Page 1
المقدّمـة
يسعى هذا الكتاب (المدخل) إلى تقديم رؤية نقدية تنتصر لما هو جمالي فني في أدب الأطفال، فالأسلوب في أدب الأطفال ينبغي أن يُعطي الأهمية الأولى التي تليها أهمية المضمون، علْماً بأن النص الأدبي سواء أكان موجّهاً للأطفال أو للكبار إنما هو وحدة واحدة متكاملة من الفكر الشعوري. غير أن أدب الأطفال ذو خصوصية نفسية ونمائية ولغوية وفنية تدعو الكاتب والناقد إلى إيلاء الجمالي عناية مضاعفة، ذلك أن الجمالي في أدب الأطفال تحديداً إنما هو غايةٌ ووسيط في آنٍ معاً.
لذلك جعلت الكتاب في فصلين، يجتهد الفصل الأول في عرض رؤى متعالقة بأهمية تطوير نقد أدب الأطفال ولا سيّما الاتجاه الفني الجمالي... وجعلت الفصل الثاني مرئيات نقدية تطبيقية (خفيفة) في عدد من النصوص الموجّهة للأطفال.
وعليه، فإن هذه الرؤية النقدية المنحازة لما هو جمالي فني في أدب الأطفال لا تدّعي مصداقيةً أو أفضلية أو خصوصية، إنما تدّعي المحاولة المتحمسة لتحسين صورة النص الأدبي الموجّه للأطفال من خلال تعزيز ثقافة نقد أدب الأطفال وهي ثقافة ما زالت محدودة في الوطن العربي، لعل انتشار مثل هذه الثقافة يُخفف من نزعات الارتجال في الكتابة للأطفال، والتخفيف من ظاهرة الاتّجار الحرّ بكتب الأطفال. ولربّما تعين مثل هذه الرؤية على النظر إلى أدب الأطفال بصفته فناً له شروطه الصعبة وعالمه الخاص واتجاهاته التربوية والجمالية الحسّاسة التي تسهم إسهاماً عظيماً في بناء شخصية الطفل وإعداده لمستقبل حياتي جميل.
وكان برغبتي الأكيدة أن تكون رؤيتي النقدية التطبيقية في نصوص أدبية عربية مختلفة ولكني أجّلت ذلك لمدارسة قادمة، وآثرت تخصيص مرئياتي التطبيقية في أدب الأطفال في الأردن لصلتي العلمية العملية المباشرة بثقافة الطفل في الأردن خلال عشرين عاماً تقريباً.
آملاً أن يكون في اجتهادي بعض التنوير والصواب.
المؤلف
Page 2
إضاءات أولى
قفز أدب الأطفال في الوطن العربي قفزة جيّدة ملحوظة على صعيد الكمّ والنوع منذ ثلاثين سنة على وجه التقريب، أي إثر إقرار سنة الطفل الدولية سنة 1979م.
فبعد أن كان محصوراً في المناهج المدرسية وفي بعض إصدارات المربين الرواد، إزداد إقبال الأدباء الكبار على تأليف الأناشيد والقصص لتكون منهاجاً تعليمياً وتربوياً مسانداً، ونمطاً جديداً من أنماط الأدب، حتى إن الشاعر السوري سليمان العيسى عُرِفَ شاعراً للأطفال بصورة أوسع من شهرته شاعراً للكبار.
لقد انتبهت وزارات الثقافة في الوطن العربي إلى أهمية أدب الأطفال بصفته رافداً مهماً من روافد بناء الشخصية وتربية الإنسان، وبصفته نوعاً حديثاً من الأدب المتخصص على غرار صورته في الثقافة الغربية. وتشجيعاً للحراك الإبداعي في هذا المجال، خصصت القطاعات الحكومية والخاصة في أغلب الدول العربية مسابقات قيّمة في أدب الأطفال على غرار جوائز أدب الأطفال في دولة الإمارات العربية المتحدة، ومسابقات أدب الأطفال التي تنظمها مؤسسة عبدالحميد شومان في الأردن، هذه المؤسسة التي تنهض بمسئولية واسعة في الوسط الثقافي والعربي عبر ندواتها وإصداراتها ذات السمة الوطنية العربية، إذ اتخذت هذه المسابقات طابعاً عربياً واسعاً كان لها أثر ملموس في زيادة حجم الإصدارات وتحسين الجودة لا سيّما عند المشتركين في تلك المسابقات.
وفي الأردن بلغت عناية وزارة الثقافة بأدب الأطفال ذروتها في مجالين الأول: مهرجان أغنية الطفل العربي الذي استمر زهاء عشر سنوات، شارك فيه ما يزيد على مئتي شاعر عربي وأردني، وكانت نتاجات المهرجان نخبوية، ذلك أن لجان التحكيم تألفت من أشخاص ذوي خبرة واسعة في مجال الكلمة الأدبية ومجال الموسيقى وهم مختارون من دول عربية مختلفة. لقد ظهر المهرجان في صورة عمل ثقافي قومي مخلص للفكرة، واستطاع أن يرسّخ أجمل حلم فني للأطفال وللكبار وهو تلحين الأناشيد على أسس مدروسة من التقنيات التربوية والأدبية المناسبة لكل مرحلة عمرية توجّه لها النشيد، وقد شجع المهرجان تلقائياً مؤسسات القطاع الخاص لإنتاج أغان للأطفال تنتشر بشكل تجاري في الأسواق والمكتبات والمدارس.
Page 3
والثاني تخصيص جائزة الدولة التقديرية لأدب الأطفال عام 1999م ومع أن هذه الجائزة تمت مرة واحدة إلا أنها إشارة بارزة إلى اهتمام الدولة بأدب الأطفال.
إن جمهورية مصر العربية تحتضن أوسع تجمّع عربي في مجال ثقافة الطفل وأبرز المختصين في مجال أدب الأطفال، ذلك لأنها المنشأ الأول الذي لفت الانتباه إلى هذا الأدب بريادة شوقي والكيلاني. وفي سوريا والمغرب والعراق حركة نشطة في مجال ثقافة الطفل.
وبالنظر إلى هذا التقدم الحميد الذي أحرزه أدب الطفل، إلا أن الواقع يكشف عن حاجة ماسّة إلى نقاد متخصصين في أدب الأطفال، فالمنجز من هذا الأدب في تزايد هائل، والإقبال على شراء كتب الأطفال عظيم، والوعي العام بأهمية ثقافة الطفل في ارتفاع جيّد. لذا يتحتم والحالة هذه أن يواكب النقد حركة الإبداع. ولما كانت كتب أدب الأطفال تميل في أغلبها الغالب إلى التنظيري التربوي، فإن الأمر يستدعي إعادة النظر في توجيه النقاد إلى النقد الجمالي التطبيقي، أي إلى الكيفية أولاً، (فالأدب – حسب هويسمان – ليس شيئاً يُقال إنما طريقةُ يقال بها) وأدب الأطفال تحديداً أجدر أنماط الأدب في أن يكون أسلوباً جذاباً قبل أن يكون موعظة أخلاقية.
أغلب من يكتبون للأطفال يجتهدون ويجرّبون بأدوات فنية غير متخصصة بهذا النوع من الأدب ينجح القليل منهم ويفشل الكثير. وإذا كنّا لا نستطيع إيجاد كتاب متفرغين متخصّصين في أدب الأطفال حتى اليوم، فإن تزايد أعداد الدارسين الأكاديميين الذين يبحثون في أدب الطفل في الجامعات العربية يحمل بشرى واعدة، إضافة إلى نجاح أغلب لجان تحكيم الجوائز في بسط خبراتهم وأحكامهم على الأعمال المشاركة في المسابقات. كما يحسن الانتباه إلى أن معظم الجامعات تدرّس الآن أدب الأطفال إما في أقسام اللغة العربية أو في أقسام التربية.
ربما يكون صحيحاً أيضاً أن مؤسسات العالم كلها لا تستطيع أن تخلق مبدعاً في أدب الأطفال، ولا ناقداً ناجحاً إذا لم يكن لدى هذا المبدع أو الناقد موهبة أصيلة واتجاه وجداني عظيم نحو أدب الأطفال، ولكن المؤسسات والجهود الرامية إلى تنمية الذوق النقدي والتربية الجمالية تستطيع أن تخفف من حجم المنجز الرديء من إصدارات أدب الطفل، وتستطيع رفع مستوى أدب الأطفال تدريجياً إلى مستوى فني أفضل، وذلك بعمل برامج وخطط وورش عمل يتم التدريب فيها على نقد أدب الطفل، فيفيد منها أصحاب الاتجاه النقدي والمبدعون كذلك.
Page 4
ولما كان هذا الأمل ما زال قيد الهمم والطموح، فإن هذه الدراسة تسعى إلى تقديم حلٍّ رُبّما يكون ملائماً في تحسين صورة أدب الطفل العربي وهو لفت الانتباه إلى النقد الفني التطبيقي في أدب الأطفال، ذلك لأنّ (كيف) أهمُّ من (ماذا) في أدب الأطفال تحديداً أما أدب الكبار فهو مفتوح على كيف وماذا في وقت واحد.
والنقد الفني التطبيقي نقد معنيّ بجماليات الأسلوب أكثر من عنايته بالفكرة والمعنى، فالطفل لا يستوعب المعنى إذا لم تجذبه اللغة أو الصورة أو العاطفة، لأن حكم الطفل قائم على استجابة شعوره وليس على تحليله العقلي، فإذا أحبّ النشيد استجاب لأفكار النشيد وإذا استمتع بالقصة حاكاها وحفظها، وإذا حرّكت المسرحية خياله وانفعالاته اتخذ منها موقفاً إيجابياً ودرساً حياتياً لا ينساه.
لا شك أن استجابة الطفل مرهونة بتكامل عناصر النصل الأدبي الموجّه له دون أن يشعر بأجزاء بنية النص، إذ إن اتساق العناصر يصله في دفقة شعورية واحدة، فالنص عمل فني، (والعمل الفني وحدة واحدة لا يمكن أن يفهم أو يتم تذوقه جمالياً إلا وهو ماثل أمامنا ككل، ونحن حين نستمتع به لا نكون على وعي بعناصره المكوّنة له) (1) وكذلك الطفل بالدرجة الأولى. لذلك يسعى النقد الفني الجمالي إلى تحسين البنية الفنية في أدب الأطفال لتتحقق جدلية الجميل والنافع معاً، خاصة أن سيكولوجية الطفل مدفوعة للجميل أولاً من لعب وتمثيل وغناء ورقص وأداء لغوي تعبيري، ثم تأتي مرتبة النافع في الدرجة الثانية.
إنَّ النصّ الموجّه للطفل سواء أكان نشيداً أم قصة أم مسرحية إنما هو عمل فني، ومن حق الطفل أن يستمتع بهذا العمل استمتاعاً كاملاً ليريح نفسه من عناء العبء الدراسي اليومي المنوّع بين المباحث المتعددة، وفي هذه النقطة تحديداً تتسع مجالات التربية الجمالية من نحو والتعليم المساند عن طريق ما يتوافر في النص من روح فنية توفر البهجة والاستمتاع وتقود إلى التعلم الضمني من نحو آخر.
ففي أدب الطفل بعامة منهاج تعليمي خفي غير مخطط له بالضرورة، فحين يردد طفل نشيداً ما ترديداً إيقاعياً جميلاً فقد يكتشف المعلم أن لدى الطفل موهبة غناء فيعززها على سبيل المثال.
Page 5
في ضوء ذلك تتبدّى جليّاً أهمية لفت انتباه كتّاب أدب الأطفال إلى مسألة جمال الأسلوب الذي يحقق جمال البنية الفنية. كما لا ينتبه الكتّاب إلى ذلك إلا إذا واجهوا نقداً جمالياً تطبيقياً لأعمالهم، فإذا وجّه الناقد نقداً للأخطاء اللغوية أو الإيقاعية أو الانفعالية أو الخيالية، فإن الكاتب بالضرورة سيصحح أو سيعيد النظر في كتابته وسيعى إلى تحسين فنيات الكتابة، وسيتدرج الأمر إلى أن يصبح أغلب الكتّاب منتبهين إلى البناء الجمالي في أدب الأطفال، وعندما تتحسن أشكال البنية الجمالية فإن الطفل سيستجيب لما في النص من مواعظ أو قيم أخلاقية أو اتجاهات معرفية وسلوكية. فالطفل الذي يتربى على الذوق الفني الصحيح لا شكّ أنه سيكتسب مهارات التفكير ومهارات الاتصال وصولاً إلى ذروة المهارات وهي مهارات الحياة.
إن الطموح كبير في أن تقلّ أعداد المرتجلين غير الموهوبين في أدب الأطفال إذا ووجهوا بنقد فني تطبيقي يكشف عيوب كتاباتهم وإيحابياتها، وربما تحجم دور النشر عن الاتجار غير المسئول بكتب الأطفال غير المناسبة مستثمرين إقبال الأهالي عليها، كما يمكن أن تزيد نسبة الجودة الفنية (الكيف). ففي دولة السويد لا يُسمح بإصدار كتاب للأطفال إذا لم يخضع لتقييم فني من خبراء.
فالنقد الفني التطبيقي رقيب فني ضروري يحدّ من انتشار الأدب المشوش الذي يقدّم بنوايا حسنة وأدوات فنية غير ملائمة.
تستند هذه الرؤيا إلى المنهج الفني الجمالي نظرياً وتطبيقياً، وتولى عناية أوفر بالمزالق الفنية المختلفة؛ لأنها مركز الاهتمام. وقد تناولت الأشكال الأدبية الثلاثة المعروفة في أدب الطفل وهي الأناشيد والقصص والمسرحيات، واقتصر هذا التناول على نماذج اختيرت بسبب شهرتها أو تميزها عن غيرها، فالأناشيد المدروسة جزء من المواد الدراسية، وأغلب الأعمال التي نوقشت حائزّ على جوائز أو نُشر بدعم من وزارة الثقافة بسبب توقع جودتها الفنية، وهنا تكمن المفارقة كما سيتضح في مواضع مختلفة قادمة.
Page 6
الفصل الأول
نقد أدب الأطفال
(الصورة والظل)
إشكاليات سائدة في أدب الأطفال
أدب الأطفال مصطلح مراوغ الدلالة، فهل هو الأدب الذي يكتبه الكبار خصيصاً للأطفال؟ أم هو الأدب الذي كتبه الكبار للكبار ولكن بعضه يصلح للأطفال من منظور التربويين والأدباء؟ أم هو الأدب الذي يكتبه الأطفال أنفسهم؟
فأما الأدب الذي يكتبه الكبار للكبار ويصلح بعضه للأطفال على غرار ما يُختار في مناهج اللغة العربية من نصوص لأدباء قدماء، فإنه يمكن أن يكون سنداً لثقافة الطفل، لكن ليس من الحكمة اعتماده أساساً، لأن ملاءمته للأطفال غير مضمونة، وأما الأدب الذي يكتبه الأطفال أنفسهم فهو نادر واستثنائي، لا يقدر عليه إلا الموهوبون ذوو الملكات الإبداعية من الأطفال، لكنه يمكن أن يكون رديفاً فرعياً إذا طوّر وخصصت له مؤسسات وبرامج تنمية إبداعية.
فأما أدب الأطفال الذي يكتبه الكبار للأطفال بقصد وخبرة فنية مسئولة فهو المقصود وهو المعوّل عليه، وهو الذي ينبغي أن توجّه له الاهتمامات والدراسات وخطط التطوير بصورة جادة؛ ذلك لأنه يحمل صفة التجدد النوعي وصفة التخصص الواعي الذي يمكن أن يزيد انتشاره حتى يصبح فناً مستقلاً له صفة الديمومة عبر أجيال الأدباء المتلاحقة، وتلك صفات لا تتوافر في أدب الأطفال الذي يكتبه الكبار للكبار أو الذي يكتبه الأطفال للأطفال.
انطلاقاً من هذا التوجه تصبح التوأمة والارتباط والتعالق أمراً ضرورياً بين ناقد أدب الطفل وكاتبه، كما يصبح من الضرورة الإعلاء من شأن الثقافة النقدية في أدب الطفل ولا سيّما الثقافة المتخصصة بالأساليب الجمالية والقيم الفنية، ذلك لأن الموضوعات أمر متاح وسائد ومقدور عليه، ففن الكتابة للطفل يعاني بالدرجة الأولى من نقص وضعف وارتجال واستسهال واعتباطية وتجريب. وإشكاليات متباينة متعددة. بعد ذلك لا بُدَّ من الانتباه إلى الجوانب الأخرى بـ:
Page 7
- الإخراج الفني: حجم الكتاب، وتناسق ألوانه، وملاءمة رسومه التعبيرية، وحجم الخطّ ونوعه.
- الوسائط الفنية المعزّزة: حاسوب، أشرطة تسجيل، أقراص مدمجة، تمثيل حي على خشبة المسرح، تلحين الأناشيد، دراما إذاعية وتلفازية. أي أن هذه الوسائط قادرة على أن تنقل النص من الكتاب إلى الثقافة البصرية والسمعية الحية والتفاعل الانفعالي المؤثر في شخصية الطفل تعليمياً وجمالياً عبر التقنيات الحديثة.
- التخطيط لإيصال كتب الأطفال إلى الأطفال أنفسهم ولا سيّما في المدارس، وتسهيل سبل اقتنائها وانتشارها.
لكن الملاحظ أن حركة أدب الأطفال اجتهادية حتى الآن وموزّعه على جهات متعددة، (متخصصة وغير متخصصة) وقائمة في الأغلب على حسن النوايا وليس على إرادة التخطيط والتنظيم والبرمجة، وقائمة أيضاً على مبادرات تشخيصية معظمها من خارج القطر أي من منظمات دولية ذات اختصاص بالطفولة.
وعليه فإن المأمول هو تفعيل دور نقد أدب الأطفال في تحسين النص الموجّه للطفل، فوفرة النقاد المتخصصين يقلل من حجم الارتجال والتسيب والأخطاء المتنوعة الموفورة في التأليف، فعندما تنتشر الثقافة النقدية الفنية الجمالية في أدب الأطفال، فإن النصوص تحقق شرط الجودة وتكون مؤهلة لأن تتناولها وسائط التقنية المرئية والمسموعة بالصورة الصحيحة.
وفي الأردن كمثل أغلب الدول العربية حراك نشط في مجال إنتاج أدب الأطفال، لكنه حراك أفقي يفتقر إلى المراجعة والتقييم المستمر للمنجز، وإذا استثنينا حالات التقييم المؤقت في مسابقات أدب الأطفال، فإن إصدار كتب الأطفال مستمر على غير هدى لكثرة الأقلام المجتهدة التي لا تجد ما يوازي إنتاجها من مساءلة نقدية فنية تعزز الجيّد وتساند المحاولات الضعيفة وتكشف الرديء. علماً بأن عدداً من طلبة الدراسات العليا قدّموا قرابة عشر رسائل جامعية في أدب الأطفال – في حدود اطلاعي – لكن الدارسين توجّهوا إلى شيء آخر غير نقد أدب الأطفال.
Page 8
إن من حقّ الطفل أن يقرأ نصّاً أدبياً تتوافر فيه معايير النص الجيّد تماماً كحقه في تناول وجبة غنائية صحية متوازنة أو ارتداء ثياب تناسب حجمه.
لذلك يغدو لزاماً أن ينتبه القائمون على ثقافة الطفل إلى الموازنة بين ما هو تربوي وما هو فني جمالي في أدب الأطفال الذي يمثل الجزء الأكبر من أنماط ثقافة الطفل، ويتوقع أن النقد الفني المتخصص يستطيع أن يقدّم لأدب الأطفال نقله نوعية عمادها الأسلوب الجمالي. ومن المأمول ذلك كذلك أن يتمتع الناقد الفني بقسط مناسب من المزايا والقدرات من مثل:
- الاطلاع على كمّ كبير من أدب الطفل عربياً وعالمياً، وعلى أساليب نقد أدب الأطفال في الدول المتقدمة في هذا المجال.
- معرفة جيدة بعلم نفس اللغة، والطفولة، والاجتماع، والنمو.
- معرفة فنية بأشكال البنى الفنية في أدب الأطفال.
- خبرة بأسس التربية الجمالية وتربية الذوق الفني.
- خبرات علمية وحياتية وثقافة شاملة متنوّعة.
- معرفة بالأدوات الفنية والاتجاهات النقدية في هذا المجال.
وغير ذلك مما يمكن أن نسمية شروط الناقد الناجح وهي مواصفات مألوفة عند نقاد أدب الكبار، لكنها أعمق تخصّصاً عند نقاد أدب الطفل.
Page 9
غياب النقد الفني لأدب الأطفال
يعاني أدب الأطفال في الدول العربية من نقص ملحوظ في النقد التطبيقي المواكب له، المقيّم لاتجاهاته، والمقوّم لأساليبه الفنية، فالنقد الفني لأدب الأطفال يكاد يكون غائباً وغير فعّال، وقلّما يُشار إلى أهميته في تطوير أدب الأطفال والوصول به إلى أفضل صورة ممكنة، ويتوقع أن مردّ هذا الغياب ما يأتي:
- حداثة أدب الأطفال في الوطن العربي، إذ لا يزيد الحضور الحقيقي لأدب الأطفال في نظام التعليم العربي على سبعين عاماً، وذلك عندما انتبه المربّون إلى أناشيد أحمد شوقي على ألسنة الحيوانات فانتشرت في كتب اللغة العربية المدرسية، وإلى قصص الكيلاني في أبعادها التعليمية الأخلاقية. ومع ازدياد الاهتمام بأدب الأطفال بصفته مادة تعلمية تربوية مهمة تسهم في بناء شخصية الطفل وإعداده للحياة، عُني مؤلفو كتب اللغة العربية باختيار ما حسبوه مناسباً وصالحاً من الأناشيد والقصص التي كتبت في الأصل للكبار. لقد كان الأمر قائماً على الاجتهاد والتجريب والتوقع إلى أن التفت عدد من الأدباء العرب إلى اهتمام الأنظمة التربوية الغربية والأجهزة الثقافية بأدب الطفل بصفته مادة ثقافية غنية لا تعد الطفل إلى الحياة فحسب بل تسعى إلى أن يكون فنان حياة، فحاولوا محاكاتهم والاقتداء بهم.
- ندرة الباحثين المتخصصين في نقد أدب الأطفال، وهو أمر يستند بالضرورة إلى ندرة الأدباء المتخصصين في هذا المجال، فالذين يكتبون للأطفال هم ممن عرفوا بكتابتهم للكبار، وتأتي كتابتهم للأطفال بصورة هامشية تجريبية تعتمد على حسن النية، أو تحمّل النص أفكاراً لا تحتملها قدرة الطفل.
- إشكالية الأسلوب في أدب الأطفال، فما زال العديد من الأدباء يحسبون مثلاً أن تبسيط اللغة فحسب هو كل ما يحتاجه الأدب الموجّه للطفل لكي يناسب هذا الطفل، وأن اختيار الموضوعات من بيئة الطفل يكفي لجذبه للنصّ. فالكتابة للأطفال مغامرة يلزمها حذر وانتباه فإما أن تكون للطفل عسلاً أو صبّاراً مرّاً، وتقول كاثلين بترتون في هذه القضية (لم تكن الكتابة للأطفال فناً سهلاً البتة، فكما أن الكتابة للكبار تتطلب جهداً عالياً وحساسية ذهنية وعاطفية فائقة الحدة وتصوّراً خلاّقاً كذلك الأمر في الكتابة للأطفال) (2).
- اتجاه معظم الجهات المعنية إلى تحقيق الكمّ المنتج من أدب الأطفال والابتهاج به على أساس حاجته وضرورته، مع سهو ملحوظ عن أهمية (النوعية) والكيفية. فالكثير من أدب الطفل يتجه إلى (النافع) بصورة رئيسة على حساب (الجميل).
- غياب القواعد التاريخية في نقد أدب الأطفال، أي لا يوجد أمام الباحثين والدارسين الجدد نماذج نقدية سابقة يستندون إليها ويفيدون منها في تطوير أساليبهم النقدية الجديدة. بمعنى أن الثقافة النقدية في هذا المجال ضئيلة وشبه مفقودة.
- اشتغال أغلب النقاد بأدب الكبار.
- ندرة اهتمام المؤسسات الثقافية والتعليمية في تشجيع نقد أدب الأطفال.
- من المؤكد أن الطفل هو الناقد الأول والأهم للنصّ الأدبي الموجّه إليه، فإحساسه بالعمل الفني هو الفيصل في نجاح النص، حتى لو أنشئ النص على أفضل الأساليب الفنية المتوقعة. فأدب الأطفال منزلق متحرّك فما يعجب طفلاً قد لا يعجب آخر. لذلك يتراجع كثير من الدارسين عن النقد الفني تاركين الساحة للأطفال أنفسهم.
- يحتاج نقد أدب الأطفال إلى مراس ودراية وثقافة واطلاع على علوم نفس الطفل واللغة والاجتماع فضلاً عن الاطلاع على تقنيات البنية الفنية في هذا الأدب وهي تقنيات مهمة لكنها غير نهائية وغير محسومة، إنها تبدو مفتوحة على كل تجريب، فعالم الأطفال غريب وعجيب ومتجدد. فقد يكتب كاتباً مبتدئاً أو غير متخصص في الأدب نصّاً يحبه الأطفال ويستجيبون له بصورة أعظم من استجابتهم لنص أدبي كتبه متخصص. لكن الضرورة تقتضي تأصيل معايير أساسية لأدب الأطفال، وتلك مهمة النقد والكاتب الخبير.
Page 10
واقع نقد أدب الأطفال في الوطن العربي
تكاد تتلخص مشاهد نقد أدب الأطفال في المجالات الآتية:
- يُعنى أغلب من ألّفوا كتباً في أدب الأطفال بالجانب التاريخ والنظري والتعليمي (التربوي) باهتمام بالغ بالأهداف الأخلاقية، وباهتمام قليل في أساليب نقد أدب الأطفال، ومعالجة النصوص معالجة تحليلية تقييمية تقوم على الجانب الجمالي الفني، وفي المكتبة العربية ما يزيد على مئة كتاب يحمل عنوان (أدب الأطفال) لكن معظمها يتحدث عن أهمية هذا الأدب وأنواعه وأساليب تدريسه وعرض نماذج مشهورة منه.
- ندوات نقدية في مناسبات ثقافية معيّنة، يغلب عليها أيضاً الجانب التنظيري العام في أدب الأطفال.
- لجان تقييم في مسابقات أدب الأطفال يصدر عنها أحياناً ورشات نقدية تطبيقية قليلة على غرار التحليل النقدي لأغاني الأطفال في مهرجان أغنية الطفل العربي في الأردن (3).
- بحوث تجمع في كتاب إثر ملتقى ثقافي في أدب الأطفال، أو إثر تكليف من جهة ما علــى غرار كتاب ثقافة الطفل العربي (4).
- مقالات في مجلات متخصصة بأدب الأطفال، يناقش بعضها بالتحليل نماذج من أدب الأطفال. وتخصص بعض المجلات أحياناً أعداداً أو حلقات خاصة بأدب الأطفال.
- أغلب المشاركين في نقد أدب الأطفال في الملتقيات والندوات هم في الأصل أدباء للكبار أو نقاد لأدب الكبار، ولا تكاد تظفر بأسماء وجّهت عنايتها البالغة إلى نقد ثقافة الطفل عامة سوى أسماء قليلة كرّست جهودها في هذا المجال كعبد التواب يوسف من مصر الذي كرس جهوده عربياً وعالمياً من أجل تطوير ثقافة الطفل.
- يتجه نقد أدب الأطفال إلى المضامين والقيم الفكريّة والأخلاقية على حساب النقد الفني الجمالي الذي يعد الأساس الأهم في التربية الجمالية عند الأطفال. كما يتجه إلى رصد الظواهر العامة أو إلى الإحصائيات والمسح البانورامي.
- ندرة الكتب المرجعية الموجّهة للكتاب بصورة تخصصية مباشرة مثل كتاب (كيف نكتب للأطفال) لجون آيكن (5) الذي أفاد مجموعة كبيرة من كتاب أدب الأطفال في العالم ولا سيّما في مجال أغاني الأطفال، وكتاب فن الكتابه للأطفال لأحمد نجيب وهو فيما أحسبه أفضـل كتاب متخصص في هذا المجال (6).
- خلوّ مجلات الأطفال والملاحق الثقافية المتخصصة بأدب الطفل من النقد الجمالي.
- من النادر وغير المألوف أن نجد دراسة نقدية في المجلات الثقافية للكبار أو في الملاحق الثقافية الخاصة بالأطفال تقدّم رؤى تطبيقية في نصوص منشورة من أدب الأطفال لتقييمها وإبداء الرأي الفني فيها، وهذا الإحجام الواضح متأتٍّ من الأدباء أنفسهم ومن دارسي الأدب، ولا نعلم هل سبب هذا الإحجام هو استحياء من الكتابة النقدية في هذا المجال أم ضآلة خبرة أم انعدام دافعيـة أم تنصّل من المسئولية الثقافية... أم لأن نقد أدب الأطفال لم يأخذ موقعه واتجاهه بعد في حركة النقد الأدبي عامة؟ ربما يكون السبب واحداً أو أكثر من الاحتمالات المذكورة.