eKtab
EN ع
إلياس فرحات شاعر العروبة في المهجر
Read free sample

إلياس فرحات شاعر العروبة في المهجر

by د. عيسى الناعوري

Page 1
فرحات كما عرفته
 
للشاعر المهجري جورج صيدح
 
تلطف الأخ الأستاذ جورج صيدح فبعث مشكوراً إلى المؤلف بهذه الرسالة. لتكون مقدمة لهذا الكتاب
 
عزيزي الأستاذ عيسى:
 
تسألني ماذا أعرف عن فرحات؟ تعني بسؤالك فرحات الرجل لا فرحات الشاعر، لأن معرفتك بفرحات الشاعر واسعة، بدليل الدراسة التي قرأتها لك عنه.
 
هو الرجل "الحبوب" بين شعراء المهجر، نحبه في أسخف شعر قاله، وفي أخشن نكتة رواها، روحه الكبيرة تطغي على جسمه الضامر، ولسانه يطغى على الاثنين، حينما تعرفت إليه بهرني بشعلة ذكائه، وخيل إليَّ أنَّ جسده فسفوري، لا يحجب إشعاع نفسه، وأني مجذوب إليه بعامل سحري لا قبل لي في دفعه، هذا عين الشعور الذي خامرني يوم التقيت بإيليا أبو ماضي للمرة الأولى، مع الفارق أنّي في صحبة فرحات تبسطت وثرثرت، وفي حضرة أبو ماضي تهيبت وفحمت.
 
لا أروي لك ما تجهل عن مزاجه، لأن مزاجه يتمثل في شعره، اقرأ قوله:
 
لو مَنَّ ربّي بالنفوس على الورى لبصقت حوبائي وقلت له: خذ!
 
ترى حركة يديه تتحدى الفضاء، وعينيه تقدحان شرراً، شيمة كل غضبان في كفرشيما.. إنّ حبال أعصابه المرهفة، المتوترة، المتحفزة أبداً للالتفاف حول أعناق الطائفيين والإقطاعيين والخائنين، تتحكم في شعره، كما يتحكم المد والجزر في أمواج البحر، تارة ثورة وجنون.. وطوراً لين وسكون.
 
فالذي قال أرقّ ما قيل في خصلة الشعر وفي الراهبة، قال في رجال الدين:
 
ضربت بها قلانسهم فطارت ولو خـفت مآثمهـم لطـاروا
 
وقال في المراثي:
 
ماشَيْته يوماً فدسـت خيـالَه عرضاً فـأثر لومـه بحذائي..
 
هذه القسوة في التجريح ظاهرة غريبة في شاعر يحسد النسيم الذي قبل حبيبته ويحسد قلبه الذي يحويها.. وكم جرت عليه صلابته وصراحته من متاعب، وكم نفرت منه عشراء وأصدقاء.. وهو كصخرة الوادي، لا يتزحزح عن موقفه.
 
وأيّ هجاء في مقالي لعقرب له ولع في الشر: "إنّك عقرب"
 
الفرق بينه وبين أبو ماضي، على تشابههما في الشاعرية الفياضة، أنَّ فرحات يلعن الظلام قبل أنْ يشعل الشمعة، وأبو ماضي يشعل الشمعة ثم يمجد النور.
 
ألم يقل أنَّ الكلب الذي يخون صاحبه يعاقبه الله بردّه إنساناً؟
Page 2
ويلوح لي أنَّ حياة الوحشة والحرمان التي عاشها في أولى مراحل هجرته تركت أثراً بارزاً في طبعه، خبر الناس فخاب أمله في فضلهم وفضائلهم. وأصبحوا في نظره لا يستحقون المصانعة والتحبب، بل التنديد والاستهتار، فما أقلّ المديح في دواوينه، وما أكثر التجريح، لقد عانى من المشقات في سبيل الرزق ما تنهار معه أعصاب الصناديد: ربى الخنازير والدجاج والحملان، نضد الحروف في المطابع، جرب بيع المأكولات العربية، تجول "بصناديق المساطر" في المجاهل والأدغال، عمل جابياً لاشتراكات الصحف في داخلية البلاد، وأنت تعرف حكاية ثوبه الذي اشتراه بالتقسيط ليقابل به المشتركين ويفرض عليهم احترامه، فاحترق الثوب في القطار قبل أنْ يصل إلى المحطة الأولى. أتظنّ أنَّ هذه الأزمات حدت من أنفته وكبريائه؟ إنّه لم يأكل خبزه إلا بعرق جبينه، ولم يحن رأسه أمام أي صنم مذهب.
 
استغنى بالقناعة عن الأغنياء فساواهم مقاماً، واختص دونهم بالنبوغ، فتعالى عليهم واستطاع ما لا يستطيعون.
 
ليس الدجاج وإنْ طارت بمدركة أنـي يقبـل نـسـر وجنــة الجلــد
 
هو الشاعر المهجري الوحيد مئة بالمئة، لم يزوده الوطن بفتات من العلم، وهو قد زود وطنه بوليمة من الطيبات الباقيات، تغذي روحه بالجمال على مدى الاجيال.
 
وما أحسن وصفه لنفسه:
 
ربـةَ الحكمـة إنـي شـاعـر يعشق الحكمة مـذ ـان صبيّـا
 
لا تخالينـي لصيقـاً بالـثرى لا تمـس الأرض فيها قدميـا
 
إنّ للإنسـان مــن فطـرتـه للثـرى شيئـاً وشيئـاً للثـريــا
 
بارك الله به، وبكل من يتذوق شعره ويعظم قدره، كما تعظمه أنت في كتابك، وأنا في قلبي..
 
وإليك تحيتي تطير إلى عمان بينما أنا أطير إلى القاهرة( 1) حاملة ذرة من العطر إلى شيخ العطارين.
 
بيروت في 9/3/1956
 
جورج صيدح
Page 3
تمهيد
 
إلياس حبيب فرحات شاعر من أبرز شعراء العرب في البرازيل، وأعرقهم في الشاعرية الحقة، فليس للعروض والقواعد والبلاغة شيء من الفضل في حياته الشعرية، وإنّما الفضل كله لطبيعته الموهوبة، ولاستعداده الفطري للشاعرية الصحيحة.. فإلياس فرحات ضئيل الحظ من الثقافة المدرسية، إذْ إنّه غادر مقاعد المدرسة في العاشرة من عمره، ونزل يجاهد في معترك الحياة بصبر وجلد، ثم هاجر إلى البرازيل أسوة بالنازحين من أبناء بلاده، وجالد كثيراً فلم يفز بغير الحرمان والفشل، ولم يصادف سوى قسوة الحياة التي لازمته مدة طويلة، وقد كان لهذه الحياة القاسية وما رمته به من حرمان وفشل، أثر كبير في تغذية شاعريته، وقد ظهر ذلك الأثر في عدد كبير من قصائده الدوامي.
 
بدأ فرحات النظم باللغة العامية، فكان زجالاً يجري على الفطرة الموهوبة التي يغذيها الذكاء المتوقد.. ثم وجد من يوجهه نحو مطالعة الشعر الفصيح وتذوقه، فعكف على المطالعة زمنا حتى تمكن من إجادة الفصحى، فإذا إلياس فرحات، الزجال المغمور، شاعر يملأ دنيا الضاد ألحاناً عبقرية، تزغرد في مسمع الأيم عن حنجرة صافية الرنين، وإذا قصائده أناشيد يتغنى بها الناس في المهجر وفي ربوع الشرق العربي بإعجاب وإكبار ونشوة.
 
وفرحات نفسه هو خير من يروي لنا قصة شاعريته، فلنستمع إليه في القصيدة التي جعلها فاتحة لديوانه الثاني "ديوان فرحات".. وجعل عنوانها "مقدمة الناظم":
 
يقولون عمن أخذت القريـض وممــن تعلّمـت نظـــم الـدرر
 
وأين درست العروض وكيـف تلقفــت هـذا البيـان الأغـــر
 
وما كنت يوماً بطالـب علـــمٍ فإنـا عرفنـاك منـذ الصغـــــر
 
فقلت أخذت القريـض صبيـاً عن الطير وهي تغني الســحـر
 
وعن خطرات عليـل النسـيـم يمـرّ فيشــفـي عليـل البشــر
 
وعن ضحكات مياه الجــداول فوق الجلامـــد تحـت الشجـر
 
وعن زفرات المحب الأديـــب يزاحمــــه الموسـر المــــحتقـر
 
وعن نظرات الحســان اللواتي يكدن يغلغلنهـا فـي الحجـــر
 
وعن عبرات الحزانى الضعاف ففي عبرات الحزانـى عبـــــر
 
فهو إذن قد تتلمذ على الدهر في مدرسة الحياة والطبيعة، وهما أعظم المدارس، وأغزرهن علماً وأدباً وفي ذلك يقول متابعاً قصيدته:
 
فذا الكون جامعة الجامعـات وذا الدهـــر أسـتاذها المعتبر
 
ففي المبكيات بيــان جميـــل وفي المضحكــات معان غرر
 
وفي كل ما يبصر المبصــرون دروس تنـــــار بهن الفكـر
Page 4
وأرى ههنا من المناسب أنْ أنقل بعض ما ذكره فرحات نفسه في هذا الباب في مذكراته المخطوطة، فقد جاء فيها ما يلي: "بين حين وآخر ألتقي من الأدباء من يسألني كيف وأين تعلمت اللغة العربية؟ وبين آونة وأخرى أقرأ أو أسمع من يقول: فرحات درس العربية على نفسه، والحق أنّني لا أعرف كيف ولا أين تعلمت هذه اللغة؟ فإنّي لم أدرسها على نفسي ولا على غيري، فقد تركت مدرسة الضيعة ولي من العمر عشر سنين، ولم أكن قد قرأت من الكتب عند الراهب إلا مزامير داود، ولم أتصفح حياتي كلها كتاباً للصرف والنحو.. ولا أظنّ أنَّ الراهب المعلم كان يعرفهما أو يعرف منهما شيئاً.
 
وبعد تركي المدرسة لم أدرس قط، وإنْ أكن قد طالعت كثيراً، فإنَّ القراءة شيء والدرس شيء آخر، وحتى سنة 1921 لم تكن مكتبتي تحوي من الكتب غير جغرافية فانديك. وفي تلك السن كنت أنظم الشعر الفصيح.. لم أدرس الصرف ولا النحو ولا العروض، وأنا من طبعي لا جلد لي على الدرس..".
 
هكذا أصبح فرحات شاعراً بغير أن يتلقى الشاعرية من الكتب، لأن الشاعرية موهبة تمنحها السماء لمن ترضى عنهم "و... لم تكن ترضى السما إلا عن الصلاح".. كما يقول إيليا أبو ماضي.
 
ولعل من المستحسن أن نورد في هذه العجالة أمثلة قصيرة من أزجال فرحات الأولى قبل أنْ يصبح شاعراً.. وهذه الأمثلة قد أوردها فرحات في مذكراته أيضاً وهي تدلنا على براعة فرحات في التهكم اللاذع، ومنها قوله لأحد منازليه في الزجل:
 
كنــت لقـــدامي موديــك عدت لخلفي رجعتـــــك
 
لو أعطوني نحاســة ديــك بكــــون حمار إن ما بعتك
 
ومنها البيتان التاليان وقد أرسلهما في كتاب إلى والده من زحلة، وهو ما يزال يافعاً، وكان قد اشتاق إلى رؤية قريته، ولقاء حبيبته التي تعلق بها في سنّ مبكرة جداً حتى لم يعد يطيق فراقها:
 
العصفور اللي بعدو صغير متشــوق للضيعـــة كثير
 
في سجنو مش راح يبقــى بــس يريــــش بدو يطير
 
ويكفي هذان المثالان لنعرف منهما أنَّ فرحات قد خلق ليكون شاعراً، فقد كان منذ البداية متفتح النفس والحس، سريع الخاطر، خفيف الروح.
 
وفي سنة 1925 صدر لفرحات أول ديوان شعري باللغة الفصحى، وقد طبع في البرازيل، وهو كتاب صغير الحجم، يشتمل على عدد كبير من الرباعيات عنوانه "رباعيات فرحات" وهذه الرباعيات متنوعة الأغراض كما هي متنوعة القوافي، ومتنوعة الأوزان، غير أنَّ الصفة التي تكاد تجمعها جميعاً، هي صفة التمرد على المجتمع البشري بتقاليده وطقوسه، ومذاهبه الدينية والسياسية والاجتماعية، ثم التشاؤم وأكاد أقول واليأس من إمكان إصلاح هذا المجتمع الفاسد. الموبوء بكل داهية وخيمة من التفرقات والنعرات، والأطماع والنذالات، ومن الظلم والاستعباد، والذل والخنوع، وهو في أكثر هذه الرباعيات المتمردة مصيب وموفق، كقوله في التفرقة المذهبية التي هي سبب خنوع الشرق للذل، والتي لا نزال نجدها، مع شديد الأسف، حتى لدى الكثيرين ممن تلقوا العلم في الغرب، ونالوا درجات علمية عالية.
Page 5
أجار ! جار عليَّ الظالمون كــما جاروا عليك فلم نرحل ولم نثر
 
نخشى الغريب ونخشى بعضنا، فإذا حل البلاء شكونا الضيم للقمر ِ
 
فيم التقاطع والأوطان تجمـعنا؟ قم نغسل القلب مما فيه من وضر
 
ما دمت محترماً حقي فأنت أخي آمـنت بالله، أو آمنت بالحـــجر
 
وكقوله في الدين..
 
الدين قلب نقي لا اتصال له بالزيت والملح والتعزيم والهذر
 
وفي الجهل الذي يدفع أغلب الناس إلى اتباع كل ناعب أو ناعق ممن يدعون الغيرة على المجتمع، ومحاولة إصلاحه..
 
قد قام لينين يدعو الأغنيـاء إلى توزيع ما جمعوه في الصناديــق
 
ويستمد غناهم سـاعيا أبـــدا باللين طــورا وطورا بالمجانيق
 
لقد يفوز فيلقى من يؤلـــهــه ويسـتغيث به في ساعة الضيق
 
وقد يخوزق مظلوما فيرزق من يدعو الأنام لتقديس الخوازيق
 
وفي الأغنياء البخلاء..
 
كم من غني بخيل كلما لمحت عيناه وجه فقير خـفَّ يســـتتر
 
ترنو إلى ماله الوراث قائلــة: "لا يؤكل الجوز إلا حين ينكسر"
 
وفي حياة بعض الأزواج التي هي في الواقع جحيم، وإن تكن في ظاهرها توهم السعادة..
 
كم في البرية من زوجين ما برزا إلا بســـيّارة تزهو كـــسيار
 
فإنْ تضمهما جدران قــصرهما قاما بتمثيل دور الهر والفــار
 
وأمثال هذا كثير يزخر بالصدق والحكمة والشاعرية.
Page 6
وفي سنة 1932 ظهر في البرازيل ديوان ثان لإلياس فرحات دعاه "ديوان فرحات" وهو في هذه المرة ديوان ضخم يقع في 287 صفحة من القطع الكبير، ويشتمل على عدد كبير من القصائد المتفرقة في الحب والألم، وفي الوصف والحنين، وفي الوطنية وفي الاجتماعيات، ويلاحظ الذي يطالع هذا الديوان: 1) قوة الشاعرية وجمالها في أغلب قصائده 2) طول النفس في عدد كبير منها 3) محافظة الشاعر في أغلب القصائد على القافية الواحدة، وفي رأيي أنَّ وحدة القافية في القصيدة الكاملة، على الرغم من أنّها أوقع في النفس، إلا أنّها تجني كثيراً على الشعر لأنها تضطره إلى التقيد بها والخضوع لأحكامها، ويندر جداً أن تسلم ذوات القافية الواحدة، عند سائر الشعراء، من بعض العيوب والمآخذ.
 
أمّا الصفات التي يصورها لنا شعر فرحات من صفات الشاعر وأخلاقه، فأولها وأجدرها بالذكر، شدة الإباء، بحيث لا تنال الشدائد والحرمان والفشل من إبائه.
 
أمّا الصفة الثانية التي تصورها قصائد "ديوان فرحات" من أخلاق الشاعر فهي صفة التمرد وتحدي المصاعب، وصفة ثالثة تبدو لنا على أشدها عنده، وهي حب الوطن، والألم الشديد لرؤيته ذليلاً خانعاً بين مناسر الأقوياء وأنيابهم. وهذه المزايا وغيرها نقرأها في عدد كبير من قصائد فرحات وسنفصل الحديث عليها في الفصول اللاحقة، وهو شديد الاعتزاز بشعره الوطنيّ؛ لأنّه يعلم أنَّ الأدب الحقّ هو الأدب الذي يستطيع أن يرفع عن الأمّة كابوس الذل، ويسمو بها إلى الحرية والمجد، وما عداه من فنون الأدب والشعر لا يرى فيها سوى حماقات يتسلى بها جماعات من الكسالى الذين يدعون ما يزخرفه لهم كسلهم "فناً وأدباً وشعراً".. وهو في هذا كله مصيب إلى حد بعيد، فالأمّة التي تعاني الذل في ديارها، وتعيش تحت عبودية الظالم القوي، حرام أنْ تتغنى في ذلها بما يخدر أعصابها، لتتجاهل النير الجاثم فوق أعناقها.
Page 7
فرحات في الضيعة
 
ليس من السهل أن نعرف شيئاً عن طفولة فرحات وشبابه الأول، لولا أنَّ فرحات نفسه قد وضع في أيدينا صورة لتلك الأيام البعيدة في مذكراته التي لم يقدر لها الطبع بعد (1) وعلى صغر هذه المذكرات، فقد كتبت بروح خفيفة تميل إلى الدعابة والمرح، من البداية إلى النهاية، وقد انتهى من وضع هذه المذكرات في شهر كانون الأول عام 1947.
 
ونحن نختار مقتطفات من هذه المذكرات، مما يهمنا معرفته عن حياة الشاعر الأولى في الضيعة اللبنانية، نلخص بعضها حيناً ونقتبس بعضها حيناً آخر، مع المحافظة على إبراز روح الدعابة التي تشيع في المذكرات، والتي تقيم بيننا وبين الشاعر جسراً من الألفة والمحبة.
 
يتحدث الشاعر في البداية عن تاريخ مولده فيقول:
 
"كنت إلى الأسبوع الماضي أعتقد اعتقاداً ثابتاً أني من مواليد سنة 1893، ولكن حدث أن تسلمت منذ أيام إحدى المجلات التي تصدر في بيروت، وكان في الجزء الذي تسلمته فصل عني يقول فيه كاتبه أني ولدت سنة 1891، وبالطبع لا أستطيع أن أجادل هذا الكاتب، إذ لا سجل رسمي لدي، ولأنني لا أذكر هذا الحادث الأليم.
 
ومما لا ريب فيه أني ولدت في اليوم الثامن من شهر كانون الأول, في إحدى تينك السنتين، أظل على هذا اليقين حتى يقيض لي الله كاتباً آخر يزعم أني ولدت في شهر شباط مثلاً، أو شهر أيلول أو نيسان.
 
"في هذا اليوم/ يوم ميلادي السعيد، صرخت أول صرخة في وجه الظلم، وما أظن صرختي تلك كانت "موزونة مقفاة" كصرخاتي التي أرسلها اليوم..
 
"قلت إني ولدت في سنة 1893، ويقول الكاتب الذي ورد ذكره أني ولدت في سنة 1891، ولكن للحكومة البرازيلية رأياً ثالثاً في الموضوع، وهو ولا شك أني ولدت في الثامن من شهر كانون الأول سنة 1900 (ألف وتسعمئة فقط لاغير) وفي الأمر سرٌّ لا بد من إماطة اللثام عنه.
 
عندما تزوجت، أو عندما عزمت على الزواج، كنت أقطن في مدينة كوريتيبا، عاصمة ولاية برنا، وكانت العروس تقطن في بلدة ريو نيغرو، من تلك الولاية، ولما كان لا بد من تقديم أوراق هوية رسمية لإتمام معاملات الزواج المدني، ولم يكن لهذه الأوراق من أثر، وكانت خطيبتي وذووها يجهلون تاريخ ميلادي، فقد قدروا عمري آنذاك تقديراً يتفق ورغبة العروس طبعاً.. إذ زعموا أنه واحد وعشرون عاماً. وكان ذلك في منتصف عام 1921، وهكذا جاء عمري ناقصاً في رأيي سبع سنوات، وفي رأي الأديب "الدرويش تسعاً..".
 
أما مكان ولادته ففي ضيعة كفرشيما التي يصفها بقوله: "هي قرية تقع في الجنوب الشرقي من مدينة بيروت، عند طرف صحراء الشويفات الشمالي الشرقي، بين الحدث والشويفات ووادي شحرور، ينتهي عندها الساحل ويبتدئ الجبل.. وفي بيت متواضع من "حارة المجادين" على مقربة من محلة الرملية، ولد صاحب الترجمة".
 
وأهم ما يذكره الشاعر من طفولته "خفة دمه" وشدة حافظته.. "فكان إذا جاء النور إلى الساحة، فرقصوا وغنوا بلغتهم المخلوطة، ومضوا، دعاني الرجال إلى تقليدهم، فرقصت وغنيت بتلك اللغة بدون أن أفهم منها حرفاً، لكنني كنت أتقن التمثيل كأني "فرخ نوري".. ولا أزال أذكر من ذلك الغناء الجميل .."مقطعاً هو: آرم بارم شنادرما"..
 
وكسائر الأطفال في القرية ذهب فرحات إلى المدرسة ليتعلم القراءة عند أحد القسس، وكان دائماً في المقدمة، لأنَّ الدروس كانت تعتمد على الحفظ، وهو قوي الحافظة، ولذلك كان القسيس يكلفه بقراءة "الرسائل" في الكنيسة صباح الأحد، فكان يستعد عليها يوم السبت حتى يغيبها حرفياً، ثم يلقيها في اليوم التالي في الكنيسة "وهو مكنفش زهواً واعتزازاً..".
Page 8
ويقول فرحات:
 
"لا أذكر السن التي ابتدأت أذهب فيها إلى المدرسة، على أنّني أؤكد أني تركت المدرسة (مدرسة الضيعة) ولي من العمر عشر سنوات، ثم لم أدخل بعدها مدرسة أتعلم فيها قط..".
 
ويضيف إلى ذلك قوله:
 
"قبل أن أودع المدارس نهائياً كنت قد أصبحت في نظر الأولاد "قوالاً" أي أنّني كنت قد اشتهرت بقول الزجل اللبناني المعروف"بالقرادي" فمتى اشتهر أيضاً بين الرجال بالزجل؟
 
إنَّ شهرته في هذا سرعان ما انتقلت من محيط الأولاد إلى محيط الرجال، وفي الضيعة لا يخفى شيء، مهما يكن صغيراً، عن عيون الجميع كباراً وصغاراً.. "فصار هؤلاء لا يقعدون في مجلس طرب إلا وأنا معهم، يأخذونني إلى الأفراح والأعراس لأنازل فحول القول.." ولقد ذكر في مذكراته كثيراً من مجالس الطرب والقول التي اشترك فيها اذ ذاك، ونازل فيها رجالاً من مشاهير القوالين.
 
على أنَّ الحياة في سنه تلك لم تكن حياة نعومة وطرب وانطلاق بالنسبة إلى طفل قروي فقير مثله، فكان لا بد له من عمل، فبدأ حياته بعد مغادرة المدرسة بالعمل في مصنع لصنع الكراسي في بيروت، ويقول: "فكان عليّ أنْ أتعلم قبل كل شيء تسخين الغراء، ثم تقشيش الكراسي، أي نسج مقاعدها، على أنَّ ترددي على معمل إبراهيم هاشم لم يطل أمره، وذلك أنّي هجوت الرجل "بردة قرادي" نقلها إليه أحد الزملاء في العمل فطردني، فنقلت إلى معمل آخر قريب منه.
 
وفي المعمل الجديد قضى فرحات الطفل أكثر من عام، وكان ينام في المعمل هو ورفاقه العمال الذين كانوا من قريته، كما كان صاحب المعمل أيضاً من القرية نفسها، وكان يعود إلى القرية مساء كل سبت ليقضي عطلة الأحد فيها، ثم يعود إلى المعمل صباح يوم الاثنين.
 
وتبدأ الحياة العاطفية تلعب دورها في حياة فرحات، وفي ذلك يقول: "في تلك السن المبكرة غزا الحب قلبي.. غزاه بطريقة وحشية جنونية، ملأت أوساطه وحواشيه، ولم تترك فيه "مغرز إبرة" خالياً.." وكانت الفتاة التي أحبها نسيبة له، كان أبوها يحب المطالعة، ويشترك في مجلة "الهلال" وعلى مطالعة "الهلال" اجتمع الحب والتنافس في قلبي "إلياس وأنيسة" وكانت روايات الهلال لجورجي زيدان تلهب في قلبيهما الطفلين نار الحب، فلما أحسّ أبواهما بذلك الحب العنيف الذي كانت تدل عليه خلواتهما الكثيرة المتكررة، أرادا أن يحدا من طيشهما فأرسلها أبوها إلى مدرسة داخلية للراهبات في "برج البراجنة" القريبة من كفرشيما، وأرسله أبوه إلى زحلة، ليعمل في النجارة مع نجارين من قريته كانوا يعملون هناك.
 
ويقول فرحات:
 
"ولكن زحلة بعيدة، وأنا يكاد الشوق إلى الضيعة يميتني، وذكر الحبيبة وخيالها يملآن كياني.. فرحت أنظم الأزجال والأشعار التي يعلم الله كيف كانت من حيث اللغة والصرف والنحو.. وبقيت في زحلة شهوراً كانت كأنها أعوام، لم يكن يصل إلى يدي من المال ما يكفي لشراء جواز سفر إلى كفرشيما، وكنت أتهيب الهرب إليها مشياً على الرجلين.. وأخيراً رأيت أنْ لا بد من الهرب، فهربت مشياً إلى أول محطة للقطار، وهي "سعد نايل" وهناك اختبأت بين الأكياس المعدة للشحن، حتى إذا وصل القطار دخلته متكلاً على الله وعلى "آدمية" المفتش الذي لم يخب ظني فيه، فإنّه عندما وصل إليَّ وسألني عن الجواز أفهمته أن لا جواز ولا نقود، وأني من كفرشيما وأريد أن أرجع إلى أهلي، فأشفق علي وتركني.. وثاني يوم وصولي ذهبت إلى برج البراجنة لأزور نسيبتي المحبوبة المسجنونة في المدرسة، متسلحاً بالقربى.. فجاءت فكاد يغمى علي حينما وقعت عيني عليها، ووضعت يدي في يدها مسلماً، وكنت وإياها نرتجف كأننا تحت عاصفة ثلجية.. وما كنا إلا تحت عاصفة نارية.. فجلسنا على مقعد هناك أسألها وتسألني، وأعيننا الأربع تقابل كل منها الأخرى لا تحيد عنها.. وأذكر أني سألتها عن كتاب "مجنون ليلى" وكنت قد تركته لها، فقالت باسمة: "أطعموني عليه مجدرة..!" فقد اكتشفته الراهبات معها فأجبرنها على طرحه في الموقد، لأن "الحب خطيئة مميتة"..! ولم يطل جلوسنا معاً لأن الراهبة عادت تدعوها إلى الدرس، فنهضت ونهضت أودعها بالنظر دون اللسان، لأنني شعرت ساعتئذ أنني أخرس".
 
تلك هي قصة حبه الأول، ذلك الحب المبكر العنيف الذي أنضج فيه الشعر والعاطفة والخيال، ودفعه إلى المغامرة والهجرة إلى البرازيل، لكي يجمع المال ويعود فيسعد إلى جانب فتاته بحب طويل العمر، ولكن الأيام قد أدالت في ديار الهجرة والشقاء من حب الطفولة، فإذا أنيسة التي تنتظره، زوجة لسواه، وإذا هو أيضاً زوج لغيرها.
Page 9
أما السبب في هذا الفرق فلا يوضحه الشاعر في مذكراته، وإن كان قد أشار إلى الموضوع من بعيد في بعض قصائده، كما سنرى في غير هذا الفصل.
 
بعد النجارة عاد فرحات يبحث عن عمل في بيروت، فعمل منضداً للحروف في إدارة جريدة "الوطن" التي كان يحررها الشاعر شبلي ملاط، ثم انتقل منها إلى جريدة "الحقيقة". وفي سنة 1909 ذهب إلى دمشق ليعمل منضداً في مجلة البطريركية الأرثوذكسية هناك. ولبث فيها نصف ساعة، قضى معظمها مريضاً، مما اضطره إلى العودة إلى كفرشيما.
 
وفي سنة 1910 عاد أخواه سليم وكريم من جامايكا في جزائر الهند الغربية، وبعد ستة أشهر، من عودتهما سافر إلى البرازيل ليلتحق بأخويه الآخرين وديع وأسعد، ويقول: "سافرت على أنْ أبقى سنتين أو ثلاث سنوات وأعود بالنقود لأحقق حلمي بالزواج، وها قد مر على سفري سبع وثلاثون سنة – حتى عام 1974 – تزوجت في خلالها.. وصرت رب أسرة، وتزوجت كذلك أنيسة وصارت أم أولاد..".
 
تلك خلاصة حياة فرحات الأولى في الوطن، ثم تبدأ حياة جديدة في ديار الهجرة في البرازيل، وحياته هناك حياة جهاد مضنٍ، وسعي شاق وراء الرزق طالما جلب على الشاعر المصائب، وطالما سقاه الصاب والعلقم، فما سالمه دهره حتى وصل إلى المرحلة الأولى من الشيخوخة.
 
ونحن سنعود إلى حياته مرة ثانية فيما بعد، لنرى كيف صورها في شعره أصدق تصوير، وسنرى كذلك ما صوره لنا من أخلاقه وصفاته النفسية.
 
ويلاحظ القارئ مما تقدم أنَّ الحياة التي عاشها فرحات في ضيعته طفلاً، كانت تنبئ عن شاعرية وموهبة جميلة، لو قدر لها أنْ تصقل في جو مدرسي صحيح لأنتجت ثماراً طيبة في الشعر الفصيح في عهد مبكر جداً، ومع أنّه لم يتح له ذلك الجو المدرسي، ولا تعلم شيئاً من علوم اللغة، فقد استطاع أنْ يتغلب على كل شيء، ويخرج بشاعريته ناصعة متمردة مدوية، فيصبح بين الرعيل الأوّل من شعراء العربية في المهاجر الأميركية، وفي الفصول التالية سننظر في أهم النواحي التي يتميز بها في شعره.