Page 1
مقدمة
فن التصميم من الفنون التشكيلية التي تؤدي إلى ابتكار ورسم وتخطيط للأشياء المرئية والوظيفية والجمالية التي نحتاجها في حياتنا اليومية وبها تعطي للإنسان والفنان كل ما هو جديد والذي يعطي الإحساس والشعور المرهف في تذوقنا الفني والثقافي، وكلمة تصميم تعني ابتكار الشيء المراد تنفيذه على أسس وقواعد منظمة وبكل المقاييس المعنية الصحيحة لهذا التصميم، ومن هذا المنطلق يقوم المصمم باختيار الأدوات والخامات الجيدة التي تساعده في توظيفها بصورة تؤدي إلى جانبين الجمالي والنفعي وبها يتحقق الغرض المطلوب لهذه الوظيفة. والمصمم الجيد هو الذي دائماً يبحث ويبدع إلى أن يصل لتحقيق غايته بالشكل المطلوب والمنفَّذ بصورة صحيحة، فكل مجال من مجالات الفنون لها وظيفتها الخاصة وطريقتها في الاستخدام والاستعمال وبهذا كل فنان يعتبر مصمم لنفسه ليدرك مدى أهمية وكيفية هذه الخامة هل هي جيدة أم غير جيدة ومن خلال الخبرة والتعمق في دراسة القواعد الفنية في التصميم تصبح للمصمم ابتكارات في خلق هذا الفن والتطور إلى الأفضل لتحسين وضعه الاجتماعي والثقافي، وجعل لهذه الخامة المصممة أداة للتعبير الفني في الشكل والمضمون وكما نعرف أن الفنان التشكيلي كالخزاف والنحات والمصمم الطباعي ومهندس الديكور، وكل هذه التخصصات لها القدرات والإمكانيات الهائلة في استخدام نوعية الخامة وتوظيفها بعدة أشكال وألوان وبمقاييس في غاية من الدقة والمهارة على أيدي فنية تدرك الأشياء وتعرف قيمتها النفعية والجمالية وتخضع إلى الجديد لمواكبة هذا العصر.
والفن هو العسل الذي جنته الروح الإنسانية على متون أجنحة البؤس والعناء. الفن بأنواعه يساعد الإنسان في التغلب على المشاكل والصعاب المختلفة التي يواجهها في حياته اليومية ويساعد كذلك على أن يكون إنساناً أفضل يحقق انسجاماً وتناسقاً وتألق مع البيئة المحيطة به فمقولة الكاتب الراحل الأمريكي «دريسير» عندما يصف الفن بالعسل ترتكز على مفهوم أن من يستفيد من الفن كأنه مكسب مورثات وإنجازات ما خلقته روح الإنسان المبدع من دون عناء فحتى الفنان البدائي إنسان الكهف أدرك أهمية الفن بالنسبة له وللآخرين.
فالفن التعبير عن الحياة بكل أبعادها وملكة التعبير في الإنسان هي الحياة ويتخذ هذا التعبير شتى أنواع المستويات ابتداءً من العمل اليدوي على أعلى المهارات الإبداعية لذا فالفن يقوم بترقية العقول والأحاسيس لدى الإنسان من خلال التعليم والتعلم وهو مجهود شخصي ونشاط ذاتي يصدر عن المتعلم نفسه وقد يكون كذلك بمعونة معلم أو مرشد وهو ما يكسبه الفرد من معارف وأفكار واتجاهات وأي تصميم مهما يكن بسيطاً أو معقداً لا بد أن يبدأ في نقطة والتي هي المرتكز الأساسي لبدء التصميم والشروع في العمل الفني.
فتعتبر النقطة المركز الرئيسي التي يبدأ بها الفنان في تجسيد أي عمل تشكيلي أو أي تصميم بشكل من الأشكال الهندسية وفي مختلف الأشكال والأحجام التي نراها عندما تعطي النقط المنضمة لهذا الشكل المرئي وتعطينا رؤية للأشكال المرئية من على بُعد.
وتظهر النقطة في الصورة الفوتوغرافية أو الطباعية في فن الأوفست، عندما نقوم بتكبيرها فنرى النقطة بألوان مختلفة وأحجام مختلفة منها الدائرة والمثمن وأكثرها الدائري.
Page 2
وقد تعددت الآراء حول وجود النقطة، لأنها لا طول لها ولا عرض، وتطلق النقطة في التصميم على البقعة التي تزين سطحاً ما في هيئة منتظمة أو تناثر لا يتقيد بنظام مخصص.
وقد تدل النقطة على المكان وحده، فيميل معظم الناس إلى رؤية النقطة كشكل دائري، وتحدد النقطة نهايات كل خط ومكان يتقاطع فيه خطين.
نستطيع أن نرى النقطة في الطبيعة من خلال الحصى أو في النجوم المتلألئة في المساء، أو في فقاعات الماء أو قطرات المطر إلى غير ذلك من حبّات النبات بمختلف أنواعها.
ولا ننسى دور النقطة في اللغة العربية بوضعها على الحروف حتى صارت العبارة ذو معنى، وقد تكون النقطة على شكل قطرة، حيث جاء في القول المأثور «بداية الغيث قطرة». والنقطة هي بداية الأشياء فالبحار والمحيطات تكونت من قطره وأن هذه البحار والمحيطات والكرة الأرضية بأسرها إذا ما صغرت ملايين المرات لصارت على شكل نقاط هندسية. وكذلك الرمال والصخور فهي أساساً على شكل حبات متراصة ومترابطة. وأن النجوم والكواكب والأجرام السماوية ما هي إلا نقاط مضيئة تضيء الكون وتزينه.
فحينما نذكر النقطة بشكلها المجرد، فإننا نتذكر كل شيء له علاقة بوجود ما في الطبيعة، فهي بداية كل شيء وهي نهايته بعد الانتهاء وفي القرآن الكريم نرى ما يبرر هذا الرأي حيث قال الله تعالى في محكم آياته: ﴿ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﴾ [النحل:4].
لذا إن التصميم عمل أساسي للإنسان فنحن نعلم أننا كلما نؤدي غرض معين فإننا في الواقع نصمم وهذا يعني أن الإنسان منذ نشأته على الأرض معظم ما يقوم به يتضمن قسطاً من التصميم مثل غسل الأواني وحفظ الأشياء أو الأدوات التي يستخدمها، أو حتى الاهتمام بهندامه ومنظره الخارجي.
فكل عمل يقوم به الإنسان له أسس وقواعد فالبناء أو المهندس يعتمد على قواعد معينة في التنفيذ وكذلك بالنسبة للعمل الفني فالمصمم أو الفنان في أثناء تعامله مع عناصر العمل الفني من خط ولون وشكل يعتمد أسساً وقواعد تعد أهدافاً يسعى لتحقيقها والتعامل الجيد مع هذه الأسس يمكن المصمم من الوصول إلى عمل مميز بقيم جمالية عالية.
وما لهذا الموضوع «أهمية التصميم» من أهمية في حياتنا العلمية والعملية فقد اخترت أن أكتب فيه ما تيسر وأرجو من الله أن أكون قد وُفِّقت فيما كتبت.
والله ولي التوفيق.
الدكتور إياد محمد الصقر
Page 3
الفصل الأول
التصميم
• لماذا التصميم.
• الأسس البنائية للتصميم.
• الجانب البعدي الإدراكي للتصميم.
• البُعد المادي للتصميم.
• البُعد الإدراكي للتصميم.
• الإدراك.
• العوالم التي تقوم عليها عملية الإدراك البصري.
• الجوانب الذاتية والجوانب الموضوعية.
• الرغبة في الرؤية.
• وقت تأمل العمل الفني.
• خطأ الإدراك.
• الشكل والأرضية.
• الأشكال والانعكاس.
• التصميم والإبداع.
• أهمية التصميم في حياتنا اليومية.
• الفن والجمال.
Page 4
1
التصميم
لماذا التصميم؟
الحمد لله الذي أنعم علينا البصر والحواس، الذي من خلاله نستطيع أن نميز كل ما هو جميل أو رديء، وما منظم أو غير منظم سبحانه جلّ قدرته على خلق الطبيعة، وجعلها مصدر مهم للرؤية البصرية التي تعطينا إحساس بالاستجابة الجمالية في إبداع الخالق بتنظيم أشكالها وأحجامها وألوانها المختلفة، فقد تأملنا في أوراق الأشجار أو أزهارها نجدها ممزوجة بمختلف الألوان، سبحان الخالق عز وجل على عطائه وإبداعه. وهكذا تكون للمصمم القدرة على الرؤية البصرية المنظمة لتشكيل عناصرها الفنية، فحاسة البصر التي تسجل لنا عملية الاستجابة في آفاق الفن التشكيلي بأكمله، وهي التي تجعل من المصمم فنان ذو خيال واسع في أي عملية إبداعية، وإدراكه للأشياء المرئية، واستجابته الجمالية عن طريق الحواس التي يمتلكها.
فمن المعروف أن لكل فن من الفنون المتعددة في وقتنا الحاضر لغته الخاصة به في التعبير، وهذه اللغات تتغير أحياناً وتتبدل أحياناً أخرى، كما يعتريها التحوير والتطوير في كثير من الأحيان، كما أنها تختلف من لغة إلى أخرى ومن فن لآخر، والفنون المؤثرة لا يمكن أن تستعمل لغة مباشرة أو سطحية أو خفيفة الوزن أو الثقل، إنها تدور حول اللغة العميقة لتكون وسيلة جيدة للتوصيل، تقدم من خلالها التعبيرات الجديدة والحيوية، وأن طريق اللغة طويل ومجهد نفسه ومتضارب في الوقت نفسه، لأنه يستهدف في النهاية غلق طريق دام طويلاً وفتح طريق جديد أمام لغة فنية، يحاول الفنان جهده طرحها للاستيعاب.
فاللغة تحمل في مضمونها على نحو ظاهر أو باطن عدد كبير من الذكريات والمشاعر والأحاسيس الفياضة والانعكاسات السلبية أو الإيجابية على تلك المشاعر والأحاسيس لتتشكل بالتالي طرق ووسائل وأساليب استيعاب الفرد لبيئته الخارجية المحيطة، وهي تحمل وراثياً، النظم والنماذج المشكلة لثقافة المجتمعات الحاضرة على أنقاض الماضي بحيث تؤثر في طرائق تفكير الفرد المرتبطة بتلك الثقافات التي تتخذ منها اللغة وسيطاً.
ونعيش اليوم في عصر السرعة، عصر الفضائيات عصر العولمة عصر يعيش العالم فيه كالقرية الواحدة لا يفصلهم شيء ولا تحدهم حدود سواء حدود الدم والعِرق والدين، عصر باتت الهوية تتخذ من الزمان إطارها المرجعي ومعرفة الهوية باتت عشوائية، تتغير وتتبدل بإطراء بتغير إطار الزمن وتبدل الأحداث باتجاه العولمة على حساب المحلي وتحريفه عن معناه المتعارف عليه.
كما ليس على المصمم أن يفترض أي هوية غير عنصر نص يقابل تجرد الجسد إلى حالات أساسية أو أفكار مجردة، تجعل احتمالات الأشياء أمراً بصرياً، إن درجة تنوع الأعمال المصورة ما هي إلا انعكاس التعددية للثقافات البصرية الحاضرة.
Page 5
إن موضوع هذه الدراسة يتبع فيه الباحث استراتيجية علمية في تسلسل الأفكار وترابطها للوصول بمضمون الدراسة وغاياتها على بر الأمان ولكي يكون الموضوع الذي بصدد الطرق على أبوابه هادف ومفيد وواضح للدارسين والمهتمين باللغة بالبصرية في التصميم وكيفية التعامل معها ومن خلالها في فهم واستيعاب ما يحيط بنا من عناصر وأشكال وأشياء بواسطة حواسنا البصرية دون غيرها وجعل الآخرين على القدر نفسه من هذا الفهم للاستيعاب وبالمعطيات نفسها.
يرى الباحث أنه بات من الضروري بلورة هذه الإستراتيجية في توضيح معنى الفن والفنان ومن وجهات النظر المختلفة وكذلك معنى التصميم وأهميته باعتبار أن التصميم والفن إنائين يصب كل منهما محتواه في الآخر، ولا معنى ولا قيمة لأحدهما دون الآخر. وننفذ من خلال هذه الدراسة على معنى الإدراك وأنواعه في ثقافة القرن العشرين مع إعطاء للقارئ الكريم نبذة تاريخية عن مفهوم الفن وقيمته الجمالية والنفعية انطلاقاً من مدرسة الباوهاوس بألمانيا التي تبلورت فيها الشطحات الأولى في فن الحداثة والتي نادت بأن يكون للفن قيم جمالية ونفعية في وقت واحد والتي اعتمدت على التصميم في كل أنواع الفنون مما يدعم لغتنا البصرية مدللاً على ذلك بالحقائق والنظريات والمفاهيم التي فتحت الباب على مصارعيه في هذه الدراسة بما يكفل للقارئ الفهم والاستيعاب بكل يسر وسهولة متمنياً أن أكون قد وفقت ولو لحد ما وإن أطلت أو أسهبت في الشرح ولتوضيح فإن الإطالة غير مقصودة لذاتها وإنما جاءت ضرورة حتمية أملتها مقتضيات وحاجات الموضوع، ليكون كاملاً ومكتملاً من كافة الجوانب والكمال لله عز وجل.
التصميم ليس تفريغاً لأشكال وكتل وألوان وخطوط وإنما واجهة من واجهات البحث الفلسفي. وبدونها لا نتجاوز المعرفة والتزيينات بوصفها المجرد للوصول إلى أعلى درجات الإتقان في التصميم.
إن البحث في مفردات التصميم وأبعاده وعناصره تمكننا من الوصول إلى قمة الإبداع الفني، إذ أن عملية التصميم تعتمد على قدرة المصمم على الابتكار لأنه يستغل ثقافته وقدرته التخيلية في خلق نتاج جديد أو تطوير الأعمال السابقة.
فإن عملية التصميم تنبع من أهمية حاجتنا إليه، وجدة التصميم هي التي تزودنا بالخبرة الفنية التي نحس بها تجاه أي عمل فني إذ إن فرديته تنبع من المشاعر الخاصة للفنان أو المهندس أو الصانع وهو يعبر باللون وقيمته وبالخط والمساحة التي ينتجها ليعبر عنها بتصميم ذات قيم ورموز تمتلك ما تمتلكه من الطاقات التعبيرية لذات التصميم.
Page 6
الأسس البنائية للتصميم
هناك عدة جوانب مختلف تدخل في بناء العمل الفني المصمم يجب أن يراعيها القائم بالتصميم وتنقسم إلى جانبين:
الجانب الأول: البُعد الإدراكي للتصميم
وهذا الجانب مرتبط بعلاقة المصمم بالمستقبل للعمل الفني وهو مجموع العوامل المؤثرة في الإدراك ومنها:
1- العوامل النفسية الذاتية.
2- العوامل الموضوعية التي تتعلق بالعمل وبقوانين الإدراك البصري.
تتركز تلك العوامل على وظيفة المتذوق على استرجاع خبرة الفنان المصمم خلال عملية التذوق وفق حالة عقلية معينة ومحتوى ثقافي يتحدد وفق خبراته السابقة.
الجانب الثاني: البُعد المادي للتصميم
وينقسم ذلك الجانب إلى الآتي:
1- العناصر التشكيلية وبناء التصميم.
2- النظام البنائي للتصميم (هيكل التكوين).
3- الأسس الإنشائية للتصميم (العلاقات التشكيلية).
4- أسس التصميم (الأسس الجمالية).
Page 7
البُعد الإدراكي للتصميم
الإدراك البصري للأشكال والهيئات: إن عملية الإدراك تنطوي على إعمال قدرات فسيولوجية تتعلق بوظائف الأعضاء وتتحكم في آليات الإدراك البصري كما تتعلق بالقدرات العقلية والنفسية التي تتضافر مع القدرات الفسيولوجية وتتشكل من منظور الفروق الفردية التي تعكس العوامل الثقافية والبيئية للمستقبل للعمل الفني.
ويتعامل المصمم مع العمليات والظواهر والعوامل التي تتحكم في المجال الإدراكي باعتبارها مدخلاً أساساً للوعي بطبيعة الرسالة الجمالية ومدى فعاليتها في التأثير في المشاهد.
وبقدر وعي المصمم بتلك القدرات الإدراكية يكون نجاحه في استخدام أسس وعناصر التصميم وفي التحكم في إمكانية ربط العناصر البصرية وتحقيق أكبر قدر من الاتساق بين الهيئات والأشكال في أعمال التصميمات المسطحة ذات البُعدين والمجسمة ذات الأبعاد الثلاثة.
وتشمل عملية الإدراك بصفة عامة عناصر وعوامل بالغة التشعب ولكنها تتسم بالترابط المتفاعل.
إن عملية الإدراك تتم بالترابط المتفاعل للأجهزة الحسية من ناحية والمخ من ناحية أخرى حيث تتصل الأجهزة الحسية بالحواس الظاهرة بفرعياتها والحاسة والحسجسمية بفرعياتها أيضاً، فضلاً عن الحواس الإضافية كما يركز الشكل على الإدراك البصري ويحدد موقعه من الحواس الظاهرة والحواس الإضافية التي تتحكم في عملية الإدراك البصري التي تتم بتفاعل العوامل الذاتية والعوامل الموضوعية من خلال جهاز الإبصار.
Page 8
الإدراك
الإدراك هو الوسيلة الوحيدة التي يتصل بها الإنسان مع بيئته المحيطة فهو عملية عقلية تتم بها معرفة الإنسان للعالم الخارجي عن طريق التنبيهات الحسية. كما أن الإدراك الحسي لا يقتصر على الخصائص الحسية للشيء المدرك فقط بل يشمل أيضاً معرفة واسعة تخدم هذا الشيء المدرك. وبحكم اتصال الإنسان المتكرر بالبيئة والعالم الخارجي المحيط به من أشياء وموضوعات سواء مسطحة أو مجسمة تتراكم خبراته ولذلك تبدو عملية الإدراك متواصلة نامية.
ومن جوانب تعقيد العملية الإدراكية أن الحواس البشرية لا تستجيب إلى بعض المظاهر المحيطة بالإنسان، وعليه فإن الإدراك البصري مثلاً لا يعكس الحقيقة بدقة موضوعية. فإذا ما نظر شخص ما إلى هيئة شخص ما قريب منه وإلى شخص آخر مماثل في الحجم بعيداً عنه فإن ثبات الإدراك سيؤدي إلى إدراك الشخصين متساويين على الرغم من خداع البُعد الذي يؤدي إلى تغير البُعد بالمقارنة بالقريب.
1- الإدراك وكيف يحدث: وجد الإنسان نفسه مزود بقوى كبيرة لتنقل إليه العالم الخارجي وأول هذه القوى الحسية هي الحواس أو الأجهزة الحسية التي تمثل المنافذ الرئيسية للإنسان على العالم الخارجي.
وقد حصر العلماء الحواس البشرية في إحدى عشرة حاسة متميزة تجتمع في أجهزة خمسة وهي: البصرية والسمعية الحسجسمية الكيميائية والحسحركية.
ودرجات التميز في كل إحساس من هذه الإحساسات تختلف عن الآخر الذي يليه وبذلك يكون أدقها الحاسة البصرية وعنصرها المستقل هو العين، التي تتأثر بالموجات الضوئية المنعكسة من الأجسام الخارجية وتقوم الأطراف العصبية بنقلها إلى المخ ومن ثم يحدث الإحساس والإدراك.
وتشير الدراسات إلى أن الإدراك البصري يحتل الموقع الأول في القوى الإدراكية للإنسان حيث تزوده الرؤية بإدراك شامل للمحيط المرئي بطريقة مباشرة.
2- عملية الإدراك البصري: يتم الاتصال البصري عن طريق العين من خلال الضوء المنعكس من المرئيات والذي تستقبله العين بواسطة عدسة الشبكية فتتكون لديه صورة نمطية على الشبكية لدرجات شدة المداخل المتفاوتة من الأسطح المتعددة والأشياء الموضوعة أو المكونة لتلك الأسطح. ثم تقوم الأعصاب بنقل الإشارات إلى المخ فيتم به بعض التغيرات الفسيولوجية والكيميائية في العضلات والأعصاب وخلايا المخ التي تسبب الوعي بالأشياء والإحساس وتنبه قدرات التفكير والرغبات والاستجابة أي أن الذهن يقوم بدوره في نقل هذا الانطباع إلى العالم الخارجي على هيئة صور خارجية. وتطلب عملية الاستقبال البصري مهارات متعلقة بالقدرة على الإحساس بموقع وحجم وشكل وحركة الأشياء أو الموضوعات المحيطة بالشخص المدرك. ويتحكم مستوى النشاط الذهني للفرد وقدرته على الانتباه في موقفه من المظاهر المرئية.
تمر عملية الإدراك البصري بالنسبة لأغلب الناس في أطوار متتابعة تبدأ بالنظرة الإجمالية ثم بعملية التحليل وإدراك العلاقات القائمة بين الأجزاء ثم بإعادة تأليف الأجزاء في هيئة الكلية مرة أخرى. ومن ثم فإن عملية الإدراك البصري مستمرة تبدأ في الأغلب بالكليات وتتحول إلى الجزيئات بهدف التحليل والتأمل تمهيداً لإعادة التحول إلى الكليات في صورة مفهوم إدراكي تأملي.
فبالرغم من أن النظرة الإجمالية لأي عمل فني تسبق دائماً النظرة التحليلية ولا يمكن إدراك العلاقات بين الأجزاء ما لم يشمل إدراك المشاهد أولاً المدرك بأكمله لأنه لا معنى للأجزاء منعزلة بعضها عن بعض بل يتوقف معناها على موقفها من سائر الأجزاء وعلى كيفية انتظام الشكل الكلي في أجزاءه.
العمل الفني المجسم على سبيل المثال يمكن للمشاهد أن يراه ككل، ولكن من زاوية إدراك واحدة سواء كانت هذه الزاوية محددة للمشاهد من قبل الفنان أو متروكة لاختياره. والنظرة التحليلية لها حداً ولا يمكن تجاوزه وإلا فقدت أجزاء العمل الفني معناها بالقياس إلى العمل ككل. إلا أنه في مجال رؤية الأعمال الفنية يمكن للنظرة التحليلية أن تسبق النظرة الكلية ولكن في هذه اللحظة يكون العقل بصدد عملية تحليل.
فللمجال البصري خصائص كامنة فيه تعد بمثابة مثيرات للعملية الإدراكية حيث يستدعي المرء معاني تيسر التعرف على الشيء المرئي وتأويله وإدخاله في دائرة الأشياء التي يألفها. وعلى ذلك فإن الإدراك يكون إجمالياً في مبدأه وتؤدي الألفة بموضوع الشيء المدرك إلى سرعة الإدراك كما أن الإدراك البصري يعد عملية نامية متتابعة إذ تتحول نواتج الإدراك البصري لموقف ما إلى مقدمات تساعد على حُسْن الإدراك وسعة مجاله.
Page 9
العوامل التي تقوم عليها عملية الإدراك البصري
عملية الإدراك البصري عملية تخضع لظروف خاصة وشروط معينة، كما أنها عملية واحدة لا تحل إلى عمليات أبسط منها وهي ما قد يسمى بالإحساس وهي لا تتم بطريقة مطلقة وإنما تخضع لنوعين من العوامل - العوامل الذاتية والعوامل الموضوعية.
العوامل التي تقوم عليها الإدراك البصري:
1- عوامل ذاتية.
2- عوامل موضوعية.
فتوجد عوامل ذاتية تنتمي إلى الشخص المشاهد للعمل الفني حيث أن هذا المشاهد له ميوله الخاصة واستعداده العام وخبرته السابقة.
كما توجد عوامل أخرى تتعلق بالمجال الخارجي أي عوامل موضوعية تنتمي إلى شيء المدرك فالعالم الخارجي المحيط بالمشاهد عالم منظم له قوانينه الخاصة التي يسير وفقاً لها كما أن له نوع من الثبات في مظهره وأسلوباً في الاطراد في تغيره كذلك العمل الفني فله قوانينه وأسسه.
وعلى هذا فإن عملية الإدراك البصري عملية ارتقائية تمتزج فيها العوامل الذاتية بالعوامل الموضوعية امتزاجاً مستمراً ويعتبر المدرك البصري أو العمل الفني نتائج لفاعلية الإنسان من عالمه الخارجي المحيط به.
وتتوقف نوع الموضوعية الإدراكية لموضوع ما على بعض الشروط الآتية:
1- طبيعة الموضوع أو العمل الفني بالنسبة للمشاهد والذي يعتبر المنبه الخارجي.
2- تفاوت الأشخاص المشاهدين في كيفية استخدام حواسهم تجاه هذا العمل مما قد يؤدي إلى اختلاف أحكامهم الإدراكية على هذا العمل.
3- اتجاه تفكير الشخص وحالته الشعورية في تكيف شكل المدرك الحسي.
4- تأثير استجابة المشاهد لهذا العمل الفني بمعلوماته السابقة وتجاربه وما يشغل باله من خواطر وأفكار.
الجوانب الذاتية والجوانب الموضوعية في عملية الإدراك البصري
Page 10
أ- العوامل الذاتية للإدراك البصري: العوامل الذاتية كما هي تتعلق بالشخص المشاهد للعمل بميوله الخاصة واستعداداته العامة أي حالة التأهب إزاء هذا العمل الذي أمامه أو الموقف الذي يشاهده وخبرته السابقة أو الحصيلة العامة لمجموع المواقف التي سبق أن مرّ بها أو شاهدها من قبل من أعمال فنية مسطحة أو مجسمة.
وانتباه المشاهد أو حالة تركيز عقله حو موضوع معين يبحث عنه في العمل الفني أو نحو بعض أجزاء من العمل أو نحو زاوية رؤية أو نحو العمل ككل أو نحو العوامل المحيطة به وعلاقتها به أو تأثيرها عليه.
وبرغم أن الشيء المدرك لا يخرج عن كونه صورة ذهنية ولكن الصورة الحقيقية تمتاز عن الصورة المتذكرة بحقيقتها الخارجية وشدتها وتماسكها المنطقي وفاعليتها.
ويعتبر الإدراك ليس مجموعة إحساسات بل هو عملية معقدة تساهم فيها المخيلة والعقل بشتى أحكامه من تقدير للوجود الخارجي للعمل الفني ومن تأويل وتشبيه وتمثيل هذا العمل بآخر.
كما أن العوامل التي تؤثر على الشيء المدرك هي ذاتها العملية المعقدة المؤيدة إلى تحويل الانتباه إلى مستوى أرقى هو الإدراك.
فالتهيؤ العقلي هو الذي ينتقي المثير فيركز الانتباه إليه وفي عملية الإدراك في الفن خاصة وإن موقف المدرك ودرجة تهيؤه العقلي لها تأثيرها في تحديد نوعية الإدراك. فمهما كانت العوامل الموضوعية للإدراك في العمل الفني فإن فهم علاقة الشكل بإطاره أو المجال الموجود به أو مجرد الانتباه إلى شكل ما، لن تتم بدون تهيؤ عقلي كافي. وقد تؤدي شدة الألفة بعمل ما إلى ضعف الانتباه إليه فإذا ما طرأت بعض التغيرات البسيطة كأن ينقل من مكانه أو يتغير إطاره ففي هذه الحالة إن المشاهد يحاول تركيز انتباهه على هذا الأمر أو الشيء الجديد الذي طرأ عليه أي أن الاستعداد الانتباهي العام لهذا الشخص قد ركز حول جزء من المجال الإدراكي.
أما إذا كان الموقف كله جديد ولا عهد للمشاهد من قبل به، فإن انتباهه يكون منصباً على العمل ككل محاولاً أن يستشف فيه أكبر قدر ممكن من الناحية الإدراكية، وبالتالي فإن العمل المجسم أو المتعدد الأسطح إمكانية رؤيته من زوايا متعددة تعطي دائماً للمشاهد له رؤية متجددة بتغير زوايا الرؤية ووضع المشاهد منها، ولذلك فمراعاة استغلال هذه الإمكانية في عملية إنشاء العمل المتعدد الأسطح لا تخلق نوع من الألفة عند مشاهدتها.
كما وأن المرء لا يدرك تلقائياً كل ما يقع في حقله المرئي بل إنه يدرك الموقف ككل إدراكاً ذاتياً يرتبط ببيئته الطبيعية والثقافية. فإن لغة الشكل المرئي تتحمل إلى جانب واقعها البنائي بُعداً إدراكياً يتمثل في مداولاتها الرمزية المعرفية التي تؤصل في الرائي نواحي التفاصيل إيجابياً أو سلبياً حيث يتجاوب المشاهد مع هيئات شكله ويتجنب هيئات وأشكال أخرى كلياً أو جزئياً.
فالعقل يضفي على الأشكال أبعاداً رمزية ومداولات استعارية يحولها من مجرد عناصر وأسس تصميمية إلى أدوات تعبيرية ووسائل بصرية توجه وتستقبل بما يكفي التفاهم بين المتعاملين بلغة الشكل إبداعاً واستمتاعاً.