Page 1
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيِّد المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته واهتدى بهديه إلى يوم الدين، و استفتح بالذي هو خير قوله تعالى: {قال رب اشرح لي صدري * ويسر لي لأمري * واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي} [طه:25 – 28].لقد أظلَّنا زمان تراكمت فيه أسباب الشقاء، وتضافرت فيه المحن والضيق ونكد العيش، واشتدت متاعب الحياة، وطغت المادة، وهزلت الروح، وقست القلوب، وأظلمت النفوس، وتضاعفت الهموم، وأدلهمت الخطوب، فما أحوجنا اليوم الى الله، والرجوع إليه، والاعتصام بحبله المتين، والعمل بكتابه الكريم، والاقتداء بسنة رسوله الأمين محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، تلك هي المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ((تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلُّوا كتاب الله وسنتي)) .
هذا هو السبيل إلى صفاء الروح وغذائها، وتزكية النفوس ونقائها، وإحياء القلوب وجلائها، وتقويم الأخلاق وتهذيبها، وغرس محبة الله تعالى في القلوب، ومخافته وطاعته، وابتغاء رضوانه، والعمل بهدي نبيه ومحبته والاقتداء بسيرته ودعوته، وتوثيق العهد والبيعة مع الله سبحانه، مخلصين له الدين مع صدق الإنابة والتوكل عليه، لا نحب إلا لله، ولا نبغض إلا لله، ولا تكون الأخوّة في الله ولله، أخوة صادقة كالمرآة الصَّافية، ترصد الميل عن الطريق وتعدله، وأن يكون التَّناصح والتَّغافر لله أداة الخير، وسبيلاً لتعاون على البر والتَّقوى، وعلى حسن الأداة للأمانة وصيانتها، وصحبة الخير تعين على فعل الخير، وتوحيد القلوب، وتزكية النفوس، وتزيد إلفتها وودها لمن تحب وتألف، فالأرواح جنود مجنَّدة، ما تعارف منها ائتلف، وما تنافر منها اختلف، ولا يتمُّ الود والأخوة وتآلف بين القلوب إلا إذا كانت متشابهة، غذاؤها واحد والمعين الذي تنتهل منه هو كتاب الله وسنَّة رسوله، وإدامة ذكر الله، وتجديد التوبة، والاستغفار، والدعاء، والمراقبة، ومحاسبة النفس، والحياء من الله تعالى ومن رسوله صص، وذكر الموت، واليقين بأنَّه المصير المحتوم لكل حي طال الأجل أم قصر في هذه الدنيا الزائلة، فهو مصلَّت على الرقاب، لا أحد يدري متى يدركه ويقطعه إلا الله الواحد القهار {كل نفس ذائقة الموت.....وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} [آل عمران: 185]، فأي دافع وأي حافز أقوى من ذكر هادم اللذات للإقبال على الله بقلب منيب والتزود وأن خير الزَّاد التَّقوى والتَّواصي بالحق والصبر، وإدامة العمل {والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} [العصر: 1-3].
هذه الحياة الدنيا، ما هي إلا أيام وليل ودقائق تمضي متتابعة حاملة معها كل أقوالنا وأفعالنا، وإذا هي في النهاية سجل لنا أو علينا، وصحائف شاهدة بما قدَّمنا فخير لنا أن نسير على صراطه المستقيم، وأن يكون لنا من صالح الأعمال رصيد يضمن لنا لقاء ربنا وهو راض عنا غير غضبان، وأن يكون لدينا من الكلم الطيب ما يتيح لنا أن نعطر ألسنتنا بذكره وشكره على نعمائه وحسن الظن به وصدق التوكل عليه وإخبات القلب له والإنابة إليه {من خشي الرحمان بالغيب وجاء بقلب منيب} [ق: 33].
هذه من الثَّوابت في التَّربية الرُّوحية، وتزكية النُّفوس في الإسلام، متمماً للجوانب الأخرى، فلا تكتمل شخصية المؤمن إلا بتمام الفهم والتكوين من كل الجوانب والنواحي عقيدياً وفكرياً وروحياً وإيمانياً وعلمياً وعملياً، فلا عمل بلا علم، ولا عمل بلا عقيدة وفكر، ولا عمل بلا تقوى في القلوب ،وزكاة في النفوس، وصفاء في الأرواح، فالنور الذي في القلب تستضئ به الجوارح في أفعالها، يقول المصطفى عليه الصلاة والسلام: ((التقوى هاهنا أشار إلى صدره الشريف ثلاث مرات)) .
فالقلب هو الأمير، والجوارح جنده، فإذا صلح الأمير صلحت جنده، وفي الحديث: ((ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ألا وهي القلب)).ومن ثم نجد التَّوجيهات الربَّانية تتوالى على المسلم في توجيهه إلى حقيقة القيم الباقية والقيم الزائلة، فالحياة في هذه الأرض محدودة بأجل، إنَّما الجزاء هناك، والكسب والخسارة هناك،{فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} [آل عمران: 185]، فلا عاصم لهم إلا الصبر والتقوى والاستقامة، والإصلاح بين الناس، وإعمار الأرض، والصبر في المحن، وتجنب الفتن، والصبر على المتاعب الطريق.
Page 2
المبحث الأول
أكثروا ذكر هادم الملذات
كان رسول الله صص يذكّر أصحابه بالموت بقوله: ((أكثروا ذكر هادم اللذات))(4) ، ويقول: ((اللهم إني أعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت)) وفي حديث عائشة رضي الله عنها أنَّ النَّبي صص لما تغشَّاه الموت جعل يمسح العرق عن وجهه ويقول: ((سبحان الله إن للموت لسكرات)) ،وفي رواية: ((لا إله إلا الله إن للموت سكرات)).قال تبارك وتعال: {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد}[ق: 19]، أي جاءت غمرة الموت وشدته التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله بالأمر الحق من أهوال الآخرة، وهذا الأمر ما كنت تفر منه وتميل عنه وتهرب منه وتفزع .
قال أبو الدرداء: ((ما من أحد آمن على إيمانه أن يسلبه عند الموت إلا سلبه)).
ولما حضرت سفيان الثوري الوفاة بكى، فقال له أحد معارفه: ((يا أبا عبد الله أراك كثير الذنوب؟))، فرفع شيئاً من الأرض وقال: ((والله لذنوبي أهون عندي من هذا، ولكن أخاف أن أسلب الإيمان عند الموت)) .
فإذا كان هذا خوف العلماء والعارفين من سوء الخاتمة مع رسوخ أقدامهم، فكيف لا يخاف ذلك الضعفاء.
فاعلم أخي المؤمن أَّنَّه من أراد طريق السلامة تزحزح عن أسباب الهلاك، على إن العلم بتقليب القلوب وتغيير الأحوال تقلقل قلوب الخائفين، وإذا عرفت معنى سوء الخاتمة فاحذر أسبابها، وأعد ما يصلح لها، وإياك والتسويف بالاستعداد فإن العمر قصير، وكل نفس من أنفاسك بمنزلة خاتمتك؛ لأنه لا يمكن أن تحفظ فيه روحك، والإنسان يموت على ما عاش عليه، ويحشر على ما مات عليه.
كفى بالموت واعظاً:
يقول المصطفى عليه الصلاة والسلام: ((اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك)).
أخي المؤمن! اعلم وتيقن أن الموت هو المصير الحتمي لكل حي طال أجله أم قصر {كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} [الرحمن: 26-27]، أي كل من على وجه الأرض من إنسان وحيوان هالك وسيموت،ويبقى ذات الله الواحد الأحد ذو العظمةوالكبرياء والإكرام، كقوله تعالى: {كل شئ هالك إلا وجهه} [القصص: 88]، قال ابن عباس رضي الله عنه: ((الوجه عبارة عن الله جل وعلا الباقي الدائم))، وقال ابن كثير رحمه الله وهذا إخبار بأنَّ تعالى الدائم الباقي الحي القيوم فقد يغيّر الإنسان بقوَّته وصحَّته وبشبابه و حيوته، وهناك يأتي الأجل ولات حين مندم، فالموت زائر لا يدري متى يطرق بابه، وإنَّه لا يفرق بين الشباب والشيوخ، ولا بين الضعفاء و الأقوياء، فالكل في قبضته سواء، وليس من شرط أن يموت الإنسان على فراشه، فقد يموت في عارض لا يلفت نظراً، وإن كان المرء في عنفوان شبابه وصحته {أينما تكونوا يدركم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} [النساء:78]، فالموت ما هو إلا انتقال من دار الدنيا الفانية إلى دار الآخرة الباقية، والمؤمن لا يفزع من الموت إذا ذكر، ولكنَّه يشفق ممَّا وراءه، يخاف ذنبهويرجو رحمة ربه، فهو لا يتمنَّى الموت لضر أصابه لأنَّه راضٍ بقدر الله، لا يختار لنفسه حياة و لا موتاً، بل أحب الأشياء إليه أحبها إلى مولاه، ومن سعادة المؤمن أن يجتمع له طول العمر وحسن العمل((خير الناس من طال عمره وحسن عمله))
ولنعتر أخي المؤمن بالموت فإنه خير واعظ، ولتميز بين حال المؤمن الذي تقبض روحه كما تنساب القطرة من في السقاء وبين الظالم الذي تنتزع روحه كما ينتزع الشوك من الصوف المبلول، فتصوَّر رهبة الموقف وشدته، وتذكر الموت وسكراته وأهواله، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صص سُئل : أيُّ المؤمنين أكيس، قال: ((أكثرهم للموت ذكراً، وأحسنهم لما بعده استعداداً له ألئك هم الأكياس)) .
وقال أحد العارفين: ((كلنا أيقن بالموت ما نرى له مستعداً، وكلنا قد أيقن بالجنة ومن نرى لها خائفاً، فعلام تفرحون؟! وما عسيتم تنتظرون؟! الموت! فهو أول وارد عليكم من أمر الله بخير أو بشر، فيا أخوتاه! سيروا إلى الله سيراً جميلاً)) .
فلا تشغلكم الدنيا وزخرفتها ولا عروضها وزينتها، فلا كثرة الأموال والأولاد تغني عن طاعة الله، وعن الاستعداد للآخرة،{ويحذركم الله نفسه} [أل عمران]، قال تبارك وتعالى: {ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر * كلا سوف تعلمون *} [التكاثر: 1-3]، قال القرطبيفي تفسيره: شغلتكم المباهاة بكثرة المال والأولاد عن طاعة الله، حتى متم ودفنتم في المقابر ، وقال ابن كثير: شغلكم حب الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها، وتمادى بكم ذلك حتى جاءكم الموت، وزرتم المقابر، وصرتم من أهلها،{كلّا سوف تعلمون}، قال ابن عباس رضي الله عنه: أي في الآخرة إذا حل بكم العذاب ، ثم لتسألن في الآخرة عن نعيم الدنيا من الطعام و الشراب والمركب والمفرش والصحة، استيقظوا وانظروا فقد ألهاكم التكاثر عن حفرة ضيقة، لا تكاثر فيها ولا تفاخر.قال تعالى: {فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ تنظرون * ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون} [الواقعة: 83- 85]، أي: فهلا إذا بلغت الروح الحلقوم عند معالجة سكرات الموت وأنتم في ذلك الوقت تنظرون إلى المحتضر وما يكابده من شدائد وأهوال، ونحن بعلمنا واطلاعنا أقرب إلى الميِّت منكم ولكن لا تعلمون ذلك ولا تبصرون ملائكتنا الذين حضروه لقيض روحه، قال الخازن فهلَّا ترون نفس من يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم؟ وإذا لم يمكنكم ذلك فاعملوا أنَّ الأمر نفس من يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم؟ وإذا لم يمكنكم ذلك فاعملوا أنَّ الأمر إلى غيركم هو تبارك وتعالى.
Page 3
المبحث الثاني
أحسنوا الظن بالله
واعلم يا أخي أنَّ الموت أشد من ضرب السيف، وإنَّما المضروب ويستغيث، وأمَّا الميّت عند موته فإنَّه ينقطع صوته من شدة ألمه؛ لأن الكرب قد بالغ فيه، وغلب على قلبه وعلى موضع فيه، وضعفت كل جارحة فيه، فلم يبق فيه قوة لاستغاثة، ويود لو قدر على الاستراحة بالأنين والصياح والاستغاثة.وتجذب روحه من جميع العروق، ويموت كل عضو من أعضائه تدريجياً فتبرد أولاً قدماه ثم ساقاه ثم فخذاه، حتَّى تبلغ الحلقوم فعند ذلك ينقطع نظره إلى الدنيا وأهلها، ويغلق دونه باب التوبة، قال رسول الله صص: ((إن الله يقبل التوبة من العبد ما لم يغرغر)) .
وروي في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صص: ((إن المؤمن إذا حضر الموت بشر برضوان أن. الله وكرامته فليس شئ أحب إليه مما أمامه، وأمَّا صاحب النار الذي ختم له بسوء فهو يبشر بها وهو في تلك الأهوال)) ، فالمؤمن من يخاف سوء الخاتمة؛ لأنَّ إبليس عدو الله أقرب ما يكون من العبد عند الموت، ويأتي بسخط العبد على الله فيما يجري عليه، ويخوفه فيما بين يديه، فحسن الظن بالله أقوى سلاح يدفع به الشيطان، في الحديث الصحيح أنَّ النَّبي صص قال: ((لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله))، وروي أنَّ رسول الله صص دخل على رجل وهو يموت فقال: ((كيف تجدك))، قال: ((أرجو الله وأخاف ذنوبي))، فقال: ((ما اجتمعا في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله الذي يرجو وأمنه من الذي يخاف))، فالرجاء عند الموت أفضل من الخوف .