فكرة الرواية مأخوذة عن قصة حقيقية، بينما الشخوص والأحداث في الرواية هي من صنع الخيال.
المؤلف
الإهداء
إلى ذاك الشعور المفتقد..
إهداء ثان:
إلى ذكرى الشيخ يوسف بن عيسى القناعي..
استرسل
كانت قدماي الصغيرتان تنوءان بحملي في الحارات والأزقة المتربة، وكانت عضلات كتفي اليمنى مشدودة بسبب ثقل البقجة الكبيرة، التي أحملها طوال النهار، أخرج بها في الصباح الباكر، وأعود ظهراً للغداء، ثم أخرج بعد الظهر وأعود قبل أن تغرب الشمس، ما عدا يوم السبت الذي لا أضطر للاستيقاظ فيه مبكراً.
ورغم تحذيرات والدي، بألا أبتعد كثيراً عن الأحياء التي ضمن الخطة المرسومة لي، إلا أنني كنت أغامر كثيراً بالذهاب إلى شاطئ البحر، وأغسل قدمي اللتين تغير لونهما بسبب غبار ووحول الطرقات الضيقة.
وأحياناً تدمى قدمي، ليس بسبب رشق الصبيان لي بالحجارة والحصى فقط، ولكن بسبب اصطدامها أو دوسها على قطع زجاج أو حديد، وخاصة إذا مررت بسوق "الصفافير" أو الحدادين، أو قرب "القلاليف" أو صانعي السفن الخشبية قرب الشاطئ، الذين كنت أعشق ضربهم المتناغم بالمطارق، الذي يشكل مقطوعة إيقاعية راقصة، وأحب كل الأصوات التي تصدر من عملهم الدؤوب، أصوات المناشير والأزاميل والمساحيج، متناغمة مع أهازيجهم التي تعبق برائحة الملح، والروائح الغريبة للسوائل التي كانوا ينقعون فيها حبال الكتان، ليحكموا إغلاق فتحات المسامير الكبيرة بها، بعد أن يلفوها حول المسامير، وكثيراً ما شهدت بناء سفينة منذ أول خشبة، وحتى تدفع في الماء، وأشعر وكأنني دشنت هذه السفينة، وكأنني كنت جزءاً من هذا البناء الضخم.
وأظل فترات طويلة أرقب المراكب المهيبة، الطافية بجلال على الماء، والمشدودة بحبل سميك ينتهي بمرساة حديدية ثقيلة، والتي يصدر خشبها بين الوقت والآخر طقطقات عندما يحركها الموج، وأتخيل رحلاتها الأسطورية إلى بلدان العالم التي أسمع عنها، فأنا لم أكن أعرف غير الكويت التي ولدت فيها. بيد أن عمي كان يسافر كثيراً إلى البصرة ليأتي ببضاعته، وكنت أسترسل بفكري متخيلاً البلدان والمدن الأخرى، وكنت أتمنى أن أكون بحاراً، أعمل على "بوم" (1) سفار، وأجوب بلاد الدنيا، وأرى عجائبها التي كان موسى يحكي لي عنها، نقلاً عن والده إمام المسجد.
كنا نجلس ساعاتٍ أمام شاطئ البحر، نتحدث بينما كانت النساء المتشحات بالسواد، يأتين حاملات بقج الملابس على رؤوسهن، ليغسلنها بماء البحر ويدعكنها بالصخور، وهن لا يتوقفن عن الثرثرة، بينما كان أولادهن النحفاء ببشراتهم الداكنة، يسبحون في المياه الضحلة قرب الشاطئ، كان صياحهم عالياً وهم يرشون الماء بعضهم على بعض بشقاوة واضحة.
وأحياناً أثناء تجوالي في الحواري، كنت أربط جديلتي اللتين تصلان إلى شحمتي أذني، فوق رأسي وألبس طاقية لإخفائهما، ومع ذلك كان الصبيان يتعرفون على هويتي، بل كان البعض ينتظر خروجي من باب البيت ليرشقني بالحصى، والبعض كان يرشق باب البيت ذا المسامير الكبيرة، والذي ظل يحمل آثار اعتداء المارة حتى مغادرتنا له عام 1948م.
لكن ما كان لا يعرفه والدي، هو أنني كنت أبدأ جولتي اليومية بمخالفة خريطة الطريق المرسومة لي، فأمر بشكل يومي على بيت ساره، الذي كان يبعد حارتين عن بيتنا، وكانت تقف كل يوم وفي الموعد نفسه أمام باب بيتهم، وأظل معلقاً عيني على وجهها الجميل وشعرها المموج وحاجبيها الأسودين، كانت تبتسم لي ابتسامة تزودني بطاقة العمل والأمل، وتخفف عني ما سألاقيه من صبية الأحياء.
عرفتها وأحببتها أول مرة، عندما كان عمري عشر سنوات، وكانت تصغرني بسنة واحدة، وقد يبدو الأمر وكأنه عبث طفولة، لكنني أحببتها بصدق وما زلت أحبها بالقوة نفسها.
ماذا تسمي خفقات القلب عند تذكرها أو رؤيتها؟ لم كانت تحتل الحيز الأكبر من تفكيري؟ لم كنت أسهر في فراشي أفكر بوجهها وصوتها؟ لم بكيت وما زلت أبكي لفقدها؟ هي حب حياتي الذي ما زلت أحمله في قلبي الضعيف، وكل ما تبقى لي من أماني، هو أن اراها لمرة واحدة، وقد يكون هذا الأمل هو ما يبقيني حياً حتى الآن، ما أطلبه من الدنيا ليس كثيراً، كل ما أطلبه هو رؤيتها لدقائق فقط، ولأمت بعدها.
كانت من أجمل الفتيات اللواتي قابلتهن، كنت أشعر بارتعاش في قلبي عندما أراها، وحياتي كلها عشتها كرحلة بحث عنها، كل ما فعلت ومررت به في حياتي كان له علاقة بها، تعلمت الكتابة والقراءة لأكتب لها، ورغم اكتشافي أنها لا تقرأ ولا تكتب، إلا أنني استمررت بالكتابة لها، نقلت لها أشعاراً، وكتبت لها وجداً وعشقاً، وأوغلت في حالة الحب حتى ظنتني والدتي مريضاً، لم أكن أعرف ما كان ينتابني، لم أعرف ماهية شعوري وتفكيري، لكن كان هناك شيء سحري وغامض يستحوذ علي، كانت حالة من الفتنة والخبل، كان شعوراً بعصرة حادة في القلب، ومرارة تفقد الشهية وتؤدي إلى الهزال، شيء يشبه الجنون والهلوسة، التي تجعلني أراها أمامي، حتى ظننت في البداية أنها جاءت إلى بيتنا بالفعل، ثم ظننت أن لديها قدرة خارقة للانتقال عبر الحوائط، دون أن يراها أحد.
لصبي يبلغ العاشرة من عمره، كان أمراً مخيفاً ومقلقاً وغامضاً، كان غريباً وعصياً على التفسير لعقلي الصغير، لم يكن فيّ شيئ محايد، كنت أشعر بحزن أسود وهي بعيدة عني، وكنت أكاد أطير فرحاً عندما أراها، أو عندما كانت تبتسم لي، كان شيئ ما يمنحني قوة كبيرة وطاقة هائلة، بمجرد رؤيتها، لكن الغريب أن الشعورين الحزن والفرح كانا يشتركان بأعراض فقدان الشهية، حتى احتارت والدتي بحالتي.
كنت قبل أن أتعرف بموسى، أجلس قبالة البحر وأضع بقجتي بقربي، وأحدق بالبحر الذي كان لا يعكس إلا وجهها، كنت أظل ساعات ساهماً غائباً عن الواقع، حالماً بعينيها الواسعتين، كان البحر وما زال مرتبطاً بها، وعندما أعود إلى المنزل، كان والدي يعنفني ويضربني أحياناً لأنني لم أبع قطعة قماش واحدة، ويقارنني بأخي الأكبر:
- أخوك يأتي بالبقجة خالية، وأنت تأتي بها كما أخذتها.
كان أخي سليمان يكبرني بأربع سنوات، وكانت لدينا نعال نجدية واحدة، كان والدي يعطيها لمن يبيع أكثر من قطع القماش، حتى يحمس المنافسة بيننا، ولا أذكر أنني لبستها إلا عندما ينام أخي، فقد كنت بائعاً متجولاً فاشلاً وخائباً، وكلما فشلت ازددت ضعفاً وإحباطاً وبقيت حافياً، لكن في الشتاء كانت والدتي تلف قطع قماش على قدمي، وخصوصاً في موسم الأمطار.
وفي يوم حاصرني صبيان أكبر مني سناً، وجروني من جديلتي وضربوني ورفسوني، وسبوني:
- كافر ..نجس.
وسرقوا البقجة مني، وانطلقوا هاربين، في ذاك اليوم حمتني أمي من غضب والدي الذي كان يشد على قبضتيه وأسنانه:
- ما ذنب يعقوب؟ هؤلاء الشياطين الذين لا يخافون الله هم من يجب أن تصب غضبك عليهم، أنت تعرف وضعنا جيداً، وأنت نفسك تتعرض للمشاكل والإهانة.
رد عليها بالغضب نفسه:
- من قال لك إن الدنيا عادلة معنا، لكننا يجب أن نكسب عيشنا، ولا نتهاون به.
وذهب أبي إلى أحد كبار الحي، واشتكى له مما حدث، ووعده الرجل خيراً، وفي المساء عاد الرجل ببعض قطع القماش، وأعطاها لأبي قائلاً:
- هذا ما استطعت الحصول عليه، وتم عقاب الأولاد.
حكى لنا أبي القصة وهو يقول:
- الله يعوض علينا.
أبي كان تاجر أقمشة، ولديه محل صغير في السوق لبيعها، وكان يكلفنا في الوقت نفسه أنا وأخي سليمان بالبيع المتجول، كي يزيد من فرص البيع، وكان يجلب البضاعة من البصرة وبغداد وإيران، وكان عمي اسحاق هو المكلف بالسفر للشراء بالجملة.
كان عمي اسحاق أكبر من أبي، وكان لديه محل أكبر من محل أبي، ولكن الله لم يرزقه ولداً كي يبيع له القماش متجولاً، فكان يقول لأبي دائماً:
- أنت محظوظ، لأن الله رزقك أولاداً بينما أعيش أنا بوحشة، خاصة عندما ماتت زوجتي سليمة، الله يبارك روحها.
فيرد عليه والدي محاولاً التخفيف عنه:
- لكن الله عوضك بالمال.
فيتنهد عمي قائلاً:
- شتان ما بين النعمتين.. أنت أغنى مني بعيالك.
كانت لهجة عمي أقرب إلى العراقية، لأن زوجته كانت عراقية، وكان كثير الأسفار إلى العراق، وفي الواقع تعرف عليها هناك لأن بيئة جماعتنا العراقيين كانت أكثر انفتاحاً من بيئتنا الكويتية، وكنت أتمنى لو كان لديه أولاد كي ألعب معهم.
كنت أحب ألعاب الصبيان، وكثيراً ما كنت أراقبهم وهم يلعبون ألعاباً تبدو مسلية، وعندما سألت موسى عن هذه الألعاب قال لي:
- هذه لعبة "عنبر"، وتلك لعبة "اللّقصة" والثالثة "لبّيده".. (2).
أتذكر أسماءها حتى الآن، وأتخيل ذاك الزمان الجميل، وأتذكر بلدي الكويت الذي ولدت وعشت فيه طفولتي وشبابي.
من البداية أرجوك
قاطعه مساعد المخرج بعد أن اقفل جهاز التسجيل قائلاً:
- ألا تلاحظ سيد يعقوب، أنك تتحدث بشكل عشوائي؟ فتتداخل الحكايات والأسماء والتواريخ، فتارة وأنت بياع قماش، وتارة حبك لساره، ومرة مع موسى وأخرى مع والدك.
رد يعقوب وهو لا يكف عن الارتجاف اللا إرادي:
- لم أفهم ماذا تقصد.
قال مساعد المخرج فاقداً صبره:
- من البداية أرجوك.. من البداية.
التفت يعقوب إلى المخرج السينمائي، مستعيناً به، فوضح له الأخير:
- حبذا لو تبدأ من البدايات، بالتعريف عن نفسك، سنة ولادتك، مكان ولادتك، كيف تصف بيتكم القديم وحيكم القديم، كيف كانت الكويت في ذلك الوقت؟
أكمل مساعد المخرج:
- نريد خلق بيئة في الفيلم تشبه البيئة التي ولدت وعشت فيها بالبداية، نريد بيئة ومباني وأزياء أقرب إلى الواقع، لا نريد أن نخمن ونخطئ كما يفعلون في هليوود، فيصورون العرب كما يرونهم في مخيلتهم، أو حسب انطباعهم أو موقفهم منهم.
نظف يعقوب نظارته السميكة وهو يقول:
- حسناً.
ثم تنحنح.
من البداية كما يريدانها
أما بعد..
اسمي يعقوب داود عزرا، ولدت في الكويت عام 1923م، وكذلك ولد أبي في الكويت في نهايات القرن التاسع عشر، وقد هاجر جدي عزرا من العراق إلى الكويت تقريباً في عام 1889م أو قبل ذلك بقليل، عرفت ذلك بحسبة صغيرة حول فارق العمر بيني وبين أبي، وبين جدي وأبي، ولكن عندما سألت أبي عن سنة قدومنا للكويت، قال قدم جدك وجدتك ومعهما عمك اسحاق من العراق، في عهد الشيخ عبدالله بن صباح الثاني، وولد أبي بعد ذلك بعام، بينما ولد عمي اسحاق في العراق.
بعد أن أصبح عددنا مئة وخمسين عائلة يهودية في الكويت، سمعت الحاخام يتحدث في الكنيس، الذي لا أعلم متى بني قريباً من منطقة شرق، كان يقول:
- في القرن الماضي أصابت العراق وبر فارس أزمة اقتصادية حادة، أجبرت العديد من الناس على الهجرة بأعداد كبيرة، حتى بقي بالبصرة على سبيل المثال سبعة آلاف إلى ثمانية آلاف نسمة فقط، وكانت الوجهة المثلى هي الكويت لازدهارها واستقرارها وأمانها، فهي غير خاضعة للعثمانيين الذين يكرهون اليهود، وقد رحب بنا على هذه الأرض، فقدم معظمنا من العراق، وقليل منا قدم من إيران.
وهذا يبرر نزوح العائلات اليهودية في فترات زمنية متقاربة، حتى أصبح لدينا حي خاص بنا سمي "فريج اليهود"، وسوق خاص لنا هو سوق اليهود، وكان يقع قرب سوق "البوالطو" وسوق "الصفافير" أي الحدادين.
وأغلب عمل هذه العائلات كان في التجارة وصياغة الذهب، وسمعت أن أحد اليهود واسمه الخواجه صالح محلب، أسس في العام 1912م مصنعاً للثلج، ولكن المتزمتين من المسلمين حاربوه، وحرموا شراء الثلج، فباعه لشخص مسلم اسمه محمد حسين معرفي، ونجح المصنع الذي كان يقع بمواجهة البحر واستمر.
أما عائلتنا فقد ورثت تجارة القماش أباً عن جد، كان جدي تاجر أقمشة ووالده كذلك، ثم والدي وعمي، ثم أخي سليمان، أما أنا فرغم محاولاتي النجاح في هذه التجارة، إلا أنني بقيت فاشلاً بها، وبالأحرى لم تكن التجارة بكل أنواعها تستهويني، واكتشفت لاحقاً أنني أهوى العلم والمعرفة، ولاحقاً السياسة والفكر الفلسفي.
تزوج أبي من عائلة يهودية كويتية، تدعى حصغير، وأنجب أخي الأكبر سليمان الذي تغير إلى شلومو، ثم أختي ديزي ثم أنا الأصغر بينهم، وبالنسبة إلى أبي كنت خيبة أمل حقيقية، لأني لم أستطع تعلم تراث العائلة المهني، ولأني لم أنسجم مع أبناء العائلات اليهودية، وكان صديقي المفضل هو موسى المسلم، الذي كان مثلي ضعيف البنية دائم السعال والمرض، وقد قال لي إن والده إمام المسجد ورجل الدين، لم يستطع الإنجاب من زوجته وابنة عمه لسنوات، ولكن فجأة حملت أمه به وهي في أواسط الأربعينيات من عمرها، وعندما ولدته كان صغير الحجم شاحب اللون، ولم يصرخ صرخة الحياة الأولى، بل ظل هادئاً لا يسمع له بكاء، حتى خشي والداه أن يموت، بل توقعا أنه لن يعيش، ولكنه رغم ضعفه عاش وتزوج.
كنا نلتقي بشكل يومي تقريباً في مكاننا المعتاد على شاطئ البحر، وأحياناً كنت لا أذهب إلى المدرسة العبرية، حيث نتعلم القراءة والكتابة العبرية، وتعاليم الدين اليهودي، وكنت أمل كثيراً من الكلام في الدين، خاصة أن فيه أشياء لم أستطع تقبلها بعقلي، إذ لاحظت أن الدين يحمل أحياناً عداء للآخر، أو لمن لايؤمن به، فكان تفكيري يقول:
- إذا فنحن محاطون بالأعداء.
لكن موسى مستحيل أن يكون عدواً، فهو علمني القراءة والكتابة بالعربية، وهو أساس ثقافتي، وأذكر في أول لقاء لنا سألني عن اسمي، فأجبته، فرسم خطوطاً بعصاً صغيرة على رمال الشاطئ الناعمة، فسألته:
- ما هذا الذي رسمته.
أجاب مبتسماً:
- يعقوب، اسمك هكذا يكتب.
ثم هجّاه:
- ياء عين قاف واو باء، يعقوب.
فسألته:
- وكيف تكتب اسمك؟
فخط شيئاً على الرمال، ثم قال:
- هذا اسمي.
فنظرت في وجهه عاجزاً، فقال:
- موسى، اسمي موسى.
قال ذلك وهو يشير بالعصا إلى الأحرف، سألته مستفسراً:
- أنت يهودي؟
رد قائلاً:
- أنا مسلم.
سألته مستغرباً:
- كيف تكون مسلماً واسمك موسى، وهو اسم نبي اليهود؟
فوضّح لي:
- سُمّيت موسى على اسم جدي.
وللتأكد سألت:
- وما اسم أبيك؟
أجاب:
- عيسى.
رفعت حاجبي مستغرباً وقلت:
- وعيسى نبي المسيحيين.
رفع كتفيه قائلاً:
- عادي.
من هنا بدأ الاقتراب الشعوري، والإحساس بأمان وألفة، هل بسبب اسمه؟ أم بسبب وداعته، أم بسبب شحوبه وضعفه وشكله الذي يستدعي التعاطف، كانت ياقة دشداشته أكبر من عنقه النحيف، وكان صوته منخفضاً، وابتسامته وديعة، سألني:
- ألا تعرف القراءة والكتابة؟
فأجبته:
- أعرف القراءة والكتابة بالعبرية.
ولما سألني مستفسراً:
- وما هي العبرية؟
قلت:
- لغة اليهود.
- أنت يهودي؟
- نعم.
سأل بالبراءة نفسها:
- لديك رب؟
- نعم.
- تصلي؟
- نعم.
- مثل صلاتنا؟
- لا أعرف كيف هي صلاتكم.
ظللنا صامتين، نتأمل اكتشافاتنا دون دهشة كبيرة، ولعل تلك كانت فضيلة الطفولة، وقد تكون طبيعة موسى المختلفة عن بقية الصبيان، سألته:
- كيف تعلمت القراءة والكتابة بالعربية؟
قال دون تفكير:
- أبي علمني، حتى أحفظ القرآن.
صمت للحظة ثم أردف:
- أبي يعلم الصبيان، وأنا معهم، لكنه يعلمني أشياء أخرى بعد الكتاتيب.
- مثل ماذا؟
- مثل التاريخ وقصص الأنبياء.
صمتنا قليلاً ثم سألت:
- هل تعرف قصة النبي موسى؟
بثقة أجاب:
- أعرفها.
صمتنا فترة أخرى ثم قلت:
- أبي بعد العشاء يعلمني الحساب دون استخدام الورقة والقلم.
مستغرباً:
- كيف؟
- كان يسمح باستخدام الأصابع، يسأل: عشرة زائد عشرة، فأجيب: عشرون، ثم يسأل: وفوقها عشرة، فأجيب: ثلاثون، أبي يقول الحساب أهم شيء في الدنيا.
غرس أصابع رجليه في الرمل الرطب البارد قبل أن يقول:
- أستطيع تعليمك القراءة والكتابة.
سألت متلهفاً:
- متى؟
قال لي بطريقة الأستاذ:
- غداً، هات معك دفتراً وقلماً.
لم يكن لدي غير دفتر المدرسة العبرية، والذي أكتب فيه تعاليم الحاخام، لكن لا بأس، حتى أبي الذي كان يراني أخرج من البيت ودفتري تحت ابطي، قال لي فخوراً:
- "عفارم عليك".
ظاناً أنني سأدرس ما تعلمته من الحاخام، وفي اليوم التالي تعلمت حروف الهجاء، وتوالت دروس موسى لي، فتعلمت أكتب اسمي واسم ساره، وكنت أسأله عن كلمات بعينها، لكن بعد تمكني من القراءة والكتابة، أصبحت أكتب الرسائل لساره، بيد أني أتذكر أني ارتكبت أخطاء في الإملاء والنحو، وأحياناً أكتب أي شيء ليس له معنى، خاصة بعد أن عرفت أنها لا تقرأ ولا تكتب بأي لغة، لكنها كانت في غاية السعادة وهي تستلم الرسائل مني.
قالت لي لاحقاً إنها كانت تفتحها، وتنظر فيها محاولة فك رموز خربشاتي، لكني في مرة كتبت اسمها على ورقة، وقلت لها:
- هكذا يكتب اسمك بالعربية.
ولذا كانت تنظر إلى الرسائل، ولا تعرف غير إسمها، وفي مرة أخرى كتبت لها أحبك، وبعد سنوات لم تكن تعرف من الكلمات العربية المكتوبة، غير ساره أحبك.
استراحة
رفع المخرج مناحيم ليفي يده إلى مساعده، بإشارة تعني إيقاف التسجيل، ثم قال:
- حسناً، جيد جداً، لنأخذ استراحة ونعود للتسجيل لاحقاً.
قال المخرج ذلك، بعد أن لاحظت أن الانفعال والذكريات زادت من رعشة يد يعقوب وصوته، وعندما كان يتحدث باسترسال، لم يكن ينظر إلى المخرج إلا قليلاً، وكأنه كان يحكي لطيوف وأرواح، فقد اعتاد الوحدة لسنوات طويلة، وحدة داخليه ليس لها علاقة بوجود الآخرين.
كان مناحيم ينظر إليه وهو يتكلم، فيشعر أن هذا الرجل يحمل كنوزاً من الحكايات، ورغم سنواته الست والثمانين، إلا أن فيه شيئاً مميزاً لا يوجد إلا عند المبدعين والفنانين ذوي الكاريزما، في هيئته وملامحه الشرقية جاذبية كبار السن، كان مناحيم يلاحظ حركات يده المرتعشة وأصابعه الطويلة، كانت عروقها خضراء نافرة، وعلى سطحها تجاعيد ونمش كبار السن، كان يلبس بدلة من طراز الخمسينيات وينتعل حذاء رياضياً، ويمشط شعره الأبيض على جانبي صلعته مستعيناً بكريم، كي يثبت شعره، يحمل بيده منديلاً يستخدمه في مسح فمه ونظارته السميكة، ويمسح به عرقاً غير موجود على صلعته.
وما شده أكثر، طريقة سرده للحكايات بتقطيع سينمائي، ومن خلال سيناريو وحوار تلقائيين، يتكلم بلغة عربية ذات لهجة كويتية، أو عراقية أقرب إلى الكويتية، كان هذا شرطه لإجراء هذه المقابلة، إذ برر ذلك بأن تعبيره باللغة العربية أو الإنجليزية أفضل من العبرية، وبالنسبة لمناحيم لابأس من ذلك، خاصة أن أصوله جزائرية، وأهله كانوا يهتمون بتعليم اللغة العربية لأولادهم.
مناحيم ليفي مخرج سينمائي يساري، كلفه الحزب الشيوعي الإسرائيلي "راكاح"، بإعداد فيلم عن حياة المناضل يعقوب داود عزرا، بمناسبة عيد ميلاده السادس والثمانين، والذي يصادف بعد يومين من بداية هذه المقابلة.
ولما قابل يعقوب قبل بضعة أيام، كان جالساً في مقهى دجلة الذي يملكه ساسون العراقي اليهودي، وقد ورثه عن والده بنيامين، ومعظم مرتاديه من العرب اليهود، كان مقهى عراقياً تقليدياً، يقدم به الشاي الثقيل وأكلة "اللبلبي" (3)، ومؤخراً بدأ صاحب المقهى بإدخال الشيشة، لكنه يذيع أغاني عربية باستمرار، وكان في بدايات تأسيسه للمقهى، يذيع أغاني عراقية من خلال حاكي اسطوانات، ثم تطور إلى أشرطة كاسيت، والآن يستخدم الأقراص المضغوطة، بجهاز يحمل مجموعة من "السي ديات".
كان يعقوب مستنداً إلى عصاه، واضعاً كفيه على قمتها المعقوفة، اقترب منه مناحيم وقال:
- "شالوم عليخا" (4).
فرد يعقوب بصوت محشرج:
- "شالوم" (5).
- "إيخ هماتساف" (6)؟
- "تودا لإيل"، (7) "أني بسيدر" (8).
جلس مناحيم إلى طاولة يعقوب دون استئذان، وجلس مساعده بقربه، وعرفه بنفسه:
- أنا مناحيم ليفي، مخرج سينمائي، أنت يعقوب عزرا، أليس كذلك؟
ابتسم يعقوب ابتسامة رجل عجوز، قبل أن يسأل بما يشبه المزاح:
- أنت مخرج أم رجل مباحث؟
ضحك مناحيم، فأكمل يعقوب:
- أنا أشم رائحة رجال الأمن من بعيد.
قال له مناحيم من خلال ضحكته:
- لا اطمئن، لست رجل مباحث، أنا مخرج معروف، اسأل عني.