eKtab
EN ع
اليهودية ديانة توحيدية أم شعب مختار
Read free sample

اليهودية ديانة توحيدية أم شعب مختار

by عمر أمين مصالحة

Page 1

إهداء

الى والديّ، والى شريكة حياتي، والى الابنة

الوحيدة والابناء.

مع محبتي الخالصة.

عمر مصالحة

Page 2

تقديم:

إنها حقا خطوة جريئة، بل جريئة جدا أن يقوم باحث عربي بدراسة علمية موضوعية حول اليهودية، سواء أكانت شعب مختار أو ديانة توحيدية.

لقد جاء كتاب الأخ عمر أمين مصالحة بمثابة موسوعة شاملة عن الديانة اليهودية، تاريخيا وعقائديا واجتماعيا وفي بعض الأحيان سيكولوجيا واقتصاديا.

موسوعة كانت المكتبة العربية بحاجة لها، وأرجو أن تكون بداية الأخ عمر مصالحة مجرد البداية لطريق طويل.

الكتاب الذي قدمه لي الأخ عمر بطريق الصدفة عندما التقاني في مدينة أريحا، كان بمثابة الهدية الجميلة، فلم أكن أعلم ولا زلت أجهل الكثير، الكثير، عن اليهودية وعن المعتقدات والانغلاق بالأمس ومحاولة الانفتاح اليوم، ومحاولة صهر السياسة والتاريخ، في بوتقة الدين والمعتقدات، بحيث أصبحت الحياة السياسية خاضعة لأحكام ومعتقدات تجير لخدمة السياسة وأهدافها بعيدا عن الدين.

أعجبني هذا الكتاب، وإن كان قد أثقل علي بالكم الهائل والمتراكم من المعلومات والذي يحتم علي الآن أن أغوص في هذا الموضوع أكثر فأكثر، وستكون المكتبة العربية شاكرة للأخ عمر مصالحة لكتابه (اليهودية-ديانة توحيدية أم شعب مختار) فكل التقدير والامتنان.

د.صائب عريقات

بروفيسور في العلاقات الدولية

أريحا 7 أيار 2005

Page 3

مقدمة:

بعد إتمامي تعليمي الاعدادي والثانوي في مدرسة عبرية-يهودية، وخلال دراستي الجامعية، تعرفت على التعاليم اليهودية، درست في التوراة، والتلمود والكتب الدينية اليهودية الأخرى. ومن خلال عملي في مجالات مختلفة وفي مؤسسات يهودية، زاد إهتمامي ورغبتي في التعرف على المجتمع اليهودي من خلال دراسة التراث الفكري اليهودي، وبالأخص ذلك الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً في التعاليم الدينية اليهودية، وكيف أثر ذلك على مجمل المخزون الثقافي اليهودي. عَرفت وتعلمت الكثير عن الديانة اليهودية: التوراة، التلمود والكتب الدينية الأخرى- وأنا أفكر في دراسة معمقة لهذا الموضوع لما فيه من خصوصية يصعب على الأنسان اكتشافها من خلال التعامل العادي- النمطي بين شخص غير يهودي مع اليهودي. على الرغم من ان قطاعا كبيرا من الشعب اليهودي يعرف نفسه بالعلماني، فإن هذا الجمهور يعود بفكره الى المرجعية الدينية في سلوكه الإجتماعي والشخصي وايضاً السياسي. وللجمهور العربي الذي يعيش في هذه البلاد مصلحة كبيرة جداً في التعرف على الشعب الآخر في جميع مناحي الحياة، ومن أهمها المعتقدات الدينية، ولذلك فإنه بات من الواجب ومن الضرورة على كل قارئ عربي ان يجتهد في التعرف الى مكنونات هذه الديانة التي يكتنفها الكثير من الغموض والتستر وراء الكتابة باللغة الآرامية القديمة واستخدام لغة "الإيديش" التي يقتصر استخدامها على شريحة معينة من اليهود الغربيين "الأشكناز".

تميز الدين اليهودي وعلى مر العصور بطبيعته المغلقة، ويمكن القول انه دين غير تبشيري، لا يشجع الآخرين على دخوله- بل العكس يضع العراقيل في سبيل من يود التهود من خارج الديانة اليهودية، وتًعتبر الديانة اليهودية المتهودين حملاً ثقيلاً على كاهل الشعب اليهودي.

أود أن أشير أنني إتبعت اسلوب البحث العلمي الذي يُحَتم نقل الفكرة من منبعها دون اضفاء ما يوحي الى موقف للسلب او الإيجاب، ولم أجتهد في وضع رأي ذاتي عن اليهودية، وإنما أرجعت كل مادة في هذا الكتاب الى مصادرها اليهودية الأصلية بإعتبار أن المدح والقدح إن وجدا، هما من الاصل، وليس من تأليف مؤلف.

أعتقد بأن الموضوع يستحق الدراسة، خصوصاً بالنسبة الينا نحن العرب في دولة اسرائيل، إذ اننا نعيش في شبه عزلة، وفي غربة عن المجتمع اليهودي بسبب الخلاف والصراع العربي- الفلسطيني الذي أمتد عقوداً طويلة.

ان معرفة كل طرف للطرف الآخر، فيه نصف الحل خاصة واننا نعيش في ظل صراع قديم تاريخي واحياناً دام بين شعبين متنازعين على نفس الارض التي يعيشون عليها.

يساهم هذا الكتاب مساهمة كبيرة حيث يقدم للقارىء العربي الكم الكبير من المعرفة عن الديانة اليهودية المجبولة تاريخياً بالقومية، قبل ان تضع لها الصهيونية أهدافاً وطنية جديدة لشحن الإنتماء لموطن هذه الديانة "ارض الميعاد".

عالج الكتاب أيضاً البعد الفكري بين المنهج الفكري الإسلامي الذي يوحد الخالق وينزههُ عن كل ما هو انساني ومادي. وبين المنهج الفكري اليهودي "القبالي" الذي يجسد الروح الإلهية بشكل ينبذه الاسلام قطعياً. وإذا لم نفهم الاسلوب الفكري والمنطقي لهذه الفئة الدينية مثلاً، فإنه يصعب التصور كيف يمكن، في أي حقبة من الزمن، أن يحدث أي تقارب بين الديانات السماوية التوحيدية. أرجو أن أكون قد وفقت في نقل الصورة بأمانة يستفيد منها القارئ العربي واليهودي على حد سواء.

يسعدني أن أشكر كل من ساعد في إبداء الرأي والمشورة لإصدار الكتاب:

فضيلة القاضي احمد ناطور على المشورة العلمية. الباحث والمؤرخ بروفيسور يوسف غينات الذي راجع المادة. دكتور محمود عباسي على مراجعته المادة وتحضيرها للطبع. السيد موفق رفيق الخوري نائب مدير عام وزارة المعارف والثقافة على المشورة العلمية. دكتور احمد عارف مصالحه على المشورة العلمية. المؤرخ آدم دورون على التوجيه والأستشارة. للسيد عبد الله عزايزه على المراجعة اللغوية. للاخ المحامي رافي مصالحه. والكثيرين الذين استشرتهم وسألتهم في كل صغيرة وكبيرة.

عمر أمين مصالحة

Page 4

أصول الديانة والشرائع اليهودية

كانت بداية الديانة اليهودية في موقف جبل سيناء، حين تسلم سيدنا موسى عليه السلام الوصايا العشر، التي تعتبر لُب الشريعة اليهودية "المُوسوية" وهي تجمع بين فرائض العبادة والعمل الصالح بين بني البشر، وتنص الوصايا على ما يلي:

1. أنا الرب الهك الذي اخرجك من ارض مصر من بيت العبودية.

2. لا تجعل لك آلهة أخرى غيري، لا تصنع لك تمثالا منحوتا ولا صورة ما ، مما في السماء من فوق، وما في الارض من تحت، وما في الماء من تحت الارض، لا تسجد لهن ولا تعبدهن، لاني أنا الرب الهك اله غيور افتقد ذنوب الاباء بالابناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضي، واصنع الاحسان الى الالوف من محبي وحافظي وصاياي.

3. لا تنطق باسم الرب الهك باطلا، لان الرب لا يبرئ من نطق باسمه باطلا.

4. اذكر يوم السبت لتقدسه، سته أيام تعمل وتصنع جميع عملك، واما اليوم السابع ففيه سبت للرب الهك، لا تصنع عملا ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وامتك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل ابوابك، لان في سته أيام خلق الرب السماء والارض والبحر وكل ما فيها، واستراح في اليوم السابع، لذلك بارك الرب يوم السبت وقدسه.

5. اكرم اباك وامك لكي تطول أيامك على الارض التي يعطيك الرب الهك.

6. لا تقتل.

7. لا تزن.

8. لا تسرق.

9. لا تشهد على قريبك شهادة زور.

10. لا تشته بيت قريبك، لا تشته امرأة قريبك ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئاً مما لقريبك. (سفر خروج،الاصحاح العشرون)

تسلم سيدنا موسى الوصايا العشر منقوشة على لوحين من حجر، وحُفظ هذان اللوحان المقدسان في صندوق سمي "بصندوق العهد" الذي أصبح فيما بعد، أقدس المقدسات في الديانة اليهودية طيلة اجيال حتى اختفى، واحتلت محله، ما يسمى اليوم "خزانة القدُسَ" والتي تحفظ في كل كنيس يهودي، وبدلا من اللوحين تحفظ في هذه الخزائن خمسة اسفار التوراة المكتوبة على صفحات من الجلد، وفيها قصص الخليقة والتكوين وسيرة آدم وحواء، ونوح والطوفان، وتاريخ الاسرائيليين منذ ظهور سيدنا ابراهيم، وحتى وفاة النبي موسى عليه السلام، وفيها أيضاً كافة الشرائع والاحكام وأصول العبادة التي يسير بموجبها بنو اسرائيل منذ ذلك الحين.

Page 5

بعد خروج بني اسرائيل من مصر، توفي "سيدنا موسى" وأخوه "هارون"، في طريق الهجرة فقام من بعدهما بمهمة قيادة بني اسرائيل "يوشع بن نون" الى أن دخلوا الارض المقدسة من شرقها في منطقة اريحا، وكان ذلك في القرن الثالث عشر قبل الميلاد.

بعد وفاة يوشع بن نون اطلق اليهود على زعامة الشعب اليهود الذين قادوا الحملات الحربية ضد الشعوب التي سكنت ارض فلسطين وما حولها، اسم "هشوفطيم" أي القضاه، ويبلغ عدد القضاة الذين تولوا حكم اليهود في تلك الفترة قرابة خمسة عشر قاضياً، وسميت هذه الفترة من تاريخ الشعب اليهودي "بعهد القضاة". كان آخر القضاه شموئيل الذي نُصّبَ من بعده شاؤول ملكًا على اسرائيل قرابة عام 1095 قبل الميلاد، وكان ملوك تلك الفترة: شاؤول، داوود وسليمان.

جعل الملك داوود دولته مثالا للقوة والاستقرار، وأعتبر نجاحه في ادارة المملكة اليهودية امرًا خارقا نتيجه الصراعات التي عاشتها الاسباط الاسرائيلية حينها. وبعد وفاته شاعت الخرافات حول قدوم "المشيح بن داوود" لانقاذ اليهود، كلما حَلَت بهم الكوارث والمصائب (ومن تلك الفترة شاعت أسطورة قدوم المشيح لإنقاذ الشعب اليهودي، ولا يزال الايمان بالفكرة شائعاً حتى ايامنا هذه، وأكثر المروجين لفكرة ظهور المشيح في أيامنا، حسيدو "حباد" ).

خلف داوود في الحكم ابنه سليمان، الذي شيد هيكلا مقدسًا لليهود في اورشليم، وحسب المعتقدات اليهودية حفظت في هذا المعبد الواح الوصايا العشر، في صندوق القدس، واعتبر الهيكل من أهم مقدسات اليهود، بسبب حفظ صندوق القدس في المعبد.

هُدم الهيكل الذي بناه سليمان عام 586 قبل الميلاد، ثم أعيد بناؤه، واستناداً لهذا الحدث، اعتاد المؤرخون التمييز بين فترتين تاريخيتين للشعب اليهودي هما: فترة البيت الأول وفترة البيت الثاني الذي هدم في عام 70 للميلاد. (كتاب:خصوصية شعب اسرائيل، حاخام مردخاي بيرون، صفحه 131-141)

بعد موت سليمان سنة 975 قبل الميلاد، انقسمت مملكة اسرائيل الى مملكتين بسبب رفض الملك رحبعام تخفيف عبء الضرائب التي كان قد فرضها والده على الشعب من قبله، الأمر الذي تسبب في انقسام المملكة الى قسمين: سميت الأولى "مملكة يهودا" وعاصمتها اورشليم، وكان أول ملوكها "رحبعام"، واطلق على القسم الشمالي "مملكة اسرائيل" أو مملكة شومرون وعاصمتها "شخيم" (نابلس) وكان ملكها الأول "بَرعام بن نَباط".

كان تسدكيا آخر ملوك دولة يهودا، ففي عهده احتل "نبوخذنصر البابلي" المملكة الجنوبية مملكة يهودا عام 586 قبل الميلاد.

تعاقب على عرش مملكة شومرون الشمالية تسعة عشر ملكاً واستمرت قرابة مائتين وخمسين سنة، وكانت نهايتها على يد "سارغون الثاني" ملك آشور.

تسبب الاختلاط مع الحضارات المختلفة في ضعف وتهلهل الديانة اليهودية، وهنا برز دور الانبياء في تاريخ الشعب اليهودي، وقد برز الانبياء خلال عهد الملوك. كان أول الانبياء "الياهو هنبي" الذي أطلق عليه "هتشبي" (الخضر) الذي عارض وندد بافعال الملك أحئآب التحررية، داعيًا الشعب الى التمسك بديانه موسى. (اسرائيل أمة وتاريخها، أ. بولاك ، صفحه 22-26)

اصبح النبي "هتشبي" الذي انقذ اسرائيل من خطر الانصهار في الشعوب الوثنية، اكثر المحبوبين عند الشعب، حتى تبلور لدى اليهود الاعتقاد بحتمية عودة هذا النبي في آخر الزمان، ليبشر بقدوم "المشيح" المنقذ.

لم يفلح الانبياء في الحيلوله دون خراب الدولتين الاسرائيليتين، ولكن كان للأنبياء الفضل في الحفاظ على الديانة والعقيدة اليهودية.

احتل الآشوريون مملكة شومرون في العام 722 قبل الميلاد وقاموا بطرد قادة الشعب من الدولة، وأحضروا الى البلاد الكثير من المستوطنين من القوميات الأخرى، وامتزج هؤلاء المستوطنون بالاسرائيليين وتبلورت طائفة سميت "السامريين".

يؤمن السامريون بديانة موسى، غير انهم لا يقدسون باقي الانبياء ولا قدسية اورشليم، والمكان المقدس عندهم هو "جبل جريزيم" القريب من مدينة نابلس (شخيم)، وما زالت هذه الطائفة حية ومتواجدة حتى أيامنا، ويسكن افرادها في جبل جريزيم في نابلس، ومدينة اشكلون الاسرائيلية (عسقلان). (كتاب: اسرائيل أمة وتاريخها، صفحه 27)

في عام 589 قبل الميلاد احتل الفرس مملكة بابل وسمح كورش الفارسي لليهود بالعودة الى يهودا من جديد، بقيادة زروبابيل وهو من سلالة الملك داوود. فقام هولاء ببناء الهيكل من جديد. كان من بين اليهود العائدين المعلمون والمرشدون للديانة اليهودية، وبرز من بينهم "عزرا ونحاميا".

جعل عزرا قراءة التوراة واجبًا على الجميع، فتعرف عامة الشعب وللمرة الأولى على شرائع الدين، ويقال أن عزرا قام بتلاوة التوراة للمرة الأولى امام الشعب في رأس السنة العبرية وفي عيد المظلة، وفي اعقاب تلك القراءة، جرى اجتماع حافل وقع في ختامه المجتمعون على وثيقة تنص على ضرورة حفظ الشرائع اليهودية والتوراة.

لقد اخذت هذه الاجتماعات منذ ذلك الحين، شكل مؤسسة ثابته، ومن أهم اهدافها تسيير الشعب حسب شرائع اليهودية، وعرفت هذه المؤسسة باسم "الكنيست الكبرى"، وسمي البرلمان الاسرائيلي بعد قيام دولة اسرائيل باسم "الكنيست" نسبة لتسمية "الكنيست الكبرى". بعد مضي نحو قرنين على سقوط بابل على يد كورش، احتل الاسكندر المقدوني فارس ومعظم دول الشرق.

Page 6

بعد موت الاسكندر المقدوني قسمت البلاد بين قادة الجيش اليوناني، الذين فرضوا بدورهم الثقافة اليونانية على الشعوب المحتله.

تأثر عدد كبير من اليهود بالثقافة اليونانية، وتماثلوا مع هذه الثقافه، بالمقابل حافظ البعض على التراث الديني، وبرز من بين هؤلاء "شمعون هتسديك" الصديق.

لقد وقع صراعٌ مريرٌ بين الموالين لليونانيين وبين المحافظين على التوراة. احتد هذا الصراع حتى أخذ طابعًا قوميًا، دينيًا واجتماعيًا. تشكلت اثناء الصراعات المذكورة حركة سرية سميت بحركة "الحسيديم" والتي دعت سكان يهودا من اليهود الى التمسك بالتقاليد والقيم القومية والدينية اليهودية.

انتقلت حركة "الحسيديم" من مرحلة الدعوة، الى الثورة الحقيقية وقد اعطى شارة انطلاق هذه الثورة متتياهو من عائلة "الحشمونئيم" الذين اعتبروا من الكهنة، استوطن الحشمونئيم في منطقة موديعين شرقي مدينة اللد، وتمكن متتياهو من اجتذاب آلاف الفلاحين من أبناء المناطق المجاورة الى ثورته.

اسس متتياهو دولة يهودا من جديد، وخلفه في الحكم ابنه يهودا همكابي، وامتدت فتره حكم الحشمونئيم، منذ اندلاع ثورة متتياهو حتى تنصيب هوردوس ملكًا، قرابة مائة وثلاثين سنة.

مع تطور الدولة الحشمونائية واتساع رقعتها، شرع قادتها في محاكاة الملوك المقدونيين بكل انماط الحياة، الامر الذي أثار حفيظة الشعب.

لم يطبق زعماء الدولة الحشمونائية شرائع التوراة، كما ورفضوا قبول رأي الحكماء الذين اطلقوا عليهم اسم "الفروشيم" (الفريسيون) الذين تمسكوا بشرائع الدين والتوراة، مقابل الصديقين "هتسديكيم" الذين تقربوا من الملك وحاشيته.

انشقت عن حركة الفريسيين مجموعة رأت فيما يجري من حولها عالم الخطيئة، فقرروا الابتعاد عن الناس وعاشوا في مجموعات على امتداد السواحل الصحراوية للبحر الميت، اطلق عليهم اسم "الأيسيون" وحرم هؤلاء أنفسهم من تناول اللحوم والخمور، كما وانقطعوا عن الزواج.

بدأ الصراع اليهودي ضد روما ووثنيتها مع قدوم الجيش الروماني للبلاد، وكانت السنوات السبعين الفاصلة بين وفاة هوردوس، وبين اندلاع الثورة الكبرى عام 66 للميلاد، سنوات نضال وصراعات مستمرة ضد الغازي الروماني وصراعات داخل المجتمع اليهودي ذاته.

كانت ابرز الصراعات في تلك الفترة، نشوب حرب العصابات التي مارستها جماعات صغيرة ضد الرومان، كما وازدادت ظاهرة اغتيال اليهود المقربين من السلطة الرومانية. تكونت في تلك الفترة جماعة تحت اسم "هقنئيم" وتعني الغيورين على الدين، كما برزت مجموعة تحمل اسم "السيقارقيم" أي حملة الخناجر، الذين عملوا على محاربة الطبقة الغنية المقربة من السلطة، دفاعا عن الفقراء والمهمشين.

اضطر الرومان الى الاعتراف بزعيم الفروشيم رئيسا للسكان اليهود، بعد ان اتضح لهم انعدام أي نفوذ لملوك عائلة هوردوس في أوساط الشعب، فقاموا بالغاء هذه "الملكية". كان آخر ملوك بيت هوردوس أغريباس الثاني (ابن اغريباس الأول) الذي حكم جزءًا من شمالي البلاد، وهرب مع انصاره من الحكام الرومان، أبان الثورة التي قام بها اليهود.

Page 7

حظي "يوحنان بن زكاي" بشرف تجديد السنهادرين والرئاسة في مدينة "يبنه"، كان بن زكاي كبير حاخامات الفروشيم في عصره، وكان قد غادر اورشليم قبل خرابها بوقت ما، ولم تكن له صلة بسلالة "هليل" الشيخ، لذا بقي رئيساً بالوكالة حتى يوم وفاته، وحينذاك عادت الرئاسة الى سلالة بيت هليل. اصبح الرئيس الفروشي زعيمًا رسميًا للشعب، واصبح "السنهدرين" المؤسسة الفاروشية التي ساهمت في توسع وتطوير سنن وشرائع الفروشيم أو ما سمي فيما بعد " التوراة الشفوية"، واصبحت هذه السنن شريعة الحياة للجماعة والفرد عند اليهود، لقد اكثر الفروشيم من عقد الاجتماعات والندوات للتباحث في المشاكل الدينية والفقهية، والبت فيها.

كان الفروشيم قد انتهجوا هذا الاسلوب قبل خراب الهيكل، وبعد اتساع نطاق هذه الدراسات والتجديدات، قاموا بتطوير المعهد التعليمي الديني "اليشيباه" والتي أقيمت الى جانب السنهادرين في مدينة "يبنه"، واقام الحاخامات المدارس الدينية في المدن الأخرى، وخط كل رئيس طريقته الخاصة في تدريس التوراة الشفوية، وكان القول الفصل في امور الشريعة للسنهادرين.

لقد برز رجال الدين الضالعين في علوم الشريعة في هذه الفترة التي تلت خراب الهيكل الثاني، وعرف هؤلاء باسم "التنائيم" أي المعلمين.

تسلم التنئيم القيادة العملية للشعب، وتبنوا مسؤولية مواجهه كل مشاكله، بما في ذلك المشكلة الامنية. عارض التنائيم التوجه الى ثورة مجددة، ولكنهم، وبعد ان لمسوا ازدياد التعسف لدى الحكام الرومان، لم يروا مفراً من تجديد النضال، ولكن بطريقة منظمة، موحدة. برز من بين الذين ساروا في هذا الاتجاه الحاخام عقيبا ابن يوسف، أشهر تلامذة الراب يوحنان بن زكاي، وحين ثار اليهود من جديد عام 132 للميلاد، كان اليهود موحدين تحت قيادة بطل اسمه "شمعون بار كوخبا"، وقد آمن الشعب والحاخام عقيبا بهذا البطل، ورأوا فيه المشيح المرتقب- المنقذ.

كان اليهود خلال سنوات كثيرة، قبل نشوب الثورة، قد عملوا جاهدين في تحويل الكهوف الى حصون، وبناء الانفاق للمواصلات، كما وعملوا على صنع وجمع السلاح.

كان باركوخبا قائدًا حازمًا، مهاجمًا، الا أن المساعدات الرومانية التي أُتيَ بها من بعيد، كانت قد رجحت كفة المعركة لصالح الرومان، ومع انتهاء الثورة بدأت عملية الابادة والاضطهاد للجماهير اليهودية. قدر الرومان عدد الذين قتلوا من اليهود بنحو 580 الفاً، وكان الدمار الذي لحق بالمناطق اليهودية كبيرًا جدًا، اذ أحتلها الرومان ودمروها قرية بعد قرية، وقطعوا كل اشجار الزيتون، ولاقى باركوخبا حتفه مع كل من مكث معه من جنده عند سقوط قلعة "بيتار" قرب اورشليم، في التاسع من آب (والذي اصبح تاريخاً يحتفى بذكراه حتى اليوم، بالإضافة الى خراب الهيكل الثاني الذي تزامن في نفس التاريخ).

وفي محاولة لقمع الروح اليهودية اقام ادريانوس على انقاض اورشليم مدينة رومانية اسماها "أيليا كابيتولينا"، واقام مكان الهيكل المقدس معبدًا للاله جوبيتر، والغى إسم "يهودا" وأمر بتسمية البلاد "فلسطين"، كما جدد اجراءات انطيوخوس وحظر على اليهود ممارسة الطقوس الدينية. اقام الحاخامات حركة سرية لمكافحة هذه الاجراءات فكان جزاؤهم الإعدام بقسوة.

بعد فترة من الهدوء الغيت اجراءات ادريانوس وسُمح لليهود في البلاد بتجديد الرئاسة، والسنهادرين، والمدارس الدينية، ولكن اليهود كانوا من القلة في يهودا بحيث اضطر الرئيس والسنهادرين للانتقال الى الجليل، وتنقلوا في أماكن مختلفة في الجليل حتى استقر بهم الامر في طبريا، واتخذت اعمال المدارس أنماطاً مختلفة، خشية اجراءات ادريانوس والتخوف من ضياع التوراة، الامر الذي دفع بالقيادة الدينية السعي والعمل على تدوين التوراة الشفوية، وعكفوا قرابة سبعين سنة على تدوينها وتدقيقها واجمالها، وتم في النهاية وضع مجمل لها، يحظى بقبول الجميع. سُمي هذا المجمل "المشناه"، أي المثنى، وسمي بمثنى التوراة، وحرره الحاخام "يهودا هناسي" الذي اعتبر من أبرز الرؤساء من بيت هليل.

Page 8

وضعت المشناه في اجزاء، قسمت الى ابواب ثانوية، على النحو التالي:

1. الزراعة (اصول واحكام خاصة بالزراعة)

2. المواسم (اصول واحكام الاعياد)

3. النساء (الاحكام الشخصية)

4. الاضرار (الاحكام الجنائية وانظمة المحاكم)

5. المقدسات (احكام القرابين في الهيكل)

6. الطهارة (احكام طهارة الجسم، والبيت، والادوات، والطعام)

كتبت المشناه بلغة رجال الدين التي كانت سائدة انذاك في المدارس الاسرائيلية، وهي العبرية الممزوجة باللغة الآرامية، وكانت هذه اللغة دارجة على لسان الشعب بعد سبي بابل.

منذ وضع "المشناه" تم تسيير أنظمة المدارس الدينية، على النحو التالي:

أ‌. تتم تلاوة المشناة في الدروس.

ب‌. يقوم الحضور بتفسير كل جملة وجملة.

ت‌. يتناولها الحضور بالنقاش وبالتحليل مع كل ما يثور اثناء ذلك من تجديد وابداع، مع التطرق الى التقاليد والعادات التى سادت في حياة المجتمع اليهودي حينها.

يعرف حاخامو هذه الفترة باسم "هأمورائيم" أي المفسرين ، وذلك للتمييز بينهم وبين "التنائييم" أي المعلمين، وهم رجال الدين الذين سبقوا تدوين المشناه. مع مرور الزمن ازدادت التفسيرات الشفوية لما ورد في المشناه المكتوبة. حتى دعت الضرورة والحاجة الى تدوين كل النصوص باسلوب مقبول عند جميع طبقات الشعب، وقد تم ذلك في مؤلف اسمه "الجمارا"، واصبحت المشناه والجمارا تشكلان سوية "التلمود". تشكل الجمارا غالبية التلمود من حيث الكمية، ويسمى التلمود كذلك باسم "الاجزاء الستة"، ويقسم أيضا الى اجزاء كما هو الحال بالنسبة للمشناه.

هنالك نصان للتلمود: احدهما التلمود البابلي، والاخر التلمود الاورشليمي، وضع "التلمود الاورشليمي" في المدرسة الاسرائيلية في طبريا، اما "التلمود البابلي" فقد وضع في المدارس التي اقامها تلامذة الحاخام يهودا هناسي في أوساط الجالية اليهودية في بابل، بعد ان قل عدد اليهود في البلاد. الامر الذي ساهم في تركيز الاهتمام حول المدارس البابلية. لقد اصبح "التلمود البابلي" مقبولا اكثر من "التلمود الاورشليمي" لدى الشعب. وضعت اللمسات الاخيرة للتلمود في عام 500 للميلاد.

كتبت "الجمارا" بنصيها باللغة الارامية، التي أصبحت فيما بعد لغة الخطاب اليومي ، ونظر الى الارامية كاقرب اللغات الى العبرية، فاصبح التقارب بينهما كبيراً وواضحاً، من خلال نصوص الكتاب المقدس الذي يحوي فصولا ارامية (في سفري دانئيل وعزرا).

وضعت المشناه على الغالب، على شكل قوانين عامة، وترد فيها أحيانا وجهات النظر المتباينة بين الحاخامات في موضوع معين، في المقابل تحوي الجمارا الابحاث والمناقشات الخاصة باحكام المشناه واصول تطبيقها، ولهذا فهي بمثابة محضر للابحاث الخاصة باحكام المشناه واصول تطبيقها، وينظر اليها كمحضر للابحاث القانونية.

تشمل الجمارا الى جانب ما قيل عن الاحكام ذاتها، اقوالا وقصصًا ورد ذكرها في المدارس الدينية اثناء الدراسة والمناقشة.

سمي الحاخامات الذين عملوا في استخلاص النتائج المترتبة على هذه الابحاث باسم "هبوسكيم" أي الباتون في الامور المستعصية، وفي وقت لاحق وُضعت مؤلفات تناولت مجمل الابحاث والاحكام الملزمة للشعب، وكان اكثر هذه المؤلفات قبولا على الشعب اليهودي مؤلف " شولحان عَروخ" أي المائدة المصفوفة، التي وضعها الحاخام يوسف قارو، والذي ولد في المغرب العربي وسكن في صفد نحو اربعة عقود.

تعتبر الحلقتان ،أو بالاحرى، المدرستان اللتان تبلور فيهما التلمود البابلي: مدرسة مدينة "سورا"، ومدرسة "نهاردعا" ثم "فومبديتا". كانت سورا انذاك مقر "رئيس الجالية"، أي رئيس يهود بابل، وانتقل هذا المنصب بالوراثة، بين سلالة ذرية داوود، أما رؤساء المدارس فقد جرى انتخابهم من بين الحاخامات. كانت هذه المدن الثلاث واقعة في منطقة الفرات في العراق، لكنها اندثرت بسبب ما احدثه تهدم قنوات الري المقامة على نهر الفرات.

Page 9

كانت نهاردعا في الشمال، والى الجنوب منها فومبديتا (قرب الفالوجة حاليا، وبالقرب منها يمر الجسر الذي تقطع منه وسائل النقل نهر الفرات في طريقها من بغداد الى الاردن)، كانت سورا الى الجنوب من فومبديتا، قرب مدينة الحلة حاليا، وقرب اطلال بابل القديمة.

ظلت مدرستا سورا وفومبديتا مركزين ثقافيين لليهود حتى بعد اتمام وضع التلموذ. لقد اهتم الحاخامات في هاتين المدرستين، في تفاصيل وضع الصيغة النهائية للتلمود وتدقيقه وبأيضاح تفاصيل مضمونة. سمي حاخامو هذه الفترةِ "السابورائيون"، وبعد هذه الفترة كرس الحاخامات جهودهم في تدريس التلمود في حلقاتهم، وباصدار (الفتاوى)، أي ما يطلق عليه اليوم "بِْسكي هلاخاه" وهي الإجابة على الاسئلة المتعلقة بالاحكام المختلفة التي وجهها اليهم اليهود في اماكن مختلفة من العالم. كان اللقب الرسمي الذي اطلق على رؤساء الحاخامات في هذه الفترة "هجاؤونيم" أي النابغين، وبإسمهم سميت هذه الفترة. استمر قيام هاتين المدرستين قرابة ثمانية قرون: منها ثلاثة قرون برز فيها "الامورائيون"، ونحو نصف قرن برز خلاله "السابورائيون"، في حين ترأس الغاؤونيم الفترة المتبقية والتي تتراوح مدتها 450 سنة. (في نهاية عهد الغاؤونيم انتقلت المدرستان الى مدينة بغداد الجديدة، واليها انتقل رئيس الجالية، أيضا).

انتشرت هذه المدارس، التي كانت طبق الاصل للمدرسة الدينية الأولى، في جميع أوساط الشعب اليهودي، وما زالت قائمة حتى اليوم، ولم يسمح لأي شخص بالتدريس في المعاهد التعليمية الدينية، أو القيام بمهمة حاخام (راب) الا لمن تأهلوا في مدرسة دينية معروفة. لقد ساهم التعليم والتأهيل في المعاهد الدينية المتخصصة على دعم الروابط بين الجاليات اليهودية المتفرقة، بحيث قدم كثيرون من المناطق النائية الى المدارس المشهورة، ليحصوا على التأهيل الديني من خلال هذه المؤسسات.

بعد اغلاق الحلقتين في سورا وفومبديتا، حافظت المدرسة الاسرائيلية في البلاد على البقاء زمنًا طويلا (بحيث انتقلت الى اورشليم، ثم مدينة صور وبعدها الى دمشق). تـأسست في بغداد مدرسة جديدة، استمرت قرونًا طويلة، لكن رؤساءها لم يحظوا من التقدير والنفوذ بمثل ما حظي به رؤساء مدرستي سورا وفومبديتا، بالرغم من كونهم حملوا، هم الآخرون لقب "غاؤون". بعد اغلاق حلقتي سورا وفومبديتا انتقل المركز الثقافي للشعب اليهودي من العراق الى اوروبا. وبرزت في اوروبا وعلى فترات مختلفة، مدارس اسبانيا، وفرنسا، والمانيا، وهولندا، وبولندا، وأخيرا في لتوانيا ومناطق شرق اوروبا

سبق للجاليات اليهودية أن استوطنت اوروبا الجنوبية والغربية منذ أيام الحكم الروماني في البلاد، وكان معظم هؤلاء اليهود من أسرى الحرب الذين أبعدوا عن البلاد، أو من أولئك الذين غادروا البلاد بمحض ارادتهم وبسبب مشاغلهم.

لم يفلح الرومان في اخضاع القبائل الجرمانية في اوروبا الوسطى، فشددت هذه القبائل هجماتها على الامبراطورية الرومانية في وقت لاحق، فقوضتها، واكتسبت هذه القبائل عن الرومان المنهزمين ديانتهم المسيحية وعداءهم لليهود، وأن كان هذا العداء قد اختلف في مداه من بلد الى آخر، ففي ايطاليا سمح لليهود بممارسة حياتهم الدينية والثقافية وتوطدت الروابط بينهم وبين باقي التجمعات اليهودية التي بقيت في البلاد وشملت العلاقة، القيام بفرائض الحج الى اورشليم، وارسال التبرعات، واستيراد الكتب الدينية، الامر الذي ساهم في أزدهار وانتشار أدب المواعظ والأشعار في العديد من الدول الأوروبية. أثر يهود ايطاليا بدورهم وبروحهم الابداعية على الجاليات اليهودية الكثيرة التي انتشرت في فرنسا، أما في اسبانيا فقد استمرت قبيلة القوط (الزيغوت) الغربية التي احتلت البلاد في اضطهاد اليهود، محاولة اكراههم على ترك اليهودية والتنصر.

في غمرة هذه الاضطهادات ضد اليهود، اقتحمت الجيوش الاسلامية اسبانيا قادمة من افريقيا الشمالية، وساعد عدد من اليهود هذه الجيوش على احتلال البلاد. تكلم اليهود الذين استوطنوا اسبانيا بعد احتلال المسلمين لها، اللغة العربية، في حين تكلم اولئك الذين استوطنوا الشمال المسيحي والمناطق المجاورة لفرنسا، لغات اخرى. اراد الادباء اليهود في اسبانيا الاسلامية لاشقائهم أن يفهموهم ويطلعوا على احوالهم فوضعوا مؤلفاتهم باللغة العبرية، وقاموا بترجمة المؤلفات التي وضعت بالعربية الى اللغة العبرية، واصبحت العبرية عند اليهود في اسبانيا لغة العلوم الطبيعية، فضلا عن علوم الفقه التي حواها التلمود بالعبرية قبل ذلك. يمكن التلخيص بالقول: ان الحكم الاسلامي لم يعارض استخدام العبرية الى جانب اللغة العربية.

Page 10

اهتم حاخامات اليهودية في اسبانيا بعلم اللغة، وسهلوا عملية الكتابة بالعبرية، بحيث اصبحت تستجيب لكل موضوع بشكل واضح ودقيق. تجددت في اسبانيا المفردات العبرية الكثيرة، واكثر الحاخامات من الاهتمام بقواعد العبرية، استناداً الى المبادئ العلمية التي حصلوا عليها من اليونانيين القدماء، ومن خلال ما ورد في المؤلفات العربية، ومبادئ الصرف والنحو عند العرب. لقد ساهم علم اللغة في وضع التفاسير الحديثة للتوراة، وكان مهما بالنسبة للمفسرين معرفة الوضع اللغوي والمعنى الدقيق لكل كلمة وكلمة، وتفهم المبنى العام للجملة كلها.

اسهم يهود اسبانيا في اعمال التفسير والشروح الخاصة باصول الديانة اليهودية، كما واهتموا بصونها، وفي الحفاظ عليها من التاثيرات الاجنبية. لقد تبع اليهود في اسبانيا نهج "الحاخام سعاديا" (الذي عرف أيضا باسم سعيد الفيومي، نسبة لمنطقة الفيوم التي عاش فيها بمصر) بأعتباره احد نوابغ سورا، والذي قام بترجمة التوراة الى العربية، وقام مناحيم بن ساروق بوضع اسس القواعد العبرية، وكان الحاخام دافيد قمحي احد كبار الباحثين في حقل اللغة العبرية. واعتبر ابرز المفسرين والشارحين للتوراة الحاخام ابن عزرا (الطليطلي) والحاخام دافيد قمحي والحاخام موشي بن نحمان، والحاخام ليفي بن غرشون والحاخام اسحاق ابربنئيل.

يمكن القول أن مؤلفات الحاخام بن عزرا، ومؤلفات القمحيين (عائلة الحاخام دافيد قمحي) ساهمت في نشر علوم اللغة العبرية بين يهود العالم كله.

كان من ابرز الفلاسفة الحاخام شلومو بن غبيرول، والحاخام باحيا بن فقودا( الذي اشتهر في أوساط الشعب من خلال كتابه "واجبات القلوب")، والحاخام يهودا هليفي مؤلف "كتاب الكوزاري" والحاخام حسداي قريسقس، واشتهر في كتابة الشرائع اليهودية الحديثة، أما الحاخام موشيه بين ميمون "الرمبام"، المعروف باسم ابو عمران موسى بن ميمون القرطبي، والذي كان من مواليد اسبانيا ولكنه رحل الى مصر، والف هناك كتابه "موريه نبوخيم" أي دلالة الحائرين، ومؤلفه "مشناه توراه" أي مثنى التوراه. ومن بين اليهود الذين سكنوا جنوب فرنسا تجدر الاشارة الى الحاخام ليفي بن غرشون.

لم يكتب كل هؤلاء الفلاسفة مؤلفاتهم باللغة العبرية، فكان هناك الكثير من الحكماء والمتمرسين في الترجمة الذين كرسوا الكثير من الوقت لترجمة المؤلفات اليهودية من العربية الى العبرية، واشتهر من بين المترجمين ابناء عائلتي "تيبون وقمحي".

انهمك الفلاسفة الذين عاشوا في فرنسا الجنوبية وشمال اسبانيا، في البحث وراء العلاقة بين الخالق والانسان بوجه خاص، فوضعوا في ذلك طريقة فلسفية خاصة، سميت بعلم الباطنية، لانها تبحث في الاسرار الالهية، وتتطلع الى اتحاد روح الانسان بروح الخالق بطريقة غامضة، وقد آمنوا بان هذه الطريقة قد انتقلت اليهم من كبار الحكماء القدامى، ولهذا اطلقوا عليها اسم "القبلاه" أي اسلوب التناسخ والنقل، وقد وضع أول مؤلف لهذه الطريقة في اسبانيا، كتباً بالآرامية، وهو كتاب " الزوهر" (النور)، الذي قام بوضعه الحاخام شمعون بار يوحاي أحد رجال الحركة السرية إبان حكم ادريانوس، وخلافا لفلسفة موسى بن ميمون (الرمبام) التي اعطت الاهتمام للعقل والمنطق، اسهم اصحاب نهج "القبلاه" التركيز في العاطفة، (ويضاهيهم في ذلك بعض المتصوفين في الاسلام).

لقد ادعى هؤلاء ان العاطفة تقرب الانسان الى خالقه، وحدث بالفعل ان اجتذبت هذه الطريقة الكثير من المؤمنين وشدتهم الى الدين في أيام الاضطهادات، وخيبة الامل من السلطة الحاكمة ومن رجال الدين، ومن انعدام الامن.

انتشر تعليم التلمود في اسبانيا، ووضعت مؤلفات هامة في تفسيره وشروحه. لقد اكتسب هذا الموضوع، هو الآخر، صيغة جديدة في اسبانيا، بحيث اهتم رجال الدين بتبويب الاحكام المنصوص عليها في التلمود، شرحها وتفسيرها بالاسلوب الذي شاع استعماله بالنسبة لسائر العلوم الأخرى، كان من ابرز هؤلاء المؤلفين الحاخام اسحاق الفاسي الذي قدم الى اسبانيا مهاجرا من مراكش، والرمبام الذي كان مؤلفه "مشناه- توراة" انموذجًا واضحًا لاسلوب يهود اسبانيا في تبويب الاحكام والشرائع اليهودية، وتبسيطها.

لقد أعد هذا المؤلف ليكون مجموعة قوانين عملية للشعب، وقد اعتادت جاليات اسبانيا والشرق اصدار الفتاوى استنادا الى نصوص وفحوى المشناه- توراه.

كان الرمبام طبيبًا مشهورًا في عصره، وتبدو معلوماته في هذا الحقل واضحة من خلال مؤلفاته في المواضيع الأخرى، وكانت الجاليات المشهورة في قرطبة، وغرناطة، وإشبيلية، وطوليدو مراكز لتعليم التوراة، وكثرت فيها المدارس الشهيرة.

ذكرنا ان اليهود كانوا قد انتشروا في ارجاء الامبراطورية الرومانية في اوروبا منذ القدم، وتوقفوا حيث توقفت، أي عند نهري الدانوب والراين، فسكنت عبر هذين النهرين قبائل الجرمان المتوحشة في ثقافتها وحضارتها، ولم تفلح الامبراطورية الرومانية في الدفاع عن نفسها أمام زحفهم وهمجيتهم، ومع ذلك فقد اخذوا عن الرومان الديانة المسيحية، كما اخذوا بعض حضارتهم. ورويدا رويدا تطور الاهتمام لدى الجرمان بالتجارة، وبدا البحث عن البضائع الجديدة يزداد تدريجيا، الامر الذي ساهم في اتساع رقعة التجارة بين المدن الواقعة على ضفاف نهر الراين (الحدود الالمانية – الفرنسية حاليا)، وبدأت تقام المدن التجارية، داخل المنطقة الجرمانية القديمة وحتى في المناطق السلافية.

عانى اليهود في المجتمعات الأوروبية من الخرافات والمعتقدات العامة، ومن أخطر هذه الاشاعات، "فرية الدم" التي أشيعت وللمرة الأولى في مدينة بلوا الفرنسية سنة 1121 ميلادية وادت هذه الفرية الى حرق جميع يهود المدينة (واصبح هذا الحدث يوم صوم سنوي عند اليهود). منذ ذلك الوقت اصبحت "فريه الدم" سلاحا في أيدي الحاقدين على اليهود، يشهرونه متى شاءوا، وخاصة في اوروبا الوسطى والشرقية. كانت جميع التهم حول الموضوع تنتهي بتبرئة ساحة المتهمين في المحكمة، الا ان العامة لم تنتظر الى حين صدور قرارات المحاكم، بل استمرت في التنكيل واضطهاد اليهود، ولم يكن في مقدور قرارات المحاكم ان تستأصل هذه الاعتقادات من نفوس الكثيرين في اوروبا.