eKtab
EN ع
إليكم جميعا
Read free sample

إليكم جميعا

by إبراهيم محمد النملة

Page 1
إلى أمي
 
حين فقدت رؤيتها
 
قالت الأفعى:
 
رغم أن البشر يلعنونني
 
أظل أفضل من بعضهم
 
وعندما ألدَغُ أحداً
 
فإنني، على الأقَلّ، لا أدَّعي صداقتَه!
 
مريد البرغوثي
Page 2
سأنتظرك يا أخي لتدفني!!!
 
إلى ذكرى أخي
 
يا أخي يا رفيق عزمي وضعفي
 
سر نكابد إن الشجاع المكابد
 
فـإذا عـيـيـت تسند ضعفي
 
وأنـا بـعد ذا لضعـفك ساند
 
الشاعر نسيب عريضة
 
أخي
 
في النظرة عتب
 
وفي الكلمة عتب
 
وفي اللقاء عتب
 
وفي الفراق عتب
 
وفي قلبي حب كبير
 
أخي لماذا تستوطننا الأيام بالعتب؟ أين هي البسمة الرقيقة؟ والضحكة المتجذرة من القلب؟ أين أنت؟ أين هو أخي يا أخي؟
 
لا أستطيع أن أمحو كل السنين الماضية وأمزق أوراقها، لأن رائحة أمي - رحمها الله - تنفث منها، لذا سأقف على ذكرى أمي التي مزجت أدمعي بأدمعك حين أغمضت عينها ورحلت إلى خالقها
 
هل تعود بك الأيام وتذكر تلك الجملة التي قلتها لي عشية موت أمي
 
قلت جمعتنا أمنا في حياتها ولن نفترق بعد مماتها هل أنساك الوقت تلك الجملة، إن كان أنساك فهذا يقين مني أنك نسيت أمي - رحمها الله -
 
لم أكتب لك حرف عتب، فأنت أكبر من أن تقرأ العتب، وأكبر من قسوة الأيام، وأكبر من كل شيء كبير في حياتي، فكيف لي يا أخي أن أمزج دمع فقد أمي، التي لن تعود، بدمع أخي الذي لا أعرف هل سيعود أم لا
Page 3
لقد تسمم حرفي من وجع المعاني، حين رأيت الوفاء يسيل من القلوب كما يسيل المطر من علو الجبال، أدركت نفسي أنني لا أختلف عن الآخرين كثيراً، ولكنني أختلف مع هذا الزمن الذي أجاد بوصله نحوي ووضعني في خانة من الزمن لم تدسها قدم من قبل
 
هنا ستؤول كل أحرفي للصمت، سأقف بعيداً عن اسمي وأقرأ اسمك بصمت
 
ذات يوم قبل أكثر من عشرين سنة مات أبي قبل أن يدرك عقلي كنة الموت، شعرت أنني فقدت أبي، وانتظرته كل مساء أن يعود حاملاً قبلته الحانية وابتسامته العذبة، وحتى الآن ما زلت أنتظر وأدرك الموت فهمي لأفهمه جيداً، وأعي أن من يسقط في حفرته لن يخرج منها أبداً لتسقط أمي في حفرته، ويأتي موت أبي في موت أمي، وأفهم أخيراً أنهما لن يعودا
 
ولكن يا أخي من لم يدركه الموت هل سيعود؟
 
لم تجف أحرفي، ولم أكن عاجزاً عن كتابة الحرف، ولكنني قررت أن يكون النص الأخير هو الشيء الوحيد في هذه الحياة الذي يحمل معنى اسمه
 
موجعة هي الأيام يا أخي، لم تدرك أنت وجعها لأني أتنفس لك بياضاً، وأتكلم بياضا، وأعيش بياضاً·
 
أين هو أخي؟ فما أرى سوى غشاوة من ضباب لا تبين لي دمعة أخي أو ضحكته، لا أرى فيها ملامحك ولكني أفترشها أمام نظري كل صباح مساء·
 
أخي آسف على وجعك، أتوجعك يدك من طعنتك لي في ظهري، آسف أخي لم أكن أعلم أنك رقيق المشاعر لتؤلمك يدك من نثر دمائي!!!
 
ها نحن نقترب من مفترق الطريق، أعرفك جيداً، تعشق أن تتم الأمور بسرعة، فرويداً أخي، هل أسحبك من يدك قبل أن نصل إلى مفترق الطريق، لقد سحبتك من قبل وما زلت أشواك يدك مغروسة في لحم كفي·
 
أخي لنعد إلى فراش أمي، نشتم معاً رائحتها لعلك تشتم من رائحة أمي رائحتي، وتدرك أنني موجود بجانبك دائماً، فلا ترحل يا أخي لا ترحل
 
سأرغم نفسي على شرب كأسك المر
 
لن أتأفف ولن أشكو مذاقه
 
سأرتشفه بهدوءوليس جرعة واحدة
 
لن أندم ولن أغمض عيني
 
أتعلم لماذا؟
 
لأني أحبك، وأجد فيك رائحة أمي
 
أجدها في نظراتك، ويخف وطء الفقد بجانبك
 
أخي لا ترحل
 
ففراقك مؤلم يا أخي
 
مؤلم حتى البكاء
Page 4
لقد اعتدت على الألم يا أخي، ولكنه ألمٌ لن يفصح غير الوجع، فما بالنا نقترف الألم في حياتنا، وباب دارك يشبه باب داري؟
 
أخي عد إلى أخيك
 
فلن يعيدك إلي أحد غيرك، تعال لنقتسم معاً دمعة رحيل أمي، فلو كانت أمي هنا لما كنت غادرتني، ولو استطعت أن تغادرني ستعيدك أمي، ولكن يا أخي، أمي ليست هنا، دفناها معاً تحت الثرى، فمن يعيدك بعد وفاة أمي؟
 
أخي لا شيء يبقى كما هو في هذه الحياة، وأخاف أن تعود إلي حين تحتاجني، أو قد يعيدك الماضي إلى الحاضر، وتكون الحياة أوفت بوعدها بأن لا شيء يبقى كما كان، حينئذ سأخاف أن تأتي دمعتك، ولا أكون أنا على هذه الأرض، فمن يا ترى سيمسح دمعتك؟
 
أخي لقد غلبتني الحروف، وكنت أنا فيما سبق غالبها، وجدتها عصية على قلمي، عصية على عقلي، ربما يا أخي تعصيني لأنها شعرت بعجزها عن مجاراة نفسي·
 
وهاأنذا أكبرت أحرفي، لأنها صغرت أمام بوحي لك، فلا تترك أحرفي صغيرة وتتركني·
 
أخي لا تغريك الحياة وناسها، فالحياة لا تؤتمن، سأنتظرك هناك في غرفة أمي رحمها الله، سأسدل كل الستائر ليعم الظلام في الغرفة، سأجلس في المقعد بجانب سرير أمي وأتحسسه بكفي، سأبكي هناك فقد أمي، وسأقبل كفي لأن دمعتك قد نزلت عليها حين دفنا أمي رحمها الله، وإن لم تعد يا أخي، سأخرج من غرفة أمي كما خرجت هي، لعلك تأتي وتدفنني كما دفنا معاً جسد أمي
Page 5
الـرسـالــة الأخـيــرة
 
المحبة لا تعرف عمقها إلا ساعة الفراق·
 
جبران
 
هنا يا أمي لم أتكلف حرفي
 
لم أكتب بقلمي المخنوق بارتعاشة يدي
 
بل أمسكتُ قلبي المطبق وبردته بصدق شعوري
 
حتى استحال طرفه كسنة قلم
 
وبدأت أسكب قطراته هنا
 
أمي
 
رائعة تلك الكلمة التي منعني المرض أن أتفوه بها لك
 
هذا المرض الذي سكن صدري
 
جمع كل كلماتي ورماها على شفتي اليابسة
 
ولك أن تتخيل عدد جثث الكلمات على شفتي
 
سدت مخارج أحرفي
 
كيد ملوثة بدماء الجريمة
 
هنا يا أمي
 
نسجت بدمي أردية الألم
 
وألبستها حرفي
 
لعلكِ تغفري لي كل شيء
 
صدقيني يا أمي
 
كنت أخاف عليكِ من لوعة الدمعة
 
حينما تغدر بعينكِ
 
فهي يا أمي لم تحذر بتاتاً
 
من كثرة سقوطها على خدي
 
ربما يا أمي تحتاج أرديتي إلى رتقك
Page 6
وهذا ما هو مؤكد بالنسبة لي
 
فالصداع الذي أعانيه شتت أحرفي
 
تخيلي يا أمي
 
كل صباح حينما أفتح عيني ولا أرى سوى البياض يحتوي كل أماكن رؤية عيني
 
أبتسم بألم
 
وأذكر الله كثيراً
 
وأهمس
 
لم يأت يومي
 
برغم أني كل مساء تتهادى إلى مسمعي
 
صوت خطوات الموت الثقيلة
 
تقترب من غرفتي
 
تبدو لي واضحة
 
حينما يغادرني الكل
 
ويسيطر النوم على الوجوه
 
أسمعه بوضوح
 
أتلحف جيداً
 
ونظراتي معلقة على مقبض الباب
 
ويطول انتظاري
 
ولم يتحرك مقبض الباب
 
أدس رأسي تحت لحافي
 
وأنتحب
 
ليس خوفاً من مباغته الموت
 
فكل شيء هنا وفي جسدي
 
مهيأ له
 
قد لا يأتي من الباب
 
بل من النافذة المغلقة أو من تحت سريري
 
أو لحافي
 
لا يهم كل ذلك
Page 7
ليته يأتي يسكت ضجيج الألم بداخلي
 
ما يهمني بصدق
 
أنني لم أستطع أن أثبتَ من رعشة يدي
 
وأكتب ُ إليكِ رسالة واحدة
 
ولكن
 
هذا المساء رأيت وجه الموت في كوابيس أحلامي
 
يبتسم لي
 
ويخفي خلفه سواداً يكتم كل شيء
 
عصيتُ رعشة يدي
 
وكتبتُ هذه الرسالة لكِ
 
وإن كنتِ هناك تنتظرينني
 
فلكِ أحرفي
 
أما أنا يا أمي
 
فلا أعتقد أن الصباح سيتمكن من رؤية وجهي!!!
 
إنه وجع جسدي يا أمي لا أريده أن يجعلني أمامكِ ضعيفاً
 
بين أناملي الآن قلم
 
وحولي كومة ورقٍ أبيض كسريري الذي ألصق به جسدي منذ أشهر
 
منذ أن فُجِعت بصراخ أختي بين أروقة المستشفى، وقد وقع الخبر على مسمعها كالصاعقة، حين قال لها الطبيب ذات بؤس ويأس:
 
آسف جدا فأخوك مصاب بالسرطان
 
اقتربتُ من أختي، همست إليها بتثاقل مابكِ؟
 
أمسكت يدها وضغطت عليها بقوة وعيناي تسحان الدموع
 
أختي ما بك؟
 
أجيبيني
 
لم أكن أريد أن تعرف أمي بما أعاني
 
قلت لنفسي لأعش معها أيامي الأخيرة بصمت وأرحل بصمت
 
ولكنه الطبيب الذي قذف بكلماته بوجه أختي ، لأجد ضعفي في عين أختي
 
خفت أن تستنطق دموع أختي حقيقة مرضي لإحساس أمي الذي لا يخيب
 
كنت أريد أن أوحي إلى نفسي بالأمل، أبني قصوراً من وهم
Page 8
حينما قلت لأختي
 
الطبيب لامحالة كاذب إن أخبرك أني أعاني من مرض عضال
 
أريد أن أناقض صرخات أختي التي ما خبرتها يوما تجيد الصراخ ونظرات عيني الباكية
 
صرختُ بصوت مدوٍّ :
 
أنا بخير انظروا إليّ أستطيع أن أمشي أقفز أنا بصحة جيدة·
 
ركضت بين أروقة المستشفى بجنون وبكيت بجنون أجن من ركضي
 
لم تستطع أختي ولا أمي ولا الممرضات الإمساك بي
 
كنت لحظتئذٍ أموت
 
أموت من الوجع
 
أموت من الخوف
 
أموت من فراقك
 
أموت من الموت ذاته
 
لحظتئذٍ شعرت بقلب أمي الذي استدرك مرضي وبات يبكي بصمت
 
رأيتُكِ يا أمي وأنا أركض في كل الزوايا وطرقات المصحة الضيقة تبتسمين لي مرةً، وتبكين مرة، وأخرى تصرخين، وفي كل مرة أحتضنكِ فتتسربين من بين أناملي كالزئبق
 
كنت أحتاجكِ بشكل لا يمكن أن يصل إليه خيالـــكِ·
 
وبلا مقدمات رست بي قدمي لأتوقف عن الركض وأخرّ على الأرض فلا أرى سوى السواد
 
إغماءةٌ غيبتني بضع ساعات عن الواقع
 
وبين أكوام الألم والسواد كنتِ ضوئي الذي أبى إلا أن يعانق عينيَّ وسط دوامةٍ سرمدية
 
رأيتك تضعين يدكِ على رأسي وتقرئين عليّ المعوذات، وكلما قرأتِ سورة سقطت على صدري وردة من السماء فازداد بياض وجهي وسرت الحياة في عروقي
 
كنتِ حينئذٍ تقبلين جبيني وتهمسين إلي: أحبك يا بني
 
لم يوقظني من حلمي الجميل سوى وخزة إبرة مسكنة حقنتني بها الممرضة
 
استيقظت، فركت عيني الذابلتين، أدهشني منظر أهلي وهم يتحلقون حول رأسي، وعلى وجوههم علامات يأس وشقاء، ولسان حالهم يقولالحمد لله على كل حال
 
حدثتني دموعهم بكل حكايات مرضي
 
قالت لي لمساتهم الحانية ليدي وجبيني إن الموت يقترب
 
قرأت الشفقة في زفراتهم وآهاتهم
 
ورأيت خطوات الموت تقترب مني كلما فتح باب غرفتي
 
صرتُ بينهم عاجزاً
 
لم أنبس ببنت شفة
Page 9
كان حالي كطفلٍ دبت فيه الحياة وهو يجد نفسه في ملجأ بلا أب، وبلا أم، وبلا هوية
 
فقدتُ هوية الفرح أضعتها بين دهاليز الصحة
 
وقطعت تذكرة بإقامة أبدية في بلاد الحزن والأسى والمرض
 
وبعد أيام بدأت أهدأ
 
بدأت أفكر بعمق
 
ربما لقناعتي بأن من يداهمه هذا المرض ويلتهم جسده لا تطول إقامته، فالحياة ستمجّـهُ فهو لا محالة عن قريبٍ مودع
 
كان تفكيري محصوراً فيك
 
انزويت في سجني / غرفتي التي تفوح منها رائحة المطهرات والعقاقير الطبية، التي أتعاطاها كل وقت لتسكين الألم، السرطان هو ذا الموت هكذا، سمعت جارنا أبا صالح الذي زار أخي ذات مساء يقول
 
كلما تذكرت كلماته ازدادت برودة جسدي
 
كنت أقتاتكِ بيني وبين نفسي كل مساء وكل صباح
 
رأيتكِ في وجوه كل أهلي أصدقائي أقربائي
 
رأيتكِ تبتسمين في وجوه إخوتي الصغار
 
رأيتكِ في كل قطرة مطر نقرت نافذتي وأنا أقيم في هذا المستشفى
 
رأيتكِ تندسين بين ثنيات التجاعيد التي تكسو وجه أبي
 
رسمتكِ على الجدران
 
ثبت صورتكِ بمسامير حبي داخل سجن الألم الذي أحاطني
 
حتى قدح الماء الذي تمده إلي الممرضة لأدفع به الأقراص المسكنة رأيتكِ فيه تدمع عينك وتقولين أفتقدكِ يا بني··
 
كانت مرارة الدواء تتحول إلى حلاوة حين يُخيل إليًّ أن يدكِ هي التي تسقيني إياه
 
ممتلئ أنا بكِ
 
شاهقٌ بحبكِ
 
محلقٌ فيكِ
 
كم أغبطني أني ابنكِ
 
مر شهر وما زال الوجع يلوك جسدي
 
ولأني لم أتحسن كان لا بد من أن أتعاطى العلاج الكيميائي
 
بدأ شعري يتساقط
 
كنت أمسك بخصلاتي المتناثرة على سريري الأبيض وأبكي، لا لشيء سوى لأن يدكِ يوما ما مسدتها وتحسستها بحنو
Page 10
لأنكِ يوما ما غرزتِ أناملكِ في شعري وقبلته ونثرتِ عليه بياض صدركِ
 
رأيتك في كل شعرةٍ سقطت لتموت على بياض سريري
 
وبفقدي لشعري سمعت فحيح الموت يقترب من جسدي
 
خبأت رأسي تحت قطعة قماش أسود
 
ليرسم المرض على ملامحي بدايات الموت
 
وكلها أيام وجاء العيد
 
الكل فرحٌ عداي
 
هنا في هذا المستشفى جاءني العيد باردا كباقـي الأيــام لا شيء يميزه
 
لم أمارس طقوسي المعتادة في العيد
 
فقط شممت نسيم فجر العيد الممطر الذي ذكرني برائحتكِ
 
بكيت عندئذٍ كثيراً
 
بكيت لأني لا أراكِ
 
بكيت لأني لم أستطع أن أقول لكِ كل عام وأنتِ بخير
 
شاردٌ في حضن الليل دونكِ
 
تمنيتكِ بجانبي
 
تمنيت أن أقبلكِ وأهديكِ وردة بيضاء كقلبكِ النقي الذي ما عرف السواد الطريق إليه قط
 
وفي مساء العيد
 
طرقت نافذتي أصوات الألعاب النارية
 
تذكرت البهجة المرتسمة على محيا ابن أختي الصغير ابن الثلاثة الأعوام حين يرى الألوان ترسم جمالها على السماء·
 
كان يصفق بحماسة ويندفع إلي يقبلني
 
ويصرخ بفرح ويقول :
 
أحب العيد أحب العيد
 
هاهوذا العيد أتى ولا أرى بين جنباته سوى الرماد
 
جاء كثوب عزاء أسود قاطع كل الألوان
 
كنت أتنفس الألم
 
وأقضم أظافر الوحدة
 
أحاول أن أنسى مرضي لكني لا أستطيع
 
يدق ذاكرتي بفأسه ليحطم كل أحلامي
 
أمسكت يومئذ صورتكِ