eKtab
EN ع
التربية بالحوار
Read free sample

التربية بالحوار

by عبد الرحمن النحلاوي

Page 1

مقدمة

يعدُّ الحوار في هذا العصر وسيلة للتفاهم بين الدول أو بين الشعوب عن طريق من يمثلهم، من أجل تضييق شقة الخلاف، وتقريب وجهات النظر المتضاربة أو المتباينة.

ولكن هذا الحوار الذي يجري بين الدول والشعوب، لا يستهدف إحقاق حق، ولا دفع مكروه عن صاحب حق، لوجه الحق، بل يستهدف تحقيق المصالح وإرضاء النّزوات وتقاسم المنافع المتبادلة، ولو أدّى ذلك إلى طمس الحق أو ظلم الـمُحِقّ، أو هضم الحقوق، وبهذا يختلف مفهوم الحوار السياسي عن مفهوم الحوار القرآني اختلافاً عميقاً كلّياً.

فالحوار القرآني موجّه من الله إلى عباده، ليتجاوبوا مع نداء ربهم، والله منزّه غني عن أي مصلحة أو منفعة...

إنه الحوار الرباني، به يخاطب الله عباده، يأمرهم وينهاهم ويهديهم ويرشدهم، وقد أراد الله لهم أسلوب الحوار ليشعرهم بمكانتهم عند ربهم، وليستخدموا نعمة العقل والتمييز بين الخير والشر، بين الحق والباطل، إذ يدعوهم إلى اعتناق الحق بعد أن يبيّنه لهم، ويحذّرهم من الشر والباطل، وقد أوضح لهم مغبّتهما ونتائجهما، كما يدعوهم إلى تصحيح مسارهم وسلوكهم في الحياة على ضوء ذلك، كل ذلك بأسلوب (حواري خطابيّ) رصين.

والحوار القرآني صادق حتميّ النتائج، فالله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، ولا يُخلف الله وعده {إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 9/40] .

وقد نصر عباده المؤمنين بعد أن وَفَّوا بشرطه الذي اشترطه عليهم بهذا الأسلوب الحواري الخطابي العَطُوف المـتّزن: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ *} [محمد: 47/7] .

ثم خاطبهم الله مبيناً لهم صدق وعده بحوار تذكيريّ رؤوف: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ *} [آل عمران: 3/123-124] .

وهكذا تنوّعت أشكال الحوار القرآني وأصنافه بتنوُّع مقاصده.. ليواكب الحاجات الفطرية الإنسانية، فكان منه الحوار الخطابي بأشكاله التسعة: من تذكيريّ وتعبُّديّ، وإيمانيّ (موجه إلى الذين آمنوا) وإنسانيّ، ونبويّ (موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم) و...ومنه الحوار البرهانيّ: يبرهن بالحجة والمنطق على المعطيات والأهداف الاعتقادية التي جاءت في القرآن لتحقيق سعادة الإنسان وإصلاح حياته ومجتمعه، ولإقامة علاقاته على أساس صحيح سليم متين.

Page 2

ومنه الحوار التعليمي الموافق لفطرة المتعلم، المشبع لرغبته في حب الاستطلاع بصيغه الثلاث، ومنه الحوار القصصي المشوّق الممتع المؤثر...

والحوار القرآني، بجميع أصنافه وصيغه وأشكاله: يهذّب المشاعر، ويوقظ الوجدان، ويربي العواطف الربانية ويجيب عن أسئلة السائلين... ولا يمكن حصر أهدافه في هذه المقدمة.

أما آثاره التربوية فهي أكثر من أن تستوعبها هذه السطور، ذلك أنّ كل هدف من أهدافه -التي تربو على العشرين- يربّي جانباً أو أكثر من جوانب النفس، وينشئ ينمّي عاطفة أو أكثر من العواطف الربانية، ويلبي حاجة أو أكثر من الحاجات الإنسانية أو الاجتماعية أو التشريعية أو النفسية عند الفرد أو المجتمع أو الدولة...

وحسبنا في هذه المقدمة أن نسترعي الانتباه إلى أهمية الحوار القرآني والنبوي؛ ونترك لفصول الكتاب وأبوابه، وأمثلته وتحليله، مهمة البيان والبرهان العلمي على ما نشير إليه هنا. ومن ثَمَّ يستطيع كل مؤمن، وكل عاقل، وكل منصف، أن يتابع الحوار القرآني، من خلال آيات القرآن وتوجيهاته وأساليبه ليعيش في إشراقة الأمل والحق والنور...

والحوار القرآني -بعد ذلك كله- أسلوب تربوي فريد في قوة تأثيره وعمق آثاره التربوية والنفسيّة، وحسبه أنه مظهر من مظاهر تجلِّي العناية الإِلهية بالإِنسان؛ ليعتز بإِنسانيته ويستمر في مناجاة ربه وتفهّم آياته وتشريعه، ويستلهم الثقة بربه، ثم بنفسه وبالمستقبل، ويحيي في نفسه الأمل المشرق، والحب المزدهر والإِيمان والصبر على جميع مشقات الحياة وظروفها...

Page 3

المعنى اللغوي والتربوي للحوار

جاء في مختار الصحاح[1]: «والمحاورة: المجاوبة، والـحِوارُ التّجاوُبُ».

وفي القاموس المحيط[2]: «..واستحاره: استنطقه.. وما أحار جواباً: مارَدّ جواباً وحوَّره تحويراً: رَجَعَه. التحاوُر: التجاوب.. وتَحَيَّرَ الماء: دار واجتمع».

وانطلاقاً من هذا المعنى اللغوي، وممّا جاء في تاريخ التربية؛ من أخبار عن الحوار السقراطي وغيره، أصبح التعليم عن طريق الحوار أسلوباً تربوياً معتمداً، ومعناه تعليم الناشئ عن طريق (التجاوب) معه، بعد تحضير الأسئلة تحضيراً يجعل كلّ سؤال يُبْنَى على الجواب المأخوذ من المتعلّم، على نحو يجعل المتعلم يشعر في نفسه بأن النتائج التي توصّل إليها ليست جديدة عليه...

فيصل المتعلم إلى المعلومات التي يُراد إقناعه بها دون كبير عناء، ودون أن يشعر أنها مفروضة عليه، ودون أن يجد غرابة أو صعوبة في تلقي هذه المعلومات والاقتناع بها وتَبـَنِّيها؛ فالمربّي يُرجع إلى المتعلم ما أَخَذه منه بالاستجواب، بعد أن يبني عليه المعلومات الجديدة التي تَلزَمُ عنه لزوماً منطقياً فطريّاً، بَدَهياً، وقد سبق القرآن والسنّة إلى أسلوب الحوار بشتّى أشكاله وصيغه، فكان أسلوباً ناجحاً مبسّطاً، ميسّراً، تُمارَسُ من خلاله الدعوة إلى الله.

وقد اتخذه رسل الله وأنبياؤه وسيلةً لهداية الشعوب التي أُرسِلوا إليها.. ولكن هذه الصورة التي شرحناها هنا، قلّما نجدها في القرآن بهذا الوضوح، لذلك لابد لنا من تتبُّع مواطن الحوار القرآني والنبوي لنصل إلى التعريف اللائق بهما.

Page 4

تعريف الحوار القرآني والنبوي

إذا استقرأنا آيات الخطاب أو النداء الربّاني وماحكاه القرآن من صُوَرٍ للحِوَار: بين الأنبياء وأممهم، أو بين أهل الجنّة وأهل النار، بعضهم مع بعض، أو بين أهل الجنة والنار وبين أصحاب الأعراف، وماقام به الرسول صلى الله عليه وسلم وماأجراه من حوار وماحكاه لنا من صور المناجاة بين العبد وربه عند قراءة القرآن، لخرجنا بمعان متعددة مختلفة للحوار القرآني والنبوي، يصعب احتواؤها بتعريف يجمع كل معانيها، وأشكالها؛ لأنها ليست على نمط واحد، ولكنها من حيث المغزى والمرمى تؤدي أهدافاً مشتركة، لذلك عددناها أسلوباً تربويّاً موحّداً.

وهذا الأسلوب يمكننا، مبدئياً، أن نعرّفه بأنه: كل نداء، أو خطاب، أو سؤال يُوَجِّهُه القرآن، أو يحكيه مُوجَّهاً إلى منادًى أو مخاطَبٍ أو مخاطبين، حول أمر هام، أو يوجّهه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه أو إلى المسلمين، بقصد توجيههم، أو توجيه اهتمامهم إلى هذا الأمر أو إلى تحقيق هدف معين أو القيام بسلوك فكريّ أو اعتقاديّ أو اجتماعيّ أو أخلاقيّ أو تعبّدي، وعددناه حواراً مع تقديرنا لاستجابة المخاطب أو تجاوبه النفسي، أو مع ملاحظة جواب القرآن على السؤال أو النداء المطروح.

وللحوار القرآني صور عديدة، سنعرضها متدرجين بها من شكلها الأغنى بالمضمون والمبنيّ على التركيب في المعنى التربوي، وتعدّد العناصر التي يتألف منها الحوار إلى أبسط معاني الحوار القرآني وأشكاله، وهو أكثرها وروداً في القرآن.

واستكمالاً لإيضاح معنى الحوار القرآنيّ والنبوي سنعرض مثالاً نبسط فيه عناصره التي يتركب منها حين يكون في صورته الأكمل، والأغنى بالدلالة التربوية.

Page 5

العناصر التربوية التي يتكوّن منها الحوار القرآني والنبوي

من المعلوم في منهج الاستنباط من القرآن والسنة (ويسميه فقهاؤنا علم الأصول) أنّ السُّنّة جاءت مفصِّلة لمجمل القرآن مُبَيِّنة له، تحقيقاً للحكمة الإلهية من إِنزال القرآن على نبيّه، وهي التي ذكرها الله بقوله: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 16/44] .

لذلك آثرنا أن نستنبط العناصر التي يتكون منها هذا الحوار، من الحوار النبوي، حيث جاءت مفصّلة بعض التفصيل، وذلك في الحديث الذي رواه عدي بن حاتم يحكي كيف جرى (حوارٌ) بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم كما نقله السيد رشيد رضا في (تفسير المنار)[3] ، قال: قال الإمام الرازي: «نُقل أن عَدِيّ بن حاتم الطائي كان نصرانياً فانتهى إلى رسول الله r وهو يقرأ سورة (براءة) فوصل إلى قوله تعالى:

ـ {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} [التوبة: 9/31] .

قال عديّ بن حاتم فقلت:

ـ «لَسنا نعبُدهم»

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:

ـ «أليسَ يُحِرّمون ما أحلّ الله فتحرّمونه؟ ويحلّون ما حرّم الله فتستحلونه؟».

ـ عديّ بن حاتم: قلت: «بلى».

ـ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فتلك عبادتهم».

وبهذا الحوار علّم النبي صلى الله عليه وسلم عَدِيّ بن حاتم والحاضرين المستمعين هذه القاعدة في أمر العقيدة: أن الطاعة في التحريم والتحليل والتشريع بغير ما أنزل الله هي من العبادة لغير الله.

Page 6

تحليل هذا الحوار النبوي إلى عناصره أو مراحله التربوية:

يمكننا أن نحلل هذا المثال إلى مراحل الحوار أو عناصره وهي:

1 ًـ أسئلة أو تقرير معلومات تثير عند المتعلم التساؤل ليعطي رأيه حول الموضوع الذي يراد مناقشته، وتتم هذه المرحلة بأسئلة تمهيديّة تصاغ لهذا الغرض. أما في هذا المثال فقد جاءت الآية التي تتحدث عن النصارى واتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أرباباً، جاءت وافية بهذا الغرض، فقد استمع إليها عديّ ووعاها، فدفعه ذلك إلى أن يقول رأيه: «لسنا نعْبُدهم» فهو لم يكن يعرف أن الطاعة في التشريع بغير ما أنزل الله نوع من العبادة واتخاذ الأرباب، لذلك أنكر أن يكونوا قد عبدوهم.

2 ًـ أسئلة أو تقرير معلومات تُبَيّن للمتعلم أن ما أدْلَى به في جوابه يؤدّي إلى أفكار خاطئة أو ناقصة، أو تشعره بالخطأ ونقص المعلومات ليصبح مستعداً لتلَقّي المعلومات الصحيحة التي يُراد إلقاؤها إليه مشتاقاً إليها، وتتجلّى في هذا المثال بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم:

«أليسَ يحرّمون ماأحلَّ الله فتحرّمونه؟ ويحلّون ماحرّم الله فتستحلّونه؟».

وفي جواب عدي بن حاتم الذي حكاه لنا بقوله: «قلت: بَلَى».

3 ًـ تقرير المعلومات التي يراد هداية المخاطب إليها والعمل بها، وتتجلى هنا في تعليق النبي صلى الله عليه وسلم على جواب حاتم وهو قوله r: «فَتِلْك عبادتُهم». ومعلوم بالبداهة عند عَديّ بن حاتم أنه لا أحد يستحق العبادة إلا الله. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم تابع محاورته ليوصله بالحوار إلى هذه الحقيقة وليبلغ معه بالمناقشة والقناعة إلى الإقرار بعقيدة التوحيد، وهي ما أراد هدايته إليه.

Page 7

وقد جاء هذا الحوار في رواية للحديث نقلها ابن كثير في (تفسير القرآن العظيم)[4] ، عن الإمام أحمد والترمذي وابن جرير مِن طرقٍ، عن عَدي بن حاتم، رضي الله عنه، أنه لما بلغته دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فرّ إلى الشام، وكان قد تنصَّر في الجاهلية، (وذكر الراوي خبر إسلام أخته وإكرام الرسول صلى الله عليه وسلم لها، ورحيلها إلى أخيها، وترغيبه في الإسلام.. ثم ذكر عن عدي خلاصة الحوار الذي بسطناه في الصفحة الماضية وحلَّلناه إلى عناصره التربوية) ثم قال:

ـ وقال رسول الله r: «يا عَديُّ ما تقول؟ أيضرك أن تقول: الله أكبر؟ فهل تعلم شيئاً أكبر من الله؟» «أيضرك أن يقال: لاإله إلا الله؟» «فهل تعلم إلهاً غير الله؟».

ولم يذكر الرواة جواباً عن كل سؤال من هذا الحوار على حدة ولكن ذكروا خبر إسلامه، فكان هذا جوابه عن جميع هذه الأسئلة.

قال الراوي: ثمّ دعاه إلى الإسلام فأَسلم، وشهد شهادة الحق. أي قال: «أشهد ألاّ إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله» فهذه الشهادة اعتراف منه بأنّ الله أكبر من كل شيء، وبأنّه لا إله إلا هو، وبهذا أوصله المعلم المربي لهذه الأمة نبيُّنا محمد r إلى الإقرار عن قناعة وبرهان بالهدف الذي بدأ معه الحوار من أجله، فأدّى هذا الحوار مهمته التربوية والتعليمية، وحقق هدفه في هداية عديّ بن حاتم إلى الإسلام والإقرار بشهادة الحق، وبهذا التحليل يتم العنصر الثالث من عناصر الحوار التربوية.

Page 8

مثال من الحوار القرآني على مراحل الحوار

لما كان الحوار القرآني البرهاني[5] الذي يثبت بطلان عبادة غير الله، ويدعو إلى توحيد الله بالعبادة، موجّهاً أوّلاً إلى المشركين، وهو الذي يمكن تحليله إلى هذه العناصر أو المراحل التربوية، ولما كان المشركون قد لجّوا في عنادهم وطغيانهم فلا يُتَوقع منهم أن يتجاوبوا مع هذا الحوار القرآنيّ؛ لذلك سنرى أن القرآن يتولى صياغة أسئلة وأجوبة تغْني عن جواب المشركين، ليقيم عليهم الحجة بها، وليتم تقرير ما يُراد تقريره، مما يَلزَمُهُم الإقرار به، بالبرهان والحجة، لزوماً منطقياً ناشئاً عن بداهة المقدمات التي صيغت في أسئلة المرحلة الأولى التي تحكي واقعهم أو تعبر عما هو مشاهد بالحسّ والواقع، فلا يمكن إنكاره.

والمثال التالي خير دليل على ذلك، وهو الحوار القرآني مع المشركين الوارد في قوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ *} [يونس: 10/31-32] . فهذا حوار يقوم على سؤالهم عما يعترفون به من فضل الله ورزقه.. ذلك أن مشركي العرب لم يكونوا ينكرون وجود الله، ولا أنه الخالق والرازق والمدبّر. إنما كانوا يتخذون الشركاء للزُّلفى[6]، أو يعتقدون أن لهم قدرة إلى جانب قدرة الله، فهو يأخذهم بما يعتقدونه، ليصحح لهم عن طريق هذا الحوار الذي يوقظ وعيهم الفطري، ذلك الخلط والضلال الذي كانوا واقعين فيه؛ لذلك أمر نبيه أن يحاورهم ويسألهم:

{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} من المطر الذي يحيي الأرض، ومن طعام الأرض: نباتِها وطيرها وأسماكها وحيوانها.

وذلك هو ما كانوا يدركونه ويحسّونه حينذاك من رزق السماء والأرض، ثم سألهم الله تعالى: {أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ} يهبها القدرة على أداء وظائفها أو يحرمها، ويصحّحها أو يُمرضها؟

ثم سألهم جلّ جلاله: {وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} فالساكن في نظرهم وعُرْفهم هو الميّت، والنامي المتحرك هو الحي، وهذا هو المشهود عندهم في خروج النبتة من الحبّة والحبّة من النّبتة. وإنّ وقفة تأمُّلٍ أمام الحبة والنّواة تخرج منهما النبتة والنخلة، أو أمام البيضة والبويضة يخرج منهما الفرخ والإنسان، لكافية للدلالة على عظمة الخالق ودقة صنعه وإبداعه. وإلاّ فأين كانت تكمن السنبلة في الحبة؟ وأين كان يكمن العود؟ وأين كانت تلك الجذور والساق والأوراق؟.. وأين في البيضة كان الفرخ؟ وأين كان يكمن العظم واللحم، والزَّغَب والريش، والزقزقة والصوت؟.. وقل مثل ذلك في الإنسان وملامحه وسماته ونبرات الصوت ونظرات العين؟

ـ {وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ} في ذلك كلّه وفي سواه من شؤون الكون وشؤون المجتمع والحياة والبشر؟ من يدبر النظام الذي يحكم حركة الأفلاك على هذا النحو الدقيق؟ {فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ} إنهم لا ينكرون وجود الله، ولا ينكرون قدرته وتدبيره في هذه الشؤون، بل يعترفون بذلك ولكن انحراف الفطرة كان يقودهم مع هذا الاعتراف إلى الشرك بالله. فيتوجّهون بالخشوع والشعائر إلى سواه. كما يتّبعون شرائع لم يأذن بها الله، لذلك وجّه الله إليهم سؤالاً ينكر هذا الانحراف، ويبعث فيهم خشية الله: {فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} أفلا تخشون الله الذي يرزقكم من السماء والأرض، والذي يملك سمعكم وأبصاركم، والذي يدبر الأمر كلّه؟ وهكذا يدعوهم إلى خشية الله الذي ينتقم من كل من يشرك به.

وبهذا يدعوهم إلى توحيد الله. فالذي يملك هذا كله هو الله، وهو الربّ الحقّ. فمن تجاوزه إلى عبادة غيره فقد ضل وزاغ عن الحق إلى الضلال والضياع. لذلك قرر لهم هذه الحقيقة وبنى عليها سؤالاً ينكر انحرافهم {فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ}. {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ}.

ـ {فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} كيف تبعدون عن الحق إلى الضلال، والحق واضح بَيّنٌ تراه العيون؟ وفي هذا دعوة لهم وتوجيه إلى العودة إلى الحق والصحوة من هذا الضلال والضياع، والحذر ممن يصرفهم عن الحق ويُوَسوس لهم ليزيّن لهم الباطل...

التحليل التربوي لهذا المثال :

يمكننا أن نشير إلى العناصر التربوية في هذا المثال فنذكر الدلالة التربوية لكل قسم من هذا النص القرآني، وقد عرضناه مع تفسيره بما فيه من أسئلة حوارية أو تقرير لأجوبة المشركين..

1ـ فالعنصر الأول أو المرحلة الأولى تتجلّى في أسئلة تكشف ما عند المخاطب من معلومات حول الموضوع الذي يراد مناقشته وتقريره. وقد جاءت في هذا المثال، في قوله تعالى يسأل المشركين:

Page 9

س1: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ}.

س2: {أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ}.

س3: {وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ}.

س4: {وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ} {فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ} وهكذا توصّل هذا الحوار القرآني إلى أن يحكي لنا إقرار المشركين بصفات الله الرازق المحيي المميت المدبر للكون، ونحوها مما لا يمكن أن يتصف بها الشركاء الذين يعبدونهم مع الله، ليبني على هذا الإقرار تتمة الحوار:

2ـ المرحلة الثانية أو العنصر الثاني: أسئلة تكشف عن خطأ المشركين وضلالهم وبُعدهم عن الصواب، وقد جاءت في سؤال واحد وهو قوله تعالى:

س5: {فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} أفلا تخشون الله؟ كيف تكفرون به، وتجعلون له أنداداً وشركاء تعبدونهم من دونه؟

3ـ المرحلة الثالثة: وفيها يقرر القرآن الحقيقة التي تلزمهم ولا يعترفون بها {فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ} ثم يسألهم مستنكراً.

س6: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ}.

س7: {فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} كيف تصرفون عن الحق وهو عبادة الله وحده والدينونة له، وترك عبادة الأصنام، والاعتقاد بأنه هو المشرّع والمستحق للعبادة؟.

فهذا السؤال الإنكاري حل محل جوابهم الأخير، الذي أجاب به من آمن منهم فشهد شهادة الحق بعد سماع القرآن وتدبُّره، كما رأينا في المثال السابق: كيف شهد بها عدي بن حاتم، وكما في قصة إسلام عدد من الصحابة...

Page 10

تصنيف الحوار القرآني والنبوي

بعد أن عرفنا مراحل الحوار القرآني والنبوي وعناصره التربوية، يمكننا أن نذكر أشكال هذا الحوار مبيّنين في كل صنف مدى احتوائه على هذه المراحل أو العناصر التربوية، وكون بعضها مضمراً يمكن تقديره لاستكمال معنى الحوار وبيان هدفه الذي يظهر غالباً في عنصره الثالث أو الأخير، كما رأينا في المثالين اللّذينِ حلّلناهما آنفاً.