eKtab
EN ع
الطريق إلى مكة
Read free sample

الطريق إلى مكة

by محمد الغربي عمران

Page 1
إلى وطني التواق للعدالة والحرية···
 
صنعاء
 
صعصعة
 
.الحمدُ له المتعالي عن أن يكونَ لثواقب العقول والأفكار مَـــرَاسٍ لآفاق عظمته، المتجلل عن أن تعبر مختلفاتُ الألسنِ واللغاتِ عن كــُــنــْـهِ صفتِه، المتقدس عن الصفة ونفيها اللائقين بإبداعه وخلقه الذي عجز عن إدراكه العقلُ السامي على أبناء جنسه بشرف سبقه، فهو إذا نهض ملتمساً ذلك غشيته أمواجُ الحيرة فغرق في تيارها وجذبته يدُ العجز إلى حضيض القصور وآض ملتجئاً إلى جوارها معتصماً بذروة الاعتراف، التي هي النجاة مستحقاً كونه منشأ الأمر الذي قامت به الأرضون والسموات وأشهد عن عجز إدراكه، هو حقيقة الإدراك المحفوفة طريق توحيده بسُرَادقات التعطيل فمن سلكها بغير دليل وقع في الضلال ومن أمها بغير هادٍ ضاع في مسالك الأباطيل والمتاهات·
 
فالحمد له الذي نِـعَمُه لا تحصى على من أطاع وعصى، فذو الطاعة لما به من نعمة يُملأ، وذو المعصية إلى حد ماله يُملأ، يستفيدُ هذا من شكره رحمة ورضواناً، كما يستزيد ذلك بكفره إثماً وعدواناً، وكل سوف يؤتى كتابه ثم لا شك يوفى حسابه·ب
 
أما بعد·· أنا جَــوْذَر بن······ عشت كما شاءت لي المشيئة·· أجيراً في صباي·· تعلمت رسم الحروف ونقش الزخارف على يدي معلمي صعصعة·· وَخلط الأزهار بالصمغ والجير ومسحوق الفحم بمقادير مختلفة وغليها لاستخراج ألوان الكتابة والتصوير·· كما حذقتُ تحضير رقوق الكتابة من جلود الماعز·· وتحضير الكاغد من القنب الأبيض·· وكذا جمع وحباكة الورق وتجليدها كُتباً·
 
قضيت عمري أبحث عن مسالك بواطن الأمور·· ومسارب الحقيقة·· وهذا أنا أدوِّنُ بعضَ ما عاش بي الزمن·· بعد أن ظللت أنسخُ ما يريده الناسُ وما يخصهم· سأعود بحكايتي إلى قادم الأيام·· إلى يوم جمعة من شهر محرم الحرام 435 للهجرة·· يومها انتشر خيالة ملثمون في أحياء وأسواق صنعاء·· يبحثون عن ضحاياهم·· لتصل مجموعة منهم إلى سوق الوراقين·· لحظتها صرخ بي المعلم صعصعة لمرآهم··: .أهرب ياجَــوْذَر بسرعة·· أُنج بحياتك·  حينها رأيتُ الموت في عينيه·· وسريعاً ما سدت الخيالة باب الحانوت·· دفعني·· تسللت تحتَ لهيب سياطهم·· ورَكَلاتهم·· من بين سيقان خيولهم، اصطدمت بأجساد السابلة وقد تجمعوا خلفَ الخيول·· رأيته يتلوى تحت ألسنة السياط·· تتطايرُ نِــتــَــفُ ملابسه الممزقة·
Page 2
في صباح اليوم الثالث تسرب خبرٌ من أن الإمام الملثم قد هرب ليلاً بأموال طائلة·· وأن قبائل ورجال الداعي الجديد الإمام الشريفَ قد ملأت شوارع وأزقة صنعاء وأسواقها ذعراً·· خيم الرعب على المدينة··فاحت روائح القتل والنهب والسلب والحرق·
 
حين خطط الملثم للتسلل والهروب خارج صَــنـْـعَــاء·· كان قد أمر عسكره الملثمين بقتل عدد من وجهاء المدينة ومشايخها بتهمة خيانتهم وتعاونهم مع أعدائه·· كان المعلم صعصعة شيخ مشايخ صَــنـْـعَــاء على رأس من أمر ملثميه بقتلهم قبل هروبه·
 
كنت وأمي نتوقع في كــُــلّ لحظة أن يُــكسَرَ بابُ بيتنا·· نسمعُ صرخاتٍ وعويلا·· وَقــْـعَ خطوات متلاحقة··تعكفُ أمي في بيت صلاتها·· تناجي ربها·· تكرر صلواتها·· لا أعرفُ ما أصنع·· تنصحني ألا أفكر بمواجهة مَن سيكسرون الباب·· وتتكرر أصواتُ الاستغاثات من دُور تجاورنا·· كانت المدينة قد عاشت حصاراً لأكثر من شهر ونصف قبل اقتحامها·· حينها سد السكانُ مداخلَ الشوارع والأزقة·· مات البعض جوعاً وخوفاً·
 
حين كنا نحتمي ببيتنا سمعت وأمي قرعَ طبول·· قالت لي: هل تسمع ما أسمع·· لقد استجاب الرب لصلواتي·· لقد نجونا!·· طلبتُ منها أن تفتحَ البابَ لنعرفَ ما يحدث·· تمنت عليَّ الحذر·· سرتُ أبحثُ عن مصدر قرع الطبول·· أناس يتبعون نافخي الأبواق وقارعي الطبول·· يسيرون ليقفوا·· يقرأ أحدهم الأمر الإمامي الجديد·· بالأمان لجميع السكان·· تحيطهم مجموعة من العسكر·· يتبعهم أناسٌ كــُـثـْـرٌ·
 
عُدت إلى زُقاق بيتنا·· حدثت أمي بما رأيت وسمعت·· لفت طرحتها حول رأسها·· طلبت مني مرافقتها إلى دار المعلم·· سرنا وسط خراب دُور كثيرة·· رائحة الموت والتراب·
 
وقفت جوار قبرالمعلم هناك جوار جذع شجرة فسحة المدخل··الحزنُ يغلف دار المعلم·· يسكنه العويل·· نساء كثر ينتحبن·· شاركتهن أمي·· أما (شــَـوْذَب) فلم تقوَ على الحديث·
 
قبل تسع سنوات كان هناك طفلٌ في الثامنة أرى أمه تُمسك بذراعه·· تقفُ أمامَ هذه المصطبة الحجرية·· يجلس المعلم مشغولاً بما بين يديه·· أسمع صوتها رغم ضجيج السوق:
 
- سلام عليك يا جار·
 
يرفع المعلم وجهَه مبتسماً·
 
- وعليك السلام يا جارة·
 
تتسع ابتسامته حين يرى وجهَ الطفل ملتصقاً بثوب أمه·· يبتسم الطفلُ بعينيه الصغيرتين·· قالت الأم وهت تشير إلى طفلها:
 
- هذا ابني أتيتُ به إليك·
 
هبط بنظره يتفحص ملامحَه مرة أخرى·· انكسرت عينا الطفل·· حرَّك شفتيه وقد نقل نظره إلى وجهها:
 
- أليس صغيراً على العمل!·
Page 3
- يمكنه البقاءُ في الحانوت عند خروجك·· حتى عودتك·· أَوْ أن يجلبَ لك بعضَ الأشياء··
 
عاد يتفحص قامة الطفل·· ثم قال موجهاً كلامه إ ليه:
 
- لا بأس يا صغيري·· فلنرَ ما سنصنع سوياً بهذه الحياة·
 
تشبث الطفل خوفاً بأصابعها· وقد خشي أن تتركه لدى ذلك الشيخ وتمضي·· يسترق النظر، فيرى عالـَـماً من رفوف عديدة·· يرفع ذلك الشيخُ كفه مشيراً بإصبعه المرتجفة·· وهو يقول:
 
- سأنتظر قدومَــك غداً يا مساعدي الصغير؟·
 
ردت عليه وأصابعُها تعبثُ بوجه الطفل·
 
- سيكون برفقتك منذ الصباح الباكر·
 
تنفستُ ُ بعُمق حين ودَعَتهُ مستديرةً من حيثُ أتينا·· ممسكةً بمعصمي·· حدثتني في طريق العودة:
 
- لماذا كنت مضطرباً؟·
 
- خفتُ أن تتركيني وتمضي!·
 
- ألم أحدثك بأنك ستعمل مساعداً لرجل لطيف؟·
 
- بلى، ولكني لم أتخيل أن يكونَ اليوم·
 
- عليك بحفظ الطريق فغداً ستأتي وحيداً·
 
لا زالت تسكنني لحظة اضطراب ذلك اليوم·· أخذت تقطعُ بي الأزقة والشوارعَ الفاصلة بين بيتنا وتلك الحوانيت المتداخلة ذهاباً وإياباً عدة مرات·· مسالك غريبة·· تشير إلى واجهة تلك الدار تأمرني أن أحفظ ما عليها من: زخارف ياجُوريَّــة·· بروز مشربيات دار مقابلة·· قناطر وعُقود حَجَرية نسير تحتها·· تلك السواني التي تسيرُ في منحدراتها أثوارٌ هبوطاً وصعوداً·· بعير تحت سقيفة معصوب العينين يدورُ حول
 
صخرة سوداء·· مئذنة عالية تزينها زخارفُ ناتئة·· جدران طويلة من الطين لبساتين نرى فروعَها تتدلى·· حوانيت متراصة في كــُــلّ اتجاه·· سقوف مخرَّمة·· وأخرى تحيلُ ممرات السوق إِلـَـى سراديب معتمة·· أصوات·· ألوان·· روائح· كــُــلُّ تلك العلامات اختزنها عقلي·
Page 4
صوتُ أمي وهي تشير بأصبعها أن أحفظ معالم الطريق· تحدثني عما يجبُ أن يتحلى به الولدُ الطيبُ الذي تحبه أمه قالت لي;  حين تكون هناك لا تتحدث كثيراً·· استمعْ لما يقال لك·· لا تصدق كلَّ مَا تسمعه·· لا تتسرع في الحديث أَوْ الرد·· ابتسم دوماً·· لا تجادل مَن كان أكبر منك·· تجنــَّــب كــُــلَّ غريب·  قضيتُ ليل ذلك اليوم في تخيل الغد ورهبته حتى غشاني نوم عميق·
 
عندَ الصباح الباكر ألبستني أمي ثوبا نظيفاً، احتضنتني عند عتبة البيت·· علقت مِـزْوَدَتي على عُنقي·· كسرة خبز·· أحتضن كفها أصابعي قائلةً وهي تبتسم:
 
- أنت تعلم إلى أين تتجه·
 
هززت رأسي مرتبكاً وبرودة الصبح تلفحُ وجهي·· أشعرُ بخوف يرتجف في صدري·· إحساس بالعجز من المجهول·· كانت تهمس وهي تدعك يدي بيديها أنت تحفظ علامات الطريق أليس كذلك؟;·  تذكرني بتفاصيل الأمس إلى حانوت ذلك الشيخ·· مشجعة إياي أن أذهب·· قالت في أذني: تذكر دوماً بأني إلى جوارك·· لم تعد صغيراً·· اليوم أنت رجل·· والشيخ في حانوته ينتظرك 
 
إصبعُ يدي ترتعش حين انزلقت من قبض كفها·· كُنتُ مشتتاً وأنا أخطو أولى خطواتي بعيداً·· الشمس لم تشرق بعدُ·· أسيرُ في طرُقٍ معبأةٍ بالبرد والخوف·· خالية إلا من البعض·· يخفق قلبي وحيداً وسَطَ أزقة متشعبة·· أستحضرُ علامات الأمس: صوت أمي·· الروائح·· واجهات الدُور العالية·· أسوار طينية·· أبواب·· مآذن·· قباب·· سبل للماء·· ارتجفت مرتبكاً حين وقفت بين عدة أزقة متشابهة·· محتاراً أبحث عن علامة تدلني·· ألتفت لأتأكد من موقعي·· كدت أن ابكي لرؤية أمي ترقبني هناك·· هزني خجلٌ بداخلي·· هممت بالعودة إليها·· لوَّحَتْ لي أن أسيرَ منعطفاً شمالاً· صفوفُ الحوانيت لا تزال مغلقة·· عدا بعضها·· ميَّزْتُ حانوتَ البارحة·· لا يزال بابُه مغلقاً·· جلست أمرجحُ قدمَيَّ من على مسطبته الحجرية·
 
حينها ظهر ذلك الشيخُ يسيرُ بخطى منتظمة·· حين رآني وقف متأملاً·· ابتسم·· رفع صوته: هذا أنت يا صغيري·· الآن تأكد لي أنك مساعدٌ نشيط·
 
لم أجد ما أقوله·· هبطت واقفاً·· مد يده مصافحاً·· ألتفتُ عَـلــِّـي أرى أمي·· كنت أشعر بأنها في مكان ما ترقبني·· تبتسم· يصعد الشيخ المصطبة الحجرية·· يُخرِجُ مفتاحاً طويلاً·· يُديرُه في بطن الباب·· مردداً: يا فتاح يا عليم·· يا رزاق يا كريم·· يا هادي يا عظيم· وكلما دار به دورةً أضاف دعاءً بنفس الإيقاع·· أُراقبُه: يسحبُ مصراعَي الباب الخشبيين الصغيرين·· يجذبني إلى الداخل وهو لا يزالُ يتمتم أدعيته·· رائحة الحانوت دافئة·· يجلس متكئاً في زاويته·· يُشيرُ إليَّ أن أجلسَ على صندوق يحتلُّ نصفَ المساحة الداخلية للحانوت·· مغارة صغيرة غطت جدرانَها أرففٌ عالية·· تدلت بعضُ رقوق ولفائف·· أقمشة·· وكتب·· أدراج أتكشف محتوياتها يــَـوْماً بعد يوم: خيوط·· سيور·· مخارز·· أواني مليئة أحباراً·· أصماغاً· أراقب انهماكَه بسن يراع·· صرير متقطع يرسُمُ أحرفاً على صفحة بين يديه·· يرفع رأسَه بعد حين، يتأملني كما لو أنه يكتشف وجودي:
Page 5
- أنا اسمي صعصعة·· وأنت ما اسمك؟·
 
ظننت أمي كانت تسخرُ مني حين قالت لي بأن اسمه صعصعة!· لكنه اسمه بالفعل·· أبحث عن علاقة بين وجهه المستطيل وهذا الاسم·· أتذكرُ قولَ أمي .الأسماء تشبهُ أصحابَها;· فما أن تتعرفَ على أحدهم عليك بالبحث عن التشابه بين ملامحه واسمه·· ليبدأ بداخلي تأثيثُ تلك الأسماء بتفاصيلَ صغيرة تلتقطها حواسي من سِحْــنـَـة أَوْ بسمة أَوْ صوت·· تداركت انتظاره لردي:
 
- جَــوْذَر·· اسمي جَــوْذَر·
 
- نعم جَــوْذَر لقد تذكرتُ·· أمُّــك أخبرتني بذلك·
 
لم استسغ اسمه ذاك·· سرحت أبحثُ له عن اسم·· عاد صوته الهادئُ وكأنه يقرأ ما يعتملُ بداخلي:سنكون صديقين· لم أدرِ ما أرد به·· أدرك ارتباكي·· أردف: اسمك جميل·· لكني سأطلق عليك صديقي الصغير· كما لو أنه هو الآخر لم يستسغ اسمي·· أنَّ كــُــلاً منا قد قرر اختيارَ اسم جديد للآخر·· لم تمر غيرُ أيام حين أسعفني أحدُهم مخاطباً له بالمعلم·· اعتقدت أنه اسم·· إلى أن عرفتُ بأنه صفة·· بينما استمر هو يخاطبني بصديقي الصغير·· كنت أنا أخاطبُه بالمعلم·· لم أكن قد سمعت أحدَهم يصفني بالصديق غيرَ أمي·· فحين تكون مغتبطة·· تحتضنني وهي تقول: مرحباً بصديقي·· خليل روحي· فأشعر بالزهو والفرح·
 
بعدَ أيام من مقتل المعلم صعصعة كلفتني زوجتهُ بإعادة بناء الحانوت·· استشرت أمي·· نصحتني بخوف أن أتريَّثَ·· صوتها يُربكني·· لا أرى لي عملاً غير ما تعلمته على مدى سنين من المعلم·· أذهبُ خلسةً عبر الشوارع والأزقة المليئة بالأنقاض والمخلفات إلى السوق·· أتأملُ الحانوت·· بقايا جُدرانه·· الدِّكــَّـة الحَجَرية الأمامية لا زالت متماسكة·· كَومة عيدان متفحمة مختلطة بأحجار وأتربة أنقاض السقف·· كــُــلُّ شيء بلون الحريق·
 
يسألني بعضُ جيراننا في سوق الوراقين: هل ستعيد بناء الحانوت؟ البعض: ربنا يعينك·· ويرحمه!· وآخر:إن رغبت أن تعملَ معي فأنا أرحب بك·
 
صممت على إعادة الحانوت إلى سابق عهده·· حذرتني أمي من الانقياد للعاطفة·· لم أدرِ أَيّة عاطفة كانت تقصد·· حُبي لعملي·· أم للمعلم·· وهي مَن كانت تحب أن تستمعَ لحديثي عنه طوالَ الوقت·· أم أنها تعلم بتلك المشاعر التي أحملها لـ (شــَـوْذَب)·
Page 6
جاءت زوجة المعلم إلى السوق·· هي المرة الأولى التي أراها فيه·· وابنتها شــَـوْذَب إلى جوارها، لتريا ما صنعت·· وقفتا أمامَ المسطبة·· تأملتا باباً جديداً·· أرففاً وخزائن من الخشب·· صندوقاً شبيهاً بذلك الصندوق الذي احترق·· تبحث عيون شــَـوْذَب عن شيء، كانت تجده كلما جاءت إلى الحانوت: صوته·· ابتسامته·· وجهه·· عينيه·· تنظر إلى مكانه الخالي·· لاحظت عينيها وقد فاضتا بالدموع·· أظهرتُ تماسكي·· لم أبكِ منذ مقتله·· اغرورقت عيناي لحظتها·· هرع البعضُ من حوانيت الوراقين المجاورة·· تجمع المارة حولنا·
 
حدثت أمي عن زيارة زوجة المعلم وابنتها·· قلت لها: أشعر برضا دفين حين أكون هناك·
 
أمسكت بيدي·· متأملةً وجهي·· رأيتُ على وجهها لأول مرة بقعاً فاقعة الحُــمْـرَة تحاصر عينيها: لا أريد أن أفقدك·· أنت سَـلـْـوَتي وكل دنيتي·· أخاف أن يقتلوك يــَـوْماً كما قتلوه·· لا أتخيل حياتي بدونك· أكملت كلماتها وقد أشاحت بعينيها بعيدا·· حتى لا أرى دمعتها، ملامح الخوف·· تعرف بأن حديثها لن يُثنيني·· وقفت تدمع صامته·· ثم اتجهت لتدخل بيت (الوهيم)·
 
أخترق نفسَ أزقة الأحياء التي تعودت أن أسلكها في طريقي إلى الحانوت صباح كل يوم·· أتوقع أن أراه هناك·· أفتح مصراعيه الصغيرين·· أقتعد الصندوق حيث تعودت اقتعاده طوالَ سنواتي إلى جواره في الحانوت·· أتأملُ مكانه·· تصلنا أصوات الباعة·· أقف، أمد عنقي أرفعُ نظري مترصداً صَفــَّــي الحوانيت المتلاصقة·· حركة المارة·· أتوقعُ ظهورَه في كــُــلّ لحظة من طرَف زُقاق السوق·· كما كان يظهر قادماً·· ليصعد الدكة الحَجَرية·· يخطو داخلَ الحانوت·· يجلس في زاويته تلك·· بين الجدار ومصراع الباب·· لينهمك بسن يراع·· راسماً حروفاً على صفحات جديدة·· أَوْ ناقشاً حواشي بألوان الدهشة·
 
اليوم ها هو ذا مكانه بارداً·· ويراعه لا تتحرك·· المداد في قنانيه راكد·· لم يعد من صوت·· أو عين تجول فيما حولها مبتسمة·· روحه·· نعم روحه حين ألتفت ألمح ظلالاً·· لا تلبث أن تتوارى·· أنفاسا لها رائحة الأمس تلفح خدي·· ملامح إنسان يخيل لي بأنه يجلس، يسألني عن حلتي·· تتماوج تقاطيع وجهه عن ابتسامة غامضة·· صوته المختلف·· أنهض·· لا أجد أحداً·· تجول عيناي في عمق زقاق الوراقين··تبحثان·· نفس رتابة الأيام·· الأصوات·· حركة الناس·· أحدهم يخرج من حانوته·· وآخر يقف يتمطى·· متسكعون يتفيئون ظلالاً شحيحة·
Page 7
أنسى وحدتي·· أجد نفسي تتحدث إليه·· أو أنها تتحدث إلى ذاتها·· أسأل·· لمن ألجأ حتى أعرف جودة ما أصنع؟ لم أتصور يوماً بأني سأكون وحيداً·· أو بالموت يزورني يوما·· أم أن ما أعيشها ليست حياتي؟ وأن الإنسان عليه أن يفكر ويتصور حياة ليعيشها كما يريد·· لكني لا أتخيل·· ولم أسأل المعلم أو أمي عن ذاك الشأن·
 
حين قال .اهرب ياجَــوْذَر بسرعة·· انج بحياتكب· هل كان يدرك موته·· ولم يخذله ذلك الموت حين جاء في موعده؟ أم أنه خذله وهو يراه يأتي قبل أن أوانه··أم أن إلهه أنتقم منه وهو يراه يخلص لغيره·· يعكف متفانيا ليل نهار·· يذوب فيه رسماً ونقشاً·
 
عليَّ أن أفكر بالموت من اليوم وأن أستعد له·· أن أجد وسيلة للاقتراب منه؟ أو أن أفنى فيما أحب من عمل كما حاول المعلم عمل ذلك·· أن انهمك فيما كان قد علمني إياه·· كنت أرى نشوة العمل في عينيه·· كلماته·· رضاه·· وخير العمل ما كان رسما ونقشا·· ما أحسه بعشق يتغلغل مع روحي·
 
أشعر بجوع لا يسده ما أتناوله من كسر الخبز وجرع الماء·· أشكي لأمي فتنظر إلي متعجبة·· أبحث في نفسي·· فلا أجده إلا قُرب من أهوى·· أو أن بداخلي شجناً يدفعني للبكاء فلا تخرج الدموع·
 
يأتي ذلك الرجل قبل أن يختفي·· يطوف الحوانيت بأسماله ورقع الجلد التي بالكاد تستر جلده·· أرقبه يسير الهوينا يقف أمام حلق كل حانوت·· ما إن يصل إليَّ حتى تشير ابتسامته من بين شعيرات وجهه·· يلقي السلام·· ودون أن يستأذن يجلس على زاوية الدكة متأوها·· أراقبه·· منهمكا في إحصاء غنائمه·· يمد لي بكسرة خبز·· أو بحبات لوبيا·· أشير برأسي ممانعا·· يغمغم بكلمات غير واضحة وهو يقضم لقيماته·· يمد لي بعنقود عنب دون أن ينظر إلي·
 
لم تكن العلاقة بيننا فيما مضى واضحة·· حين كان يأتي لم أكن أهتم بما يدور من حديث بينه وبين المعلم·· ولم أتفرس يوما في ملامحه·· لكنني اليوم أدرك كم هو لصيق الشبه بالمعلم·· وكم كلماته القليلة تشبه كلماته·· يوما بعد يوم أستمع إليه يحدثني دون أن أطلب منه·· كمن يحدث نفسه·· عن الجنة التي تنتظرنا والتي هو فيها- يقصد المعلم- وأنها بعرض السموات والأرض·· فأسرح عنه متخيلا فضاء تلك الجنة·· أعدت للمتقين·· فلا أستطيع تحديد صفات المتقين·· لكنها من المؤكد في فضاء بعيدا عن عرض السموات والأرض·· وإلا لاحتلت مكانيهما ولما وجدت سماؤنا وأرضنا مكاناً·
 
يوما بعد يوم أنتظر قدومه، فقد كانت حكاياته التي أسمعها منه حين يريد الحكي غريبة·· يحكي لي عن معرفته بالمعلم·· وعن حكاياته معه على مدى سنوات·· قال بأنه كان يخاف عليه في آخر أيامه من الملثم·· وأن المعلم تمادى في تضليله·· لكنه بالفعل أوصله إلى حافة الهاوية حينها قرر الانتقام·· ثم هرب فاقداً إمامته·
 
لم يكن لذلك المتسول سكن محدد·· حين أتذكر أول مرة رأيته كان بتلك الرقع والأسمال·· وحتى اختفائه ظل بها·
 
اليوم أتذكر هيئته·· كأنه ولد باليا·· مكتمل التكوين لا يكبر·· يمد يده للعابرين·· وشفتاه تهذران بالكثير·· في آخر مرة قال لي بأن رسول الصُليحي صاحب الكتب سيأتي لأخذ الكتب وما نسخناه·· حذرني من أني سأُخدع·· قال لي اإن ثمن الخديعة الموتب ثم نهض من على الدكة ينفض يديه وهو ينظر إليَّ بطرف عينيه وعلى وجهه ابتسامة لم أنسها·
Page 8
بيت اللــَّــه
 
 
 
حانوتُ المعلم هو الثاني بين صَفــَّــين متقابلين من حوانيت الورَّاقين·· ثم تبدأُ تشعُّـــبات سوق العطارة، لينتهيَ مع بداية سوق الطعام·· ثم الملح·· الصاغة·· البـــزَّ·· يجاورُه سوقُ السلاح·· إلى يمينه إيقاعُ مطارق الحَدَّادين المصاحبة لأصواتهم الملحونة·· وخلفه النِّحاس·· الـمَــدَر·· ساحة الخشب·· سوق البقر·· سوق العبيد·· وهكذا كنت أكتشف يــَـوْماً بعد يوم عوالمَ لم أكن قد تخيلتها في أوردة صنعاء يوماً·
 
في أول أيامي بالحانوت كان المعلم يُحَيِّرُني·· أرقبُه غارقاً بصمته·· منهمكاً في ما بين يديه·· أَنشغلُ بمراقَبة حركة المارة خارج الحانوت·· يُعيدُني صوتُه·· بعد أن يكونَ قد رفع وجهَه·· ينظرُ إليَّ مبتسماً·· لتزدادَ ابتسامةُ عينَيه·· حينها أعرفُ أنه سيتحدث: تلك الأدراج·· أَخرِجْ ما بها من رقوق وورق·· ثم أعدْ ترتيبَها· أَوْ:أعدْ ترتيبَ قناني المداد·· وأواني المخارز والإبَر·· وكذلك اليَرَاع انقلها إلى موقع آخر· ويوماً ثانياً يشير إليَّ بإصْـــبَعه: .تلك الأرفف أنزل ما بها من كُتُب·· وأعد ترتيبَها· يبتسمُ مشجعاً·· بعد أن أكمل مهمتي أتجه كالجرو الصغير أقبعُ على سطح الصندوق·· أعاود مراقبة المعلم· يــَـوْماً بعد يوم أكتشفُ بأني أستأنسه·· أتحدت مع هذا الكائن الغريب الذي أحبه·
 
حانوتُ المعلم وما تحتويه أدراجُه ورفوفه وأوعيته· أصبح عالمي ألمَمتُ بتفاصيله الصغيرة·· قوارير الأحبار·· محتويات الأرفف·· وما تحتويه تلك الأدراج من أواني الصمغ والعجين ذي الرائحة النفاذة·· خِـــباء اليراع وعِيدان الكتابة·· أوعية الإبر والمخارز والسُّيُــور·· مساحيق ملونة·· أدراج شفرات صغيرة·· خيوط··· محتويات الأدراج السفلية والصندوق الكبير·· وجدت نفسي بعد مدة جزءاً من المكان· لم تكن محتويات الحانوت تحتاجُ كــُــلَّ ذلك الترتيب، لكنها حيلة المعلم في أن ألم بكل تفاصيله الصغيرة·
 
في إحدى الليالي أصيب جسمي بحُمَىً شديدة لا أعرف سببها·· منعتني أمي من الخروج لعدة أيام·· فاجأنا المعلم بحضوره إلى منزلنا·· نهضت من أغطيتي·· احتضنني·· ثم بَعْــثــَــرَ شعرَ رأسي·· هامساً وهو يداعبُ أصابعَ كفي:
 
- يا صديقي الصغير·· لقد شعرتُ بافتقادك·
 
اعتذرت له متلعثماً·· وهو يُعيدُني بين أغطيتي·· واضعاً كفــَّــه على جبهتي·· محدثاً أمي التي لمَحتُ في عينيها أَلــَــقاً وابتسامةً رشيقةً تضيءُ ملامحَها: بعد أن يُشفى جَــوْذَر من وعكته سأعلمُه الأحرفَ ورسمَها·· وإن أتقن ذلك سأدربه على نقشَ الزخارف وتلوينها أيضا·· قد تنفعُه في قادم أيامه· ثم استدار بوجهه نحوي، وقال مداعباً: الجديرُ بي أن أتحدَّثَ إليك إن كنتَ ترغبُ بتعلــُّــمِ ذلك· ترك بعض الفاكهة ومضى·
 
بعد أيام عُدت إلى الحانوت·· يُشيرُ عليَّ بصَوته الهادئ بفتح الصندوق الذي أجلسُ عليه: أتحبُّ تعلــُّــمَ رَسْــمِ الحروف ؟
Page 9
لم يتبينْ ما عليَّ قوله، ووجدتني أَهُــزُّ رأسي مبتسماً·· قال وقد لمعت عيناه واتسعت مساحة ابتسامة فمه: إذاً اخرِجْ اللوحَ الأسود·· أرني كيف ستحتضنه·· وذلك هو وعاءُ الجيْر لقد أعددته لك بالأمس·· وتلك هي يراعُــك·· هيا ماذا ستصنعُ يا صديقي الصغير؟·
 
تعاركت مع لوح أسود له سطحٌ أملسُ·· كان أكبرَ من أن تحوطه ذراعي·· قهقهَ المعلمُ وهو يتابعُ محاولاتي·· وقال: تعالَ إلى جواري هُنا·
 
هذه هي المرة الأولى التي أسمع قهقهتَه وهو يُرَبِّتُ على أرض الحانوت بأصابع كفه اليُمنى·· وبعد أن جلستُ·· قال: ناولني لوحَــك·· اجلسْ متربعاً· أمسكَ بذراعي الأيسر فَرَدَهُ في الهواء·· وضَعَ اللوحَ على أسفل أضلاعي·· ثم وضع أصابع كفي على أعلى حَوَافه·· وقال: يمكنكُ الآن التقاطَ يَرَاعِك بيُمناك، اسقها من وعاء الجير·· هيا ابدأ·
 
تقارنُ أنفي بين رائحة اللوح ورائحة المعلم حين جلستُ ملاصقاً له·· رائحة الجير نفاذة·· أعجبني لمعانُ سطح ذلك اللوح: خــُــط ما تريد·· هيا لا تتردد· قال لي ذلك بعد أن لمح ترددي·· لم أكن أعرفُ ما يُريدُه مني·· وضعتُ سِــنــَّــةَ اليَرَاع على وسط اللوح الصقيل لأرى خطاً أبيضاَ يميلُ للانحناء·· قال مبتسماً: ها أنت قد بدأت يا صديقي الصغير·· استمر في نقش خطوطــَــك·· كرر·
 
وَجَّهني أن أكررَ سقي يراعي بالجير·· خطوط متجاورة تبدأ من اليمين وحتى الشمال·· خطوط من أسفل اللوح وحتى أعلاه·· يقول:
 
- أتراها مستقيمة؟·
 
- لا أعرف!·
 
- اطمسْها وحاولْ من جديد·
 
حكيتُ لأمي مغامرتي مع اللوح·· أخبرتها بما صنعه المعلم:
 
- لقد أهداني لوحاً ويراعاً··
 
- ألم أقلْ لك بأنه رجلٌ طيب··
 
قالتها بغبطة وسرور·· احتضنتُ وجهَها وقد طوقتني بذراعيها·
 
تلك الخطوط أضحت لـُـعبتي·· أحلم طوال ليلي ونهاري بأشكالها·· كنتُ سعيداً وهي تُبرِزُ أشكالاً متناهية الصِّغَر، تتوالدُ بكثرة فيما بينها·· مربعات·· مثلثات وأشكال أخرى متداخلة·· لأكتشف يــَـوْماً بعد يوم أنها أشبهُ بمتاهة بدون حدود·· أستطيعُ أن أوجِّهَ خطوطي التي أجدت استقامتها في اتجاهات مختلفة لأنتج أشكالاً جديدة غيرَ مربعة·· كان المعلم يراقب انهماكي فتشرق ابتسامتُه من وجهه الطويل·· يــَـوْماً بعد يوم تبهرُني كلما أوغلتُ في التلاعُب باتجاهاتها ومدى قُربها وبُعدها·· أمسيتُ أرسمُ في مخيلتي أشكالاً جديدة·· بل وتزورني الأحلامُ ليلاً لتحملني إلى عوالمَ من الخطوط والأشكال السحرية·· أينما أكــُــنْ أَرَ ى كــُــلَّ ما حولي مجرَّدَ خطوط تتداخَــلُ وتتباعَــدُ لتــُــنتجَ أشكالاَ مدهشة·
Page 10
عندَ مغيب شمس أحد الأيام اصطحبني المعلم·· لم أكن قد رأيتُ مسجداً من الداخل يوماً·· سرنا فوق مدخل مرصوف بأحجار ملساءَ، عبرنا بين مصراعَي باب هَرِم·· يعلوه قوسُ أحجار عالية·· أطل علينا مبنىً أبيض·· وسط جلال عتمة المساء·· يحوطه صرْحٌ مغطــَّــىً بأحجار سوداءَ·· اعتقدت أنه مسجدُه·· بل أحببتُ أن تظلَّ بداخلي تلك القناعة·· تبعت المعلمَ الذي سار باتجاه باب يتسلل منه ضوء·· مصابيح ومسارج معلقة·· روائح زكية·· أنين يملأ الفضاء·· لأناس يهتزون وثــَــمَّــةَ أوراقٌ بين أيديهم·· يستندون على جُــدران مُلئت بأحرُف ملونة متداخلة·· وآخرون في دوائر يهتزون في وقت واحد·· مخرمات بيضاء كروية على الجدران العالية·· أسقفٌ منقوشة بألوان زاهية·· صفوف أعمدة ترسم أشكالاً بديعة·· تشبه تلك الخطوط المتوازية التي أجدت توليدَ أشكالها·· تتكرر كلما سرنا بينها·
 
وقفت أمامَ عالـَـمٍ من المتاهات·· عقودٌ متداخلة تحمل بعضها بعضاً·· كوة في عُمق المسجد وقد احتشدت الأوان ولأحرف والأشكالٌ على حوافها·· وقف المعلم متمتماً كالمسحور·· وقفت متهيباً·· لم أدرِ ما عليَّ فعله·· أتابع المعلم·· مستمراً في صلاته:; إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئونوالنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون·· مال برأسه إلى الأمام، ليعود لاستقامته ثم يركع ساجداً ليستقيم من جديد، يصلي بصوت خفيض: {قل هو الله أحد , لله الصمد , لم يلد ولم يولد , ولم يكن له كفواً احد} ثم يهوي جاثياً ليسجد·· كرر ذلك مرات·· ليجثم بُرهة ثم يلتفت يميناَ قائلاً: السلام عليكم·· ثم كررها في الجهة الأخرى·· بعد لحظات سمعت صوتاً حاداً من عُمق المسجد يدعو الجميع للصلاة·· ترك كــُــلَّ مَن في المسجد ما بين أيديهم·· سارعوا يتسابقون·· شكلوا صفوفاً خلف بعضهم·· ليرتفعَ ذلك الصوتُ الحاد من مقدمة الصفوف .اللــَّــه أكبر· يكرر الجموع ما يصنعه صاحب الصوت الحاد·· يرددون بصوتٌ جماعي مهيب···· عرفتُ فيما بعدُ أنها صلاة مغيب الشمس·· لم أكن قد رأيتُ أحداً يصلي غيرَ أمي·· ولم أدخل مسجداً·· كنت أرى ذلك المؤذن من باب الحانوت يطوفُ أعلى مئذنته·· لاصقاً كفيه بأذنيه·· يناجي السماءَ بصوت مرتفع·· وأرى أناساً يدخلون ويخرجون من ذلك المسجد·· لكني لم أتخيل ما يدور بداخله·
 
كان المعلم في كل مرة يمسك بيدي ويقول هيا يا صديقي الصغير إلى بيت اللــَّــه· وكنت أسير جواره وأنا أبحث بين الجموع عمن يكون صاحب ذلك البيت·· قد يكون المعلم·· أو صاحبَ الصوت الحاد·· وقد يكون شخصاً آخر·· أدخلُ لأبحث بين تلك الجموع·· لكني في النهاية أجزم بأنه المعلم·· هكذا كنت·
 
تسحرني رسومُ الجُدران·· ألوانـُـها·· تداخلُ خطوطها· سقوفها·· أعمدتها·· لأكتشف بأن ما أُنقش من خطوط على لوحي الأسود ليس إلا قطرة في محيط خطوط وزخارف تلك الجُدران والسقوف·