك أن تبقى هكذا، وهم يسندوك ويتضامنون معك مادمت ضعيفا معاقاً مريضاً بائساً مشرداً سكيراً مشاكساً مدمناً·· أي باختصار أن تكون محتاجًا لعطفهم ونصحهم ورعايتهم· أما أن تكون طامحاً للخلاص من ضعفك وراغباً بالتطور خصوصاً في مجال العلم والمعرفة، فهذا يعني انك تبتغي بكل وقاحة أن تزيحهم عن دربك، وتحاول أن تتساوى معهم· في هذه الحالة فإنهم لا يتخلون عنك فحسب، بل يفعلون المستحيل لكي يبقوك في وضعك الأول: بائساً ضعيفاً محتاجاً· وسلاحهم الأكبر والأعظم هو التجاهل والاستخفاف· نعم سلاح التجاهل والاستخفاف الذي يفوق بشراسته ومفعوله أي سلاح معروف· إنه كالسم البطيء يسري فيك ويفقدك قواك وأعصابك وكرامتك ولا يترك لك في الآخر سوى واحدا من خيارين: إما الهرب أو الاستسلام·
Page 4
لهذا فأن الغالبية الساحقة من الأجانب، إما ان ينجحوا باتخاذ قرار الهرب بعد أن تمتلئ أرواحهم بالجروح والقروح، أو أنهم يضطرون للاستسلام وقبول عملية التدجين اليومية المستمرة على قدم وساق في كل المرافق والمجالات: مؤسسات المساعدة والدوائر والشركات والشوارع والمطاعم والمحلات وفي كل مرافق الحياة· بل حتى الأشخاص الذين كرسوا حياتهم من أجل القضايا الإنسانية والدفاع عن الأجانب، من دون وعي منهم يرتاحون لك ويعطفون عليك ما دمت تشكي وتبكي· لكنهم سرعان ما ينكفئون مثل السلاحف المرتعبة لمجرد أن يشعروا بك طموحاً ومؤهلاً للتساوي معهم ولا تبتغي منهم غير الحوار والصداقة· بل الأنكى والأتعس أن الأجانب أنفسهم الذين ارتضوا التدجين يمارسون بدورهم وبدرجة أكثر بشاعة ووقاحة هذا السلوك الاستعلائي الانعزالي الحسود الحقود وخصوصاً ضد أبناء جلدتهم· إنها بحق ماكنة جهنمية جبارة من الانمساخ المؤدب والمغلف بورق الألمنيوم الملطخ بشعارات الحب والشفقة والتضامن···
 
إن الأجنبي المقبول هو الأجنبي الذي يوافق على التخلي عن كل طموحاته الشخصية المشروعة ويرتضي بالمستوى الأدنى من الحياة الثقافية والمعاشية والاجتماعية· إذا كان رساماً يصبح صباغًا، وإذا كان استاذاً جامعيا يصبح حاضنا للإطفال·· لكن لحسن الحظ هنالك دائماً أقلية صغيرة تنجح ببلوغ بعضٍ من طموحاتها من خلال الإصرار الجنوني والكفاح الوحشي الذي بكل يقين قد تخللته الكثير من التنازلات والأكاذيب وعمليات الاحتيال والإذلال·
 
لكي أكون عادلاً في حكمي على هذا الشعب الذي أعيش في كنفه منذ اكثر من عشرين عاماً، اعترف لكم بأني لست أقل تعقيداً منه· إني كثيرا ما أصرح علانية بأن سر استمراري في هذه المدينة يكمن في كوني معقداً مثل أناسها· أدرك جيداً بأن نفسي مثخنة بجراح وخيبات تكفي لتعقيد جبل من صخر، فكيف إذن بكائن طري حساس مثلي·
 
إني ورثت من شعبي، وبصورة أشد تطرفاً، أهم صفة معروفة فيه: المغالاة بتقلب المشاعر ايجاباً وسلباً· تراني كثيراً ما أبدي ضروباً من الأدب والتسامح إلى حد أن أدع أي من السفهاء يدوس عليّ بدون رحمة· لكني ما إن أنتبه إلى نفسي متأخراً، حتى أثور بصورة طائشة تؤدي عادة إلى ضياع حقي· هذه الحساسية الشديدة فاقمت من ثنائيتي وانفصام شخصيتي وتقلبها الشديد بين حزن وفرح، انفتاح وانطواء، اتزان وعبث، حكمة وطيش، بصورة حولت حياتي إلى جحيم من قلق وتردد وثورة على الذات وعلى الكون بأجمعه·
 
خلاصة الكلام أني معقد في مدينة معقدة، وكلانا نخوض صراعاً وحشياً ضد ذواتنا وضد بعضنا البعض، تحت ستار زائف من الوقار والانفتاح والثقة المتبادلة!
 
خلال أعوام الثمانينات بدوت واثقاً من نجاحي بصورة كاملة بالتخلص من كل ذكريات بلادي وماضيّ وكل ما يمتني بالشرق· لكن هاهي الآن فجأة تحل علي أخبار الحرب وما أطلقوا عليه بأزمة الخليج لكي تلخبط عليّ جهود أعوامي وتفرض على حياتي تلك الذكريات المطمورة· هاهي بلادي اللعينة كالطوفان تقتحم سدودي بكل فجاجة وابتذال حتى غدى من المستحيل التنصل عن مواجهتها· من حنقي وغضبي كنت رغماً عني أصرخ: مازلت ورائي يا وطن الخيبة·· ما زلت ورائي ايها الطائش الخؤون··
 
حينها قررت أن أشحذ كل أسلحة النسيان وعدم المبالاة من أجل مواجهة هذه الاجتياح الهمجي لقطعان ماضيّ الوحشي· لكن الهجوم كان كاسحاً ولم أستطع صده بسهولة· بلادي تواجهني في كل مكان· في الصحف والتلفزيون والشوارع وحتى على ألسنة الاطفال والسكارى والمجانين· بل بدأت تواجهني بعض المواقف لم أعرفها من قبل: بعد فترة من اندلاع الأزمة، كنت أنتظر المصعد إلى شقتنا، فمرت بي جارتنا في العمارة مع ابنها· بين ضجيج ضربات حذائها على الدرجات سمعت طفلها يسألها بصوت خائف:
 
ـ صحيح يا ماما، هذا السيد من بلد صدام؟
 
ارتجفت وسخرت وبصقت وضربت الأرض بقدمي· هكذا بدأت اللعينة بلادي تجتاحني في أكثر مواقعي حساسية: الكرامة! آه من الكرامة·· يمكنني أن أتحمل كل شيء إلا أن يهين الآخرون كرامتي ظلماً وجبنا، وهاهي بلادي التعسة تضرب على وتر كرامتي وتضعني في مواقف محرجة بين السكوت الذليل والتمرد الأحمق· لكني قررت أن أقاوم·· أن أتشبث بالحكمة الهندية المعروفة: (لا أرى ولا أسمع ولا أتكلم)· رحت أسخر وأنا أرى بلادي تصبح الهاجس الأول لكل الناس بحيث أن الكثيرين راحوا يصلّون ويضيئون الشموع من أجل السلام لها، ليس حباً بها بل حباً بالكرة الأرضية التي يعتقدون أن سلامتها ارتبطت بسلامة بلادي· يالها من مهزلة·· هكذا رحت أصرخ مع نفســـي·
 
من أجل أن أقاوم، رحت أستجمع ليل نهار ذكريات ماضيّ الأسود· أهيل الغبار عن حقدي الدفين· أردد العهود التي كنت قد قطعتها على نفسي عندما تركت الشرق وقررت الاستقرار في أوربا: وداعاً يا بلاد الخيبة·· وداعاً يا شرق الكوابيس·· وداعاً ايها الماضي المقيت·· إني راحل ولن اعود·· ولك ألف وألف وداع··
Page 5
رحت أركض في شوارع الليل· أركض مصراً على أن لا ألتفت ورائي مهما سمعت· قرب مركز المدينة عند ساحة (BEL-AIRـ الهواء العليل) وجدت نفسي من دون أي توقع في وسط تظاهرة حاشدة لأناس يحملون شموعاً ومشاعلاً صامتين وكأنهم في مأتم· كدت أن أصرخ بهم أن يبتعدوا عن طريقي، لكني بصقت إلى السماء واندفعت بكل قواي لكي أخترق الحشود إلى الطرف الآخر من الشارع· من دون قصد تعثرت بفتاة تحمل لافتة· سقطت على وجهي· وجدتني أستند بيدي على قماش اللافتة الساقطة معي على الأرض وأمام بصري كلمات عديدة تبينت منها كلمة كبيرة مكتوبة بالأحمر الدامي: (LIRAKـ العراق)·· رغم العتمة وضجيج صمت الحشود إلاّ أني شعرت بالوجود كله قد أصبح هذه الكلمة· للحظات تهيأ لي أن الحشود كلها، بل الكون كله يصرخ مستغيثاً بصوت توأمي: (العراق·· العراق)·· لو لم تمتد حينها يد الفتاة لتساعدني على النهوض لبقيت ربما طيلة عمري أمام هذه الكلمة· من دون أن أنظر الفتاة أو أنبس ركضت صاعداً نحو المدينة القديمة· رحت أركض وأركض بين الأزقة والحدائق حتى وجدت نفسي أمام مستشفى الولادة· عندما استفسرت عن (مارلين) قالوا إنها مازلت تعيش المخاض ولم تلد·
 
الليالي التالية لم تتغير الحال· (مارلين) لم تلد وأخبار الحرب كانت تخترق أذني رغماً عني، ونداءات توأمي لم تتوقف بل ازدادت عدداً وحدة· إني قلق على صحة زوجتي ومصير الوليد· لأشد ما أمقت أن أكون أبا· لا أدري إن كنت حقاً من أجل عيون زوجتي فقط وافقت على الطفل·· من تعذّب في حياته ولم يتذوق طعم الطفولة يخشى ان ينجب طفلاً يكرر مأساته· كنت أردد دائماً حكمة (المعري) على شاهدة قبره: هذا ما جناه علي أبي، وماجنيت أنا على أحد
 
تعاظم إصراري على تحاشي كل ما يمكن أن يحدثني عن الحرب: الصحف والمذياع والتلفزيون· تحاشيت حتى الناس ومظاهرات الناس· رحت أتناول المسكنات لكي أمضي معظم وقتي في النوم· رغم عتمة نهارات الشتاء وحلكة لياليه، إلا اني فضلت ارتداء نظارة سوداء عسى ان تحجب عني صور الدمار والقتل والهزيمة الشنعاء التي راحت تلاحقني في كل مكان··
 
كم حزّ في قلبي عندما زرت (مارلين) في اليوم التالي· ما أن فتحت عينيها ورأتني حتى شهقت ببكاء مر وهي تردد:
 
ـ سمعت العراق ضربوه·· صحيح العراق ضربوه؟!
 
وحاولت أن تحتضنني، لكني من دون إرادة جفلت منها وصرخت بوجهها ولعنتها ولعنت بلادي معها وتركت المستشفى أعدو في الدروب صارخاً باللعنات لوطني التعس الذي راح يخنقني كالعنكبوت· لم أفهم لماذا تهتم زوجتي بهذا الأمر أكثر مني أنا رغم أنها سويسرية·· ثم لماذا تريد أن تواسيني وكأني معني شخصياً بالأمر؟
 
لو تدري أن كارثتي الحقيقية لم تكن الحرب بل هذا الهاتف اللعين الذي لم يتوقف· بكل وقاحة لم يرن إلا بعد منتصف الليل، وبالذات حينما أنام· وأنا مجهد قلق ليس من أخبار بلادي بل من انتظار زوجتي التي طال أمد مخاضها وتعقدت حالتها الصحية· لا زالت تتكرر كل ليلة نفس صرخات الاستغاثة:
 
ـ غريب غريب أنا توأمك·· تعال أنقذني·· الموت يهددني يا غريب··
 
قبل أن أصحو تمتد استغاثات توأمي على شكل أصابع طويلة ذات مخالب من وريقات قرنفل· تحاصرني وتلتف على رأسي· رغم شعوري بلذة عطرها وشفافية لونها إلا أني أحسها تخنقني· قبل أن أفقد أنفاسي الأخيرة أستيقظ مبللاً بعرق الإثم والعار··
 
قررت أن أقطع هاتفي عندما أنام· لكن النداءات راحت تأتيني في الأحلام، وفي النهار عندما أشغل الهاتف· قررت أن أقطع هاتفي تماماً كل اليوم· لكنها هذه المرة بدأت تأتيني من هاتف عملي في مكتبة متحف الفن والتاريخ· لا أدري كيف تسنى لتوأمي هذا أن يرن هاتف عملي· أشد ما كان يزعجني أن زملائي السويسريين بدؤوا بالتهامس فيما بينهم إشفاقاً على حالتي· لسذاجتهم تصوروا أن معاناتي مبعثها أخبار الكارثة التي حلّت على بلادي، حتى راح بعضهم يتقرب مني يواسيني ويهدئ من خاطري، مما أثار غضبي وسخريتي· عندما حاولت أن أشرح لهم مشكلتي الحقيقية مع توأمي رأيتهم يصمتون ويبتعدون كعادتهم المعروفة حينما لا تعجبهم المسألة· بعدها وجدت مديرنا المعروف بتحجره الإدراي، يطلب مني بكل أبوية مصطنعة أن أذهب إلى بيتي وأستريح بضعة أيام·
Page 6
سيدة القارورة
 
يقول (توما الحكيم)، إن علاقة الإنسان بوطنه تتجاوز كل المعتقدات والمشاعر والأمزجة· مهما نقم الإنسان على أهله وانقطع عن شعبه فإن جذوره رغماً عنه تظل مرتبطة بأرضه وتاريخه· إنها علاقة باطنية خفية تسري في الروح والبدن عبر دفقات الأنوار وخلجات الريح وقوافل السحب، وعبر تلك الشبكة الأثيرية المنتشرة في فضاءات الأرض والتي تتجاوز في مفعولها أكثر شبكات الاتصال الفضائية قوة وإتقاناً·· إن الوطن ينقل مشاعر انتصاره وانكساره، قوته وإذلاله، إلى جميع أبنائه مهما نأوا وتناسوا· إن الوطن مثل الله، حاضر في ضمائر حتى أبنائه الملحدين به··كنت أمضي الليل في المراقص والحانات على أمل التخلص من نداءات توأمي الليلية المرعبة· وا حيرتاه لم أعد أطيق المكوث وحيداً في الدار· لم يعد مسكني بعد الآن· توأمي يناديني·· يشق دروب ماضيّ·· خطاه الثقيلة تهز صدري وتؤلمني· الريح تهب والسماء تئن· لا·· لا·· لن أهجر مشاغلي وأحلامي وألحق بذلك التوأم المعتوه·
 
امضيت الساعات منزوياً وحيداً في عتمة المرقص· آلام الوحدة لا ترحم· جنيف مدينة المال والأمان والعزلة· يمكنك أن تجلس ألف عام على كرسيك في وسط الناس وأنت على يقين بأن أي إنسان سوف لن يقترب منك، لا سلباً ولا إيجابا· توق جياش يجول في أعماقي مثل تائه في صحراء· دائما تصدح في أذني أغنية فيروز: انا عندي حنين، ما بعرف لمين
 
من زاويتي أرقب الراقصين يزاولون طقوسهم الوحشية العصرية وهم مغمورين بأنوار وموسيقى· في أعلى القاعة شاشة كبيرة تعرض مقاطعاً من اغانٍ ودعايات ومشاهد متنوعة· بين الصحو والغيبوبة أجد نفسي بمواجهة مشاهد رعب ودمار وموت مغمورة بموسيقى جنونية صارخة:
 
خنادق مهجورة تصفر بها ريح·· جثث تغمرها رمال·· قوافل جنود منكسرين تنطق وجوههم بذلّ وهزيمة·· مدينة يغمرها ظلام وصواعق موت تتفجر في سماواتها···
 
بالتدريج كانت الشاشة تكبر وتكبر ويستحيل المرقص إلى وطن، وأنا أنزلق وأذوب في الوجود، حراً طليقاً بلا حدود·· أشارك المهزومين خذلانهم والتائهين جوعهم وعطشهم·· أتنفس الغبار واداوي الجرحى وأهيل التراب على الموتى·· أواسي الامهات وأطمئن الأطفال وأبعث الأمل في الرجال·· أتعرق من عار وخيبة وأنزف جراحاً وأطلق شهقات ألم وصرخات احتجاج·· أتفجر وانتثر شذرات ضوء في حنايا الناس··
 
لم أنتبه كيف مرّ الزمن· أجد نفسي عند فجر بارد مستلقٍ على شاطئ بحيرة جنيف· على الضفة المقابلة تبدو جبال الألب بسفوحها المعتمة الخضراء وقمهها الثلجية مغطاة بكتل غيوم بيضاء ذات وهج أحمر· جبال ساكنة وقورة كآلهة هرمة تتأمل أعاجيب خليقتها· أقدامي تلامس مياهاً زرقاء فضية مثلجة رقراقة متلألئة بشفق نحاسي· ريح جنوبية دافئة تبعث انتعاشة في بدني وتغرقه في استرخاء وخدر· يبدو المشهد ضبابياً هلامياً مثل حلم·
 
ـ غريب غريب· اصح يا غريب·· الفجر يهل والصباح قريب·· اصح يا غريب··
 
اسمي يتردد من حولي في الوجود الخالي من البشر بينما أفواج سنونو تشق عباب السماء متجهة إلى الجنوب هابطة مع البحيرة إلى نهر الرون حتى ضفاف البحر المتوسط· هنالك في البعيد خلف الشواطئ الشرقية يقبع وطني· غيوم مفعمة بثمالة ليل تترنح في السماء· بجعات بيض ساحرات تطفو بين المويجات·بطات مع فراخها تستريح على الصخور··
 
أحلام أحلام أحلام·· كل عمري أمضيته في كون من أحلام· أحلام تمضي وأحلام تأتي، وأحلام تنتظر بأحلام· منذ طفولتي اكتشفت الأحلام ملجأي الوحيد هرباً من عذابات دنيا رعناء ترضعني جوعاً وإذلالاً نهاراً، وتهدهدني ليلاً بمناحات ضمير معذب وحكايات طائشة عن طناطل وشياطين وعزرائيل قابض الأرواح· كنت أعزي نفسي بأحلام بريئة أذرف فيها دموع حزن على فراق أهلي لأني اخترت الموت مبكراً أملاً بالغفران· عرفت أن الله يستثني الأطفال من الحساب ويؤويهم في جنة خضراء بأنهار عسل ولبن وخمر وحوريات حسان وقصور فارهة ومؤمنين ومؤمنات يمضون خلودهم في لذة إلهية لا تنتهي·
 
من جديد يعود الصوت مرتجاً في الفضاء كأنه من نشيد الوجود:
 
ـ غريب غريب ما بك غريب·· تعال يا عزيزي تعال·· نكمل سوية ما تبقى من زمان·· سأحكي لك حياتك وتحكي لي حياتي·· تعال ياغريب تعال··
 
دون أن أفتح عيني أرى امرأة تنبثق من الماء بجسد حنطي مبلول وشعر حني منثور وقامة باسقة مثل نخلة في صحراء· ترفرف حولها أسراب بجع وبط وسنونو· مياه البحيرة الفضية تجري سواقي على نهدين وحلمتين نديتين خلف ثوب شفاف بألوان قزحية·
Page 7
في أعوام طفولتي الأولى عندما كنت أنام ليلاً مع عائلتي في باحة دارنا الطينية، أمضي الساعات سارحاً بين نجوم متلألئة في سماء بغداد، حالماً بالملاك جبرائيل يأتيني برسالة النبوة، لتصير عذاباتي فرحاً، وإذلالي كبرياءً، وغضبي عطفاً ورحمة لأهلي وللناس أجمعين·
 
من جديد يصدح صوتها نحاسياً في الأرجاء كأنه يشع مع أنوار الفجر:
 
ـ انهض يا غريب اراك ساكناً حزيناً·· هيا، انفض عنك النوم واللوم·· تعال نغتسل بمياه الفجر والحياة·· النهار آت والربيع في انتظار·· تعال يا عزيزي تعال··
 
دون أن أفتح عيني أراها تقترب حاملة بين كفيها قارورة خشبية حمراء· ترتسم عليها ابتسامة مفعمة بحنان· أتذكر(إيمان) معبودة صباي، ابنة الباشوات وحفيدة المماليك والأمراء، في قصر شامخ وحدائق ليمون وزهور ونبقة وافرة تظلل الجيران· طيلة سنوات الصبا كنت بالحلم أكافح فقري وجبروت مستحيل جاثم على حبي، وأنتظر اليوم الذي سأمتلك به قلب (إيمان)· أمضي الليالي وحيداً في حانوتنا الطيني المسكون ببؤس وعتمة وهوام، وأنا أحلم بمشهد سيحترق فيه قصر معبودتي لكي أخاطر بحياتي لإنقاذها من براثن نيران· كما في الأفلام، بعد أن أجتاز مصاعب وأخطاراً، أبلغ بحبيبتي الخلاص· بين أغصان زهور وثمار ليمون أغسل وجهها بمياه ساقية، وما أن تفتح عينيها حتى أتهاوى أنا محتضراً بجراحي بين أحضان معبودتي وهي تعانقني صارخة: حبيبي حبيبي غريب ثم تحنو بوجهها الفاكهي على وجهي الطيني وتحط بثغرها على ثغري حتى يشهق صدري بأنفاس الحياة· ثم كالعادة ينتهي المشهد بعناقنا وسط حمرة لهيب قصر محترق، وتراتيل حزينة من موسيقى واستغاثات··
 
الآن رغم رثائي لتلك الأحلام، كم أتمنى بكل أعماقي لو أني احتفظت ببعض منها، عسى أن تعينني على تحمل هذا الانتظار· دون أن افتح عيني أرى فوقي وجهاً أنثوياً: عينان عسليتان متوهجتان بضياء فجر وشعر حني منثور وثغر باسم بمويجات وشفاه متوردة بشفق· وجه قديسة مرسوم على لوحة الوجود·
 
أجهل هوية هذه المرأة· انبثقت فجأة من البحيرة مثل حورية غامضة· لكن وجهها مألوف كأني أعرفها منذ أعوام وأعوام!
 
ـ من انت أيتها السيدة؟
 
تنفرج شفتيها بكلمات تذوب في زقزقة عصافير تمرق خاطفة· من خلف قمم الجبال تطل شمس متبرجة عبر حجاب غيومها· تسطع بخطوط ذهبية نحاسية كسيف لهب يخترق البحيرة من أعلاها إلى أسفلها ويلتحم بقدمي الغارقتين· تغور كفي في أطيان ورمال وحصى الجرف· أحس بنوع من الخدر واللامبالاة مثل طفل آمن في أحضان حنونة· أهمس لها:
 
ـ إني لا أعرفك أيتها السيدة·· لكني أشعر كأني اتتظرك منذ زمن طويل·· كما ترين فإني متعب حزين أبحث عمن يعينني في محنتي··
 
بتدرج متصاعد تتثائب الطبيعة من حولي بأغنية فجر ربيعي إذ يمتزج بتناغم إلهي عزف ريح وإيقاع مويجات وزقزقة عصافير ونقيق بط وضفادع مع ضجيج خافت بعيد لمدينة جنيف التي بدأت تصحو وتتمطى· تبتسم السيدة الأليفة بحنان:
 
ـ انهض وتيقظ ياعزيزي·· انتهى موسم غيابك في عوالم النسيان·· هاهو ربيع الماضي يهلّ وتتفتح براعم الذكريات·· قم ياعزيزي يا غريب سأدلك على توأمك المفقود··
 
أستغرب كلامها· أتكون ثملة معتوهة قد هدها عالم الليل الكئيب· أتت لتمارس معي نزواتها العابثة·
 
ـ اسمعي أيتها السيدة، أنا إنسان قد اختار النسيان· حتى لو كان لي ماضٍ، لكنه صار منسياً· لي الآن حاضر أعيشه لا يمكنني التخلي عنه· ولي امرأة ستهبني طفلاً طيباً يحفظ لي اسمي ونسلي· أما حكاية التوأم، فهي لن تجعلني أبداً اتخلى عن حاضري بحثاً عن ماض قد اندثر·
 
تنظرني بحنان وتكلمني بصوت نحاسي رنان:
 
ـ إني أعرف حقيقة عذاباتك يا غريب·· تباً لتلك النيران المتأججة في أعماقك، حطبها ذكريات ودخانها أشواق· بعد أعوام طويلة من التمرد واحلام النسيان، ها أنت رغماً عنك تدرك في أعماقك بأنك لا محال مجبر على كسر قيود ترددك ومكافحة مخاوفك· شفائك من هذه المعاناة يكمن في عثورك على توأمك·· تعال يا عزيزي أنهض وجرب الترحال في عوالم ماضيك الذي لم ينته لأنه لا زال هنا في أعماقي أنا·· وأنت فيه··
Page 8
أستغرب كلامها العابث الواثق· تخاطبني كأنها حقاً سيدتي ومالكة مصيري:
 
ـ أيتها السيدة الغريبة، إني أجهل مبتغاك·· إن كنت تودين حقاً مساعدتي فاطردي عني شبح توأمي الذي حول حياتي إلى جحيم· خلصيني من قلقي وامنحيني الأمان·· آه لو تعلمين كم أخشى الذكريات·· حتى وقت قريب كنت على يقين بأن حياتي الماضية صارت بعيدة بعيدة، كأني فارقتها منذ قرون أو حقب مجهولة، وربما عشتها في حياة سابقة منسية· حتى أني رحت أتساءل في الأعوام الأخيرة: هل كانت فعلاً حياتي أنا، أم أني توهمتها واختلقتها في أحلامي؟
 
تهز رأسها وهي تمسد شعري بحنو وتهكم، كأني طفلها:
 
ـ اسمع يا غريب، ليس هنالك فائدة من إصرارك على النسيان·· هل تنكر بأنك أنت نفسك جزء من الذكريات؟
 
ألوذ بالصمت ولا أدري كيف أجيبها· لا أفهم مقصدها· سئمت لعبتها العابثة· أفكر أن أختصر اللعبة وأطلب منها الإقتراب مني ومشاركتي لذة الوجود من دون لف ودوران· لكني أتردد لسبب لم أفهم كنهه· أستغرب أني لم أغضب من عبثها وكأني سبق لي قد تعودت عليه وألفته· أحاول أن أتجاهلها وأتحاشى التفاصيل معها· أكبت رغبة جياشة أن أعترف بما يجول في أعماقي وأشركها بهمومي· إني حقاً أعاني من عودة أحلامي القديمة التي ظننتها قد ماتت واندثرت في مجاهيل الزمان· لكنها الآن تستفيق فجأة من غيبوبتها الطويلة· عادت من جديد تلك الأحلام الأولى عندما تركت بلادي على أمل العودة إليها ثائراً محرراً· أن أدخلها بجواز مزور دون الكشف عن هويتي· سألتقي بعائلتي بصورة سرية، إخوتي الذين تركتهم صغاراً صاروا الآن أمهات وآباء لأولاد وبنات لا يحصون· كان المهم عندي أن أزور مدينتي بغداد· أتسكع في شوارعها· أعود إلى حارات فتوتي· كم حلمت أن أدخل إلى المدارس التي أمضيت طفولتي وصباي فيها· كنت سأجول بين صفوفها وساحاتها المكتضة لعلّي أعثر على أصدقائي القدامى·· لعلهم ما زالوا صغاراً لم يخطفهم الزمان· سأقرأ معهم (دار·· دور) وأنشد بحماس(لاحت رؤوس الحراب تلمع بين الروابي)· أمد يدي بكل طيبة خاطر إلى أستاذ هاشم، الملقب بـوحش الشاشة، ليمارس عليّ ساديته المعتادة ويضربني بالعصى على أصابعي· كنت سألج جميع مقاهي وحانات السعدون وأبي نواس لأفتش فيها عن ذكريات أولى اجتماعاتي السرية واولى جلسات السكر واولى ساعات الشباب وأحلام الثورة· أدخل سينمات بغداد واحدة واحدة لأستعيد روائحها العفنة وعتمتها الأمومية والساعات التي أمضيتها فيها مع الصحاب هرباً من المدرسة ومن سطوة الكبار· أتسكع في أزقة البتاوين والرشيد مع أصدقاء الصبى والشباب وأترك حنجرتي تصدح بلا خجل بأغاني شامي كابور وآهات عبد الحليم· ولا أنسى أن أمر أمام قصر معبودتي (إيمان) وأنظر عبر قضبان السياج لعلها لا زالت فتاة تلعب في الحديقة، ولا زالت عندما تراني تهبني كعادتها واحدة من ضحكاتها البريئة··
 
كنت سأعود وأعود لألهب قامة النسيان بسياط الحنين، وأنبش في خبايا الحاضر عن كنوز الذكريات· كم أنا تواق إلى أعوام وأحداث لا زالت جذوتها حية في أعماق كياني·· تواق لكل شيء فيها حتى لتوافهها وعذاباتها، حتى لصفعات والدي وساعات قلقي ورعبي ومذلتي·· تواق حتى إلى زنازين الأمن التي أمضيت صباي وأنا أبيع المأكولات بين اروقتها، لا زالت حية في أعماقي نفحات عفونتها الرائعة وعذابات المعتقلين وصرخاتهم الناطقة بالحنين·· آه من الحنين··
 
ــ إني ارفض لغتك الآمرة والساخرة أيتها السيدة·· إني لا أعرفك ولا اقبل تدخلك في شؤوني·· ماضيّ قد انتهى وتوأمي سيجد خلاصه بنفسه·· أرجوك دعيني عن حكاياتك، فأنا قلق تعبان وزوجتي تعاني المخاض··
 
لا تدعني أكمل· تقاطعني بصوت هامس يشوبه ضجر:
 
ـ كفاك عناداً يا عزيزي·· إنك تؤذي نفسك هكذا وتؤذيني معك· ألا تدرك بأنك مجبر على الرحيل معي·· هل نسيت أنك لا تملك حرية الاختيار لأنك بكل بساطة لا تمتلك خياراً آخر غير ما أقرره أنا لك· انظر حولك ياعزيزي، انتبه لنفسك ولا تغرق في الأحلام· بقايا النوم لا زالت تغوش رؤاك· اصح يا عزيزي، تعال نسبح تعال، الفجر يهلّ فكفنا عن السؤال·· تعال يا عزيزي تعال··
 
أريد أن أعترض وأحتج·· في اللحظة التي أفتح فيها فمي، اسمعها تقول:
 
ـ إعرف يا عزيزي، أني لا أسخر منك أبداً·· اسمع مني الحقيقة·· أقولها لك بكل صراحة واختصار: انت ياعزيزي غير موجود إلا هنا في رأسي·· ماضيك وحاضرك ومستقبلك وأحلامك كلها محفوظة هنا في قارورتي ·· حياتك حياتي وترحالك ترحالي·· هل فهمت؟
 
رغم أن كلامها يبدو مضحكاً وبلا معنى، إلا أني في أعماقي أحسه جاداً وحقيقياً حتى بدت كتلة من دخان كئابة تتكوم في صدري· أغرق بصمتي وأنا أفكر بأن أعثر على أي موضوع·· نعم أي موضوع·· المهم ان تتوقف هذه المعتوهة عن مهزلتها التي لا تثير فيّ سوى كآبة وقلق· لأحدثها مثلاً عن الفلم الذي شاهدته·· لكن ماهي قصته؟ غريب أني نسيتها· أتذكر أنه كان هناك صبي، نعم، صبي فقير وفتاة غنية· هو يعيش في كوخ وهي في قصر· لكن الكوخ كان في حديقة القصر، والقصر في واحة، والواحة في صحراء، والصحراء في حلم بلا منتهى··
Page 9
ـ أرجوك أيتها السيدة كفي عن مزاحك·· بدأت تبالغين وتلحّين·· غيري النغمة ودعينا من الموضوع·· الآن خبريني صراحة من أنت؟
 
ـ أوه يا إلهي، متى أتخلص من هذه المشكلة التي مللت تكرارها معك منذ الأزل· اسمع يا عزيزي يا رجلي يا سيدي، أنت لايمكنك أن تحيا أو تبقى في أي مكان أو زمان من دوني أنا· حكاية وجودك محض أحلام تستمد حياتها من أحلامي أنا· أكررها عليك، أنت بكل بساطة يا عزيزي غير موجود·· نعم غير موجود إلا كحلم وذكريات في رأسي وفي قارورتي·· جنيف وتوأمك وزوجتك التي تعيش المخاض وحياتك كلها أحلام بأحلام·· أنت رجل أحلامي، وعندما أنام أنا تستيقظ أنت في رأسي··
 
ما هذا الهراء الذي تقوله هذه السيدة الغريبة· من المعقول أنها ثملة· لم أتعود تقبل مثل هذه القسوة في المزاح· لكن يا إلهي لماذا ينتابني مثل هذا الإحساس بالرعب· كيف تسنى لها أن تؤثر عليّ بسخريتها الطفولية هذه· يكفيني أن أبادلها السخرية أو أتجاهلها حتى ينتهي الأمر· أمن المعقول أن ما يجرحني في كلامها هو إحساسي بأنه يحوي بعضاً من الحقيقة، أو ربما كل الحقيقة· مستحيل·· أنا إنسان حي ولي زوجتي التي تنتظرني وتوأمي الذي يقلقني·· أنا موجود ولي ماض مثلما لي حاضر، وأكبر دليل على حقيقة حياتي ووجودي أني الآن أتذكر ماضيّ الذي عشته منذ ميلادي حتى هربي من الوطن قبل أعوام واعوام· صحيح أني حاولت بكل حماس وإصرار على قطع كل جذوري عن ذلك الماضي اللعين، إلا أني الآن أعترف بأني قد هزمت تماماً· لا زالت جذوري منغرسة في صلصال بلادي الأحمر· بل إني أعترف الآن بأن سنوات الغربة، ومن دون علمي، قد عمقت تلك الجذور وسقتها وجعلتها تمتد في كل تلافيف الماضي وخبايا التاريخ ومجاهيل الذكريات، حتى راحت تبدو لي حياتي الآن وكأنها أغصان متفرعة من شجرة الماضي·· لا شيء يشدني إلى حاضري سوى ماضيّ، ولا شيء يشدني إلى مستقبلي سوى ماضيّ أيضاً، فكيف يا إلهي تريد هذه السيدة أن تقنعني بأن كل ماضيّ ما هو إلا أحلام بأحلام ··
 
ـ يا سيدتي أرجوك أنا تعبان ونار الحنين تحرق حناياي وما عادت روحي تمتلك الصبر· احس نفسي سفينة بلا ربان وسط أمواج عاصفة وغيوم كالحة· آه أيتها الجليلة، أحلّفك بهذا الوجود، بالسماء والجبل والبحيرة والفجر الساطع، بعشقنا المجبول بالأعوام، ساعديني، أنيري لي دربي، دليني على بر الأمان·· أنا تعبان·· أنا تعبان··
 
لاحت قطرات دمع تتوهج في مقلتيها، بينما أصابعها تمسد شعري وتهمس بأغنية حزينة عن زمن يمضي وأسراب طيور لن تعود· أشعة الفجر والتماعات البحيرة والسماء تعكس على جسدها الحنطي المبلول ألواناً فضية خضراء زرقاء نحاسية· كفي تحفر الأرض وتكور كتلاً ممزوجة برمل وطين وحصاء وإثل، وعندما أضع رأسي على صدرها يفوح عبق الأرض ويمتلئ فمي بطعم طين· أتذكر أطيان بلادي· عادت إليّ ذكريات طفولتي وانا العب بالطين في مستنقعات بغداد وعلى شواطئ دجلة· الطين الطين الطين، كل شيء في بلادي من طين، البيوت والدروب والمطر والهواء والتاريخ··
 
دون أن أفتح عيني أجد نفسي أهمس في أذنها:
 
ـ يا سيدة القارورة·· ياسيدتي ومالكة روحي وتاريخي·· اعذريني عن النسيان، أعترف لك الآن·· أنت بيتي·· أنت وطني·· أنت حلمي·· أنت ماضيّ وحاضري·· أنت الروح الحاملة لحيواتي السابقة واللاحقة·· أنت سر وجودي وخلودي وأحلامي الأبدية· خذيني·· خذيني أينما تشائين··
 
تجتاحني أحاسيس باختلال الوزن كأني أعوم على جسدها· أتمسك بالأرض التي تميد بي كحبات هواء وماء بلا ملمس او كيان· قوة غريبة تشدني إلى جميع الأنحاء ستمزقني إلى أشلاء مثل مركب تعصف به ريح· حينهاً أدرك في أعماقي أن الفعل الوحيد الذي يمكن القيام به، أن أفتح عيني·· نعم هكذا قررت من دون تردد أن أفتح عيني لأرى الحقيقية كما هي·· نعم كما هي حتى لو كانت وهماً وحلماً·
 
عندما فتحتهما لم أر ، بل عشت كما لم أعش من قبل:
 
أجد نفسي أطوف في سيدتي· هي البحيرة الفياضة والكون المتفجر·· نعم هي بكل تفاصيلها مرسومة بخطوط من أنوار وألوان وانفجارات بركانية·· شعرها شموس ووجها سماوات ونهديها جبال وجسدها أمواج بحيرة فضية· من عينيها ينبثق وهج ساطع يعم الوجود ومعه تهتز الجبال وتتهشم السماء كمرايا· تفيض البحيرة بأمواج تمتزج بشظايا أنوار تنتثر في أعالي سماوات· يستحيل الكون إلى احتفالات اسطورية من شلالات بيضاء زرقاء خضراء ذهبية لأنوار ومياه وثلوج وغابات جبلية··
 
في اللحظات الأخيرة، وأنا أغرق في بحيرة سيدة القارورة، وأذوب كالثلج في أحضان كونها، وتتفكك أعضائي بإرهاصاتها المتفجرة، وتتبخر انفاسي بشهقاتها الملتهبة، وتبدو لي حياتي مجرد أحلام بأحلام، ولا شيء فيها غير وهم وخيال·· رغم ذلك، في أعماقي يقين ما بعده يقين، أن لي ماض من دم وطين وتاريخ أحمق طويل ومستقبل سيولد بكل يقين··
Page 10
المتاهة الإيطالية
 
يقول معلمي(توما الحكيم)، إن معضلة الإنسان تكمن في انسجامه مع ذاته والخارج· كلما تطورت حضارته المادية كلما ركز اهتمامه على الواقع الخارجي وتناسى ذاته الفردية وروحه العميقة· تراه يجول كمعتوه في أنحاء الأرض، بحثاً عن معرفة ومنفعة واتصال، بينما هو لا يصرف حتى لحظات للتجوال في اعماقه والاتصال بالكائنات الموروثة التي تعيش في داخله وتشكل كينونته· إنسان العصر في صراع دائم مع ذاته لأنه يصر على تجاهلها والهروب منها نحو بهرجات حياة مصطنعة· إن السفر الحقيقي هو الذي يجري في متاهات الروح، في خبايا الذاكرة، في الذات السرية المتحررة من قيود الزمان والمكان··
 
أصحو على نفسي من قشعريرة برد وأنا متكور في مكان معتم وتحتي بلاطات ملساء كالجليد· ظننت بأني مازلت عند شاطئ البحيرة، لكني أشعر بأن أشياء قد اختلفت وعتقت· فوقي معطف جلدي مهتري ليس له أية علاقة بمعطفي الأنيق الذي أمتلكه في جنيف· حتى ثيابي لم تكن هي نفسها· إنها رثة عتيقة رغم نظافتها· عندما أضع كفي على وجهي تلامس أصابعي لحيتي التي لم تحلق منذ فترة طويلة·
 
صمت مدوي يهيمن على المكان، يتخلله ضجيج بعيد يختلف عن شاطئ جنيف· اتقدم بضعة خطوات فأرى أمامي نفقاً طويلاً شبه معتم· من نهايته البعيدة تأتي أضواء واصوات بشرية وضجيج مكائن· أترك نفسي مجذوباً بقوة غامضة تقودني وبقايا استغاثات توأمي تصدح في ارجاء النفق: غريب غريب أنا توأمك، أنقذني أرجوك
 
في نهاية النفق أهبط سلالم تقودني إلى نفق آخر مزدحم بالعابرين· أتمعن بالوجوه محاولاً أن أقنع نفسي بأني يقيناً في جنيف· لكن مثل هذا المكان لا يوجد هناك· الناس لا يتكلمون الفرنسية، بل الإيطالية· أسير محشوراً وسط جموع مستعجلة، بعضهم يدفعني من الأمام وبعضهم من الوراء· بدت أقدامي كأنها تعرف طريقها وهي تقودني عبر ممرات أنفاق بأضواء شاحبة· أجد نفسي في باحة واسعة محاطة بأعمدة وجدران من بقايا آثار الرومان·
 
في زاوية معتمة أرى مجموعة شبان من جميع الألوان والجنسيات يفترشون البلاطات ويحتسون من فوهة قنينة نبيذ أحمر تدور عليهم· أجلس بينهم وأتناول القنينة عندما يأتى دوري وأحتسي· كنت عطشان عطشان فأشعر بالنبيذ الأحمر عبقاً دافئاً يسري في شراييني دم جديد يبعث في بدني حياة· أنطلق أشاركهم الضحك والغناء·
 
تظل قناني النبيذ تدور وتدور ولا تنضب· أحدهم يحكي طرفة تجعلني أدمع من الضحك· شخص غبي ذهب إلى الطبيب يشكو له: ذكائي يوجعني يا دكتور··
 
منهم أدرك بأننا هنا في نفق المترو تحت محطة روما· لم أشغل نفسي كثيراً بالمسألة· مع استمرار قناني النبيذ التي تدور علينا أنحدر مرة أخرى في ثمالتي· آخر مشهد أتذكره أني وضعت رأسي على صدر فتاة قبلتني من أذني فسرت فيّ قشعريرة لذة وخدر· اعتقدت للحظات أنها زوجتي التي تركتها تعاني المخاض في جنيف، لكني عندما نظرتها كانت شقراء شعثاء الشعر ووجها شاحب بعينين رغم خضرتهما الطفولية إلا أن حمرة الإدمان قد أذبلتهما· أشد ما أثار استغرابي أنها كانت تهمس لي بكلمات إيطالية كنت أفهمها· نعم كنت أفهم الكلمات الايطالية رغم عدم معرفتي المسبقة بهذه اللغة· وغرقت في إغفاءة··
 
أصحو على ارتجافات برد· أجد نفسي وحيداً مستلقياً على بلاطات مثلجة والنفق يدوي بصمت· شحوب يبدو على أحجار الرومان· الصحاب فد تفرقوا ولم يتبقَّ منهم غير بعض الثملين المنبطحين في الزوايا المعتمة·
 
أسير بين الأنفاق بحثاً عن منفذ إلى الفضاء· إني جائع عطشان ولم أجد في جيبي غير بضعة قطع نقدية لا تكفي حتى لشرب شاي· إني تائه مفلس بعد أن تركت في جنيف كل ممتلكات حياتي السابقة: ثيابي ونقودي وجواز سفري السويسري وأوراقي الشخصية ودفتر عناويني· حتى ذاكرتي تبدو كأنها قد تعرضت أيضاً للسلب· إنها مشوشة مثل شاشة تزدحم عليها عدة أفلام في آن واحد· تختلط عليّ التواريخ والمشاهد والأحداث والأسماء· لم يكن واضحاً في ذهني غير أصوات استغاثات توأمي· الذي يهمني الآن العثور على شيء آكله وبعض الدفء· إني مع الجوع أحس بالإنهاك وقشعريرة حمى في بدني· تصيبني هيبة وأنا أرى الناس يتراكضون في الأنفاق نحو أعمالهم الصباحية· أنهم مثل قطعان وحشية وأنا صياد مخذول يبحث عن طريدة بائسة يسد بها رمقه·
 
لا أدري كم من سلالم أهبط وأصعد حتى أجد نفسي أخيراً أخرج إلى الحياة في أحد الشوارع المقابلة للمحطة· شمس ربيع روما دافئة حنونة تستقر على أبنية وشوراع وحافلات وعلى وجوه البشر· أترك أقدامي تقودني وأنا أسير بمواجهة الشمس وأستنشق ضياءها فأحسه لزجاً· أفتح فمي وألوك النور بأسناني فيسري في كياني دفء حميم·