Page 1
ابن الجوزي وصفة الصفوة
ابن الجوزي: أبو الفرج عبد الرحمن، من كبار علماء هذه الأمة، ومن أكثرهم تأليفا للكتب، مع تنوع في مجالات التأليف. وهو واعظ من أشهر وعاظ أمتنا عبر تاريخها، وقد وصف شيئا من مجالس وعظة ابن جبير في رحلته، ومدحه وجعل لقاءه والاستماع إليه غاية يُسعى إليها، بل إنه رأى أن لو لم يكن من ثمرات رحلته من المغرب إلى المشرق إلا لقاء ابن الجوزي لكان ذلك كافياً.ومن مؤلفاته: زاد المسير في علم التفسير، والمنتظم - في التاريخ، والموضوعات في الحديث ،وتلبيس إبليس والمدهش في الوعظ وغيرها كثير. وقد توفي سنة 597 هجرية عن سبعة وثمانين عاماً.
ومن كتب ابن الجوزي كتاب صفة الصفوة. وهو كتاب في سير الصالحين والصالحات، وقد تناقل بعض الكتاب أنه اختصار لكتاب: حلية الأولياء لأبي نعيم، وهذا غير صحيح، بل هو كتاب ألفه ليكون بديلاً للحلية.
لم يُكشف لك كل الأمر، وأنا أكشفه لك...».
هذا الكلام إذا أخذ مقطوعا عما تلاه من قول ابن الجوزي أوهم أن طلب ذلك التلميذ قد لقي قبولا عند أستاذه، والحقيقة غير ذلك، لأن ابن الجوزي قد درس الحلية دراسة منهجية تدل على عقلية علمية دقيقة، وقدرة على النقد عالية، وذكر في مقدمة (الصفة) عشرة أمور كدرت الحلية كما قال.
ثم قال بعد ذلك إنه ألف كتابا جديداً ولم يختصر الحلية، وهذا بين في
قوله :«وقد حداني جدّك، أيها المريد، في طلب أخبار الصالحين وأحوالهم، أن أجمع لك كتاباً يغنيك عنه، ويحصّل لك المقصود منه، وزيد عليه بذكر جماعة لم يذكرهم، وأخبار لم ينقلها، وجماعة ولدوا بعد وفاته، وينقص عنه بترك جماعة قد ذكرهم لم ينقل عنهم كبير شيء، وحكايات قد ذكرها، فبعضها لا ينبغي التشاغل به، وبعضها لا يليق بالكتاب على ما سبق بيانه».
فكتاب صفة الصفوة، ليس اختصارا للحلية، بل هو كتاب جديد وضع بمنهجية جديدة، قد يتشابه بعض ما فيه بما ورد في الحلية، إلا أنه ليس اختصارا له. وها هو ابن الجوزي يبين الغاية من وضع كتابه الجديد
فيقول:
«لما كان المقصود بوضع مثل هذا الكتاب ذكر أخبار العاملين بالعلم، الزاهدين في الدنيا، الراغبين في الآخرة، المستعدين للنقلة بتحقيق اليقظة والتزود الصالح، ذكرت من هذه حاله دون من اشتهر بمجرد العلم، ولم يشتهر بالزهد والعبادة، ولما سميت كتابي هذا صفة الصفوة رأيت أن أفتتحه بذكر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإنه صفوة الخلق وقدوة العالم.. »
وقد بين بعد ذلك منهجيته في كتابه وطريقة ترتيبه.
Page 2
ابن الجوزي ومنهجية حلية الأولياء
وجه ابن الجوزي في مقدمة كتابه (صفة الصفوة) نقدا إلى منهجية حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني وقد جعل نقده في عشرة أمور قال إنها كدرت الكتاب:الأمر الأول: أنه أورد في كتابه ذكر جماعة لم ينقل عنهم ما يحقق الغاية من كتابه وهي ذكر أخبار الأخيار وشرح أحوالهم وأخلاقهم ليقتدى بها.
الأمر الثاني: أنه أورد في بعض تراجم كتابه ما لا يليق بالكتاب ولا يحقق غايته، كإيراده قطعة من التفسير في ترجمة كل من مجاهد وعكرمة، وقطعة من التوراة في ترجمة كعب الأحبار. وهذا الإيراد لا يحقق الغاية من الكتاب.
الأمر الثالث: تكرار بعض المعلومات في أكثر من ترجمة، كإيراد كلام الحسن البصري في ترجمته وتكراره في تراجم أصحابه الذين رووا كلامه، وتكرر هذا في أكثر من موضع عن أكثر من شخصية.
الأمر الرابع: إيراده عددا من الأحاديث التي رواها عدد من المترجم لهم، مما لا يحقق غاية الكتاب، وليس موضعه فيه.
الأمر الخامس: إيراده أحاديث كثيرة باطلة موضوعة من غير بيان حالها، مما يوهم من يقرأ الكتاب أنها مقبولة.
الأمر السادس: وهو نقد أسلوبي لاستعمال أبي نعيم «السجع البارد في التراجم» مما لا يحتوي على معنى صحيح. وفي هذا تقديم للفظ على المعنى مما لا يحقق غاية البيان.
الأمر السابع : نسبة عدد من الصحابة ومن بعدهم إلى التصوف، ولم يكن أولئك من المتصوفة بالمعنى الاصطلاحي، لأن التصوف مذهب معروف عند أصحابه لا يقتصر فيه على الزهد.
الأمر الثامن: إطالته في النقل عن بعض المترجم لهم، وبعض ما نقله لا قيمة له، وبعضه غير لائق بالكتاب لأنه لا يحقق غايته، ويعقب ابن الجوزي على ذلك بأنه «خلل في صناعة التأليف، وإنما ينبغي للمصنف أن ينتقي فيتوقى ولا يكون كحاطب ليل».
الأمر التاسع: أنه ذكر أشياء عن الصوفية لا يجوز فعلها، فربما سمعها المبتدئ القليل العلم فظنها حسنة فاحتذاها.
وأورد بعض الأمثلة التي لا يصح أن تنسب إلى المفهوم الشرعي للتوكل، أو بعض الفهوم غير السوية لبعض الآيات الكريمة مما وصفه بالأشياء السخيفة الممنوع منها شرعا.
وهذا النقد يمس المضمون والغاية مما يدل على وعي ابن الجوزي في صناعة التأليف.
والأمر العاشر: أمر منهجي له علاقة بطريقة ترتيب الكتاب، لأنه قدم من ينبغي أن يؤخر، وأخر من ينبغي أن يقدم.
ولم يتبع وجها بينا في الترتيب: فلا هو ذكر المترجم لهم على ترتيب الفضائل ولا على ترتيب المواليد (الترتيب الزمني) ولا جمع أهل كل بلد في مكان (الترتيب المكاني) وربما فعل هذا في وقت ثم عاد فخلط.
هذه الأمور العشرة ألوان من الخلل وردت في كتاب الحلية، وقد أضاف إليها ابن الجوزي خللا آخر تمثل في نقص ثلاثة أمور :
أولها: أنه لم يورد سيرة موجزة للنبي صلى الله عليه وسلم.
ثانيها : أنه أهمل ذكر عدد كبير ممن عرف عنهم العبادة، مع أنه أورد من هم أقل منهم رتبة في كتابه.
ثالثها: أنه قصر في ذكر عوابد النساء فلم يذكر منهن إلا قليلا.
ذلك نقد ابن الجوزي لكتاب حلية الأولياء الذي جعل كتابه (صفة الصفوة) بديلا يغني عنه.
Page 3
منهجية صفة الصفوة
من حسن ما يبدو في كتاب صفة الصفوة أن ابن الجوزي لما بين عيوب كتاب حلية الأولياء وما فيه من خلل منهجي بين في فصل خاص منهجه في تأليف كتابه. فلقد عاب على أبي نعيم أنه لم يتخذ لنفسه خطة في ترتيب من ذكرهم في كتاب، أما هو فخطته كانت واضحة لديه:فقد أفرد بابا تمهيديا مختصرا في فضل الأولياء والصالحين،
ثم قدم موجزا مكثفا لسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولعدد من أصحابه الذين اشتهروا بالعلم المقترن بالزهد والتعبد، وراعى في ترتيبهم منزلتهم في الفضل فقد قدم العشرة المبشرين بالجنة .
ثم ذكر عددا من الصحابيات ثم تلا ذلك ذكر التابعين ومن بعدهم.
ويلاحظ أن ابن الجوزي استخدم معيارين أساسيين:
المعيار الزماني : (الطبقات)
والمعيار المكاني، ويلفت النظر دقته في هذا المعيار. وقد أراد أن يجعل له نقطة ارتكاز وكانت لديه بغداد عاصمة الخلافة، لكنه لم ير تقديمها على المدينة المنورة ومكة المكرمة، بل ذكر بعدهما الطائف واليمن، ثم عاد إلى بغداد وانطلق منها وذكر أسماء المدن واحدة إثر أخرى وكأن الخريطة أمامه يمضي من جهة إلى أخرى على بينة من أمره.
وكانت خطته في ذكر الصالحين على النحو الآتي :
«وقد حصرت أهل كل بلدة فيها، وترتيبهم على طبقاتهم، ابدأ بمن يعرف اسمه من الرجال ثم أذكر بعد ذلك من لم يعرف اسمه، فإذا انتهى ذكرت عابدات ذلك البلد على ذلك القانون، وربما كان في أهل البلد من عقلاء المجانين من يصلح ذكره من الرجال والنساء فأذكره».
وقد علل هذا الترتيب الجغرافي بأنه وسيلة تسهل على قارئ الكتاب الوصول إلى مراده فيه.
وقد دفعه حرصه على الخير ورغبته في تقديم صالح المواقف والأقوال إلى الناس إلى الاستقصاء الذي جعله يتتبع ما روي عن عباد السواحل والبوادي والفلوات، ومن لقيه ممن روى عنه في طريق مكة أو بعرفة أو في الطواف أو في الغزو أو في طريق سفر أو سياحة وهذا لمن لم يعرف بلده ولم ينسب إلى جهة محدودة.
وبلغ به الأمر أن أورد ما نقل عن فتيات صغيرات نقل عنهن كلام يشبه كلام العابدات الكبيرات، بل امتد حرصه لينقل طرفا من أخبار عباد الجن .
وإذا كان قد وضع خطة في ترتيب الأسماء فإنه وضع خطة للمادة التي يوردها قال:
«وإنما أنقل عن القوم محاسن ما نقل مما يليق بالكتاب ولا أنقل كل ما نقل، إذ لكل شيء صناعة، وصناعة العقل حسن الاختيار، كما أني لا أذكر ما لا يصلح أن يقتدى به ممن هو في صورة العلماء والزهاد، وقد تجوزت بذكر جماعة من المتصوفة وردت عنهم كلمات منكرة، وكلمات حسان فانتخبت من محاسن أقوالهم لأن الحكمة ضالة المؤمن».
ومما ينفي وهم كون صفة الصفوة اختصارا لحلية الأولياء ما قاله ابن الجوزي :
«ومع تنقينا وتوقينا وحذف من لا يصح وما لا يصلح فقد زاد عدد من في كتابنا على ألف شخص، يزيد الرجال على ثمانمئة زيادة بينة وتزيد النساء على مئتين زيادة كثيرة. ولم يبلغ عدد رجال (الحلية) الذين ذكرت أحوالهم في تراجمهم ستمئة، بل قد ذكر جماعة لم يذكر لهم شيئا ولا أظنه ذكر في جميع الكتاب عشرين امرأة».
فهل يمكن بعد هذا أن يقال إن صفة الصفوة اختصار لحلية الأولياء؟!!.
Page 4
السيرة النبوية في صفة الصفوة
ابن الجوزي عالم خبير كانت له مع القلم صحبة، وله بالتأليف دراية وخبرة، وقد تجلت هذه الصفات في كتاب صفة الصفوة. وأول ما يطعالنا فيه سيرة النبي (صلى الله عليه وسلم)، هذه السيرة التي لم يترك جانبا من جوانبها إلا ذكره، فمن أراد سيرة موجزة وافية فعليه بقراءة ما كتبه ابن الجوزي.فقد ذكر نسبه (صلى الله عليه وسلم) ووالده ووالدته وحمله وولادته ووفاة أبيه ثم أمه، وكفالة جده له ثم كفالة أبي طالب له، وما كان من أمره مع بحيرا الراهب، ورعيه الغنم، وخروجه إلى الشام في تجارة خديجة رضي الله عنها، وزواجه منها، ثم علامات النبوة قبل أن يوحى إليه، ثم نزول الوحي وأحوال الوحي ورمي الشياطين بالشهب، واعتراف أهل الكتاب بنبوته وبدء الدعوة ثم معراجه ثم عرضه نفسه على الناس لينصروه، ثم ما كان من بيعة الأنصار ثم الهجرة إلى المدينة المنورة، وما كان في الطريق من أحوال، وحديث أم معبد، وما جرى له عند قدومه المدينة، وذكر ابن الجوزي من لهم صلة بالنبي (صلى الله عليه وسلم)من أعمام وعمات وأزواج وسراري وأولاد وموالٍ ذكورا وإناثا، وذكر مراكبه ثم صفته الخَلقية والخُلقية من تواضع وحياء وشفقة ومداراة وحلم وصفح، ومزاح ومداعبة وكرم وجود. وبين فضله على الأنبياء ومثله ومثل الأنبياء وحماية الملائكة له وتعظيم الصحابة له وحبهم إياه. وبين عبادته واجتهاده وتحدث عن فصاحته وأورد أمثلة من كلامه التي صارت أمثالاً تجري على الألسنة. وعقب على هذه الأمثلة بقوله «قلت: ولو ذهبنا نذكر من كلام رسول الله (صلى الله عليه وسلم)العجيب الوجيز البليغ لطال، إذ كل كلامه يتضمن حكما. وكذلك لو ذهبنا نستقصي آدابه وأخلاقه وأحواله لجاءت مجلدات، وإنما اقتطفنا من كل فن قطفا وأشرنا إلى جملة برمز لأن مثل كتابنا هذا لا يتسع للبسط».
وقد ذكر بعد ذلك وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم)وما كان من أحوال المسلمين بعدها، وندب فاطمة عليها السلام له ومبلغ سنه وغسله عليه الصلاة والسلام وموضع قبره، ثم ختم بذكر الصلاة والسلام عليه وبلوغ سلام أمته له عليه الصلاة والسلام.
لقد أحسن ابن الجوزي تلخيص السيرة النبوية تلخيصا يقدم معالمها جميعا للقارئ من غير أن يفوته معلم منها، ويستطيع من خلال قراءة هذا التلخيص أن يلم بما ينبغي أن يعرفه من السيرة النبوية الشريفة. وهو لم يستطرد بذكر التفاصيل بل قدم المعلومة وقدم القدوة والأسوة التي هي الهدف الأول من كتابه.ويلفت النظر أن أكثر ما أورده من الأخبار النبوية ورد في الصحيحين يتجلي ذلك في بيان ابن الجوزي مصادره، مما يجعلك تطمئن إلى ما يورده من أخبار السيرة النبوية الشريفة.
وكان لابن الجوزي تدخلات مباشرة في مواضع رأى أنها تحتاج إلى بيان، ومنها تعقيبه على معلومة وردت في حديث لحليمة السعدية :
«قال الشيخ وظاهر هذا الحديث يدل أن آمنة حملت غير رسول الله (صلى الله عليه وسلم)وقد قال الواقدي: لا يعرف عند أهل العلم أن آمنة وعبد الله ولدا غير رسول الله (صلى الله عليه وسلم)».
وقال في ذكر علامات النبوة قبل أن يوحى إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام : «قال الشيخ: قد ذكرنا أن أمه آمنة رأت عند ولادته نورا أضاء له المشرق والمغرب، وقد روي عنه(صلى الله عليه وسلم)أنه قال: رأت أمي نورا أضاءت له قصور الشام، وقد ذكرنا شق بطنه في صغره، وحديث ميسرة والراهب، وحديث بحيرا والغمامة التي كانت تظله، والأحاديث في هذا كثيرة إلا أنا نروم الاختصار فلهذا نحذف».
Page 5
الصحابة في صفة الصفوة
علينا ونحن نقرأ كتاب «صفة الصفوة» أن نتذكر الغاية التربوية التي ألفه ابن الجوزي لتحقيقها. فهو كتاب يراد منه تقديم صور ومواقف وأقوال من حياة الصالحين والصالحات في تاريخ هذه الأمة. وهو ما بينه في حديثه إلى تلميذه في المقدمة :«أعجبك ذكر الصالحين والأخيار، ورأيته دواء لأدواء النفس».
وكما بين هو مقصود كتابه أنه :
«ذكر أخبار العاملين بالعلم، الزاهدين في الدنيا، الراغبين في الآخرة، المستعدين للنقلة بتحقيق اليقظة والتزود الصالح، ذكرت من هذه حاله دون من اشتهر بمجرد العلم، ولم يشتهر بالزهد والتعبد».
نجد أثر هذا كله في حديث الكتاب عن الصحابة رضي الله عنهم، فلم نجده يورد منهم إلا عدداً محدوداً (133) صحابياً، و(34) صحابية.
وقد تفاوتت تراجم الصحابة بين فقرة صغيرة تضم معلومة واحدة عن الصحابي وصفحات تزيد على العشر.
وابتدأ بذكر الخلفاء الراشدين الأربعة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، ثم ثنّى بذكر بقية العشرة المبشرين بالجنة. ثم ذكر بقية الصحابة في طبقات، فذكر البدريين ثم ذكر من المهاجرين و الأنصار من لم يشهد بدرا وله إسلام قديم، ثم ذكر من المهاجرين والأنصار من شهد الخندق وما بعدها. ثم ذكر ممن أسلم عند الفتح وما بعد ذلك.
وقد فصل في سير الخلفاء الراشدين وذكر فضائلهم وبعض ما روي عنهم من أقوال، وفعل مثل ذلك في بعض بقية العشرة المبشرين بالجنة، وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وسلمان الفارسي رضي الله عنهم.
ولنتأكد من تحقق الغاية التي سعى إليها ابن الجوزي ننظر في عدد من سير الصحابة لنرى ما الذي رواه عنهم، وما الذي قدمه للقدوة بهم.
لقد صور جهاد الصحابة رضي الله عنهم وثباتهم على الحق، ومن ذلك ما أورده في الترجمة الموجزة لسالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنهما. وقد ذكر فضله بأنه يحب الله عز وجل من قلبه، وذكر استشهاده :
«استشهد سالم مولى أبي حذيفة باليمان اخذ اللواء بيمينه فقطعت، ثم تناولها بشماله فقطعت، ثم اعتنق اللواء، وجعل يقرأ (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم.. ) إلى أن قُتل.
وهذه الصورة للاستشهاد تذكرنا باستشهاد جعفر بن أبي طالب .
ومن صور استشهاد الصحابة وحبهم للجهاد استشهاد عمير بن أبي وقاص، أخي سعد، الذي روى ابن الجوزي عنه ما كان من شأنه يوم بدر حيث كان يتوارى عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقال له سعد: ما لك يا أخي؟ قال إني أخاف أن يراني رسول الله(صلى الله عليه وسلم)فيستصغرني فيردني، وأنا أحب الخروج لعل الله يرزقني الشهادة، قال: فعرض على رسول الله(صلى الله عليه وسلم)فاستصغره، فقال: ارجع. فبكى عمير، فأجازه رسول الله(صلى الله عليه وسلم).
Page 6
صور من زهد الصحابة
لقد شاعت في عصور ما بعد الصحابة صور من الزهد السلبي، ذلك الزهد الذي يقوم على التخفف من متاع الدنيا، والإعراض عنها، والانكفاء على العبادة: صوما وصلاة وذكرا وانقطاعا عن الناس.هذا المنهج لو اتخذه الصحابة لما انتشر الدين في الأرض، ولا كانت الفتوحات الإسلامية، ولا دخل الناس في دين اللّه أفواجا.
كان زهد الصحابة رضي اللّه عنهم زهدا إيجابيا، تجلى بالإيمان باللّه تعالى، وهجر ما كان عليه قومهم من الشرك، وسيئ الأخلاق. ودفعهم هذا الزهد إلى احتمال الأذى في سبيل اللّه، وهجر الديار، فهاجر منهم إلى الحبشة مجموعة، ومنهم من هاجر إليها مرتين، ونال الشهادة منهم جماعة من تعذيب الكفار لهم، ونذكر ياسرا وزوجته سمية، رضي الله عنهما، ثم كانت الهجرة إلى المدينة المنورة، التي تجلى فيها زهد المهاجرين في الوطن الذي نشأوا فيه، والعلاقات التي كانت موصولة فقطعوها، ومنهم من ترك ماله وفدى نفسه به ليتركه المشركون يهاجر، وقال رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم)في ذلك لصهيب بن سنان الرومي رضي الله عنه : «ربح البيع أبا يحيى».
وكان من زهد الأنصار أن فسحوا لإخوانهم في ديارهم، كما فسحوا لهم في قلوبهم، فآخوهم، وشاركوهم الديار والطعام والشراب، وصاروا إخوة في اللّه، لا غرباء ولا ضيوفا.
وكان من زهد الصحابة هذا الإنفاق في سبيل اللّه، جودا بالمال، رغبة في الأجر العظيم عند اللّه، فقد كان منهم التجار والزراع والصناع، وكانوا يكسبون المال، لكن ذلك المال كان في أيديهم جاهزا للإنفاق، ولم يستعبدهم، ولم يقعوا في حبه حبا يورثهم الشح القاتل.
وكان الواحد منهم يسمع قوله تعالى:
(لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقٌوا مِمَّا تُحِبٌّونَ)
فيجد احدهم أن ما يحبه بستان، فيجعله في سبيل اللّه.
ويجد الواحد منهم أن ما يحبه بئر عذب الماء، فيجعله وقفا للمسلمين يشربون منه.
ويجد احدهم أحب شيء إليه جارية من جواريه، أو عبدا من عبيده، فيعتقه في سبيل اللّه.
وكان من زهد الصحابة هذا الجود بالنفس وهو أعلى درجات الجود، فكانوا يخوضون المعارك، يقاتلون المشركين، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم، وكان الواحد منهم حريصا على نيل الشهادة، فالموت في سبيل الله أحب إليه من الدنيا وما فيها.
ونستذكر أبا أيوب الأنصاري، رضي الله عنه،ذلك الشيخ الذي جاوز الثمانين يخرج مجاهدا في سبيل اللّه، ويموت على أسوار القسطنطينية.
تلك ألوان من الزهد نجد لها العشرات والمئات من الأمثلة في حياة الصحابة رضي الله عنهم ، وقد كان زهدا إيجابيا، قاموا فيه بدورهم في الحياة، وحملوا الأمانة التي ألقاها الرسول (صلى الله عليه وسلم)على كواهلهم حين قال:
«ألا هل بلغت اللهم فاشهد»
وجعل من مسؤولية الحاضر أن يبلغ الغائب.
Page 7
زهد الصحابة والضبط النبوي
كان من مقاصد ابن الجوزي في كتاب صفة الصفوة جمع كتاب في أخبار الصالحين يكون دواء للنفوس، بتحقيق اليقظة والتزود بالعمل الصالح. وأولى من يقدم بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، هم تلامذته الذين كانوا جيلا قرآنيا فريدا، رباه النبي (صلى الله عليه وسلم)على عينه، فهم النماذج المنصوبة أمام المسلمين في سائر العصور.وقد رأينا بعد عصرهم شيوع مفاهيم ومناهج للزهد خرجت به عن المفهوم النبوي، والتطبيق الصحابي، ولم يعد مسلكا فرديا، بل صار طريقة تؤخذ عن الشيوخ، وتشيع في المجتمعات الإسلامية،.
وقد ظهرت بعض النوازع نحو ذلك الزهد السلبي في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم)فضبطها، ووجهها، وردها إلى الجادة، ومن ذلك ما كان من حال عثمان بن مظعون ،رضي الله عنه، الذي كان يقوم الليل، ويصوم النهار، وأعرض عن زوجته حتى ظهر ذلك على حاله، ولفت نظر السيدة عائشة رضي الله عنها فذكرت الأمر لرسول الله(صلى الله عليه وسلم)فقال له:
«يا عثمان، إن الرهبانية لم تكتب علينا أفمالك فيّ من أسوة، فو الله إن أخشاكم لله وأحفظكم لحدوده لأنا».
ولنقف عند هذا القول القاعدة في السلوك:
«إن الرهبانية لم تكتب علينا»
وكأنه يقول لعثمان بن مظعون: إن استغراقك في العبادة استغراقا ينسيك الحقوق الأخرى الواجبة عليك في الدنيا هو باب من «الرهبنة»، والرهبنة ليست من الإسلام.
وهذا الأمر يتجلى كذلك في موقف النبي(صلى الله عليه وسلم) من الثلاثة الذين جاؤوا إلى بيته في غيابه، فسألوا عن عبادته، فكأنهم رأوها أقل مما يحبون أو يتوقعون، وعللوا ذلك بأنه رسول الله، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه، فتعاهدوا على أمور:
فقال أحدهم: أنا أصوم الدهر ولا أفطر.
وقال الثاني : وأنا أقوم الليل ولا أنام.
وقال الثالث: وأنا اعتزل النساء فلا أتزوج.
وهي كما نرى عبادات، أو مساعدات على العبادة، ولكنها باب من أبواب الرهبانية، وكان موقف النبي (صلى الله عليه وسلم)منها حازما حين دعاهم، وسألهم عما قالوا، وبين لهم أن ما أرادوه مخالف لسنته ومنهجه، فهو يصوم ويفطر، ويقوم ويرقد، ويتزوج النساء،
وقال: «فإن ذلك من سنتي، فمن ترك سنتي فليس مني».
المنهج النبوي في الزهد هو المنهج المطلوب، وهو منهج متوازن، يعطي كل ذي حق حقه، فللبدن حق، وللأهل حق، وللضيف حق :
«فأعط كل ذي حق حقه».
وقد يجد من يريد الخروج عن هذا المنهج المتوازن نزوعا «فرديا» لدى بعض الصحابة هنا أو هناك، ولكن ذلك النزوع لم يتحول إلى منهج له طريقة وشيخ واتباع بل ظل أمراً «فرديا» له علاقة بالتوجه والطبيعة الفردية والشعور الفردي للعلاقة بالله سبحانه، ذلك الشعور الذي يغلب عليه الترهيب بدلا من الترغيب فيتولد في النفس قلق يزعج النفس، ويكفها عن بعض طيبات الدنيا.
Page 8
نماذج من زهد الصديق
ذكر ابن الجوزي في صفة الصفوة نماذج من زهد الصحابة، ولنبدأ بأبي بكر، رضي اللّه عنه، خليفة رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم)، وثاني اثنين إذ هما في الغار.وها هو يذكر لنا زهده في الحياة ورغبته في فداء النبي (صلى الله عليه وسلم)بنفسه، ومن ذلك ما رواه عن أنس رضي الله عنه: قال: لما كان ليلة الغار، قال أبو بكر: يا رسول اللّه، دعني أدخل قبلك، فإن كان حية أو شيء كانت لي قبلك. قال: ادخل، فدخل أبو بكر، فجعل يلتمس بيديه، كلما رأى جحرا قال بثوبه فشقة، ثم ألقمه الجحر، حتى فعل ذلك بثوبه أجمع. قال: فبقي جحر فوضع عقبه عليه. ثم أدخل رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم)، فلما أصبح قال له النبي(صلى الله عليه وسلم)، فأين ثوبك يا أبا بكر؟ فأخبره بالذي صنع، فرفع رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم)يديه وقال: اللهم اجعل أبا بكر معي في درجتي يوم القيامة، «فأوحى اللّه عز وجل إليه إن اللّه تعالى قد استجاب لك».
فإن صح هذا الخبر، فهو نموذج من نماذج الفداء بالنفس لرسول اللّه (صلى الله عليه وسلم)، وهو أمر غير مستغرب من أبي بكر، رضي اللّه عنه، ولا من الصحابة رضي اللّه عنهم.
ومن زهد أبي بكر رضي اللّه عنه، الجود بالمال جودا سبق به غيره من الصحابة. وها هو عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، يروي شيئا من ذلك. قال: أمرنا رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم)أن نتصدق، ووافق ذلك مالا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما. قال: فجئت بنصف مالي. قال: فقال لي رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم): ما أبقيت لأهلك ؟ قلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وسلم): ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم اللّه ورسوله. فقلت: لا أسابقك إلى شيء أبدا.
وهذا لون من ألوان الزهد الإيجابي والتنافس فيه، وهو الإنفاق في سبيل اللّه، ولا يعني أن أبا بكر رضي اللّه عنه قد ترك أهله بلا شيء، فهو تاجر، والتاجر يأتيه رزقه كلما تحرك في السوق.
ومن ألوان الزهد المرتبط بالمال إنفاقه في إعتاق الرقاب في سبيل اللّه، وكان لأبي بكر رضي الله عنه في ذلك باع طويل، وممن أعتقهم في سبيل اللّه، بلال بن رباح ،رضي الله عنه، اشتراه من سيده، وهو مدفون في الحجارة تحت ألوان العذاب في حر الشمس، ودفع فيه خمس أواق ذهبا. فقال له المشرك سيد بلال: لو دفعت فيه أوقية لبعناك إياه، فقال: لو أبيتم إلا مئة أوقية لأخذته.
وهنا نرى كيف تم تسخير المال المكتسب من التجارة، في سبيل اللّه، إنفاقا في الجهاد، ولكفاية المحتاجين، ولعتق الرقاب. ولو لم يكن لدى أبي بكر وغيره من المسلمين مال، ولو تركوا الدنيا وقعدوا فمن أين تسير مصالح المسلمين وكيف يقوم بعضهم ببعض؟.
وقد شهد رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم)لأبي بكر فقال:
«ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر»
فبكى أبو بكر رضي الله عنه وقال: وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول اللّه..
ولا ينبغي لمتمسك بالجزئيات أن يقف على أقوال تنسب إلى الصديق وروى بعضها ابن الجوزي، يعمد بعض أهل الزهد السلبي إليها ويتخذونها وسيلة إلى ترك الدنيا، وينسون مسيرة أبي بكر كلها من إسلامه حتى وفاته، ومن ذلك قوله:
«لوددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن»
وقوله: «يا ليتني شجرة تعضد ثم تؤكل».
فإن صحت هذه الأقوال فإنها ليست مستمسكا لمن يريد الزهد السلبي.
Page 9
نماذج من زهد الفاروق
الفاروق عمر بن الخطاب،رضي الله عنه، هو ثاني من ولي أمر المسلمين بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم)، لما أسلم عز الإسلام، وهاجر جهرا، وشهد بدرا وأحدا، والمشاهد كلها.وهو أول خليفة دعي بأمير المؤمنين، وأول من كتب التاريخ للمسلمين، وأول من جمع الناس على صلاة التراويح، وأول من عسَّ في عمله «أي تفقد الرعية في الليل»، وحمل الدرة وأدب بها، وفتح الفتوح، ووضع الخراج، وحصر الأمصار، واستقضى القضاة، وفرض الأعطية.ذلك بعض ما ذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة من مناقب عمر رضي اللّه عنه.
وكان عمر من الزاهدين، على ما كان في عصره من فتوح، وما يسر اللّه تعالى على يده للإسلام والمسلمين من خير.
كان عمر من الزاهدين، لكنه كان الزهد الإيجابي فهو لم يطغ بما تحقق في عهده من هزائم للروم، وزوال لدولة الفرس، وامتداد لدولة الإسلام.
وكان من زهده أن يتعاهد امرأة عجوزا عمياء مقعدة يأتيها في الليل فيصلح أمرها، ويرعى شؤونها.
وفي عام الرمادة كان إذا أمسى أتى بخبز قد فُت في الزيت فيأكله.
وفي يوم من الأيام نحر جزور، فأطعم منه الناس، وجاءه من تولى الذبح والطبخ بقدر فيه من السنام والكبد، رغبة في أن يأكل منه أمير المؤمنين، ويصلح بعض شأنه، فماذا كان موقفه؟
قال: بئس الوالي أنا أن أكلت أطيبها، وأطعمت الناس كراديسها، ارفع هذه الجفنة، هات لنا غير هذا الطعام،
فأتي بخبز وزيت، فجعل يكسر الخبز بيده ويضعه في الزيت، وأمر خادمه «يرفأ» أن يذهب بالجفنة إلى قوم في أقصى المدينة لم يتفقدهم منذ ثلاثة أيام.
أليس هذا من الزهد في المنصب واستغلاله للصالح الفردي؟
أليس هذا زهدا في طعام يذهب سريعا لكن يبقى أثر الاستئثار فيه في النفس وفي التاريخ؟
كان عمر رضي اللّه عنه خليفة، وتحت يده بيت المال، وآلت إليه كنوز كسرى، وخيرات بلاد قيصر، فكيف كان حاله مع ذلك كله؟
هل تحول إلى قيصر أو إلى كسرى؟
خطب الناس وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة.وقد أشفقت عليه ابنته أم المؤمنين حفصة، فقالت: يا أمير المؤمنين، لو اكتسيت ثوبا هو ألين من ثوبك، وأكلت طعاما هو أطيب من طعامك، فقد وسع اللّه من الرزق، وأكثر من الخير.
فقال: إني سأخاصمك إلى نفسك، أما تذكرين ما كان رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم)يلقى من شدة العيش، وكذلك أبو بكر؟ فما زال يذكره حتى أبكاها،
فقال لها: أما واللّه لأشركنهما في مثل عيشهما الشديد لعلي أدرك عيشهما الرخي.
إنه زهد القادر الذي كان ينظر إلى الدار الآخرة والأجر فيها، فأين هذا مما شاع من بعد من مفهوم سلبي للزهد، هجر أصحابه الدنيا، وعطلوا عمارة الأرض، وهي غاية تتحقق من خلالها تجليات الأسماء الحسنى على يد هذا الإنسان المستخلف في الأرض. وذلك ما لنا عنه حديث من بعد، ونحن نستعرض صور الزهد التي أوردها ابن الجوزي في كتاب صفة الصفوة لأجيال جاءت بعد عهد الصحابة.
Page 10
نماذج من زهد عثمان بن عفان
عثمان بن عفان،رضي الله عنه، الخليفة الشهيد، الذي كان ضحية فتنة أصابت المسلمين، فطاشت لها العقول، بعد أن سرت في الأمصار، ودار بها أعداء للإسلام يوقدون نارها، لعلهم يقوضون هذا البنيان الصاعد، الممتد في الآفاق، تخفق عليه راية التوحيد.عثمان بن عفان، الخليفة الثالث من الخلفاء الراشدين. حدثنا عنه ابن الجوزي في صفة الصفوة، وأورد لمحات من حياته، ونحن نتلمس ملامح الزهد فيها.
كان عثمان رجلا تاجرا، أنعم اللّه تعالى عليه بالمال الوفير. فكيف كان حاله مع المال؟.
لقد وقف ماله للّه تعالى، فما دعي إلى باب من الإنفاق فأحجم عنه، وها هو وقد حاصره أهل الفتنة في نهاية حكمه يشرف من قصره فينادي في المسلمين يذكرهم ببعض ما قدم من خير، ومن ذلك قوله:
«انشد باللّه من سمع رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم)، قال: من يوسع لنا بهذا البيت في المسجد ببيت له في الجنة فوسعت به المسجد».
وهذا باب من أبواب الخير سخر فيه عثمان ماله، وهو توسعة المسجد النبوي.
وقال مناشدا من سمعه :
«وأنشد باللّه من شهد رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم)يوم جيش العسرة قال: من ينفق اليوم نفقة متقبلة؟ فجهزت نصف الجيش من مالي» .
وهذا باب ثان من أبواب الخير أنفق فيه عثمان ماله، وفي هذا الإنفاق تفصيل ذكره ابن الجوزي: عن عبد الرحمن السلمي قال: خطب النبي فحث على جيش العسرة،
فقال عثمان: علي مئة بعير بأحلاسها وأقتابها.
ثم حث فقال عثمان: علي مئة أخرى بأحلاسها وأقتابها،
قال: ثم نزل مرقاة من المنبر ثم حث
فقال عثمان: علي مئة أخرى بأحلاسها وأقتابها،
فرأيت النبي (صلى الله عليه وسلم)يقول بيده يحركها: ما على عثمان ما عمل بعد هذا؟
إننا امام نموذج من المسلمين يقدم ماله في سبيل الله، ولا تشح نفسه به، ولا يستكثر شيئا يدفعه، ونجده يضع المال في كل وجه ينفع المسلمين، ومن ذلك أنه اشترى بئر رومة، وكانت بئرا طيبة الماء، يباع ماؤها للناس، فاشترى عثمان البئر وجعلها في سبيل اللّه.
ومن زهد عثمان رضي اللّه عنه، هذا التواضع في حياته، فقد كان من أعظم حكام زمانه، امتدت الدولة في زمانه شرقا وغربا وشمالا، ومع ذلك كان يقيل في الظهيرة أحيانا في المسجد، ويقوم وأثر الحصى في جنبه، ويجيء الرجل فيجلس إليه، يجلس مع الناس كأنه أحدهم، لا يستعلي عليهم بخلافة ولا بمال.
ويروي ابن الجوزي عن شرحبيل بن مسلم أن عثمان رضي الله عنه كان يطعم الناس طعام الإمارة، ويدخل بيته فيأكل الخل والزيت.
إنها طيبة النفس، وتواضعها، والزهد في متاع الحياة الدنيا مع كثرته في يده.
ومن زهد عثمان رضي الله عنه في الدنيا كثرة صيامه، حتى إنه يوم قتله المبطلون كان صائما، ولقي اللّه شهيدا صائما.
إنه نموذج آخر للزهد الإيجابي، بالقيام بالدور المطلوب في الدنيا:
تاجرا كثير المال،
منفقا في سبيل اللّه،
خليفة للمسلمين،
يسعى جهده في رعاية أمورهم، ثم يقيم علاقته مع ربه علاقة يرجو بها ما عنده ويدرك حقيقة الدنيا ومتاعها الزائل.