eKtab
EN ع
اليمن خصوصية الحكم والوحدة
Read free sample

اليمن خصوصية الحكم والوحدة

by د. عبد الوهاب محمد الروحاني

Page 1

المقدمة

أصبح التقارب بين بلدان وشعوب العالم في ظل ثورة الاتصال والمعلومات الهائلة، التي نشهدها اليوم، يفرض قيما ثقافية واجتماعية جديدة في حياة المجتمعات. وهي تقود بالتدريج إلى توحيد المعايير الثقافية والاجتماعية، تماما كما أصبح عليه الحال بالنسبة لتوحيد الأنظمة المالية والاقتصادية، ولكن الطريق هنا- ربما - لاتزال طويلة.

فمفهوم تصدير"الديمقراطية" الذي تقوده اليوم الولايات المتحدة الأميركية باسم "محاربة الإرهاب" في كثير من مناطق العالم، وبالذات في المنطقة العربية والإسلامية، أو ما تسمى بـ"منطقة الشرق الأوسط الكبير"، هو تدخل خارجي يستهدف، فرض الديمقراطية الغربية في الحياة السياسية لهذه المجتمعات، دون مراعاة لخصوصياتها.

وهي بذلك، لا تقيم وزنا للتاريخ، ولا تراعي ظروف الواقع الاجتماعي والاقتصادي البائس الذي تعيشة هذه المجتمعات، وبالتالي فهي بصيغتها الحالية عديمة الجدوى، وتأتي بردود أفعال عكسية مأساوية، وهناك أمثلة حية في مناطق كثيرة من العالم، وبالذات في المنطقة العربية والإسلامية، ولعل التجارب في (العراق، و أفغانستان، وفلسطين، والصومال ) تقدم لنا يوميا إجابات شافية لمفهوم التعامل الأميركي مع قضايا الديمقراطية المعاصرة في مناطق مختلفة من العالم.

لكن، وحتى لا يجانبنا الصواب في فهم الديمقراطية الغربية، يمكننا القول أيضا بأهميتها، والتسليم بحاجة المجتمعات إليها، غير أنها في الواقع، لا تستطيع أن تعيش وتتطور إلا في مجتمعات تتوفر فيها ظروف وأوضاع اقتصادية واجتماعية وثقافية قادرة على استيعابها والتعامل معها، وهي الظروف التي نعتقد أنها، إذا ما توفرت في مجتمعاتنا العربية والاسلامية، ستسمح حتما بنشأة وتطور هذا النوع من الديمقراطيات، والقبول بها، مع إمكانية الاحتفاظ بالخصوصية الثقافية والدينية بالذات، التي لا نراها في أي شكل من الأشكال، تتناقض مع مبادئ نشر قيم الحرية والعدالة والمساواة.

فالواقع في المجتمعات العربية والإسلامية - لو تمعنا - لا تكمن مشكلته الأساسية في نوعية الديمقراطية، التي يجب أن تسود، سواء كانت : « ديمقراطية غربية - ليبرالية»أو «ديمقراطية مركزية - اشتراكية »أم« شورى إسلامية »، وإنما مشكلته تكمن في صراعه مع الظلم الاجتماعي الذي وقع عليه، ولا يزال يعاني من جوره، فهو يبحث عن حياة كريمة، تؤمن وضعا معيشيا وصحيا وتعليميا ملائما، حتى يستطيع معها أبناء هذه المجتمعات ان يبدأوا بالتفكير فعلا، في معنى الحرية واهداف الممارسة الديمقراطية.

ومن هنا فتقارب الشعوب، وتنامي الحركة نحو الديمقراطية تضع أمام المؤسسات العامة والتمثيلية والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني في البلدان ذات الخصوصية الثقافية العربية والإسلامية بالذات، جملة من المهام الإنسانية اجتماعية واقتصادية، وثقافية في الدرجة الأولى، إذ لا يمكن ان تستقيم فكرة النضال من اجل التبادل السلمي للسلطة، ما لم تكن مقترنة جذريا بقضايا تحديث البناء الاجتماعي والتعليمي والثقافي، وتطوير الواقع الاقتصادي.

وبناء المؤسسات الديمقراطية في المجتمعات التي عاشت في ظل ظروف سياسية، وأنظمة ثيوقراطية متخلفة، مر بمراحل صعبة، ومنها المجتمع اليمني الذي كانت لديه – ولا تزال – صعوبات ومشاكل كثيرة، لكنه استطاع بعد قيام دولة الوحدة، وبعد رحلة شاقة وصراع مرير مع مخلفات الماضي، وتجارب المؤسسات التقليدية، وأنظمة الحكم التشطيرية، أن يصبح منذ مايو1990 م، مثالا ايجابيا في التحول نحو الديمقراطية التي لا تزال الطريق أمامها طويلة وشائكة.

وتكتسب دراستنا حول "خصوصية الحكم والوحدة والديمقراطية" في اليمن أهميتها من حيث كونها تناقش تطور القيم السياسية والاجتماعية اعتمادا على ثلاثة عوامل هي:

الأول: عامل الربط بين مسار البناء التقليدي، والمعاصر لمؤسسات السلطة.

الثاني: الضرورة المعاصرة للتفاعل مع قيم العدالة والديمقراطية والمساواة التي أصبحت تمثل حاجة ملحة للدولة والمجتمع على حد سواء.

الثالث: دراسة أبرز الظواهر الاقتصـــــــــادية والاجتماعية والدينية في المجتمع، وتاثيرها على مؤسسات السلطة، والحركة نحو الديمقراطية المعاصرة.

قسمت الدراسة إلى ستة فصول، تناول الفصلان الأول والثاني المؤسسات التقليدية في شطري البلاد في ظل نظامي الإمامة والاستعمار، بهدف استخلاص التجربة من أداء النظامين ومؤسساتهما، وتأثيرهما اللاحق في المؤسسات السياسية والتمثيلية، وذلك من خلال استقصاء المعلومة التاريخية حول تشكل مؤسسات السلطة التقليدية، والعوامل الاجتماعية والسياسية التي أثرت فيها، وعلاقة السلطة بالقبيلة، ونظام الرهائن، ومناقشة صور الظلم والاستبداد التي سادت في المجتمع، وجسدها قول أحد أبناء الإمام لأحد معارضي أبيه : "وما أنتم إلا عبيد لأبي".

أما الفصلان الثالث والرابع: فقد تناولنا فيهما بالدرس والتحليل طبيعة تشكل مؤسسات السلطة السياسية والتمثيلية في الشطرين اليمنيين بعد ثورتي سبتمبر واكتوبر 62/1963 م، وخصوصية الشكل الجمهوري (المحافظ) في الشمال وتجربة النظام الاشتراكي في الشطرالجنوبي.

وفي الفصل الخامس: وقفنا أمام الأهمية التاريخية للوحدة اليمنية، كأحد أهم عوامل الاستقرار في المجتمع اليمني القديم والمعاصر، ومن ثم الدور الذي لعبته الوحدة في عصر العولمة والديمقراطيات الناشئة، لصالح إحياء الممارسة الديمقراطية، في المجتمع اليمني، من خلال دراسة التناقضات السياسية والفكرية، والاقتصادية التي شهدها مسار الحركة إلى الوحدة والديمقراطية، ثم استنتاج الشروط والضرورات الموضوعية، التي أدت إلى قيام الدولة اليمنية الموحدة، والموقف الدولي والاقليمي منها.

أما الفصل السادس والاخير: تناولنا بالتحليل خصوصيات المسار الديمقراطي في المجتمع اليمني، الذي تضمن دراسة علاقة الديمقراطية بالوحدة، وتشكل الخارطة السياسية على أساس التعددية الحزبية، وحرية الرأي والتفكير، بما رافقه من إشكاليات، لها ارتباطات بظروف وخصوصيات المجتمع اليمني. كما ناقشنا تجارب الأحزاب في العمل السياسي والتنظيمي وارتباطاتها الفكرية، وتعاملها مع مفهوم النظام التعددي، ومن ثم استشراف مستقبل التعددية الحزبية في ظل التطور التدريجي للممارسة الديمقراطية.

Page 2

واشتمل الفصل السادس أيضا، على دراسة موقع ودور البرلمان في النظام السياسي للجمهورية اليمنية، حيث تم الوقوف، أمام جملة من التناقضات السياسية والفنية، التي رافقت أداء أول مؤسسة برلمانية يمنية موحدة (مدمجة)، من نظامين سياسيين شبه متناقضين، وإبراز دورها كمؤسسة تمثيلية، جسدت مفهوما جديدا في ممارسة العمل التشريعي والرقابي، في ظل وجود كتل برلمانية ( حزبية ) سياسية تشهدها التجربة النيابية اليمنية لأول مرة، الأمر الذي أسهم في دخولها طورا جديدا في الممارسة والتجريب.

إن هذه الدراسة ونحن نقدمها - على تواضعها - للقاري الكريم، لا نزعم بأنها خالية من الأخطاء والهفوات، لكننا قد حرصنا - قدر الإمكان - تحري الدقة والموضوعية في تناولاتنا لمختلف فصولها ومباحثها، إذ نعتقد بأنها أضافت بعض الجديد في دراسة ظواهر وأشكال الحياة السياسية في المجتمع اليمني، وعلى أي حال، فهي تظل محاولة متواضعة بالمقارنة مع الدراسات والبحوث التي كتبت في هذا المجال.

لقد بذلنا جهدا كبيرا، استغرق وقتا ليس بقصير في الدراسة والتحليل المقارن، وأيضا في مجال جمع الوثائق، والمراجع البحثية العلمية (السياسية والتاريخية)، التي ساعدت على انجاز هذه الأطروحة التي نلت بها درجة الدكتوراه في العلوم السياسية، من الأكاديمية الدبلوماسية الروسية بموسكو.

وهنا لا يفوتني توجيه الشكر والتقدير للأساتذة الروس الكبار الذين كان لهم فضل العون والمساعدة في التوجيه والإرشاد العلمي لمسار البحث، والذين كان في مقدمتهم المرشد العلمي رئيس مركز الشرق الأوسط وأفريقيا في الأكاديمية الديبلوماسية التابعة للخارجية الديبلوماسية في موسكو البروفيسور دكتور العلوم السياسية السيد فلاديمير يفريموفيتش دانتسوف E.F Dantsov الذي شجعتني ارشاداته الجادة، وصرامته العلمية إلى الانكباب على مدى أكثر من عامين لدراسة الإطروحة، الذي كان يرى في موضوعها جديدا مهما للإرشيف الروسي، لكنه - للأسف - وافته المنية بنوبة قلبية قبل أن تكتمل الدراسة.

والشكرموصول أيضا للمرشد العلمي ( الخلف) نائب رئيس الأكاديمية الديبلوماسية البرفيسور دكتور العلوم التاريخية السيد يفغيني بيتروفيش باجانوف Bajanov E.P ، الذي حث على سرعة الإنجاز، والسيدة د.غالينا كستونتينوفنا بروزوروفا G.K Prozorva كبيرة الموجهين العلميين في مركز الشرق الاوسط وافريقيا التي قدمت للباحث ملاحظات فنية وعلمية قيمة مع أعضاء اللجنة العلمية السادة:

أ.د. تكاتشينكو اليكسندر A.A Tkachenko رئيس مركز الشرق الاوسط والدراسات الاسلامية.

أ.د. بريتفوروف اندري Pritvrov A.F معهد افريقيا.

أ. د. دينيسنكو فاليريV.S Denisenko رئيس قسم العلاقات الدولية بجامعة

الصداقة بموسكو.

د. منسورفا ليودميلا Mansorova L.SLVمركز الشرق الاوسط وافريقيا.

ولا أنسى هنا الإشارة إلى عون الصديق المستشرق والديبلوماسي المعروف البروفيسور دكتور العلوم السياسية اوليغ غراسيموفيش بريسبـــكين 0.G Peresipkin الذي شجعني كثيرا على مواصلة البحث، وزودني بمجموعة منتقاة (مهداه) من الكتب والمراجع الروسية واليمنية النادرة، التي أعانتني فعلا على انجاز هذا البحث، وأيضا المستشرق الروسي الصديق ليونيد سوكيانين المتخصص في قوانين الشريعة الإسلامية الذي مدني بالإعارة لمجموعة من الوثائق التاريخية، والصديق العزيز أ.دكتور قايد محمد طربوش - جامعة تعز، رئيس مركز البحوث الدستورية والقانونية الذي مدني هو الآخر بمجموعة من الوثائق الدستورية والقانونية اليمنية، وببليغرافيا اليمن في الاستشراق الروسي.

آمل أن تكون الكلمات بطي هذا الكتاب تعبيرا عن صدق المشاعر تجاه الهدف من هذه الدراسة، وعزائي أنني درست فاجتهدت قدر استطاعتي،فإن أخطأت فلي أجر،وإن أصبت فلي أجران، وسأكتفي بالأولى. والعزة لله، وهو نعم العون ونعم النصير.

د. عبد الوهاب الروحاني

Page 3

الفصل الأول

الأشكال التقليدية لتنظيم وعمل مؤسسات السلطة في اليمن

* الخصوصية السياسية لنظام مؤسسات الإمامة

(العامل الديني في تكوين وأداء مؤسسات السلطة)

* العلاقة المتبادلة بين القبيلة والسلطة

* حركة المعارضة ضد الإمام (الاتجاهات الأولى للتغيير)

تشكلت مؤسسات السلطة التمثيلية في الجمهورية اليمنية اعتماداً على خلفية تاريخية وبمؤثرات ثقافية واجتماعية وسياسية، ومرت بخطوات ومراحل هامة قادت إلى وجود فعلي لهذه المؤسسات، التي تحددت لها سلطات وصلاحيات دستورية وقانونية معينة، ولأن تشكيلها – حسب افتراضنا – جاء على هذه الخلفية. فقد حرصنا على دراسة الأشكال التقليدية لمؤسسات السلطة في اليمن بشطريه (شمالاً وجنوباً) قبل الثورة، لاستخلاص التجربة من أداء نظامي الإمامة والاستعمار، وتأثيرهما اللاحق في المؤسسات السياسية والتمثيلية، وذلك من خلال استقصاء المعلومة التاريخية حول تشكل مؤسسات السلطة التقليدية والعوامل المؤثرة فيها والتثبت منها وإسنادها إلى مصادرها تحقيقاً لغايات البحث العلمي السلمي.

لقد تطرقت الدراسة بإلماحة تاريخية سريعة إلى تشكل المؤسسة السياسية والتمثيلية في المجتمع اليمني القديم (حوالي 500 عام قبل الميلاد) كموروث ثقافي وسياسي تقليدي، أثر بصورة أو بأخرى في تشكل مؤسسات السلطة المتعاقبة، واعتباره أحد مؤشرات ربط المعاصر بالقديم في ثقافة المجتمع اليمني. وتناولت الدراسة مؤسسة الإمامة في الشمال في شقيها العقدي (الديني – المذهبي) والسياسي (شكل النظام وأداءه)، وعلاقتهما ببعض، لنتبين مدى الترابط الوثيق بين الدين والدولة من ناحية، وتوجيه الدين من ناحية أخرى لخدمة الحاكم، وتكريس عبادة الفرد، وإشاعة الظلم، واتباع سياسة الدجل والخديعة باسم الدين.

وقد تجسدت هذه المفاهيم في أنماط الحياة السياسية وهيئات الدولة ومؤسساتها الهزيلة في ظل حكم الأئمة، وهو ما انعكس في شكل صراع مستمر مع القوى المستنيرة الرافضة للظلم والاستبداد، وانعكس أيضاً في شكل العلاقة بين السلطة والقبيلة – الحليف اللدود والقوي للنظام – ونظام الرهائن، الذي مثل أعلى درجات الشد والجذب بين القبيلة، كمكون اجتماعي سياسي تمثيلي، وبين نظام الأئمة كسلطة سياسية عليا في البلاد.

لم تتوقف الدراسة عند استعراض العلاقة بين السلطة والقبيلة على قاعدة تبادل المصالح في فترة محددة، وإنما اشتملت على رؤية تحليلية لسلطة القبيلة وتركيبتها، وتأثيرها على مؤسسات النظام الحاكم وموقعها في السلطة قبل الثورة وبعدها، ومن ثم إبراز حجم الصراع الجاري بين السلطة والقبيلة في الشمال والجنوب حتى المرحلة الراهنة (مرحلة ما بعد الوحدة وقيام الجمهورية اليمنية).

Page 4

فالقبيلة باعتبارها إحدى المكونات التمثيلية الاجتماعية والسياسية الهامة في الدولة والمجتمع، قامت – وتقوم – بدور مزدوج تجسد في تمثيل السلطة في القبيلة عندما كانت تسود العلاقات الودية مع النظام الحاكم، وتمثيل القبيلة في السلطة، ومواجهتها أيضاً عندما تتأثر المصالح ويزداد الظلم، وتتدخل الأخيرة في شأن الأولى.

ومن هنا فقد حرصت الدراسة أن تكشف الدور، الذي لعبته القبيلة ليس في مقاومة الإمامة فقط، وإنما دورها أيضاً في تشكيل مؤسسات الدولة السياسية والتمثيلية من خلال البحث عن موقعها فيها، كما كان في «مجلس المستشارين"، أو ما كان يطلق عليه بمجلس «أهل الحل والعقد" في ظل مؤسسة الإمامة، أو المجالس الاستشارية والنيابية في ظل النظام الجمهوري بعد الثورة.

وكان من المهم في هذا الإطار الإشارة إلى دور «منظمات المجتمع المدني" الجمعيات الأدبية، والهيئات السياسية التي نشأت منذ مطلع الثلاثينات من القرن العشرين، وحملت على عاتقها مهمة مقاومة سياسة الظلم والقهر، التي اتبعها نظاما الإمامة «الحميدية" في الشمال والاستعمار في الجنوب، حيث لعبت هذه الهيئات والمنظمات عبر نشاط الكتل الثقافية المتأثرة بحركة التنوير العربية دوراً في التهيئة للتغيير في اليمن، وبناء مؤسساته السياسية والتمثيلية المعاصرة.

كما كان من البديهي في سياق البحث في المؤسسات التقليدية في اليمن أن تتبين الدراسة تأثير ثقافة الاحتلال التركي البريطاني على مؤسسات السلطة «كون اليمن تعرضت للاحتلال العثماني / التركي خلال مرحلتين، الأولى (1538- 1635م)، والثانية خلال الفترة ما بين (1848- 1918م)، وتعرض الجزء الجنوبي للاحتلال البريطاني خلال الفترة ما بين (1830- 1967م)، ولا شك فقد كان لسلطات الاحتلال خلال فترة سيطرتها على اليمن وظائف سياسية وإدارية انعكست في نوعية تعاملها مع المجتمع، وفي طبيعة أداء المؤسسات، التي شكلتها، لفرض إدارة وتسيير شئون الاحتلال، وليس إدارة شئون البلاد. وهي المؤسسات التي عملت على تكريس حالة التخلف الاقتصادي والاجتماعي، واتباع سياسة الإفقار، وإثارة الصراعات بين أبناء المجتمع، وإشاعة القتل والرعب في أوساطه، وفرض حالة التجزئة والتشطير.

وقد تم التركيز على شكل وأداء السلطة الإدارية والسياسية للاستعمار البريطاني في عدن والمحميات، كنموذج للمؤسسة السياسية والتمثيلية التي سعى الاستعمار إلى فرضها، وأوجدها كمشاريع عاش بعضها زمناً قصيراً في ظله كـ «المجلس التشريعي"، الذي تأسس في عام 1948م والمنتخب في عام 1958م، والمجالس البلدية، وكذلك السماح بتأسيس الأحزاب السياسية والمنظمات والأندية الفكرية والثقافية، والتي مثلت أحد أوجه الحياة السياسية في اليمن في ذلك الوقت، ولعبت دوراً إيجابياً في تنمية الوعي، ثم تغيير الواقع في اليمن عموماً شمالاً وجنوباً.

فدراسة تأثير ثقافة الاحتلال على مؤسسات السلطة في اليمن جاء من فرضية أن المؤسسات السياسية والإدارية والثقافية لسلطة الاحتلال انعكست سلباً أو إيجاباً على المؤسسات السياسية والثقافية في الدولة الجديدة، وأثرت أو أغنت تكوين المشاريع السياسية عند القوى والأحزاب الوطنية المعارضة، التي خرجت عام 1948 في عدن بقيادة الزبيري والنعمان برؤى جديدة في كيفية المشاركة الشعبية في الحكم، كما حدث في «الميثاق الوطني المقدس"، والدعوة لإنشاء مجلس شورى، وإنشاء حكومة من بين أبناء الشعب، وإقرار دستور ينظم شئون الحكم في البلاد، وإلى غيرها من الرؤى والأفكار، التي أسهمت في الدفع بتشكيل المؤسسات التمثيلية، التي تكونت فيما بعد، وتوجيه أدائها.

مؤسسات السلطة في العهد القديم:

الأشكال أو النماذج التقليدية لمؤسسات السلطة في اليمن هي مجموع التقاليد الإدارية والتنظيمية والسياسية الموروثة عبر مختلف حقب التاريخ القديم حتى العصر الراهن. وقد كانت آليات وأنظمة السلطة في العهد اليمني القديم متقاربة، ويذكر القاضي عبد الله الشماحي أن الدولة اليمنية القديمة كانت تتألف من ولايات شبه لا مركزية، ترتبط بحكومة المركز، وكانت معظم هذه الدول تجارية أكثر منها حربية، ما عدا حمير .. حيث كانت للدول اليمنية القديمة الثلاث (معين، وسبأ، وحمير) مستعمرات تجارية وأسواق عالمية متناثرة في أفريقيا وآسيا، ودول البحر الأبيض المتوسط.. وكانت أنظمتها الاجتماعية ذات طابع تعاوني رأسمالي إقطاعي، وكانت الضرائب [توزع] على ثلاثة أنواع لمنفعة خزانة الملك، للكهنة والمعابد، وللشيوخ الأذواء والحكام.

وكانت الأمة مؤلفة من خمس طبقات:

1. الجند المسلح لحفظ النظام.

2. الفلاحون (زراعة الأرض واستغلالها) .

3. الصناع.

4. التجار.

5. طبقة الحكام: وهي تضم الأشراف والكهان والعلماء والمشائخ الأذواء.

وهي الطبقة التي تعنى بأمر التشاور والإشراف على سير الأعمال وسن التشريع في السلم والحرب (1).

وتذكر كتب التاريخ أن اليمنيين القدماء عرفوا أنظمة اقتصادية وسياسية متميزة، ووجدت مؤسسات ومجالس نيابية واستشارية، كانت تساعد على تنظيم الحياة وتدبير شئون الدولة والناس. وفي هذا الصدد، يذكر الدكتور نيكولاس رودوكاناكيس أن تلك البلاد عرفت في (العصر الملكي القتباني 350 – 50 ق.م.)، نظاماً يتكون من مجالس تمثل الشعب تمثيلاً نيابياً في المجلس القبلي، حيث كانت تمثل القبائل المختلفة، وأصحاب الأراضي الخصبة وسكان المزارع والمراعي في الهيئات التشريعية المتعددة، وكان "المجمع" القبلي يعقد جلساته مرتين في العام، وفي عاصمة الدولة. أما المجالس الاستشارية، فقد كانت مكونة من سائر القبائل ولم يحرم منها إلا الرقيق، الذين كانوا يعملون في الأرض(2).

ويذكر الحداد أن هذه المجالس كانت لها اختصاصات محددة، فبينما كان «المجلس القبلي» يعنى بسن القوانين الزراعية. . كان «المجلس الاستشاري» يقر هذه القوانين ويوافق عليها. . إذ أن «الملك هو، الذي كان يدعو الأعضاء إلى الاجتماعين (اجتماع المجلس القبلي واجتماع المجلس الاستشاري)، وهكذا يصير الاجتماع والانفضاض قانونيين. . » (3).

وبهذه الآلية كانت تتشكل مؤسسات السلطة في ظل الدولة اليمنية القديمة، وهو منهج توارثته هذه الدول، وحاولت أن تجسد من خلاله مفهوم الإدارة عبر المؤسسات، ولكن دون المساس أو الإساءة لسلطة الملك، الذي هو الآخر لا يتدخل في شئون المجالس أو أدائها إلا في حدود صلاحياته، ومن خلال اجتماع المجالس المختصة، والمرونة في التعامل مع المؤسسات الممثلة للشعب من قبل الملوك والأذواء، يمثل أهم عوامل التطور، الذي شهدته الدول اليمنية في العصر القديم. ويبدو أن حال تنظيم إدارة الدولة استمر يتطور في فترات الرخاء ومراحل الاستقرار؛ أما في فترات الحروب، التي كانت تتم بفعل التدخلات الأجنبية أو الصراع الداخلي على السلطة، فقد كان الوضع يتعرض للاختلال، الأمر الذي كان يؤدي إلى ضعف الدولة المركزية، ويبدأ زعماء القبائل توارث إدارة شئون مناطقهم دون العودة لمركز الدولة. وهو الوضع، الذي كان عليه اليمنيون عند مجيء الإسلام، حيث تم «إبقاء زعماء القبائل على مناطقهم، وهو منهج اتخذه الرسول معجميع القبائل العربية»(4).

ويعتبر مؤرخو نظام الإدارة أن اليمن في ظل الدولة الإسلامية شهدت تطوراً في مجال تنظيم إدارة الدولة ومؤسساتها من حيث الارتباط بمركز الدولة الإسلامية، وإحلال الولاء لنظام الدولة محل الولاء لنظام القبيلة، حيث وجدت أنظمة تدير شئون القضاء، الإفتاء، إدارة أمانة شئون المساجد، إدارة البريد، الجيش، الإدارة المالية، إدارة المظالم ونظام الحسبة، ثم تحديد مهام الولاة أو القادة (5).

لقد شهدت اليمن في مراحل تكون الدولة أشكالاً مختلفة من مؤسسات السلطة التقليدية، لكن ما يهمنا هنا هو دراسة الأشكال التقليدية لتنظيم وأداء السلطة، في اليمن في ظل نظامي الإمامة والاستعمار، وتأثيرها على مؤسسات السلطة في ظل النظام الجمهوري بعد ثورتي سبتمبر وأكتوبر 62 و 1963م. وقد افترضت الدراسة أن مؤسسات السلطة التقليدية في اليمن تأثرت في تكوينها وأدائها بأربعة عوامل، هي «الدين، القبيلة، الاستعمار، ودور المستنيرين في التغيير».

Page 5

الخصوصية السياسية لنظام مؤسسة الإمامة

(العامل الديني في تكوين وأداء مؤسسات السلطة)

- التركيبة المذهبية.

- مؤسسة الإمامة (المذهب الزيدي).

- الإمامة والنمط السياسي لنظام الحكم.

ارتبط نظام الحكم في اليمن قديماً وحديثاً بالدين (أياً كان معتقداً ذاتياً أو سماوياً). ففي الزمن اليمني القديم، كان الاعتقاد أن خير الدولة وشرها، يرتبط في جزء كبير منه بالجانب الروحي والقرب من الآلهة أو المعبد، «فسلطة الطوائف الدينية والوضع المميز للمعابد، وفي بعض الأوقات متطلبات القوة المركزية كانت تمارس نفوذها على نظامي الملكية والتشريع الخاصين بالأراضي الزراعية» (6).

إن اليمنيين حينما كانوا يعبدون الكواكب، إنما يعبدونها كآلهة متعددة، ترمز إلى إله تدل عليه كل الظواهر الطبيعية، على أساس أن وراء هذه الظواهر قوة غيبية، هي التي وجدت ونسقت بين جميع هذه الظواهر ووجدت معالمها، ورتبت أوقاتها، ونظمت سيرها وتحركها.. وهذه الحقيقة الغيبية الثابتة هي الله الواحد الأحد، الذي عرف عند اليمنيين في عصور لا تزال من عصورهم الحضارية القديمة بـ (ذي سموي)، أي إله السماء (7).

وجاءت المعتقدات السماوية اللاحقة (اليهودية والمسيحية ثم الإسلام ) لتعزز من مفاهيم الاعتقاد الديني القديم عند اليمنيين، وارتبط هذا الاعتقاد أشد الارتباط بأنظمة وإدارة وأداء مؤسسات الدولة بمختلف مستوياتها خاصة في صدر الإسلام، ولأن اليمنيين دخلوا الإسلام طواعية ودون مقاومة أو مشقة في الدعوة إليه، فقد كانوا إلى جوار النبي، ومن أنصاره. وقد خصهم رسول الله بشهادات كثيرة فضلهم فيها على غيرهم ليس فقط بفعل إقبالهم على الإسلام وإنما لدورهم الكبير في نشره، ومن أبرز هذه الشهادات، التي تواتر ذكرها في الأحاديث الصحيحة قوله :

(جاء أهل اليمن أرق قلوباً، وألين أفئدة، الإيمان يمان والفقه يمان، والحكمة يمانية).

(أتتكم الأزد أحسن الناس وجوهاً، وأعذبها لساناً، وأصدقها لقاءً، اللهم اجبر كبيرهم وآو طريدهم، ولا ترد منهم سائلاً).

وعن أبي هريرة (رضي الله عنه) أنه قال : (رحم الله حميراً أفواههم سلام وأيديهم طعام، أهل أمن وإيمان).

وعن أهل حضرموت ومذحج، وكلهم من أهل اليمن، أن النبي قال: «الأمانة في الأزد وحضرموت، واستعينوا بهم»، وقال: «دخلت الجنة – يعني بالإسراء- فوجدت أكثرها أهل اليمن، وأكثر أهل اليمن مذحج».

وقيل إنه لما أسلمت همدان خر النبي ساجداً شكراً لله، ولما فرغ قال: (السلام على همدان، السلام على همدان، ما أسرع همدان إلى النصر وأصبرها على الجهد وفيهم أبدال وفيهم أوتاد الإسلام) (8).

وبالبداهة، حينما يختص رسول ونبي كريم وقائد عظيم بحجم محمد بن عبد الله أهل اليمن بهذه الشهادات وينعتهم بصفات ما وصف بها قوماً مثلهم من قبل، لابد وأن يكونوا أكثر الناس إيماناً وتصديقاً بما جاء به من تعاليم، ولابد أن يكونوا أكثر التصاقاً بها وتطبيقاً لمفاهيمها.

ولأن الإسلام دين وإدارة، عبادة ودولة، فقد كان المحك العملي للعبادة ينعكس في بناء وأداء مؤسسات الدولة. ويقول ليونارد بايندر leonard binder في كتابه «الثورة العقائدية في الشرق الأوسط» إن «هناك تأكيداً بسيطاً على أن الدين والدولة لم يكونا مفترقين عن بعضهما في الإسلام كما هو الحال بالنسبة إلىالمسيحية الغربية. ومن هنا ينبع الافتراض باستحالة تفهم شئون السياسة في الشرق الأوسط قبل تفهم الإسلام أولاً. وربما لا تكون هذه القاعدة بعيدة عن العقلانية» (9).

فالدين إذن شكل مرتكزاً أساسياً من مرتكزات بناء الدولة وتشكيل مؤسساتها. أما الإسلام، فكان في أغلب مراحل تاريخ الحياة السياسية اليمنية، المنطلق والأساس في التعامل مع قضايا الدولة وشئونها. ويرى الباحثون أن إدارة مؤسسات السلطة في اليمن في ظل الدولة الإسلامية الكبيرة أظهرت قوة وتأثير المفاهيم الإسلامية في إدارة الدولة «من خلال الإدارة المالية، التي تتولى – وفق – من نصوص قرآنية أو أحاديث نبوية، جمع موارد الدولة وصرفها محلياً وإرسال ما فاض منها إلى عاصمة الدولة الإسلامية (10).

ومع عدم الاختلاف في أن العامل الديني كان هو القول الفصل والمرجع في شأن إدارة الدولة اليمنية (بغض النظر عن كيفية التعامل مع القواعد الدينية وإخراج نصوصها وتطويعها لهذا الغرض أو ذاك) ، إلا أنه في إطار المنهج الإسلامي العام، الذي يعتنقه عامة اليمنيين منذ فجر الإسلام (باستثناء بضع مئات من اليهود اليمنيين)(11 ) ، فقد وجدت في اليمن تركيبة دينية ذات طابع إسلامي خاص، تقوم علاقاتها على المحبة والتسامح.

Page 6

المبحث الأول

التركيبة المذهبية:

عاش في اليمن مذهبان إسلاميان كبيران مثلا مركز الريادة والقوة في المجتمع. هذان المذهبان هما: المذهب الزيدي (الهادوي)، والمذهب السني (الشافعي). إلى جانب الفرقة (الإسماعيلية أو المكرمية)، وهي طائفة لا يزال لها تواجد في مناطق حراز، وهمدان بمحافظة صنعاء، وعراس جنوب [شرق] مدينة يريم (12) ، وأيضاً في نجران ضمن قبائل يام في (السعودية)، وتأسست الدولة الصليحية في ظلهم على يد علي بن محمد الصليحي عام 439 هـ.

وقد حقق المذهبان الكبيران (الزيدي والشافعي) عبر حقب تاريخية مختلفة منذ مطلع القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي تعايشاً وتجانساً، وتسامحاً لا نظير له، فالمدارس الإسلامية الشهيرة في اليمن كانت تتوزع إلى أجنحة وزوايا أو بالأصح حلقات علمية، يُدرس فيها الشيخ تلامذته من هذا المذهب أو ذاك شافعياً أو زيدياً، حنفياً أو مالكياً(13) ، وعندما يؤذن المؤذن للصلاة كان يتقدم أحد علماء أو مشايخ هذه المذاهب ليؤم المصلين دونما حساسية أو شعور بغيظ أو تمييز بين هذا وذاك، فساد التسامح بين الناس، على عكس ما يحدث عند الشيعة الإمامية (الإثني عشرية) والسنة في بعض الدول العربية والإسلامية، كالعراق مثلاً، حيث التنافر، بل التناحر (حالياً) على أشده، وحيث للسنة مساجدهم وللشيعة مساجدهم وقلما يلتقون.

وتكرس مبدأ التسامح هذا، في زمن أعمال منهج الاجتهاد الذي اختطه نخبة من علماء الزيدية الكبار من أمثال (ابن الوزير، والشوكاني، والمقبلي، وابن الأمير الصنعاني) الذين تعرضوا لمضايقات المتعصبين، يقول الدكتور حسين عبد الله العمري إنه «من بعد القرن الثامن للهجرة/ الرابع عشر للميلاد ، شهد المذهبان الشافعي والزيدي تقارباً، وعلاقات حميمة قواَّها كبار مجتهدي المذهبين وتلاميذهم، حتى بات علماء الزيدية المجتهدون، من العلامة ابن الوزير في القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي إلى شيخ الإسلام الشوكاني في القرن الثالث عشر للهجرة/ التاسع عشر للميلاد، يعدون أنفسهم من أهل السنة، تمييزاً عن القلة من المتعصبين، الذين كانوا يعرفون بالإمامية والجارودية(14) أو بعض الهادوية الزيدية (15).

وجاء على لسان المستشرق الدانمركي الشهير كارستن نيبور Carsten Niebuhr ، الذي زار اليمن عام 1763م، أن أهل اليمن ينقسمون إلى سنيين يسكنون تهامة ومنطقة تعز، وزيديين يسكنون المنطقة الممتدة من إب إلى صنعاء، وهذا التقسيم يهمل كما هو واضح المناطق غير الخاضعة للإمام. [وقد مال نيبور إلىتوزيع السكان – حينها – إلى نسبة متساوية من السنة (الشافعية) والزيدية (الهادوية)، وبرغم مرور أكثر من مائتي عام على تقدير نيبور إلا أن النسبة السكانية لا تزال متوازنة]. ويشير نيبور إلى «أن أتباع المذهبين يتعايشون بصورة ممتازة، ولم أسمع أنهم يكرهون أتباع الأديان الأخرى. . . »(16).

ويرى صاحب «الحركات الاجتماعية والسياسية في اليمن 1918 – 1967» أن غالبية السكان (54،5%) [يدينون] بالمذهب الزيدي، بينما شكلت الفئة الثانية من السكان 45% ويدينون بالمذهب السني الشافعي، أما المذهب الإسماعيلي (الشيعي) فهو يتوزع على 05.% من السكان(17). وواضح أن هذا التقدير يتقارب مع تقدير نيبور رغم الفارق الكبير بين الزمنين، لكننا، وبالعودة للإحصائية السكانية للعام 2005م (إذا ما نظرنا إليها من زاوية التوزيع السكاني للمناطق بحسب انتمائها المذهبي)، سنجد أن النسبة السكانية، بين الزيود والشوافع لا تزال في حالة تقارب حتى وقتنا الحاضر، رغم التغيرات الديموغرافية، ورغم دخول عوامل جديدة أثرت في التركيبة المذهبية للمجتمع.

والمذهب الشافعي تأسس على يد الإمام محمد بن إدريس الشافعي (765 -819 م)، وحقق انتشاراً كبيراً في اليمن خلال القرن الرابع الهجري، خاصة في المناطق التهامية: زبيد، وتعز، وعدن، وحضرموت. وقد كانت للإمام الشافعي – رحمة الله – «صلة عميقة مبكرة باليمن، تمثلت في تتلمذه على يد علمائها، ثم توليهقضاء نجران، ومصاهرته بالزواج من أهل صنعاء. . وليس من شك في أن ذلك كان من أسباب انتشار مذهب الإمام الشافعي فيما بعد في اليمن» (18).

ولأن المذهب كان في الغالب قد انتشر في تهامة والمناطق الجنوبية، فقد زاده ثباتاً بها بأنه بات مذهب الدويلات والأسر الحاكمة، التي قامت بها منذ القرن الخامس الهجري / الحادي عشر للميلاد، كبني نجاح في (زبيد)، وبني رسول في (تعز)، وبني طاهر في (رداع المقرانة). وقد شجع ملوك وسلاطين تلك الدول العلماء والأدباء، وقربوهم إليهم ... (19).

والخلافات المذهبية بين الزيدية والشافعية، التي كانت تظهر من وقت لآخر بفعل المتعصبين، كانت تعود في الغالب إلى خلافات سياسية، يغذيها ويضرم نارها في صدور العامة "الحكام" فقد كان الشوافع في ظل الإمامة يشعرون بضيم جراء سيطرة الفئة الزيدية الحاكمة. وقد غذى العثمانيون الأتراك إثارة نوازع الخلاف الزيدي – الشافعي ، كما فعل الأئمة أيضاً، وكما كان الإمام يعتبر المناطق الزيدية مصدر قوته كما هي مصدر إهتمامه وقلقه، كان الأتراك المحتلون بالمقابل ينظرون إلى أتباع المذهب الشافعي بكونهم موالين لهم، وكانوا لموالتهم يتمتعون بامتيازات كبيرة من قبل العثمانيين، لذات الأسباب المذهبية، ويقول سلطان عمر في كتابه (نظرة في تطور المجتمع اليمني) "إن العهد التركي قد حمل معه إعطاء الإقطاعيين، خاصة في المنطقة الوسطى في اليمن (إب وتعز) ألقاب "الباشا" و"البك". . . على بعض الأسر الإقطاعية وبعض شيوخ المناطق.. وكان الأتراك يخلعون تلك الألقاب للأسر الإقطاعية، التي وقفت بجانبهم وتحالفت معهم في وجه دولة الأئمة الزيديين الوطنية (20).

ولعل الخلاف المذهبي، الذي كان يتحول إلى عداء سياسي في عهود الإمامة والاحتلالين التركي والبريطاني، قد تلاشى وحل محله التقارب بعد قيام ثورة سبتمبر 1962م، حيث التفت كل فئات المجتمع حول تجسيد الأهداف، التي قامت من أجلها الثورة، والتي كان في مقدمتها القضاء على حكم الأئمة، وإلغاء قيام الدولة وبسط سيطرتها على أساس مذهبي. وبالفعل تشارك الجميع في بناء النظام الجمهوري الجديد بمنهج كان لا يخلو من محاصصة (زيدية – شافعية).

Page 7

وتلاشت، بل اختفت تدريجياً مشاعر التبرم والضيق المرتبطة بالماضي، حتى مجيء الغلاة من أتباع الحركات السنية (الجهادية – التكفيرية) في مطلع الثمانينات، وظهور أتباع متعصبين للمذهب الشيعي الجعفري (الاثني عشري) الذي دخل لأول مرة إلى اليمن، بفعل التأثر بمنهج تصدير الثورة الإيرانية 1979م، وأثار هؤلاء المتعصبون قضايا خلافية (سياسية وفقهية)، لم تكن موجودة من قبل بين المذهبين المعتدلين المتآخيين (الشافعي – السني، والزيدي – الشيعي)، إلا من حساسيات سياسية، كانت قائمة قبل الثورة بفعل حاكمية المذهب الزيدي، ولعل الخلافات التي يثيرها المتعصبون لا تزال في طور النمو الحميد – أن جاز التعبير – لكنها (إذا ما توسعت) على المدى البعيد، فستشكل خطراً كبيراً على مستقبل الوحدة الوطنية في البلاد.

مؤسسة الإمامة – المذهب الزيدي:

حكمت مؤسسة الإمامة اليمن خلال أحد عشر قرناً، بفكر ومنهج مذهب الزيدية الهادوية التي نشأت في اليمن. فما هي زيدة اليمن ؟!

الزيدية: هي إحدى فرق الشيعة (21)، وتنسب إلى الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الذي أعلن مبدأ "الخروج"، وثار على الأمويين عام 740م في زمن هشام بن عبد الملك.

وتتميز الزيدية في كونها حركة سياسية فكرية وفقهية ترفض التعصب بعكس ما هو عند الشيعة (الاثنى عشرية) ، فالزيدية تنكر العصمة، ولم تقل بالتقية والمهدي المنتظر أو الإمام المستور. كما ترفض التبرؤ من خلافة الشيخين أبي بكر وعمر (رضي الله عنهما)، وتجيز إمامة المفضول مع وجود الأفضل. وتعتبر الزيدية أكثر المذاهب اعتدالاً ومرونة وأقربها إلى مذهب السنة من حيث أصوله الحنفية، فهو مذهب يقول بالاجتهاد والاستنباط، ويقر بإجماع الأمة. والزيدية تجيز الخروج على الإمام (الحاكم) الظالم، وتأثرت بالمعتزلة في مفهوم إعمال العقل، وتقرير أسبقيته على الشرع.

تأسس المذهب الزيدي "الهادوي" في اليمن عام 284 للهجرة / 897 للميلاد على يدي يحيى بن الحسين بن القاسم الرَّسي (245 – 298 هـ)، الذي لقب بـ "الإمام الهادي إلى الحق". وقد جاء يحيى بن الحسين إلى اليمن بناءً على طلب من زعماء ورؤساء القبائل اليمنية، الذين أوفدوا في طلبه من جبل الرس بالقرب من المدينة المنورة لقيادة اليمن وإخراجها من الصراعات والحروب، التي كانت دائرة فيها بسبب الاقتتال القائم بين اليعفريين والقرامطة الإسماعيليين بقيادة علي ابن الفضل، الذي انطلق من أبين ويافع والمذيخرة، والمنصور الحسن بن حوشب، الذي انطلق من عدن (لاعة)، إلى جانب صراع المشيخات في أرحب (آل الدعام) وفي حاشد (آل الضحاك) وفي خولان (آل أبو الفتوح)، وقد اتخذ الهادي يحيى بن الحسين مدينة صعدة منطلقاً لدعوته الزيدية.

وانتشر المذهب الزيدي في اليمن على خلفية توسع نفوذ دولة الإمام الهادي يحيى بن الحسين، وعلى خلفية أن بدأ "يعمل على تثبيت دعائم الحكم في الدولة الجديدة بالقضاء على الفتن، التي عاصرها في المدة الأولى من حكمه، وتأمين الناس على حياتهم وممتلكاتهم وإصلاح ذات البين بين رؤساء القبائل وزعمائها،. وعندما تم له ذلك أخذ يستعد للتوسع وإقناع اليمنيين في منطقة صعدة أنهم أصحاب رسالة إصلاحية دينية وجب عليهم الجهاد في سبيلها ونشرها في جميع أنحاء اليمن (22). وتوسع انتشار المذهب الزيدي (الهادوي)، فشمل مناطق مختلفة وخاصة المناطق الشمالية من اليمن، ومنها مخاليف نجد اليمن في عهد الهادي، وتعاقبت من بعده ما يزيد على الستين دولة، كان يقف على رأسها بين إمام قائم ومعارض من الزيود حتى قيام الثورة في 26 سبتمبر 1962 في الشمال (23) .

ويقول العمري «إن حكم الأئمة ، الذي استمر أحد عشر قرناً بين قوة وضعف كان يشمل في بعض الفترات حكم اليمن الطبيعية من حدود عمان جنوباً حتى حدود الحجاز شمالاً، وينكمش أحياناً فيقتصر على صنعاء وشمالها، أو على بعض المناطق الشمالية ومركزها صعدة في أحيان أخرى، وذلك حتى قيام ثورة 26سبتمبر 1962» (24). فما هي الإمامة، وبماذا حكمت ؟!

الإمامة .. النمط السياسي لنظام الحكم:

الإمامة في اللغة هي السيادة أو الرئاسة العامة في الدولة الإسلامية، ومنصب الإمام يوازي منصب الخليفة أو الرئيس أو السلطان أو الأمير، أو من يقف على رأس سلطة الدولة إجمالاً. وتتفق الزيدية والشافعية في تعريف مصطلح الإمامة بأنها «رئاسة عامة لشخص من الأشخاص في أمور الدين والدنيا المتعلقة بالسياسة»(25).

Page 8

والإمامة عند زيدية اليمن (الهادوية) هي استخلاف الله ورسوله في الأرض، وقد قررها الإمام يحيى بن الحسين في أن تكون في ولد الحسن والحسين من ذريتهما (علوياً فاطمياً) ممن سار بسيرتهما، ورعاً ، تقياً، مجاهداً، زاهداً، عالماً، شجاعاً، سخياً، رءوفاً بالرعية مساوياً لهم بنفسه، مشاوراً لهم في أمره، حاكماً بأمر الله، لا تأخذه في الله لومة لائم، قائماً بحقه، شاهراً لسيفه، مجتهداً لدعوته (26) ، والطريق إلى الإمامة «الدعوة» لا التوريث، «ولا يصلح إمامان في قطر واحد» (27). ويقول القاضي عبد الله الشماحي : «الإمام زيد لا يقول بحصر الإمامة... ونحن والمعتزلة والمتحررون المسلمون من قيود المذاهب السياسية نقدر هذا المذهب الهادوي، لأنه هو الإسلام في جوهره وقوته وروحه الإنسانية الأممية إلا في حصر الإمامة العظمى والرئاسة العليا، فلا نحن، ولا تعاليم الإسلام الصحيحة تقبل هذا الاحتكار ... »(28).

وانحصار الإمامة في ذرية علي بن أبي طالب من بطني الحسن والحسين أثار خلافاً واسعاً عند الخاصة والفرق التي أعملت الاجتهاد واعتبرت حصر الإمامة في الذرية من ولد فاطمة خروجاً عن جادة الصواب في منهج زيد بن علي. ورأت المُطرَّفيَّه (إحدى فرق الزيدية ) «أن الإمامة جائزة في جميع الناس، لا يختص بها قوم دون قوم آخرين، وإنما تستحق بالفضل والطلب، وإجماع كلمة الشورى»(29) ، ودللوا على قولهم بآيات كريمة من كتاب الله تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13).

وقد اتفق مع ما ذهبت إليه المُطرَّفيه نشوان بن سعيد الحميري، الذي حكم عليه الإمام عبد الله بن حمزة بالكفر، كما حكم على المطرفية وأتباعها وقضى عليها وعليهم. ومن أبرز علماء زيدية اليمن، الذين أعملوا الاجتهاد وخرجوا على التقليد، وعملوا بقاعدة "كل مجتهد مصيب" محمد بن إبراهيم الوزير المتوفى عام 1436م، والحسن بن أحمد الجلال المتوفى عام 1673م، والعلامة المجتهد صالح بن المهدي المقبلي المتوفى عام 1696م، وصاحب "سبل السلام" ابن الأمير الصنعاني – محمد بن إسماعيل المتوفى عام 1768م، والذي كان الإمام المنصور محمد بن حميد الدين جد الإمام أحمد كان يردد في مجالسه : "محمد بن إسماعيل الأمير ليس منا آل البيت" لمخالفته للأئمة الطغاة في الظلم والاستهانة بالعهود، وكان يتهمه بإفساد ثلاثة بيوت هاشمية كبيرة كبيت المتوكل في شهارة وبيت شرف الدين في كوكبان وبيت إسحاق في صنعاء، وهي بيوت كان ابن الأمير قد أصلحها. وكان أيضاً القاضي العلامة المجتهد محمد بن علي الشوكاني المتوفى عام 1834ممنأبرز علماء الزيدية، الذين كانوا يدعون إلى عدم مشايعة العلماء لأهل الحكم أو السلطان في الباطل، ويدعون إلى المجاهرة بالحق (30).

وكان الهادي يحيى بن الحسين عند تأسيس الدولة الزيدية (الهادوية) في اليمن عام 897م قد دعا الناس إلى مبايعته مشترطاً على نفسه أربعة شروط هي:

1. الحكم بكتاب الله وسنة رسوله.

2. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

3. أن يؤثر أتباعه على نفسه، فلا يتفضل عليهم، وأن يقدمهم عند العطاء قبله.

4. أن يتقدمهم عند لقاء عدوه وعدوهم.

واشترط لنفسه عليهم شرطين:

1. الطاعة لله في السر والعلن.

2. الطاعة له في كل الحالات ما أطاع الله فيهم، فإن خالف فلا طاعة له عليهم، وإن مال أو عدل عن كتاب الله فلا حجة له عليهم (31).

وعند الزيدية طريقتان لاختيار الإمام هما:

1- أن يدعو الشخص لنفسه اعتماداً على معارف وأهلية تتفق مع شروط الإمامة.. ويجتمع العلماء والزعماء والمثقفون (رجال الحل والعقد) ويناقشون ويتشاورون فيما بينهم في موضوع كفاءته ومكانته، فإذا ارتضوه بايعوه وإلا نظروا غيره.

2- يرشح رجال الحل والعقد واحداً من هؤلاء ممن يرونه صالحاً لهذا المنصب العظيم، وإذا وافقهم ترشيحه بايعوه وإلا عدلوا إلى غيره (32).

ويقول علي عبد الكريم الفضيل إن الإمامة «لا تعني أي شيء من معاني التقديس والتبجيل والتعظيم الذاتي لشخص الإمام أو الخليفة، كما لا تعني الكهنوت أو الظلم أو الطاغوت»(33). ، وربما قصد هنا الإمامة في مفهومها عند زيد بن علي. أما أتباع المذاهب الأربعة فإنهم يلحقون المذهب الزيدي (الهادوي) بمذهب الإمامية الجعفرية لموافقته له في التشيع وتقديس الأئمة، وتعظيم قبورهم (34).

Page 9

فاليمن، الذي تعاقب على حكمه من نسل الإمام الهادي يحيى بن الحسين ما يزيد على 59 إماماً خلال أحد عشر قرناً، جسد معظمهم مفهوم التقديس والتوريث للإمامة، وهو ما ساعد على تفشي الصراعات وخروج الأئمة على بعضهم، فتفاقمت الحروب وسيطر العنف، وطبعت الإمامة في حالات كثيرة بطابع القسوة والظلم والجور والقهر، وساد التقليد، فشاع وتكرس الجهل، وتشكلت أنظمة وراثية طاغية استمرت حتى قيام الثورة اليمنية في 26 سبتمبر 1962م، التي قضت على نظام الإمامة، وحل محله النظام الجمهوري، الذي تعهد بإلغاء الفوارق والامتيازات بين الطبقات، وتعهد بالتحرر من الاستبداد، ورفع مستوى الشعباقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، وإنشاء مجتمع ديمقراطي تعاوني عادل مستمداً أنظمته من روح الإسلام الحنيف(35).

ويقرر معظم الباحثين في دولة الأئمة في اليمن أن الإمام يحيى بن الحسين (الهادي إلى الحق) قد أساء لمذهبه، وجنى على دولته حينما قرر حصر الإمامة في أبناء فاطمة بنت محمد ، إلى جانب إضفاء قدسية إلهية على سلطة الإمام. وتتالى هذا المنهج في تأسيس دولة الأئمة في اليمن حتى قيام المملكة المتوكلية اليمنية 1918 كآخر عهد لحكم الأئمة، الذي قضي عليه عام 1962 بقيام النظام الجمهوري.

المملكة المتوكلية اليمنية (1918 – 1962م):

على نفس منهج دويلات الأئمة تأسست المملكة التوكلية في عام 1918 بعد رحيل الأتراك بنهاية الحرب العالمية الأولى، ومثلت آخر نموذج لدولة الأئمة بزعامة الإمام يحيى محمد حميد الدين، الذي خرج من مقاومة الأتراك منتصراً عام 1918م، ولم يرث منهم نظاماً إدارياً صالحاً لتنظيم شئون الدولة، بل ورث نظاماً إدارياً عسكرياً يقوم على أمرين هما:

إحكام السيطرة وفرض القوة ومركزة السلطة عبر انتشار العسكر وفرض نظام الرهائن.

فرض آلية قاسية وظالمة لجباية الأموال. سار هو الآخر على منوالها.

وبرزت المملكة المتوكلية اليمنية (1918م) كدولة مستقلة ذات سيادة حصلت على الاعتراف الدولي عام 1923م، وباعتبارها آخر نموذج لدولة الأئمة، سندرس مكونها السياسي، ونتعرف من خلالها على شكل ونظام مؤسسة الإمامة، وأنماط الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية فيها كالتالي:

1. الشكل السياسي للمملكة المتوكلية اليمنية:

لم توجد قوانين أو أنظمة معاصرة تحدد شكل ونظام الدولة في حكم بيت حميد الدين. فالشريعة الإسلامية بمبادئها العامة وبما يقرره المذهب هي كل القوانين والأنظمة، وكانت الدولة تفتقر إلى أبسط مبادئ الإدارة.

وقد تحدد شكل سلطة الدولة وإدارتها في عهد الإمام على النحو التالي:

أ. الإمام:

هو الحاكم المطلق وسلطته تشمل كل شئون الدولة والمجتمع، «فهو رئيس الحكومة، وكبير الإداريين، ورئيس القضاة، وقائد الجيش، والإمام الروحي، وطاعته فرض ديني»(36). وهو بهذا يجمع بين يديه السيطرة على السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية.

والإمام «كرئيس للإدارة يعين الموظفين من جميع الرتب من حكام الأقاليم حتى البوابية (الحراس)، وهو ينظر في كل التفاصيل، ويبت في كل أمر. . [والإمام يتدخل] في كل شيء من متطلبات تنظيف السجاجيد، والمصابيح إلى الشئون الدولية، وبناء الطرق، وإقامة المباني، وغرس الأشجار. والخزانة العامة تحت رقابته الشخصية، وهو الذي يقرر المنصرفات بنداً بنداً.. »(37).

وكان الإمام يحيى يأمر بإطفاء الأنوار وإشعالها في دار السعادة ودار الشكر، ويأمر «بصرف برميل إلاّ ربع بنزين للطائرة، ويأمر بإقلاعها »(38).

ب. الوزير (كبير الكتاب):

وهو كبير الكتاب، الذي كان يعاون الإمام وينفذ تعليماته وتوجهاته ويعين من قبله،.. ويقوم بعملية الرقابة والمتابعة لتنفيذ كل ما يصدر من الإمام ورفع التقارير إليه.

ويتبع الوزير مكتب كُتّاب الإمام، الذي يتكون من أربعة كتاب يعينون إدارياً من قبل الوزير، وكان كل كاتب يشرف على جهة من الجهات الأربع الموزعة للبلاد (الشمالية، الجنوبية، الشرقية، الغربية). وكان الوزير يتابع عمليات التنفيذ لتوجهات الإمام في كل مراحلها (39).

أما المستشرق الروسي ج. انكارين (استاخوف) الذي زار اليمن والتقى الإمام يحي عام 1928م فيقول إن «رأس الدولة هو الإمام ومعه بضعة نواب (عادة خمسة) .. وكل واحد من هؤلاء النواب يرأس قسماً خاصاً في جهاز الدولة، وتحت أمرة كل واحد منهم بضعة مكاتب تشبه الوزارات تقريباً»(40).

وبينما كانت ثورة 1948م تسعى إلى تغيير الأوضاع، وإجراء إصلاحات جذرية في بنية النظام وهيكلته، بعد مقتل الإمام يحيى، وإعلان "الميثاق الوطني المقدس "إلا أن مشروعها الإصلاحي فشل بعودة الإمام أحمد (الابن) الذي اتسم عهده بالدموية والقتل وقطع رؤوس أبرز ثوار ورجالات اليمن، ورغمأنالإمامأحمد حاول إلغاء منصب «كبير الكتاب» بإنشاء الديوان الملكي، الذي يضم برئاسته عشرة أعضاء تقريباً (41). وأصبح للإمام مجلس وزراء، يعين أعضاءه من أفراد الأسرة الحاكمة وبعض المقربين من الموظفين، إلا أن هذا المجلس لم يكن له أي دور فعلي في إدارة شئون البلاد.

وبهذا لم تعرف دولة الإمام تشكيل حكومات بالمعنى المتعارف عليه فلم توجد مؤسسات، أو وزارات ذات مفاهيم معينة أو شروط إدارية محددة، ومهام واختصاصات واضحة، بل تشكلت مكاتب وإدارات تقوم بمهام جزئية روتينية، وبأنظمة إدارية غاية في التخلف، وكانت اتصالاتها مرتبطة مباشرة بالإمام، فهو الذي يوجه، ويشرف عليها ويقر أعمالها، ومن هذه المكاتب:

(مكتب المحاسبة – الخزانة، مكتب الخارجية، مكتب الداخلية، مكتب الصحة، مكتب الإنشاءات، إدارة المعارف، وبيت البريد).

إدارة الجيش: وقد تحددت مهام الجيش بـ «ضرب الانتفاضات والقبائل، العمل على استتباب الأمن، جباية الضرائب، الدفاع عن الإمام وعائلته»(42).

بيت السلك (azbuka morze): كان قد أقيم خط تلغراف بواسطة الأتراك يربط بين المدن الرئيسية ومراكز الحدود، وظل الإمام يستخدمه للتواصل مع حكامه وعماله ومفارزه العسكرية، في حين ظل يرفض دائماً السماح بإقامة نظام هاتفي (تلفوني) في البلد، مع أنه كان يستخدمه في قصوره للتواصل مع القائمينعلى حراسة أبواب المدن في صنعاء وتعز (43).

Page 10

مكتب الإعلام: بعد عام 1925 ظل الإمام يماطل في تشغيل محطة إرسال إذاعي كان الأتراك قد أقاموها في الحديدة في عام 1912،كما أبدى الفرنسيون استعدادهم لإنشاء محطتين للبث الإذاعي في صنعاء وتعز. لكن الإمام استمر يسوف ويماطل حتى بعد الحرب العالمية الثانية، وأقيمت محطات صغيرةاقتصرتمهمتها على الاتصالات الرسمية، وليس البث الإذاعي المتعارف عليه (44).

وقد حاول الإمام أحمد، تشكيل حكومات بمسميات مختلفة، لكنها استمرت على نفس النمط الإداري العثماني المتخلف، الذي ورثه عن أبيه، وعين بعض الوزراء من إخوته وأقربائه والحاشية المقربة كوزير المعارف، والخارجية، والمواصلات.... إلخ.

ج. مجلس المستشارين:

لم توجد في ظل الإمام مؤسسات نيابية أو برلمانية أو دستور، وإنما وجد مجلس (مستشارين) يضم ما يسمون بـ (أهل الحل والعقد) من العلماء، وشيوخ القبائل، وأصحاب الرأي، والتأثير في أوساط الناس والقبيلة، وكان يدعى في الحالات النادرة، ويعتبر هذا المجلس «الإدارة التي تقوم بمناقشة الأزمات والظروف الاستثنائية المهددة لنظام الحكم.. ويتم تعيينهم مباشرة من قبل الإمام.. وقد استطاع الإمام عبر هذا المجلس حسم الكثير من الأزمات، التي واجهته أثناء فترة حكمه» (45).

ولم يكن من اختصاص هذا المجلس سن التشريعات أو القوانين أو اللوائح والتنظيمات المطلوبة لجهاز الدولة، كما لم يكن معنياً بالرقابة أو الإشراف على أداء المؤسسات التنفيذية، فكلها تعمل وفقاً لتوجيهات الإمام وإرادته.

2. الشكل الاجتماعي في ظل نظام الإمامة:

كانت الحياة الاجتماعية في ظل حكم بيت حميد الدين في غاية البؤس والقسوة إلى جانب العزلة الخانقة، التي عاشها المجتمع اليمني عن العالم الخارجي، وقد كان المميز الأبرز لحياة المجتمع هو الفقر والجهل والمرض، «فالمجاعة مألوفة في اليمن.. وانتشار الأمراض الوبائية في طول البلاد وعرضها مألوف بالإضافة إلى الأمراض المدارية المستوطنة.. والأحوال التعليمية في غاية البؤس.. فليس هناك أي نظام تعليمي على الإطلاق، ولا منهاج دراسي محدد. وقد تدهورت مراكز الثقافة الإسلامية، التي ازدهرت في الماضي البعيد حين أدت دوراً مناسباً لعصرها»(46). أما في ظل المملكة المتوكلية، فقد كان الإمام يحيى يخاف تطور الثقافة في المملكة، لأن ذلك سيعني بالضرورة المطالبة بتحسين ظروف الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بعيداً عن سلطته المطلقة (47).

وكان التمييز، الذي خلقه النظام الإمامي بين الحاكم والمحكوم من حيث أن الرئاسة أو الريادة حصرت في بني هاشم من البطنين، وحرم منها الآخرون – حتى مع توافر شروط الريادة أو الرئاسة فيهم – قد أوجد تقسيماً اجتماعياً تلقائياً في أوساط الناس ( سادة وشعباً)، ومن هنا ظهرت في المجتمع الإمامي تركيبة اجتماعية، تحددت في التالي:

أ. الطبقة الأرستقراطية:

وهي الطبقة المعنية بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالحكم والمشاركة فيه، وتدبير شئونه، وتضم هذه الطبقة أربع فئات:

السادة: الفئة الأرستقراطية الحاكمة: وهم من سلالة النبي محمد . وهم أصحاب السلطة الفعلية، وذوو الشأن الرفيع عند العامة والخاصة، وهم يسيطرون على المراكز الحساسة في الدولة.

القضاة: يشغلون المرتبة الثانية في سلم الطبقة الأرستقراطية، من حيث كونهم يشتغلون بالقضاء، والأعمال الإدارية والسياسية، التي توكل إليهم لعلمهم ودرايتهم بشئونها، وتفقههم في علوم الدين، أصولاً وفروعاً، وبغض النظر عن المذهب، الذي ينتمون إليه زيدياً كان أو شافعياً، وإن كان شرط الولاء للمذهب الزيدي قائماً.

المشائخ: يقول المستشرق الروسي ج. أنكارين (أستاخوف) إن المشائخ الإقطاعيين هم الذين يمثلون سلطة سياسية حقيقية (48).(سنتحدث عن هذا الموضوع باستفاضة عند الحديث عن العلاقة بين القبيلة والسلطة لاحقاً).

الأغنياء: وتضم هذه الفئة ملاك الأراضي من الفلاحين الكبار، والتجار (أصحاب الدكاكين، الحرف اليدوية، القوافل التجارية)، والأعيان (معاونو المشائخ في جباية الزكوات، والواجبات)، والموظفين المقربين المستفيدين من الطوافة (المعاينة للمحاصيل) والتخمين ... الخ.

ب. الطبقة العامة:

وتضم هذه الطبقة الفلاحين الملاك الصغار، و "الرعية" الأجراء، والمنتجين في أراضي فئات الطبقة الأرستقراطية.

وتوجد فئات صغيرة مهمشة في المجتمع مثل (المزاينة، الجزارين، الدواشين، الخدم) وقد بدأت هذه الفئات بالاندماج الكامل في المجتمع بعد قيام الثورة مباشرة في عام 1962م، حيث ألغت الثورة الفوارق الطبقية، وأعلنت المساواة بين المواطنين بغض النظر عن الأصل والنسب أو المعتقد الديني، ورغم أثار التمييز التي لا تزال مظاهرها باقية في المجتمع حتى اليوم، إلا أنه منذ تسنى لأبناء هذه الفئات الالتحاق بالمدارس المدنية والعسكرية، أمكن لهم تسنم مواقع قيادية هامة في مختلف أجهزة الدولة والمجتمع.